ليبيون يطالبون باستكمال «توطين العلاج»... وتحديث السياسات الصحية

مئات المرضى يرغَمون على اللجوء لمستشفيات في الخارج

نائب رئيس حكومة الدبيبة وزير الصحة المُكلف رمضان أبو جناح بمستشفى معيتيقة في طرابلس (الحكومة)
نائب رئيس حكومة الدبيبة وزير الصحة المُكلف رمضان أبو جناح بمستشفى معيتيقة في طرابلس (الحكومة)
TT

ليبيون يطالبون باستكمال «توطين العلاج»... وتحديث السياسات الصحية

نائب رئيس حكومة الدبيبة وزير الصحة المُكلف رمضان أبو جناح بمستشفى معيتيقة في طرابلس (الحكومة)
نائب رئيس حكومة الدبيبة وزير الصحة المُكلف رمضان أبو جناح بمستشفى معيتيقة في طرابلس (الحكومة)

في ظل مطالبة فئات عريضة من الشعب الليبي بـ«ضرورة الإسراع في استكمال خطوات توطين العلاج»، يشدد أكاديميون واختصاصيون على أهمية تحديث السياسات الصحية المطبقة بعموم البلاد، بحجة أنها «لم يجرِ عليها أي تغيير منذ عقود».
وقالت الدكتورة منى محمد أبو سنوقة، الطبيبة بـ«البرنامج الوطني لمكافحة السرطان» التابع لحكومة «الوحدة» المؤقتة، إن توطين العلاج في ليبيا «سيسهم في تخفيض الأعباء الضخمة التي تتكبدها خزينة الدولة من مليارات، تنفق على العلاج في المستشفيات خارج البلاد، كما سيساعد في رفع معدلات الشفاء حال وجود المريض وسط أسرته في ليبيا».
وأرجعت منى أبو سنوقة، رئيسة سجل السرطان بالمنطقة الوسطى، هذه الأزمة الطبية إلى «عدم اعتماد خطة موحدة وشاملة لتوطين العلاج، تعمل على تنفيذها كافة الوزارات والجهات الحكومية المعنية، وليس وزارة الصحة فقط»، لافتة إلى أن أغلب الحكومات الليبية السابقة قالت إنها «تسعى لتحقيق هذا الهدف»؛ مضيفة أن عدد الأطباء في ليبيا جيد: «لكننا نحتاج لاستقدام مجموعات إضافية من الأطقم الطبية المساعدة المدربة، وهؤلاء يحتاجون لرواتب بالعملة الصعبة، وبالتالي فالأمر يتطلب تسهيلات من الحكومة والمصرف المركزي».
وكان رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، قد أكد منذ أكثر من عام أن حكومته تعمل على توطين العلاج بالداخل؛ لكن أكاديميين ليبيين يرون أن هذه خطوات «بطيئة ولا تتواكب مع معاناة المرضى».
في سياق ذلك، دعت منى أبو سنوقة «لدعم وتحديث المنظومة الخاصة بتوفر أدوية مرضى الأورام، بما يضمن تحقيق أكبر فعالية ممكنة»، مشيرة إلى أن «انفراد الدولة باستيراد تلك الأدوية أمر ضروري لضمان صلاحياتها وجودة تخزينها».
أما بخصوص التكلفة التي يتحملها مريض الأورام إذا لم تتوفر الجرعات العلاجية والأدوية المكملة بالمستشفيات العامة، فقد أوضحت منى أبو سنوقة أن سعر عبوة واحدة من الأدوية المخصصة لعلاج أورام الثدي، والتي تكفي أسبوعاً واحداً فقط، أصبح يصل إلى 5 آلاف دينار ليبي في الصيدليات، بينما يحتاج المريض علاجاً على مدار العام، إلى جانب جرعات من الكيماوي وعلاجات أخرى.
وبخصوص عدد مرضى الأورام في ليبيا، أشارت الطبيبة للإحصائيات التي نشرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية عن ليبيا خلال عام 2020، وهي 17531 حالة داخل البلاد، بينما توفي 4750 مريضاً العام الماضي، بينما تم رصد أكثر من 7 آلاف مريض بالسرطان خلال العام ذاته.
بدوره، طالب الدكتور فرج الحمري، أستاذ الأمراض الباطنة والجهاز الهضمي، وعضو اللجنة العلمية لسجل السرطان ببنغازي، بتوطين العلاج في البلاد. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة تصدر القرارات لعلاج المرضى في دول الجوار، فيبدأون رحلة تلقي العلاج؛ لكن بمجرد انتهاء المخصصات المالية التي تتسلمها السفارات، وتسددها للمستشفيات والمصحات، يتم إيقاف علاجهم، وربما طردهم». وناشد الحمري سلطات البلاد «تفعيل المنظومة الوطنية الخاصة بحصر مرضى الأورام بليبيا»، وقال إن «الأرقام سترشد الحكومة لاستيراد الجرعات المطلوبة خلال عام على الأقل، ونتفادى بذلك أزمة عدم توفر الأدوية البيولوجية المكملة لها بالمستشفيات العامة»؛ داعياً «لتسهيل الأوضاع على المرضى بوجود لجنة في كل مدينة، تستقبل طلباتهم للعلاج بالخارج، بدلاً من تكبد القاطنين منهم خارج العاصمة مشقة السفر لاستصدار القرار من طرابلس».
من جانبه، دعا عضو مجلس النواب الليبي، أبو صلاح شلبي، لتحديث السياسات الصحية المطبقة بعموم البلاد، والتي قال إنها «لم يجرِ عليها أي تغيير منذ عقود».
وأضاف شلبي لـ«الشرق الأوسط» أن «المشرفين على القطاع الصحي، وخصوصاً في السنوات الأخيرة، لم يفكروا في تطوير آليات مناسبة لما تقدمه الدولة من علاج مجاني لأبنائها، عبر ربط ذلك بنظم التأمين المعمول بها في دول عديدة، أو توطين العلاج بالداخل، مما أفقد الحديث عن المجانية كثيراً من الجدوى»؛ مشيراً إلى «تدهور أوضاع المستشفيات، وهجرة الكفاءات الطبية الوطنية من الشباب للخارج، وكذلك العمالة الأجنبية المدربة، تحت وطأة الأوضاع الأمنية والمعيشية التي شهدتها البلاد على مدار العقد الماضي». كما أوضح أنه «بات من الصعب إجراء بعض العمليات الجراحية الصغيرة، وهذا ما انعكس على ازدياد اللجوء للعلاج بالخارج، سواء على نفقة الدولة أو على نفقة المريض».
ورأى شلبي -وهو عضو لجنة الصحة بالبرلمان- أن الحديث عن الفساد وتراكم الديون جراء تضخم فواتير علاج مرضى الأورام بالخارج «مشكلة يمكن التصدي لها، في حال انتزاع دور الوسطاء من شركات تتولى رعاية أوضاع المرضى الليبيين بدول الجوار وغيرها»؛ مؤكداً أنه «يمكن لوزارة الصحة الليبية طلب معرفة القيمة المالية التي سيتطلبها علاج كل حالة خلال فترة زمنية محددة، ولو بشكل تقديري، قبل مباشرة أي تعاقد لوضع الميزانيات الخاصة بها، وإيقاف أي تلاعب».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

وفاة محتجز بشرق ليبيا تعيد أزمة توقيف صوفيين إلى الواجهة

صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)
صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)
TT

وفاة محتجز بشرق ليبيا تعيد أزمة توقيف صوفيين إلى الواجهة

صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)
صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)

عادت أزمة توقيف أتباع الطرق الصوفية إلى الواجهة في ليبيا، السبت، عقب وفاة محتجز من عناصرها داخل أحد السجون في شرق البلاد، في واقعة أثارت انتقادات حقوقية.

ولم تُصدر السلطات في شرق ليبيا تعليقاً رسمياً حول الحادثة، إلا أن عضوة اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء والسجون، الدكتورة جازية شعيتير، أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن مهام اللجنة «تقتصر على المتابعة الإدارية ولا تشمل التحقيق في الوقائع الجنائية»، مؤكدةً أن «الاختصاص في مثل هذه الملفات يعود إلى النيابة العامة، بوصفها الجهة القضائية المختصة».

سجناء بشرق ليبيا لحظة الإفراج عنهم في مارس الماضي (المنظمة الليبية لحقوق الإنسان)

وحسب بلاغات حقوقية، توفي جمعة محمد الشريف (65 عاماً) داخل سجن الكويفية في مدينة بنغازي، بعد تدهور حالته الصحية نتيجة ما وُصف بـ«الإهمال الطبي»، و«حرمانه من العلاج اللازم»، إضافةً إلى اتهامات بـ«تعرضه للتعذيب خلال فترة احتجازه، التي بدأت في سبتمبر (أيلول) 2024»، ضمن حملة أوسع طالت عشرات من أتباع الطرق الصوفية.

وتحدثت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا» عن تلقيها بلاغاً يفيد بأن الشريف كان محتجزاً دون محاكمة، وأن «حالته الصحية تدهورت بشكل خطير، وصولاً إلى إصابته بشلل نصفي قبل وفاته». ورأت المؤسسة أن ما حدث يمثل «انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان».

يشار إلى أن الوفاة الأخيرة تُعد الحالة الثامنة المسجلة ضمن وفيات لمحتجزين تابعين للطرق الصوفية، يُشتبه بـ«تعرضهم للتعذيب، أو الإهمال الطبي داخل أماكن احتجاز مختلفة»، وفق المنظمة الحقوقية.

وسبق أن طالب حقوقيون في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، النائب العام الصديق الصور، بفتح تحقيق عاجل في احتجاز عشرات الأشخاص، يُقدَّر عددهم بنحو 70 شخصاً من الصوفيين، دون عرضهم على القضاء أو النيابة العامة.

وقفة احتجاجية إثر تفجير «زاوية المدني» في مصراتة مارس الماضي (متداولة)

كما سبق أن وثَّق التقرير السنوي لمنظمة «رصد الجرائم في ليبيا»، المعنية بحقوق الإنسان، استمرار استهداف أتباع الطرق الصوفية، ضمن سياق أوسع من التضييق على حرية الدين والمعتقد خلال العام الماضي، في ظل ما وصفه بـ«تصاعد الاعتقالات والانتهاكات داخل مراكز احتجاز رسمية وغير رسمية».

وجدد مصدر في المجلس الأعلى للتصوف الإسلامي في ليبيا، تحفظ على ذكر اسمه، الدعوة إلى وقف ما وصفها بأنها «انتهاكات خطيرة ومتكررة» بحق أتباع الطرق الصوفية، مطالباً بالإفراج الفوري عن المحتجزين، وإحالتهم إلى القضاء.

كانت المبعوثة الأممية في ليبيا، هانا تيتيه، قد حذرت في إحاطتها أمام مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، من استمرار الاعتداءات على أتباع الطرق الصوفية وأضرحتهم، معتبرةً أن ذلك يشكل «مؤشراً على مخاطر تهدد حرية الدين والمعتقد والتماسك الاجتماعي».

وتعود جذور التوترات التي تطول الطرق الصوفية في ليبيا إلى ما بعد عام 2011، فإلى جانب الاعتقالات والملاحقات، وثَّقت تقارير حقوقية «تعرُّض أضرحة وزوايا صوفية لاعتداءات في مدن عدة، بينها طرابلس ومصراتة وزليتن ودرنة وبنغازي، في ظل انقسام سياسي وأمني مستمر».


أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
TT

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

يجد الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، نفسه وسط عاصفة جديدة من الجدل، بعد أن هدَّد بـ«قطع روابطه كافة مع فرنسا» في تصريح لافت، أطلقه اليوم (السبت)، عشية انضمامه إلى «الأكاديمية الملكية للغة الفرنسية وآدابها في بلجيكا»، علماً بأنَّ الكاتب أعلن في وقت سابق متابعة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي حمَّله مسؤولية سجنه بين 2024 و2025.

تصريح الكاتب صنصال الذي أعلن فيه مغادرة فرنسا (لوفيغارو)

وقال بوعلام صنصال إن فرنسا «انتهت بالنسبة له»، مبرزاً أنَّه «أنهى كل صلة تربطه بها»، ومؤكداً في حديثه لـ«وكالة الأنباء الفرنسية» أنه «لا يريد أن تربطه أي علاقة مستقبلاً ببلد» يرى أنه «تعرَّض للخيانة من قبله»، وبرَّر هذا الموقف الحاد بشعوره بـ«الخذلان» من قبل السلطات الفرنسية، التي رفضت دعم مساعيه لمقاضاة المسؤولين الجزائريين عقب فترة سجنه لمدة عام.

وفي تصريحات أخرى نقلتها وسائل إعلام فرنسية، قال صنصال: «لماذا أبقى في فرنسا مع كل هذه الهجمات التي أتعرَّض لها صباحاً ومساءً؟ أنا معتاد على النقد، لكننا هنا تجاوزنا مرحلة الإهانة. يتم تصويري مجرماً، يجب أن أهرب. هذا أسوأ من الديكتاتورية في الجزائر».

«ضيق أفق» فرنسا

عدَّ الروائي الثمانيني أنَّ باريس فضَّلت الحسابات السياسية والدبلوماسية مع الجزائر على قضيته الشخصية، كما هاجم بشدة ما وصفها بـ«المحاكمة الأخلاقية»، التي تعرَّض لها من قبل بعض المثقفين والسياسيين الفرنسيين إثر انتقاله إلى دار نشر تابعة إلى مجموعة بولوريه، وهو رجل أعمال مقرب من اليمين الفرنسي المتطرف، واصفاً فرنسا في الوقت الحالي بأنها «أصبحت بلداً ضيق الأفق، ومنشغلاً بإعطاء الدروس»، بينما يفتقر لحرية التعبير التي وجدها في بلجيكا.

فنسنت بولوريه رجل الأعمال الفرنسي مالك دار النشر «غراسيه» (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ومن المقرَّر أن يصدر كتاب صنصال الجديد بعنوان «الأسطورة» في الثاني من يونيو (حزيران) المقبل، والذي يتناول فيه فترة سجنه.

ويأتي هذا الموقف التصعيدي انعكاساً لحالة من الاستياء العميق، التي يبديها صنصال تجاه عدد كبير من السياسيين والمثقفين، الذين هاجموه بشدة إثر مغادرته دار النشر العريقة «غاليمار»، التي ساندته بقوة وشنَّت حملةً عالميةً لإطلاق سراحه، إثر اعتقاله في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بمطار الجزائر العاصمة، عندما كان عائداً من باريس. كما حشدت لصالحه عدداً كبيراً من الروائيين والمثقفين ووسائل الإعلام في العالم الغربي، إلى أن تم الإفراج عنه في 12 نوفمبر 2025، بموجب عفو أصدره الرئيس الجزائري، وبناء على طلب رسمي من الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، الذي اتصل بتبون، ملتمساً «شفاعة إنسانية» للروائي بحجة أنه «رجل مسن ومريض».

الكاتب بوعلام صنصال في أول ظهور له بعد إطلاق سراحه نهاية 2025 (ناشطون جزائريون)

وحوكم صنصال وتمَّت إدانته بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ، بناءً على تهمة «المس بالوحدة الوطنية».، وجاء ذلك بسبب تصريحاته لمنصة «فرونتيير» القريبة من اليمين المتشدد في فرنسا، زعم فيها أنَّ ولايات من الغرب الجزائري «تابعة تاريخياً للمغرب»، وأنَّ فرنسا «اجتزأتها من المغرب خلال فترة احتلالها للبلدين».

وحدثت هذه التطورات المتسارعة في وقت تزداد فيه تعقيدات «حالة» صنصال، بعد قرار السلطات الجزائرية تعطيل جواز سفره، تزامناً مع تصريحاته الأخيرة التي أثارت استنكاراً واسعاً، حين أعلن دعم والده الرافض لاستقلال الجزائر عن فرنسا، وهو موقف تبناه صراحة لدى استضافته في قناة تلفزيونية فرنسية.

مواجهة مزدوجة مع القانون والسياسة

تفاعل الروائي الفرنسي - الجزائري كمال داود، المرفوض هو أيضاً من طرف الأوساط الحاكمة في الجزائر، مع الأزمة التي يواجهها مواطنه وصديقه صنصال، مؤكداً في حوار لـ«راديو فرانس»، أمس (الجمعة)، أنَّه دعمه عندما كان في السجن، «وهذا مبدأ بالنسبة لي؛ وإذا عاد إلى السجن فسأفعل ذلك مجدداً، فليس مكان الكاتب السجن. أما الآن، فأنا لست متفقاً مع الطريقة التي تمَّ بها الانفصال عن (غاليمار)؛ فهي دار نشر عريقة جداً وأنا فخور بالانتماء إليها، وقد ساعدت بوعلام صنصال كثيراً، وكنت أتمنى لو تمَّ الأمر في هدوء وصمت. ومن جهة أخرى، وانطلاقاً من حبي لفرنسا، أقول: احذروا من محاكمة الكُتاب بسبب أفكارهم، لأننا سنصل يوماً ما إلى مرحلة حرق الكتب؛ وما أود قوله هو أنَّ بوعلام صنصال إذا لم يكن محبوباً فلا يُقرأ له، لكنه في فرنسا، وبإمكانه قول ما يشاء».

الروائي الفرنسي - الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ومع ذلك، يرى كمال داود أن «التقاربات السياسية والآيديولوجية مع مهنتَي الكتابة والنشر أمر خطير». ويضيف: «أتفهم وجود وسائل إعلام تنتمي لتيارات سياسية معينة، وأعتقد أن هذا أمر طبيعي، لكنني أجد أنَّ الروابط المشبوهة بين دور النشر والقناعات السياسية الخاصة هي أمر كارثي بالنسبة للكُتاب، ولمهنة الناشر على حد سواء؛ فعلى الناشر أن يتجاوز ذلك ويسمو عليه ليؤدي مهنته. نحن لسنا هنا، وأكرِّرها مرة أخرى، لممارسة السياسة».

ويواجه داود مشكلات كبيرة من السلطات الجزائرية، حيث صدر ضده، الأربعاء الماضي، حكم غيابي بالسجن 3 سنوات نافذة، من طرف محكمة بوهران غرب الجزائر، وذلك على خلفية نشره في فرنسا رواية «حوريات» (2024)، التي تتناول صدمات «العشرية السوداء» في الجزائر (1992 – 2002)، وهو ما أوقعه تحت طائلة «قانون المصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرِّم الكتابة عن «المأساة الوطنية».

ويصف كمال داود في حواره مع «راديو فرانس»، فرنسا والجزائر بأنهما «بلدان غارقان في التاريخ إلى حد الإشباع، حيث تُتَّهم الرواية دوماً بأنَّها خطاب سياسي غير مباشر». ومن الصعب في نظره أن «يؤكد المرء فيهما هويته بوصفه كاتباً، وليس ممثلاً سياسياً، أو مؤرخاً أو مانحاً لشهادات التقدير، أو مجرد صوت عربي في خدمة آيديولوجية معينة. كما يصعب فيهما تجسيد الحق في الاختلاف والنزوع نحو العالمية، والقدرة على تبني لغة التعدد والتركيب».

ويرى داود أنَّ السياسيين «يدعون امتلاك الإجابات، بينما يتمثل دور الأدب في ابتكار الأسئلة، وتعميق الحيرة والكتابة عن الهشاشة الإنسانية، ورصد ثنائية الخير والشر، فنحن نقرأ لنستعيد الغموض الذي يسكننا. فلسنا أبطالاً في رواية نهائية، ولا ينقسم العالم ببساطة إلى أخيار وأشرار».


هيئة بحرية: اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل الصومال

قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
TT

هيئة بحرية: اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل الصومال

قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو)، السبت، أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء، قبالة سواحل الصومال.

ويُعرف الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي بتاريخ طويل من القرصنة.

وبعدما بلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، انخفضت بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية، وهو إقليم متمرد يحظى بحكم شبه ذاتي في الصومال، وتعيين حراس مسلحين على متن السفن التجارية.

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنه جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال.

وقالت: «أفادت السلطات العسكرية بأن أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

ولم تُعلق السلطات الصومالية بعد على الحادثة.

والخميس، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أيضاً باختطاف «11 مسلحاً» سفينة صيد ترفع العلم الصومالي.

ولفتت إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تمكّن مهاجمون من الصعود على متن ناقلة نفط كانت على بُعد نحو ألف كيلومتر قبالة السواحل الصومالية.

وأُبلغ عن حادثتين مماثلتين في الأشهر السابقة.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، تعد دولة الصومال غير مستقرة، إذ تواجه تمرداً تقوده حركة «الشباب» المتشددة منذ أكثر من 15 عاماً.

وتقع البلاد عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.