هالاند هداف خطير لكنه أثر سلباً على خطط فريقه التكتيكية

مانشستر سيتي مضطر للتخلي عن طريقته في الاستحواذ من أجل النرويجي العملاق

هالاند يسجل برأسه في مرمى توتنهام بعد 3 مباريات صام فيها عن التهديف (إ.ب.أ)
هالاند يسجل برأسه في مرمى توتنهام بعد 3 مباريات صام فيها عن التهديف (إ.ب.أ)
TT

هالاند هداف خطير لكنه أثر سلباً على خطط فريقه التكتيكية

هالاند يسجل برأسه في مرمى توتنهام بعد 3 مباريات صام فيها عن التهديف (إ.ب.أ)
هالاند يسجل برأسه في مرمى توتنهام بعد 3 مباريات صام فيها عن التهديف (إ.ب.أ)

دعونا نتفق في البداية على أن المهاجم النرويجي إيرلينغ هالاند ظاهرة في عالم كرة القدم. فلا يقتصر الأمر على أنه سجل 22 هدفاً بالفعل في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم، بالإضافة إلى خمسة أهداف أخرى في دوري أبطال أوروبا، لكنه يجعلك تشعر بأنه لاعب لا يمكن إيقافه، نظراً لأنه يمتلك سرعة فائقة وقوة بدنية هائلة، بالإضافة إلى تركيزه الشديد أمام المرمى وقدرته على إحراز أهداف من أنصاف الفرص.
وعلاوة على ذلك، فإن شخصيته الهادئة تجعله أكثر رعباً للمنافسين. فرغم أنه يحطم الأرقام القياسية المتعلقة بإحراز الأهداف، لكنه يفعل ذلك وهو يستمتع وكأنه طفل في الثامنة من عمره يلعب بدون أي ضغوط. في الحقيقة، لا يوجد في تاريخ كرة القدم ككل سوى عدد قليل للغاية من المهاجمين الذين جمعوا بين هذه القوة البدنية الهائلة والمهارة والإمكانيات الفنية الكبيرة.
كان هناك اللاعب الأرجنتيني برنابي فيريرا، الملقب بـ«مدفع روفينو» نظراً لقوة تسديداته. فعندما تعاقد معه ريفر بليت مقابل 23 ألف جنيه إسترليني في عام 1932، كانت هذه هي المرة الأولى التي يكسر فيها نادٍ من خارج بريطانيا الرقم القياسي لأغلى لاعب في العالم. وكان هناك الظاهرة البرازيلي رونالدو، الذي كان يسجل هدفاً في كل مباراة في المتوسط حتى في فترة التسعينيات من القرن الماضي التي كانت تسيطر عليها كرة القدم الدفاعية، قبل أن تتسبب إصابات الركبة في إنهاء مسيرته الكروية مبكراً. وكان هناك أيضاً إدوارد ستريلتسوف.
يُعرف ستريلتسوف الآن بكونه المهاجم القوي الذي اعتقل عشية كأس العالم 1958 وأدين بالاغتصاب وسُجن لمدة ستة أعوام قبل أن يعود ويقود فريقه توربيدو موسكو للفوز بلقب الدوري السوفياتي. إن الوقت الذي أمضاه في معسكرات الاعتقال، والمحاولات المختلفة لتبرئة اسمه، سيطرت بشكل مفهوم على النقاشات والحوارات حوله، لكن مسيرته الكروية كانت مليئة أيضاً باللمحات الفنية، لأنه كان لاعباً يمتلك قدرات وفنيات هائلة.
وفي نادي دينامو كييف في العقد التالي، اخترع فيكتور ماسلوف المفاهيم الحديثة للضغط على الفريق المنافس. صحيح أن أفكاره لم تكن قد وصلت إلى هذه النقطة عندما أعيد تعيينه مديراً فنياً لتوربيدو موسكو في عام 1957، لكنه كان يتعامل مع الفريق على أنه وحدة واحدة ومتكاملة، مدركاً تماماً أن ما يقوم به أي لاعب في أي جزء من الملعب يمكن أن تكون له آثار تكتيكية كبيرة على مكان آخر داخل المستطيل الأخضر.
لقد اعترف ماسلوف بأن سترلتسوف يمتلك موهبة هائلة، لكنه لم يكن مغرماً به مثل الآخرين، وربما يعود السبب في ذلك جزئياً إلى أنه أدرك مبكراً أن الطريقة التي يلعب بها سترلتسوف تؤثر كثيراً على طريقة الفريق ككل، ويبدو في بعض الأحيان أن صبره قد نفد من الطريقة التي كان يلعب بها سترلتسوف في الأشهر الصعبة بين النجاح الأولمبي في عام 1956 واعتقال اللاعب. ومن المثير للملاحظة أن ماسلوف قاد توربيدو موسكو للفوز بلقب الدوري السوفياتي لأول مرة في عام 1960، بعد دخول ستريلتسوف السجن!
وعندما عاد سترلتسوف من معسكر الاعتقال، كان قد أصبح لاعباً مختلفاً تماماً، حيث أصبح أقل سرعة، وكان يعود للخلف كثيراً للقيام بواجباته الدفاعية. وبدأ المهاجم الذي كان مشهوراً بقوته البدنية الهائلة يتحدث عن أنه يُفضل التسديدات التي تدخل المرمى ببطء على التسديدات القوية التي تكاد تمزق الشباك! لقد خارت قواه البدنية كثيراً، وبالتالي كان يتعين عليه أن يتعلم طريقة جديدة للعب لا تعتمد كثيراً على القوة البدنية، وقد نجح في ذلك إلى حد ما، وساعد توربيدو موسكو على الفوز بلقب الدوري للمرة الثانية في عام 1965.

غوارديولا غير خططه من أجل هالاند

لكن اللعبة كانت قد تغيرت كثيراً ولم يستطع سترلتسوف أن يتغير بالدرجة التي تجعله قادراً على التكيف مع هذا العالم الجديد من الأنظمة المختلفة والمسؤولية. فاز سترلتسوف بجوائز فردية لأنه كان لا يزال قادراً على القيام ببعض المهارات الفردية اللافتة للأنظار (وبسبب التعاطف الكبير الذي اكتسبه اللاعب بعد عودته من معسكرات الاعتقال لمواصلة مسيرته الكروية)، لكنه تسبب في إحباط كبير لنيكولاي موروزوف، الذي يعد واحداً من المديرين الفنيين العظماء والمبتكرين في تاريخ نادي توربيدو موسكو، والذي أشرك سترلتسوف في أول مباراة رسمية له وهو في السادسة عشرة من عمره في عام 1954، قبل أن يعود موروزوف إلى النادي مرة أخرى في عام 1967. وكان من الملاحظ أن موروزوف، عندما كان يتولى قيادة منتخب الاتحاد السوفياتي، لم يقم بأي محاولة للسماح لسترلتسوف بالمشاركة في نهائيات كأس العالم 1966.
وتخبرنا هذه القصة بشكل غير مباشر بأنه منذ أن أصبحت كرة القدم تعتمد على الانضباط التكتيكي والخططي في الستينات من القرن الماضي، فإن اللاعبين الذين لديهم موهبة فردية استثنائية ويمتلكون قدرات فنية وبدنية كبيرة يمكن أن يضروا بالفريق الذي يلعب بطريقة منظمة.
لم يفز كريستيانو رونالدو بأي لقب للدوري حتى عام 2002! ورغم أن المهاجم الهولندي الخطير رود فان نيستلروي لديه معدل تهديفي مذهل يصل إلى هدفين تقريباً كل ثلاث مباريات على مدار خمسة مواسم لعبها بقميص مانشستر يونايتد، فإنه لم يفز ببطولة الدوري إلا مرة واحدة فقط خلال تلك الفترة. وبعد ذلك، كان رونالدو هو الهداف الأول في ثلاثة مواسم مع يوفنتوس، وفي موسم آخر مع مانشستر يونايتد، لكن طريقته جعلت الفريق يلعب بشكل عام أسوأ!
والآن، هناك شعور بأن معدل أهداف هالاند بدأ في الانخفاض، رغم أن مثل هذه الأمور تعد نسبية تماماً: فهل لو فشل أي مهاجم آخر في إحراز أهداف لمدة 333 دقيقة (المدة بين الهدف الذي سجله هالاند في مرمى إيفرتون والهدف الذي سجله في توتنهام) كان سيُقال إنه يعاني من عقم تهديفي؟ في الحقيقة، يسير هالاند بقوة لكسر الرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف لأي لاعب في موسم واحد في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز.
مع ذلك، سجل مانشستر سيتي ككل 50 هدفاً واستقبل 20 هدفاً ونحن لا نزال في منتصف الموسم، بينما سجل 99 هدفاً واستقبل 26 هدفاً في الموسم الماضي بأكمله. وبالتالي، فإن وجود هالاند، ذلك الهداف العظيم، لم يغير كثيراً من إجمالي عدد الأهداف التي يسجلها مانشستر سيتي في كل مباراة، لكنه في الوقت نفسه يبدو وكأنه قد أثر سلبياً على عدد الأهداف التي يستقبلها الفريق.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير الإحصائيات إلى أن هالاند لم يلمس الكرة سوى 20 مرة فقط أمام مانشستر يونايتد الأسبوع الماضي. بينما عندما فاز سيتي على يونايتد على ملعب «أولد ترافورد» الموسم الماضي كان معدل لمس اللاعبين للكرة لا يقل عن 71 مرة. دائماً ما يعتمد المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا على الاستحواذ على الكرة، لكن هالاند يطالب بتمرير الكرات إليه بشكل مباشر وبطريقة تتعارض تماماً مع رغبة المدرب في بناء الهجمة ببطء من أجل تجنب شن الفريق المنافس لهجمات مرتدة سريعة وخطيرة في حال قطعه للكرة. كما أن عدم مشاركة هالاند في بناء الهجمات بهذا الشكل تعني في حقيقة الأمر أن الفريق يلعب بنقص عددي أثناء استحواذه على الكرة.
كانت هناك لحظة خلال الشوط الثاني من مباراة ديربي مانشستر عندما توقف اللعب وصرخ غوارديولا وهو يكاد يدخل إلى أرض الملعب في وجه هالاند ويطالبه على ما يبدو بالعودة للخلف من أجل المشاركة في اللعب بشكل أكبر، حتى لا يظل معزولاً في الأمام. لقد بدا المهاجم النرويجي منزعجاً من هذه المطالب، لكنه ظهر في عدة حالات بعد ذلك وهو يتراجع للخلف - على طريقة هاري كين - ويمرر كرات إلى زملائه الذين ينطلقون إلى الأمام في المساحات الخالية. هذا لا يعني أن هالاند لن ينجح مع مانشستر سيتي، كما أن التعارض بين رؤيتين مختلفتين قد يؤدي إلى الوصول إلى حلول بها قدر كبير من الإبداع. وعلاوة على ذلك، فإن فعالية هالاند أمام المرمى قد تمنح سيتي الأفضلية في المواجهات الأوروبية الكبيرة التي عادة ما كان يخسرها في السابق. لكن بصفة عامة، هناك ميل إلى المبالغة في التأكيد على دور اللاعب الهداف. لكن لا يمكن أن نُسلم بأن اللاعب الهداف الذي يمتلك فنيات وقدرات كبيرة سيجعل فريقه بالضرورة أفضل!


مقالات ذات صلة


حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
TT

حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)

تحتفظ الذاكرة الرياضية الآسيوية بمفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم كل أربعة أعوام صوب المحفل الكروي الأكبر، يظل ثاني أكبر تكتل بشري على وجه الأرض خارج دائرة الضوء.

الهند، هذا العملاق الديموغرافي والجغرافي الذي يتنفس رياضة الكريكيت بشغف يصل حد التقديس، يواصل غيابه اللغز عن نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

ورغم أن القارة الصفراء باتت تحظى بنصيب وافر من المقاعد، ورغم التاريخ المنسي الذي يربط «النمور الزرقاء» باللعبة، فإن الهوة بين الطموح والواقع لا تزال سحيقة.

فما الذي يحرم دولة يقطنها أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة من حجز مقعد لها في محفل الساحرة المستديرة؟

اللغز البرازيلي عام 1950: خطيئة «الفرصة المهدرة»

تبدأ السردية التاريخية لكرة القدم الهندية من مفترق طرق دراماتيكي عام 1950. في ذلك العام، كان المونديال يعود إلى الحياة في البرازيل بعد مخاض الحرب العالمية الثانية.

ووضعت الأقدار منتخب الهند على أعتاب التاريخ بتأهل تلقائي بعد انسحاب منافسيه في المجموعة الآسيوية (إندونيسيا والفلبين وميانمار). لكن الرحلة لم تكتمل، وانسحبت الهند قبل أيام من ركل الكرة الأولى.

عقود طويلة عاشت الجماهير على أسطورة تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منع الهنود من اللعب لأنهم اشترطوا خوض المباريات «حفاة الأقدام» كما فعلوا قبلها بسنتين في أولمبياد لندن 1948، لكن الحقيقة التاريخية الموثقة في أروقة الاتحاد الهندي لكرة القدم تكشف عن حسابات مغلوطة؛ إذ اعتبرت الإدارة الرياضية آنذاك أن تكلفة السفر الباهظة عبر المحيطات إلى أميركا الجنوبية لا تبرر المشاركة في بطولة كانت تنظر إليها نيودلهي بوصفها حدثاً أقل شأناً من دورة الألعاب الأولمبية أو الألعاب الآسيوية، كانت خطيئة استراتيجية دفعت الكرة الهندية ثمنها تهميشاً دام عقوداً.

العصر الذهبي المنسي: صدمة فرنسا ومباركة ملك بريطانيا

لم تكن الهند نكرة في عالم كرة القدم، بل عاشت «عصراً ذهبياً» امتد بين عامي 1951 و1964 تحت قيادة المدرب الأسطوري سيد عبد الرحيم. غير أن الشرارة الحقيقية التي أبهرت الغرب سبقت ذلك العصر بقليل، وتحديداً في أولمبياد 1948، حين واجه المنتخب الهندي منتخب فرنسا العتيد، وخسر بصعوبة بالغة بنتيجة (2 - 1) بعد إهدار ركلتي جزاء

قائد الهند (يمين) في أول مباراة دولية للمنتخب بوصفهم مواطنين يمثلون دولة الهند المستقلة في أولمبياد لندن 1948 (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

في تلك الملحمة، لعب أغلب عناصر الهند حفاة الأقدام برباط طبي، ونالوا إعجاب الصحافة البريطانية.

وعندما سُئل قائد الفريق تاليميرن آو عن سر غياب الأحذية، أطلق جملته الشهيرة الساخرة: «نحن نلعب كرة القدم بينما أنتم تلعبون كرة الأحذية».

وامتدت الأصداء إلى قصر باكنغهام عندما استقبل الملك جورج السادس الفريق، ورفع مازحاً طرف سروال اللاعب سيلين مانا ليتأكد إن كانت ساقاه من فولاذ حقاً كما يُشاع، وكان النجم سارنغاباني رامان هو صاحب الهدف الهندي الوحيد بـ«الأقدام العارية».

صورة من أرشيف صحيفة «إكسبريس» الهندية الصادرة في الأول من أغسطس 1948

هذا المشهد التاريخي استغلته الفضاءات الرقمية في السنوات الأخيرة؛ إذ ضجت بمنشورات تزعم أن لاعبي الهند خاضوا المباراة حفاة لأن الحكومة حديثة الاستقلال لم تكن تملك الموارد لشراء أحذية رياضية.

غير أن التحقيقات التوثيقية لـ«تقصي الحقائق» فككت هذه الرواية المزيفة بالكامل؛ إذ لم تكن الأزمة شحاً مالياً، بل مسألة «راحة واعتياد فني» للاعبين ترعرعوا على اللعب دون أحذية لرؤيتهم أنها تمنح مرونة أكبر للتحكم بالكرة. الأرشيف البصري يفضح هذا المجاز، فالصورة الشهيرة المتداولة نُشرت مجتزأة لإثبات الفقر، بينما تُظهر نسختها الأصلية الكاملة المدافع الشهير «ثينمادوم ماثيو فارغيز» (بابان) وهو يرتدي حذاءه الرياضي كاملاً على اليمين إلى جوار زملائه.

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ضد فرنسا في أولمبياد لندن 1948 وهم حفاة الأقدام (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

وبحسب تقارير صحيفة «إكسبريس الهندية» الصادرة في الأول من أغسطس 1948، فإن 8 لاعبين فقط من أصل 11 فضلوا اللعب بلا أحذية طواعية.

ورغم نجاح تجربة الحفاء أولاً، فإن قرار فرض الأحذية قسرياً صدر سريعاً بعد صدمة أولمبياد هلسنكي 1952، عندما تجمدت أقدام الهنود من البرد وخسروا بنتيجة ثقيلة أمام يوغوسلافيا (10 - 1).

منتخب يوغوسلافيا يسجل في شباك الهند على ملعب «تولون بالوكينتا» في هلسنكي خلال أولمبياد 1952 (ويكيبيديا)

ومع التزامهم بالدخول في «عصر الأحذية»، لم تقف معجزات تلك الحقبة، ففي الجولة الأوروبية التمديدية صدمت الهند نادي أياكس أمستردام الهولندي العريق وهزمته بنتيجة (5 - 1).

تلاها الإنجاز التاريخي الأبرز في أولمبياد ملبورن 1956، باحتلال الهند المركز الرابع آسيوياً، وشهدت البطولة تسجيل النجم نيفيل ديسوزا لأول «هاتريك» آسيوي في تاريخ الأولمبياد، وكان ذلك في شباك أستراليا.

منتخب الهند لكرة القدم في أولمبياد 1956 خلال مباراة ضد بلغاريا (ويكيبيديا)

أسر الكريكيت: كيف التهمت اللعبة الواحدة ميزانيات الرعاية؟

لا يمكن فهم المشهد الرياضي في شبه القارة الهندية دون تلمّس «السطوة الطاغية» للعبة الكريكيت، منذ التتويج التاريخي للهند بكأس العالم للكريكيت عام 1983، تحولت هذه الرياضة من مجرد إرث استعماري بريطاني إلى «دين وطني» يجمع الأمة.

الرئيس الهندي الأسبق غياني زيل سينغ يستقبل المنتخب الهندي للكريكيت بعد التتويج بلقب كأس العالم 1983 (ويكيبيديا)

هذه الهيمنة أحدثت تجفيفاً كاملاً للمنابع المالية للرياضات الأخرى. تتدفق أموال الشركات الرائدة وحقوق البث المليارية نحو الدوري الهندي الممتاز للكريكيت، بينما تُركت كرة القدم لسنوات طويلة تعاني شح التمويل، وغياب البنية التحتية، وملاعب لا ترقى للمعايير الدولية.

في الهند، يولد الطفل وفي يده مضرب كريكيت، بينما تظل كرة القدم خياراً ثانوياً في المدارس والأكاديميات، باستثناء بعض الجيوب الجغرافية التاريخية مثل ولايات البنغال الغربية، وغوا، وكيرالا.

المعضلة الهيكلية: غياب التكوين وتأخر الاحتراف

على الصعيد الفني، عانت الكرة الهندية طويلاً من غياب الرؤية طويلة المدى، فالدوري المحلي ظل لسنوات يعتمد على الهواة والمؤسسات الحكومية، ولم يدخل نظام الاحتراف الحقيقي إلا متأخراً مع إطلاق «الدوري الهندي الممتاز في العقد الماضي.

ورغم أن هذا الدوري نجح في جذب أسماء عالمية في أواخر مسيرتها وجلب بعض الزخم الجماهيري، فإنه لم يفلح بعد في سد الفجوة الفنية العميقة. المشكلة الأساسية تكمن في «جذور اللعبة»، حيث تفتقر البلاد إلى نظام كشافين محترف يغطي الأقاليم الشاسعة، وتغيب أكاديميات الفئات السنية التي تصنع لاعباً قادراً على المنافسة في الرتم السريع للكرة الحديثة. اللاعب الهندي، وإن امتلك الموهبة الفطرية، يصطدم بنقص التكوين التكتيكي والبدني مقارنة بنظرائه في اليابان، وكوريا الجنوبية، أو دول الخليج العربي.

استشراف المستقبل: هل تكسر زيادة مقاعد المونديال العقدة؟

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ودية مع بورتو ريكو سبتمبر 2016 (ويكيبيديا)

قد تكمن بارقة الأمل الحالية في التغييرات التي أحدثها فيفا برفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً، مما منح القارة الآسيوية حصة أكبر. هذا التحول وضع أمام صانع القرار الرياضي الهندي فرصة تاريخية ثانية لترتيب الأوراق.

الوصول إلى المونديال لم يعد حلماً مستحيلاً، لكنه يتطلب ثورة شاملة تبدأ من المدارس، وتمر عبر خصخصة الأندية وتطوير المنظومة التدريبية، وصولاً إلى تغيير العقلية الإدارية لترى في كرة القدم استثماراً قومياً وقوة ناعمة قادرة على وضع الهند على خريطة الثقافة العالمية بجانب ثقلها الاقتصادي والسياسي.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى «العملاق الآسيوي» متفرجاً من مقاعد الجماهير، بانتظار اليوم الذي تزأر فيه «النمور الزرقاء» في المونديال.


خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية
TT

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

لا تبدو موقعة «هيوستن» المرتقبة بين المغرب وكندا مجرد صدام عابر بين قارتين كرويتين مخضرمتين، بل هي امتداد لقصص زمالة وصراعات تكتيكية خفية تدور رحاها أسبوعياً في الملاعب الأوروبية الكبرى. فالعديد من الأسماء في كتيبة «أسود الأطلس» لمدربهم محمد وهبي، يتشاركون غرف الملابس أو يتواجهون وجهاً لوجه مع نجوم منتخب كندا «الحُمر» تحت قيادة جيسي مارش، مما يحول مباراة السبت إلى حوار تكتيكي مكشوف ومألوف للاعبين.

البريميرليغ يجمع فولهام... حوار عيسى ديوب ولوك دي فوجيرول

عيسى ديوب مثَّل المغرب في مواجهة الإكوادور(منتخب المغرب)

في الدوري الإنجليزي الممتاز، تبرز زمالة مباشرة وحية في خط دفاع نادي فولهام الإنجليزي. حيث يلعب المدافع المغربي عيسى ديوب (البالغ من العمر 29 عاماً) جنباً إلى جنب مع المدافع الكندي الشاب والموهوب لوك دي فوجيرول (صاحب الـ20 عاماً). هذه الزمالة اليومية في تمارين النادي اللندني تمنح ديوب معرفة دقيقة بنقاط قوة وضعف زميله الكندي، وهي أسرار تكتيكية ثمينة سينقلها المدافع المغربي لخط هجوم الأسود لتفكيك الحصون الدفاعية للمنتخب الكندي في هيوستن.

المدافع الكندي لوك دي فوجيرول (ويكيبيديا)

معارك الليغا الإسبانية... صراع لارين وأمرابط في الأندلس

خط الوسط المغربي سفيان أمرابط (غيتي)

بالانتقال إلى الملاعب الإسبانية، يتحول المشهد من الزمالة إلى الصراع المباشر والشرس في خط الوسط والدفاع؛ فالمهاجم الكندي القوي سايل لارين (البالغ 31 عاماً)، والذي يقود خط هجوم نادي ريال مايوركا الإسباني، يجد نفسه دائماً في مواجهات بدنية طاحنة ضد صمام الأمان المغربي سفيان أمرابط (29 عاماً)، الذي ينشط في صفوف نادي ريال بيتيس. هذا الاحتكاك المستمر في الـ«لا ليغا» يجعل من مراقبة لارين مألوفة تماماً لأمرابط، الذي يملك شفرة إيقاف خطورته البدنية ومنعه من المحطة الهجومية التي يعتمد عليها الكنديون.

المهاجم الكندي سايل لارين (ويكيبيديا)

مدرسة ليل وتحديات الكالتشيو... إرث جوناثان ديفيد وأيوب بوعدي

أيوب بوعدي لاعب المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

في الدوري الفرنسي، ترك الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (26 عاماً) إرثاً كبيراً في نادي ليل قبل انتقاله الأخير إلى يوفنتوس الإيطالي. وخلال فترته في فرنسا، عاصر ديفيد صعود الموهبة المغربية في خط وسط ليل أيوب بوعدي (المولود عام 2007). رغم انتقال ديفيد إلى الملاعب الإيطالية، فإن بوعدي وبقية زملائه في خط الوسط يدركون تماماً أسلوب تحرك الهداف الكندي وسرعته في التموقع، مما يمنح الدفاع المغربي قراءة مسبقة لخطورة الهداف الأول لمنتخب كندا.

الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (ويكيبيديا)

صراع بلجيكا الساخن... الواحدي يتحدى ساليبا

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

لا يقتصر الصراع على الدوريات الكبرى، ففي الدوري البلجيكي الممتاز، يشتعل التنافس بصفة مستمرة بين الظهير الأيمن المغربي المتألق زكرياء الواحدي (24 عاماً)، النجم الأبرز لنادي جينك البلجيكي، ومدافع خط الوسط الكندي الصلب ناثان ساليبا (22 عاماً)، الذي يدافع عن ألوان غريمهم التقليدي نادي أندرلخت.

مدافع خط الوسط الكندي ناثان ساليبا (ويكيبيديا)

المواجهات المباشرة بين الواحدي وساليبا في البطولة البلجيكية تنعكس بوضوح على قمة السبت؛ إذ يعرف كل لاعب منهما مفاتيح السرعة والاندفاع للآخر، مما يجعل الجبهات الجانبية للملعب كتاباً مفتوحاً للطرفين.


دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
TT

دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)

في الوقت الذي تشرئب فيه أعناق الملايين نحو الملاعب وتشتعل المدرجات بهتافات الفوز والهزيمة، أثبتت نهائيات كأس العالم 2026 أن ما وراء الخطوط الفنية ليس مجرد تكتيك وخطط، بل هو مسرح لدراما إنسانية قاسية يتجرعها القادة في صمت وتدبر. هذا ما عاشه المدربان الفرنسيان، ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا، وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، اللذان خاضا أشرس معاركهما الكروية وهما مثقلان بآلام الفقد الأبدي لأعز ما يملكان.

ديشامب وعزاء الوالدة خلف مستطيل أميركا الشمالية

فقد عاش ديدييه ديشان أياماً عصيبة ومحطمة تماماً بعدما فُجع بنبأ وفاة والدته عقب نهاية الجولة الثانية من دور المجموعات، مباشرة بعد فوز الديوك على العراق بثلاثية نظيفة.

مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشامب (أ.ب)

اضطر ديشان لمغادرة معسكر المنتخب على عجل والعودة إلى فرنسا للوقوف بجانب عائلته وتشييع جثمانها، مما منعه من قيادة فريقه في المباراة اللاحقة ضد النرويج. ومع ذلك، فضّل الرجل العودة سريعاً لقيادة بلاده في دور الـ32 أمام السويد، معترفاً بأن البقاء مشغولاً في معترك المونديال كان متنفساً ضرورياً وملاذاً للتغلب على أحزانه العميقة.

مشهد سريالي لوداع ديسابر المزدوج في أتلانتا

أما السيناريو الأكثر قسوة والتهاماً للمشاعر، فقد كان من نصيب مواطنه سيباستيان ديسابر في مدينة أتلانتا الأميركية، ففي الوقت الذي كان يقاتل فيه على خط التماس ويوجه كتيبة «الفهود» في ملحمة بطولية كادت تقصي إنجلترا قبل أن تخسر الكونغو بصعوبة (2-1)، كان ديسابر يجهل تماماً أن والده فارق الحياة.

سيباستيان ديسابر (إ.ب.أ)

ولم تكن خسارة حلم المونديال هي الصدمة الوحيدة، بل تحول المؤتمر الصحافي اللاحق إلى مشهد سريالي تناقلته وسائل الإعلام العالمية باستهجان وذهول.

فبمجرد انتهاء الأسئلة الفنية، أخذ المنسق الإعلامي الكلمة ليعلن ببرودة تامة أمام الكاميرات: «نعلن أن المدرب فقد والده، خالص تعازينا». اتسعت عينا ديسابر مصدوماً من المفاجأة وإخراج فاجعته الخاصة إلى العلن، قبل أن يتمسك بوقاره ويرد مقتضباً شكراً، ويغادر القاعة بوجه منهار حاملاً في قلبه مرارة وداعين، وداع بطولة تاريخية شرف بها الكرة الكونغولية، ووداع أبدي لوالده الراحل.