5 سنوات على «غصن الزيتون»... تركيا تشكو مجدداً من «حزام إرهابي» في سوريا

العملية أدت إلى السيطرة على مساحة ألفي كيلومتر مربع في منطقة عفرين الكردية

أكراد سوريون في القامشلي بمحافظة الحسكة يحتجون ضد تهديدات تركيا بشن عملية جديدة شمال سوريا في 28 نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
أكراد سوريون في القامشلي بمحافظة الحسكة يحتجون ضد تهديدات تركيا بشن عملية جديدة شمال سوريا في 28 نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

5 سنوات على «غصن الزيتون»... تركيا تشكو مجدداً من «حزام إرهابي» في سوريا

أكراد سوريون في القامشلي بمحافظة الحسكة يحتجون ضد تهديدات تركيا بشن عملية جديدة شمال سوريا في 28 نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
أكراد سوريون في القامشلي بمحافظة الحسكة يحتجون ضد تهديدات تركيا بشن عملية جديدة شمال سوريا في 28 نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

مرت 5 سنوات على انطلاق العملية العسكرية المسماة «غصن الزيتون» التي نفّذتها القوات التركية بالتعاون مع فصائل ما كان يعرف بـ«الجيش السوري الحر» التي انضوت في العام 2017 ضمن ما يعرف بـ«الجيش الوطني السوري» الموالي لأنقرة والتي استهدفت منها تركيا منع إقامة ما تسميه «الحزام الإرهابي» على حدودها الجنوبية.
وأحيت وزارة الدفاع التركية (الجمعة)، الذكرى السنوية الخامسة للعملية التي استمرت لمدة 64 يوماً بعد انطلاقها في 20 يناير (كانون الثاني) 2018، وتم خلالها السيطرة على مساحة ألفي كيلومتر مربع في منطقة عفرين بمحافظة حلب شمال غربي سوريا التي كانت خاضعة لمدة 6 سنوات لسيطرة «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تشكل قوام «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)». وقُتل خلال العملية 7 آلاف و314 من عناصر القوات الكردية، حسب أرقام وزارة الدفاع التركية.
وقالت الوزارة، في تغريدة على حسابها الرسمي في «تويتر»: «في الذكرى السنوية الخامسة لعملية غصن الزيتون، التي دمّرت الممر الإرهابي الذي كان يراد إنشاؤه جنوب البلاد وضمنت أمن حدودنا وسكان المنطقة الأبرياء، نحيّي قواتنا المسلحة التركية وعناصرها الأبطال الذين نفّذوا العملية بنجاح».

نصب تذكاري للأكراد في مدينة عين العرب (كوباني) التي يهدد الأتراك بشن عملية عسكرية لطرد «وحدات حماية الشعب» منها في ريف حلب (أ.ف.ب)

وعملية «غصن الزيتون» كانت هي العملية العسكرية التركية الثانية التي دشّنت مرحلة التدخل التركي المباشر على الأرض في شمال سوريا بعد عملية «درع الفرات» التي سيطرت فيها تركيا والفصائل السورية الموالية لها على مناطق واسعة في حلب من جرابلس إلى الباب وأعزاز. كما كانت «غصن الزيتون» الحلقة الوسطى في سلسلة العمليات التركية، إذ أعقبتها عملية «نبع السلام» التي نفّذتها تركيا ضد مواقع «قسد» بالتعاون مع فصائل «الجيش الوطني» في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، لكنها لم تستمر طويلاً إذ انطلقت في التاسع من ذلك الشهر وتوقفت في الثاني والعشرين منه بعد تدخل الولايات المتحدة وروسيا، اللتين وقّعتا مع تركيا مذكرتَي تفاهم حملتا تعهدات بانسحاب «قسد» إلى مسافة 30 كيلومتراً جنوب الحدود التركية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن ويتسبب في اتهامات من جانب أنقرة لكلتا الدولتين بعدم الوفاء بالتزاماتهما. وسيطرت القوات التركية والفصائل السورية عبر هذه العملية على مدينتي رأس العين وتل أبيض.
تقع عفرين على بُعد نحو 60 كيلومتراً عن مركز مدينة حلب في الجهة الشمالية الغربية، وهي أحد التجمعات الثلاثة للأكراد في شمال سوريا بالإضافة إلى الجزيرة التي تقع بمحافظة الحسكة وعين العرب (كوباني)، وهي منطقة حدودية محاذية لولاية هطاي في جنوب تركيا. لكنّ عفرين، على عكس منطقتي كوباني والجزيرة، تقع في نقطة بعيدة نسبياً عن المناطق الكردية الأخرى بشمال سوريا، وتحاذيها مدن ومناطق عربية ولا تجاورها في الجهة التركية مدن ولا قرى كردية. وتبلغ مساحتها 2 في المائة من مساحة سوريا.
- كيف جرت العملية؟
لم يكن بإمكان تركيا الشروع في عملية «غصن الزيتون» دون التفاهم مع روسيا، التي قامت قبل انطلاقها بساعات بسحب شرطتها العسكرية من عفرين، إلى جانب السماح لتركيا باستخدام سلاحها الجوي في العملية. وبدا أيضاً أن إيران والنظام السوري قَبِلا بالعملية التركية، ربما بفعل ضغوط روسيا التي كانت قد دخلت حقبة من التقارب مع تركيا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها الأخيرة في منتصف يوليو (تموز) 2016، على الرغم من استمرار الإعلام الإيراني والسوري الرسمي بوصف العملية بـ«غير الشرعية» وبـ«الاحتلال». كما وافق النظام على التفاوض مع قيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي» الكردي السوري حول مصير المنطقة، تماشياً مع رغبة الحزب في استخدام شرعية الدولة السورية لمواجهة التدخل التركي.
ومما يعزز فكرة التفاهم التركي - الروسي ضمن مسار آستانة، أن تركيا لم تفرض نموذج حكم ذاتي في عفرين، في دلالةٍ على التنسيق الأمني مع الجانب الروسي، لكنَّ الإدارة الذاتية الكردية تتهم تركيا بإحداث تغيير ديمغرافي في المنطقة، وإحداث تغييرات في التمثيل السكاني ظهر عند تشكيل المجالس المحلية في عفرين، عن طريق فرض تمثيل غير عادل بمنح حصص أكبر للعرب والتأسيس للتركمان بصفتهم إحدى القوميات في عفرين، وإيجاد نخبة سياسية كردية جديدة من الموالين لها، وإقصاء الأكراد من العمل في المجالس المحلية.
وعمدت تركيا، كما يقول ناشطون وسكان محليون، إلى ملء الفراغ الذي نجم عن نزوح أكراد عفرين أو تهجيرهم، بنقل آلاف من عائلات مقاتلي فصائل «الجيش الوطني» وأقربائهم من العرب والتركمان إلى بيوت الأكراد.
ومنذ سيطرة الفصائل الموالية لأنقرة على عفرين تراجع الوضع الاقتصادي المرتكز على الزراعة، وتم إطلاق خطط استثمار استفاد منها التجار الأتراك الذين بدأوا ينشطون في عفرين، حيث وجدوا لهم سوقاً جديدة، بينما اتجه قادة بعض الفصائل في «الجيش الوطني» إلى تشغيل أموالهم مع تجار سوريين من أبناء الغوطة وحمص المهجرين قسرياً.
- انفلات أمني
وبالنسبة إلى الوضع الأمني، درَّبت أنقرة مئات العناصر من الشرطة المحلية بهدف توفير الأمن والحماية المدنية في مدارس تابعة لأكاديمية الشرطة التركية في أضنة ومرسين. وقُسمت عفرين وفقاً للتوزيع الجغرافي إلى 3 قطاعات أمنية، قُسمت بدورها إلى نواحٍ، تضم هذه القطاعات مركز شرطة عفرين، ومركز شرطة جنديرس، ومركز شرطة راجو. ويتبع هذا التقسيم السيطرة الأمنية والعسكرية التركية التي أعطت الأولوية لتأمين الحدود في راجو وجنديرس، وإلحاق المناطق الداخلية بمنطقة عفرين.
وأسست تركيا فرقة المهام السورية التابعة للقوات الخاصة التركية في مديرية الأمن العام التركية، وهي القوة الأمنية التركية الضاربة في عفرين، وتُعرف محلياً بـ«الكوماندوز التركي»، وتتألف من 12 وحدة موزعة على مناطق عفرين الإدارية، أما عناصرها فهي تابعة للإدارات الأمنية في أنقرة وهطاي وغازي عنتاب وكيليس وأضنة ومرسين.
وثبّتت تركيا مراكز أمنية وعسكرية تابعة لها من أجل فرض سيطرة كاملة على عفرين، مع توسيع هيكلة الفصائل السورية الموالية لها وضمها تحت مظلّة «الجيش الوطني»، من منطقة «درع الفرات» إلى عفرين، امتداداً إلى مناطق السيطرة ضمن عملية «نبع السلام» في شرق الفرات.
وعلى الرغم من ذلك، بقي الوضع الأمني في عفرين هشاً بسبب الاقتتال بين الفصائل، التي تمارس عمليات نهب للممتلكات وانتهاكات واسعة بحق السكان الأصليين.
وفي أكتوبر الماضي، اجتاحت «هيئة تحرير الشام» منطقة عفرين وبلدة كفرجنة على خلفية الاقتتال بين فصائل «الجيش الوطني» الموالي لتركيا، بعد اشتباكات مع «الفيلق الثالث» التابع لـ«الجيش الوطني»، عقب اعتقاله خلية اغتيال الناشط محمد عبد اللطيف أبو غنوم، التي اتضح أنها تتبع لفرقة «الحمزة» التي بادرت مع فصيل «السلطان سليمان شاه» (العمشات) للتحالف مع «هيئة تحرير الشام» وتسهيل دخولها إلى منطقة عفرين.
وأصابت «هيئة تحرير الشام» بقذائف الهاون القاعدة التركية في محيط كفرجنة، وعلى أثرها ردّت القوات التركية بشكل مباشر على مصادر النيران. واتخذت القوات التركية إجراءات لإخراج الهيئة من المنطقة، بعد حالة الغضب الشعبي والمظاهرات الرافضة لوجودها، وبروز مواقف دولية، وبخاصة أميركية وروسية، انتقدت التطورات.
وقرأت روسيا تلك الأحداث على أنها خطة معدة سلفاً لصَهر «تحرير الشام» في الفصائل الموالية لأنقرة. وحذرت من هذ الخطوة على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، الذي أكد «ضرورة عزل الإرهابيين وفي مقدمهم هيئة تحرير الشام».
وشن الطيران الروسي غارات جوية على ريف حلب، عدها مراقبون رسالة شديدة اللهجة من موسكو، مفادها رفض توسع نفوذ «هيئة تحرير الشام» باتجاه ريف حلب، وضرورة وفاء تركيا بتعهداتها السابقة بتفكيك «الهيئة» وعزلها عن الفصائل التي توصف بـ«المعتدلة».
- تغيير ديمغرافي
حسب تقرير لـ«المرصد السوري لحقوق الإنسان»، تسببت عملية «غصن الزيتون» في نزوح ثلث سكان المنطقة الأصليين، باتجاه مخيمات ومنازل شبه مدمرة في ريف حلب وغيرها من المناطق السورية. ولم تقتصر الانتهاكات على ذلك فحسب، وإنما بدأت عملية تغيير ديمغرافي في المنطقة، عبر توطين عائلات الفصائل في القرى السكنية النموذجية التي أنشأتها المؤسسات المدعومة من تركيا، إلى جانب «سرقة» المعالم الأثرية لطمس تاريخ الكرد في المنطقة، حسبما يقول منتقدو ما تقوم بها تركيا التي فرضت اللغة التركية كمادة أساسية في المناهج الدراسية كما شددت على ضرورة رفع عَلم تركيا على المدارس.
وعقب انتهاء عملية «غصن الزيتون» في 20 مارس (آذار) 2018، وصل عدد سكان عفرين خلال عام إلى 350 ألف نسمة، وتم تشكيل 7 مجالس محلية لإدارة شؤون مدينة عفرين وبلداتها، وتولت تركيا من خلال تلك المجالس تقديم خدمات الصحة والتعليم والصناعة والتجارة والثقافة والرياضة. وتم البدء في تدريس مناهج حددتها الحكومة السورية المؤقتة التي شكّلتها المعارضة السورية. وبمرسوم من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، تم تأسيس «كلية التربية» بعفرين في مركز المدينة، وهي تتبع «جامعة غازي عنتاب» التركية، إضافةً إلى افتتاح مجمع رياضي ومركز ثقافي.
- ماذا بعد؟
مضت 5 سنوات على عملية «غصن الزيتون» وما يقرب من 4 سنوات على عملية «نبع السلام»، اللتين استهدفتا «قسد» غرب نهر الفرات وشرقه، لكن تركيا لا تزال تشعر بالقلق من وجود القوات الكردية على حدودها، وتريد استكمال ما تسميها المناطق الآمنة بعمق 30 كيلومتراً. وتطالب الولايات المتحدة وروسيا بتنفيذ تعهداتهما في هذا الشأن. وتقول إن إنشاء حزام أمني على حدودها الجنوبية سيضمن أموراً ليس أهمها تأمين الحدود التركية الجنوبية، لكن أيضاً منع قيام «دولة إرهابية» ستهدد المنطقة بأسرها وستمزق وحدة سوريا، فضلاً عن رغبتها في ملء تلك المناطق الآمنة باللاجئين السوريين على أراضيها للتخلص من أعبائهم من ناحية، ولضمان سكان موالين لها من ناحية أخرى.
ودفع فشل الاتفاق بين أنقرة وواشنطن، ثم موسكو، إلى إخراج القوات الكردية من منبج، وكذلك عدم تنفيذ بنود تفاهمَي أنقرة وسوتشي الموقَّعين مع الولايات المتحدة وروسيا في أكتوبر 2019 بشأن إبعاد «قسد» عن الحدود لمسافة 30 كيلومتراً مقابل إنهاء عملية «نبع السلام»، بتركيا إلى التلويح أكثر من مرة بشن عملية عسكرية للسيطرة على منبج وتل رفعت وعين العرب (كوباني). وتعتقد أنقرة أن السيطرة على تلك المناطق سيتحقق هدفها بإبعاد «قسد» عن الحدود للمسافة المطلوبة والقضاء على «الحزام الإرهابي» الذي يسعى «حزب العمال الكردستاني» لإنشائه عبر وصل مناطق شمال سوريا مع شمال العراق ومع مناطق من إيران، وأن السيطرة على تلك المناطق ستقطع الصلة بين مواقع سيطرة الأكراد في شمال سوريا وشمال العراق.
لكن تركيا تواجه معارضة شديدة من جانب الولايات المتحدة، حليفة «قسد»، وكذلك من جانب روسيا التي تحاول إعادة سيطرة النظام على بقية مناطق الشمال السوري والتي كان لها دور في انتشار قوات النظام في مناطق سيطرة «قسد» بشمال سوريا وشرقها. كذلك تلقى تركيا معارضة من إيران التي ترفض أي عمل عسكري في المنطقة بدعوى أنه سيهز الاستقرار. كما أن الاتحاد الأوروبي يرفض بدوره أي تحرك عسكري تركي في المنطقة.
- تضاؤل الخيارات
ودفع تضاؤل الخيارات، والرفض الواسع للتحرك العسكري، تركيا إلى القبول بمبادرات بعيدة عن الحل العسكري، خصوصاً من جانب روسيا التي عرضت صيغة لانسحاب «قسد» إلى مسافة 30 كيلومتراً وإحلال قوات النظام محلها لضمان أمن الحدود التركية، كما دفعت باتجاه التقارب وتطبيع العلاقات بين تركيا ونظام الرئيس بشار الأسد، وسط رفض أميركي، وتشدد من جانب النظام بشأن الانسحاب التركي من شمال سوريا ووقف الدعم لفصائل المعارضة وإعلانها تنظيمات إرهابية، وهو ما يبدو صعباً أن تقبل به أنقرة، التي لا تثق حتى الآن بقدرة النظام على حماية الحدود، أو بجديته في ضبط «قسد».
كما تبدو مسألة الانسحاب التركي في هذه الظروف غير واردة وقد رهنتها أنقرة بتحقيق الحل السياسي وإحلال الاستقرار في سوريا، بينما تحاول موسكو إيجاد مخرج عبر تعديل اتفاقية أضنة الموقَّعة بين تركيا وسوريا عام 1998 والتي تضمن للقوات التركية الدخول إلى عمق 5 كيلومترات خلف الحدود مع سوريا حال وجود خطر على أمن تركيا، وتوسيع هذا المدى إلى 30 كيلومتراً.
وأقرت روسيا بالمخاوف الأمنية لتركيا. وقال وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، في تصريحات (الأربعاء)، انتقدتها الإدارة الذاتية الكردية، إن «واشنطن تسعى لاستخدام الأكراد لبناء دويلة في سوريا لإزعاج باقي الأطراف، ما يثير قلق تركيا»، لافتاً إلى أن روسيا تتفهم مخاوف أنقرة إزاء من تعدهم مقاتلين أكراداً خطرين في سوريا. لكن روسيا، مع ذلك، تحافظ على موقفها الرافض لأي عملية عسكرية تركية في شمال سوريا، وتتحرك باتجاه الحلول التوافقية بين أنقرة والنظام السوري، والتي قد تستغرق وقتاً طويلاً.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.