بلدان «الربيع العربي»... آمال «التعافي» و«التسوية» تصطدم بجائحة وحرب

انشغال دولي عن ليبيا واليمن... ومصر وتونس تكابدان عقبات اقتصادية

صورة أرشيفية لعنصرين من إحدى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ب)
صورة أرشيفية لعنصرين من إحدى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ب)
TT

بلدان «الربيع العربي»... آمال «التعافي» و«التسوية» تصطدم بجائحة وحرب

صورة أرشيفية لعنصرين من إحدى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ب)
صورة أرشيفية لعنصرين من إحدى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ب)

ربما لو قُدر للمواطن التونسي محمد البوعزيزي، الذي أضرم النار في نفسه قبل 13 عاماً، أن ينظر إلى المستقبل، لتردد كثيراً قبل اتخاذ قراره الذي أطلق شرارة ما بات يُعرف بـ«الربيع العربي»، فالأوضاع الاقتصادية التي كان يعانيها «البوعزيزي» آنذاك، تبدو اليوم بالنسبة لقطاعات واسعة من التونسيين «حلماً يحن كثيرون لاستعادته».
الأمر لا يقتصر على تونس وحدها، بل يمتد إلى دول عدة دهمتها الموجة الأولى لـ«الربيع العربي»، فإلى جانب تونس، هناك مصر وسوريا وليبيا واليمن، ورغم تفاوت مآلات الانتفاضات الشعبية بين تلك الدول، فإنها لا تزال تتشارك استمرار التداعيات منذ 2011.
ويعتقد مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر وتونس «حققتا النجاة» عبر قدر من الاستقرارين السياسي والأمني، رغم الأزمات الاقتصادية التي لا تزال «مؤرقة»، إلا أنهما «أحسن حالاً» من بقية «دول الربيع» التي لا تزال «تراوح مكانها»، فيما يتعلق بتردي الوضعين الأمني والسياسي، والتدخلات الخارجية في صناعة مصائرها، فضلاً عن «انشغال دولي» عنها بأزمات أكثر سخونة.
وأظهر استطلاع أجرته «شبكة الباروميتر العربي» للأبحاث (تتخذ من جامعة برينستون الأميركية مقراً لها)، لصالح قناة «بي بي سي نيوز عربي»، أعلن في يوليو (تموز) الماضي، وتضمن آراء ومواقف 23 ألف شخص من الأردن ولبنان ومصر وتونس وموريتانيا والمغرب والسودان والعراق وليبيا والأراضي الفلسطينية، أن «60 في المائة من المستطلعين عبر الدول التسع لا يعترضون عن شكل الحكم طالما اتسمت السياسات الحكومية بالفاعلية».
وذهب القائمون على الاستطلاع نفسه إلى نتائج أخرى - بناءً على الاستطلاع - من بينها أن «ثمة إدراكاً على نحو متزايد في المنطقة بأن الديمقراطية ليست النظام الأمثل للحكم وأنها عاجزة عن إصلاح كل شيء».
وتشير النتائج السابقة وغيرها التي تأتي في ظل تداعيات واضحة للأزمات الاقتصادية العالمية على دول المنطقة، إلى تعزيز فكرة استمرار «نزيف الخسائر» الذي ارتبط باندلاع انتفاضات «الربيع العربي، التي كبدت المنطقة خسائر بلغت 614 مليار دولار منذ عام 2011 وحتى 2015»، بحسب تقديرات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إيسكوا) التابعة للأمم المتحدة، وهو أول تقدير للخسائر الاقتصادية الناجمة عن «الربيع العربي» تقدمه مؤسسة دولية كبرى.
وفيما تبدو تقديرات الخسائر الاقتصادية في دول «الربيع العربي» فادحة، فإن الخسائر البشرية والإنسانية ليست أحسن حالاً، وتبرز هنا الحالة السورية، إذ يقول فريق «منسقو استجابة سورية» التابع للأمم المتحدة في تقرير، نُشر في 14 مارس (آذار) 2022، إن عدد السوريين الذين نزحوا داخلياً بلغ 6.9 مليون نسمة، وإن 6.6 مليون سوري لجأوا إلى الخارج، سواء إلى «دول الجوار» أو الدول الأوروبية، وإن عدد النازحين في المخيمات والملاجئ بلغ 1.9 مليون، وعدد الأطفال المنقطعين من التعليم بلغ 2.65 مليون طفل.
وأكد التقرير أن «نسبة السوريين المعرضين لخطر الفقر تبلغ 91 في المائة، وعدد السوريين الذين وصلوا إلى مرحلة المجاعة بلغ 3.3 مليون، وتسببت العمليات العسكرية بإصابة أكثر من 1.8 مليون مدني، وخلفت أكثر من 232 ألفاً من ذوي الاحتياجات الخاصة. هذا عدا عن عشرات آلاف المدنيين المفقودين والمختفين قسراً».
فيما ترصد تقارير دولية أخرى وجهاً آخر لاستمرار تردي الأوضاع ببعض دول «الربيع العربي»، إذ تحتل بعض تلك الدول مثل سوريا، واليمن، وليبيا، مراكز متأخرة وفق «مؤشر مدركات الفساد» لعام 2021 الذي تصدره «منظمة الشفافية الدولية»، فتأتي تلك الدول الثلاث بالترتيب (178، 174، 172) من 180 دولة، وجميع هذه الدول «لا تتمتع بوضع أمني وسياسي مستقر، كما اختفت فيها أغلب معالم الدولة وسادت الفوضى الأمنية والسياسية»، بحسب التقرير.
ويرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الدول التي امتلكت ما يُعرف بـ«مؤسسات القوة» في الدولة مثل مصر وتونس، استطاعت أن تنجو من «المصير المظلم» الذي كان يتهددها بعد اندلاع ما بات يُعرف بـ«الربيع العربي»، رغم استمرار معاناتها الاقتصادية، وبخاصة جراء تداعيات الأزمات الدولية.
ويضيف فهمي لـ«الشرق الأوسط»، أن مجموعة أخرى من دول «الربيع العربي» مثل اليمن وسوريا وليبيا تحولت إلى «بقايا دول» بعدما رسمت قوة السلاح مصائر الأطراف المتصارعة فيها، وعجزت المبادرات المختلفة عن إيجاد حلول قادرة على انتشال تلك الدول من أزماتها، لافتاً إلى أن هذه الدول «مرشحة وبقوة لاستمرار الأزمات بها».
وتابع أستاذ العلوم السياسية القول إن وجود «فواعل إقليمية ودولية»، كان لها تأثير سلبي على كثير من دول المنطقة في مرحلة «الربيع العربي» وما تلاها، لافتاً في هذا الصدد إلى الأدوار التي لعبتها دول إقليمية مثل إيران وتركيا، فضلاً عن إسرائيل، ودول كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما فاقم من أزمات عدة دول مثل سوريا وليبيا واليمن، فضلاً عن دول لم تكن ضمن الموجة الأولى لـ«الربيع العربي» كالعراق ولبنان، لكنها تتضرر بشدة جراء التدخلات الخارجية.
في المقابل، يقول خليل الرقيق، الكاتب والمحلل السياسي التونسي، إن الحديث عن «الربيع العربي لا يمكن فصله عن تلك الوصفة الدولية التي مررت بديلاً سياسياً مخادعاً تحت عناوين لا تخلو من البريق الديمقراطي، لكن سرعان ما انكشف في تونس ومصر أن الأمر يتعلق بتمكين تنظيم الإخوان».
ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الانهيار الاقتصادي غير المسبوق كان الثمن الحتمي لما حمله هؤلاء من ثقافة التدمير الممنهج لموارد الدولة، وما أبدوه من نهم شديد لتحويل المكاسب العامة إلى الحساب الخاص».
وتابع الرقيق أنه لا غرابة أن تطلب الأمر في النهاية «مسارات تصحيحية كبرى بمصر في 2013 وبتونس في 2021»، مع استمرار معاناة تلك الدول اقتصادياً نتيجة هيمنة التنظيمات المتأسلمة وتحالفها ما يصفه بـ«الرأسمالية الطفيلية»، التي تقتات من الاستيراد العشوائي والصفقات الفاسدة، هذا إضافة إلى ما جنته مناخات انعدام الأمن والإرهاب على القطاعات الحيوية الاستراتيجية بتوقف الإنتاج الطاقي والصناعي وتقلص نوايا الاستثمار الخارجي وانهيار القطاع السياحي.
ويضيف المحلل السياسي التونسي أنه «رغم توفر الإرادة والتصميم في تونس ومصر على تجاوز هذا الإرث الثقيل، فإن انضمام الوضع الدولي الضاغط على وقع الحرب الروسية - الأوكرانية إلى جملة التحديات جعل الدولتين تكابدان صعوبات كبيرة في تأمين الاقتصاد والاستجابة للمتطلبات الاجتماعية المتزايدة».
ويستطرد: «لكن ذلك الوضع لا يُقارن مع ما تعانيه دول مثل ليبيا واليمن، إذ يبدو الأمر هناك (أصعب وأعقد)، لأن الربيع العربي مر من هناك عبر قوة السلاح والحروب الأهلية، إضافة إلى أن كلا البلدين بمثابة (مختبر ميداني للصراعات الإقليمية والدولية)».


مقالات ذات صلة

«البنك الدولي» يتوقع بلوغ شح المياه أدناه في الشرق الأوسط

الاقتصاد «البنك الدولي» يتوقع بلوغ شح المياه أدناه في الشرق الأوسط

«البنك الدولي» يتوقع بلوغ شح المياه أدناه في الشرق الأوسط

توقع تقرير جديد لـ«البنك الدولي»، أن تواجه الشعوب في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، شحّاً غير مسبوق في المياه، داعياً إلى سلسلة من الإصلاحات بشأن إدارة الموارد تتضمن إصلاحيات مؤسساتية، للتخفيف من حدة الضغوط المائية في المنطقة. وأشار التقرير الذي صدر بعنوان «اقتصاديات شح المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - حلول مؤسساتية»، إلى أنه، بنهاية العقد الحالي، ستنخفض كمية المياه المتاحة للفرد سنوياً عن الحد المطلق لشح المياه، البالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً. ووفق التقديرات الواردة في التقرير، فإنه، بحلول عام 2050، ستكون هناك حاجة إلى 25 مليار متر مكعب إضافية من المياه سنوياً، لتل

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد {النقد الدولي} يحذر الشرق الأوسط من 4 تحديات

{النقد الدولي} يحذر الشرق الأوسط من 4 تحديات

قال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في «صندوق النقد الدولي» جهاد أزعور، إن نمو الناتج المحلي الإجمالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيتباطأ إلى 3.1 في المئة خلال 2023، من 5.3 في المئة خلال العام السابق. وأكد أزعور، في إفادة صحافية، أن النمو في الدول المصدرة للنفط بالمنطقة سيتباطأ إلى 3.1 في المائة أيضاً خلال 2023، من 5.7 في المائة خلال 2022، مع توقعات بأن يكون القطاع غير النفطي المحرك الرئيسي للنمو.

أحمد الغمراوي (القاهرة)
الاقتصاد الضغوطات تحيط بموائد الإفطار في الدول العربية

الضغوطات تحيط بموائد الإفطار في الدول العربية

سجلت حالة الرصد الأولية ضغوطات تواجه موائد الإفطار الرمضانية في المنطقة العربية التي تواجه إشكالية بالغة في توفير السلع خلال شهر رمضان المبارك؛ حيث يرتفع الطلب على مجموعات سلع غذائية يبرز منها القمح واللحوم بأشكالها المختلفة، مقابل قدرة إنفاق محدودة. وساهم ضعف الإصلاحات وتقلبات العملات العربية في تقلص إمكانيات الإنفاق على المائدة العربية، يضيف إليها مسؤول تنمية عربي أن الظروف الحالية للأزمات الأمنية والسياسية في البلدان العربية فاقمت الموقف. - نقص المعروض ووفقا للتقديرات، يسجل شهر رمضان المبارك للعام الحالي تراجعا ملحوظا في الإنفاق من دولة لأخرى في الإقليم العربي مقارنة بمواسم ماضية، خاصة في

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد مخاوف من اتساع تداعيات إفلاس «سيليكون فالي» إلى المنطقة العربية

مخاوف من اتساع تداعيات إفلاس «سيليكون فالي» إلى المنطقة العربية

في وقت زرع فيه الإعلان عن إفلاس بنك سيليكون فالي الأميركي مخاوف في أوساط العملاء والمودعين والشركات التكنولوجية المقترضة والمودعة في البنك على المستوى الاقتصاد الأميركي، ربما يدفع ذلك إلى مزيد من التداعيات بمناطق أوسع في العالم. ولا تبدو المنطقة العربية بمنأى عن التداعيات، إذ أفصحت بنوك في الكويت عن انكشافات ضئيلة على إفلاس البنك الأميركي، إلا أن هناك تحرزاً من الإعلان في بقع كثيرة من قطاعات البنوك والمصارف ومؤسسات الاستثمار في العالم العربي. - اتساع الرقعة وتوقع مختصون، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، اتساع رقعة تداعيات إفلاس البنك الأميركي وتأثيرها على بيئة الأعمال والقطاع المصرفي على مستوى العال

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»

مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»

فتح زلزال تركيا وسوريا، الذي ضرب المنطقة خلال فبراير (شباط) الحالي، وخلّفَ نحو 44 ألف قتيل، ملف إعادة النظر في قطاع التشييد وإنشاءات المباني بالمنطقة، ومدى متانة المباني وقدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية كالزلازل والهزات الأرضية، وكذلك متابعة السلطات التشريعية للمقاولين والتزامهم بمتطلبات السلامة العامة وأكواد البناء والاشتراطات الهندسية، بالإضافة إلى مدى جاهزية البنية التحتية المقاومة للكوارث الطبيعية في المدن الكبرى والمزدحمة. وأكد مختصون لـ«الشرق الأوسط» على وجوب تشدد الدول والسلطات التشريعية في قطاع الإنشاءات، وعدم التهاون في الالتزام بأكواد التصميم الزلزالي، والتخطيط الجيد والمستمر لإدا

محمد المطيري (الرياض)

اجتماع لـ«الطاقة الدولية» وصندوق النقد والبنك الدولي لبحث تداعيات الحرب

رجال يحملون دراجات أطفال مع ازدياد الطلب عليها نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في كويتا... باكستان (إ.ب.أ)
رجال يحملون دراجات أطفال مع ازدياد الطلب عليها نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في كويتا... باكستان (إ.ب.أ)
TT

اجتماع لـ«الطاقة الدولية» وصندوق النقد والبنك الدولي لبحث تداعيات الحرب

رجال يحملون دراجات أطفال مع ازدياد الطلب عليها نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في كويتا... باكستان (إ.ب.أ)
رجال يحملون دراجات أطفال مع ازدياد الطلب عليها نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في كويتا... باكستان (إ.ب.أ)

أعلن المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، يوم الثلاثاء، أن قادة الوكالة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي سيعقدون اجتماعاً يوم الاثنين المقبل لمناقشة أزمة الطاقة المتفاقمة التي أشعلتها الحرب مع إيران.

وقال بيرول في منشور عبر منصة «إكس»: «أزمة الطاقة الحالية تتطلب تكاتف الجميع وتعاوناً دولياً وثيقاً»، مشدداً على ضرورة قيام المؤسسات الثلاث بدعم الحكومات في جميع أنحاء العالم وسط التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب.

وكان بيرول، ومديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، قد اتفقوا الأسبوع الماضي على تشكيل مجموعة تنسيق للمساعدة في التعامل مع الاضطرابات الإقليمية التي تسببت في واحدة من أكبر حالات نقص الإمدادات في تاريخ سوق الطاقة العالمي.

وأشارت المؤسسات الثلاث إلى أن آلية الاستجابة المقترحة قد تشمل تقديم مشورات سياسية مستهدفة، وتقييم احتياجات التمويل المحتملة، وتقديم الدعم من خلال تمويلات منخفضة أو معدومة الفائدة، بالإضافة إلى أدوات غير محددة لتخفيف المخاطر.

وجاء تصريح بيرول في وقت أصدر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداً شديد اللهجة لإيران، قائلاً إن «حضارة بأكملها ستموت الليلة» ما لم تقبل طهران إنذاراً بفتح مضيق هرمز، الممر المائي الدولي الذي كان يمر عبره خمس النفط العالمي والغاز الطبيعي المسال.

وكان بيرول قد صرح لصحيفة «لو فيغارو» الفرنسية بأن أزمة النفط والغاز الحالية الناتجة عن حصار إيران لمضيق هرمز «أكثر خطورة من أزمات أعوام 1973 و1979 و2022 مجتمعة».


«برنت المؤرخ» يكسر حاجز 144 دولاراً في مستوى تاريخي

مستودع وقود غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مستودع وقود غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

«برنت المؤرخ» يكسر حاجز 144 دولاراً في مستوى تاريخي

مستودع وقود غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مستودع وقود غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

سجّل سعر خام «برنت المؤرخ» (Dated Brent) مستوى قياسياً جديداً، يوم الثلاثاء، ببلوغه 144.42 دولار للبرميل، وسط حالة من الذعر تسيطر على الأسواق العالمية، مع اقتراب نهاية المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز.

ويأتي هذا الارتفاع التاريخي ليتجاوز القمم التي سجّلها الخام يوم الخميس الماضي، حينما تخطى حاجز 140 دولاراً لأول مرة منذ عام 2008.

وكان ترمب توعد باستهداف البنية التحتية المدنية في إيران، بما في ذلك محطات الطاقة والجسور، ما لم يتم إنهاء حصار المضيق بحلول مساء يوم الثلاثاء (بتوقيت واشنطن).

وفقاً لبيانات «إس آند بي غلوبال»، فإن القفزة الأخيرة في سعر التسليم الفعلي الأهم عالمياً تعكس حالة «الذعر الشرائي» في الأسواق. فبعد أن سجّل الخام 141.37 دولاراً منتصف الأسبوع الماضي، دفع النقص الحاد في الإمدادات الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، متجاوزةً ذروة الأزمة المالية العالمية قبل نحو 18 عاماً.

الطلب الفوري في ذروته

ويعكس «برنت المؤرخ» القيمة الحقيقية للنفط المتاح للتحميل الفوري، وهو السعر الذي تعتمد عليه كبرى شركات التكرير والمصافي لتسعير صفقاتها. ومع استمرار انقطاع الإمدادات الإقليمية، تزايدت الضغوط على خامات بحر الشمال البديلة، ما دفع الفارق السعري بين العقود الآجلة والنفط المادي إلى مستويات استثنائية، وسط مخاوف من امتداد أزمة الطاقة العالمية وتأثيرها على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي.


السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended