وادي الحِجر الأثري... بيوت منحوتة في الصخر

يقع في محافظة العلا السعودية

وادي الحِجر... مقابر نبطية منحوتة في الصخر
وادي الحِجر... مقابر نبطية منحوتة في الصخر
TT

وادي الحِجر الأثري... بيوت منحوتة في الصخر

وادي الحِجر... مقابر نبطية منحوتة في الصخر
وادي الحِجر... مقابر نبطية منحوتة في الصخر

جذبت الجزيرة العربية الواسعة كثيراً من الرحّالة، كان أولهم الإيطالي لودفيكو دي فارتيما الذي وصل إلى مكة المكرمة في مطلع القرن السادس عشر، فكان أول أوروبي، على ما يُقال، يدخل المدينة الأقدس عند المسلمين. ترك هذا المغامر موطنه في نهاية 1502، وقصد الإسكندرية، ثم توجّه إلى القاهرة، ومنها حطّ تباعاً في بيروت، طرابلس، وحلب. بعدها وصل إلى دمشق، وفي هذه المدينة، انضم إلى حامية مملوكية متّخذاً اسم يونس، ورافق قافلة للحجاج في أبريل (نيسان) 1503، وعبر في طريقه وادياً حسبه «وادي سدوم وعاموراء»، وهما مدينتان معروفتان في التراث الإسلامي، من مدائن قوم لوط، خربتا نكالاً من القدير، بحسب الرواية التوراتية.

كتب الرحّالة الإيطالي في وصف هذا الوادي: «وإني أقول إنه توجد ثلاث مدن كانت فوق قمم ثلاثة جبال، ولا يزال يوجد فوقها على ارتفاع أذرع ثلاث أو أربع، ما يبدو دماً يشبه الشمع الأحمر مختلطاً بالتراب. أقول لكم الصدق، إني أعتقد، بناء على ما رأيت، أن شعباً شريراً كان هنا، فكل ما يحيط بهذه البقعة صحراء قاحلة، فالأرض موات لا تنبت ما يؤكل، والماء معدوم، وقد كانوا يعيشون على المنّ، وقد عاقبهم الله لأنّهم كفروا بأنعمه، فحاق بهم عذابه، وترك ديارهم خراباً لتراها الأجيال».

يُجمع البحّاثة على القول إن الوادي الذي عبره لودفيكو دي فارتيما في طريقه إلى مكة هو في الواقع وادي الحِجر، الذي ذكره أبو القاسم الإصطخري في «المسالك والممالك»، حيث كتب في تعريفه به: «والحِجر قرية صغيرة قليلة السّكّان، وهي من وادي القرى على يوم بين جبال، وبها كانت ديار ثمود الذين قال الله فيهم: {وثمود الّذين جابوا الصّخر بالواد} (الفجر: 9)، ورأيت تلك الجبال ونحتها التي قال الله فيها: «وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين» (الشعراء: 149). ورأيتها بيوتاً مثل بيوتنا في أضعاف جبال، وتسمّى تلك الجبال الأثالب، وهي جبال في العيان متّصلة حتّى إذا توسّطتها رأيت كلّ قطعة منها قائمة بنفسها، يطوف بكلّ قطعة منها الطائف».
كتب الإصطخري هذا التعريف في القرن العاشر، ونقله ياقوت الحموي في «معجم البلدان» في منتصف القرن الثالث عشر، وشاع من بعده، فصار الحِجر «اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام»، وارتبطت مدائنها الأثرية في الذاكرة الجماعية بهذه الديار منذ ذلك التاريخ.

المسح الأول للموقع في مطلع القرن العشرين

آثار عجيبة
في «معجم معالم الحجاز» الصادر في سنة 1984، كتب عاتق البلادي في تعريفه بالحِجر: «وادي الحِجر المعروف، يصب في وادي العُلا (القرى) من الشمال... وهو رأس وادي القرى المعروف باسم وادي العلا». وكتب الباحث في تعريفه: «بلدة في شمال الحجاز ذات صبغة أثرية سياحية... فيها آثار عجيبة: بيوت منحوتة في الصخر، وقلات مخازن للمياه في الصخر، وجبالها بارزة ينفرد معظمها من غيره كأنه مغروس في الأرض». 
الرحّالة البريطاني الشهير تشارلز م. داوتي لم يكن من علماء الآثار، بل كان أديباً مفتوناً بالصحراء العربية، وبعد عام أمضاه في دمشق في دراسة اللغة العربية وإتقانها، انضمّ إلى قافلة حجاج متجهة إلى مكة المكرمة، وسافر برفقتها في خريف 1876، ووصل معها إلى المدينة، وثابر على زيارة أطلال وادي الحِجر، وسعى إلى وصفها بشكل دقيق، كما أنجز مجموعة من الرسوم التوثيقية لهذه الأطلال تُعتبر أوّل وأقدم «صُوَر» لهذا الموقع الأثري. من جهة أخرى، نقل داوتي مجموعة كبيرة من النقوش الكتابية، وأرسل الطبعات النافرة من طريق القنوات القنصلية إلى باريس، حيث أنجز العالم الفرنسي الفذّ إرنست رينان طباعتها، ثم درسها ونشرها في 1884، قبل صدور كتاب دوروثي في جزأين في عام 1888.
حاضرة نبطية

جرى مسح موقع وادي الحجر واستكشافه بشكل علمي في مطلع القرن العشرين، وقامت بهذه المهمة بعثة من «المركز الفرنسيّ لدراسة الكتاب المقدّس والآثار بالقدس»، قادها الكاهنان العالِمان أنطونان جوسين ورافائيل سافينياك. نُشرت الأبحاث الخاصة بموقع الحِجر بين 1909 و1914، وحوت مجموعة رائعة من الصور الفوتوغرافية الخاصة بهذا الموقع، إضافة إلى كشف مدقّق بكل ما جمعه العالمان الفرنسيان من كتابات منقوشة في نواحيه. تبيّن أن الحِجر هي نفسها «حيجرا»، المدينة التي ذكرها بطليموس في «كتاب الجغرافيا» في القرن الثاني، وهي المدينة التي ضُمّت إلى المملكة النبطية في منتصف القرن الأوّل قبل الميلاد، وبقيت كذلك حتى سقوط هذه المملكة في يد اليونان في سنة 106. وتبيّن أن قصور مدائن صالح هي في الواقع مقابر نبطيّة منحوتة بالصخر، كما تؤكد الكتابات المنقوشة الخاصة بهذه المقابر، وهي في الغالب نقوش تذكارية ترافق ما يقارب ثلث قبور الحِجر، محفورة في إطارات متفاوتة التزيين، منحوتة فوق الأبواب. وقد حافظت هذه المقابر على أسمائها المحلية بعدما اعتمدها تشارلز م. داوتي والبحّاثة الذين تابعوا عمله الاستكشافي، وباتت تُعرف بـ«جبل الأحمر»، «الديوان»، «السيق»، «قصر البنت»، «قصر الفريد»، و«قصر الصانع».
في عام 1978، عهدت وكالة المتاحف والآثار السعودية إلى المعهد الجغرافي الوطني الفرنسي مهمة إعداد خريطة علمية خاصة بموقع وادي الحجر، وتوثيق واجهات قبوره وترقيمها، فأتمّ المعهد هذه المهمة، وفُتح الباب الواسع منذ ذلك التاريخ، أمام حركة الأبحاث المتواصلة في الموقع. ذاع صيت وادي الحجر في الأوساط العلمية، غير أن شهرة الموقع ظلّت حكراً على هذا العالم، بخلاف مدينة البتراء النبطية التي تحوّلت إلى أشهر موقع سياحي في الأردن. وتسعى السعودية اليوم إلى تسليط الضوء على هذا الموقع الأثري ليحتلّ الموقع الذي يستحقّه في هذا الميدان.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
TT

معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)

عبر لوحات تنتمي لفن الغرافيك، تتعدد مدارسها وأساليبها الفنية بين التجريد والتكعيبية والتعبيرية ممثلة في البورتريه بطريقة فنية مميزة، استعاد 29 فناناً رومانياً سيرة النحات الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (1876–1957)، أحد أبرز روّاد النحت الحديث في القرن العشرين، وصاحب التأثير العميق في مسارات الفن التجريدي المعاصر.

المعرض الذي استضافت نسخته المصرية قاعة الاتجاه بقصر الفنون في القاهرة، يحتفي بمرور 150 عاماً على ميلاد النحت الرائد تحت عنوان «برانوشكي 150»، افتتحته السفيرة الرومانية في القاهرة أوليفيا تودريان، بحضور محمد طلعت، مستشار وزير الثقافة المصري للفنون التشكيلية والبصرية، والدكتور شادي أديب سلامة، منسق وقيم المعرض بالقاهرة، ونخبة من الفنانين والمهتمين بالفن.

ويضم المعرض مجموعة من أعمال الغرافيك لـ29 فناناً رومانياً معاصراً، استُلهمت أعمالهم من فكر برانكوشي ورؤيته الجمالية التي أسست لمرحلة مفصلية في تاريخ الفن الحديث، وأسهمت في تطوير مفاهيم الاختزال والتجريد في النحت المعاصر.

تقنيات الحفر والطباعة ميزت المعرض (الشرق الأوسط)

وتُمثل نسخة القاهرة محطة مهمة ضمن سلسلة معارض متزامنة أُقيمت في 21 دولة حول العالم، تحتفي بإرث برانكوشي الفني وتأثيره المستمر حتى اليوم. وتعكس استضافة القاهرة لهذا المعرض مكانة القاهرة مركزاً ثقافياً فاعلاً للحوار الفني الدولي، وجسراً للتبادل الثقافي بين مصر ورومانيا.

وعدّ الفنان شادي أديب سلامة، منسق المعرض، أن المشروع «يجسد نموذجاً للتعاون الثقافي العابر للحدود، ويعزز من آفاق التواصل الفني بين الشعوب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هذا المشروع يتم التحضير له منذ عامين تقريباً، بعد اختيار مجموعة فنانين من رومانيا، قدّموا أعمالاً تستعيد مسيرة وسيرة الفنان الرائد قسطنطين برانكوشي من خلال نسخ أصلية مصنوعة بتقنيات الغرافيك أو الحفر والطباعة اليدوية سواء ضغط أو زنك أو حفر على الخشب أو نقل مباشر».

السفيرة الرومانية بالقاهرة خلال افتتاح المعرض (وزارة الثقافة)

وتضم الأعمال موضوعات مختلفة، فكل فنان احتفى بجانب من حياة أو أعمال برانكوشي الذي عاش فترة طويلة في فرنسا، وصنع مجموعة من التماثيل الميدانية ذات الطابع التجريدي على وجه الخصوص، وتضمنت أعمال الفنانين المشاركين في المعرض بورتريهات له أو لمنزله أو مناظر طبيعية للمكان الذي عاش وأبدع فيه النحات الرائد، بحسب أسلوب وطريقة كل فنان.

ووفق منسق المعرض فقد تم اختيار مصر لتشارك في هذه الاحتفالية «بناءً على اختيار مؤسسة Inter-Art Foundation (مدينة أيوُد – رومانيا) وهي تختار مكاناً في كل مدينة أو قارة للمشاركة في عروض لها طابع دولي، وقبل شهور نظمت المؤسسة معرضاً عالمياً في الأمم المتحدة وشاركتُ فيه من مصر».

بوستر المعرض الذي يحتفي بالنحات الروماني (وزارة الثقافة المصرية)

وأضاف سلامة أن «المعرض يعد عاملاً مهماً في التبادل الثقافي بين مصر ورومانيا، وهناك احتفالية بمرور 120 سنة على العلاقات بين مصر ورومانيا، تم تصميم شعارها وفق مدرسة برانكوشي في الربط بين الرقم ومفردات رمزية مثل الأعمدة الخاصة بالمعابد المصرية القديمة، وأشار إلى انتقال المعرض من دار الأوبرا المصرية لإقامة أكثر من فعالية أخرى يتم التحضير لها، سواء في السفارة الرومانية بالقاهرة، أو أحد المراكز الثقافية في الإسكندرية.


السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
TT

السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)

في رمضان تكتمل الصورة الروحانية بالتفاصيل البسيطة المصاحبة لطقوس الشهر الكريم، من بينها «السبحة» التي ترافق المؤمن في لحظات الذكر على مدى ساعات اليوم. وفي هذا الشهر تحديداً تتحول «السبحة» من أداة للذكر، والعبادة إلى قطعة ثقافية وجمالية لها تاريخ طويل، وحكايات متجددة، خصوصاً في مصر التي تعد واحدة من أقدم مراكز صناعة السبح في العالمين العربي، والإسلامي.

عرفت السبحة في صورتها القريبة من الشكل الحالي منذ القرون الأولى للإسلام، مع تطور الحاجة إلى وسيلة عملية لضبط الذكر. ومع مرور الوقت، تحولت من مجرد حبات للعد إلى رمز شخصي يعكس ذوق صاحبها، ومكانته الاجتماعية، حتى أصبحت في مصر جزءاً من الموروثين الشعبي، والديني معاً.

وداخل بازار في شارع المعز «خان الخليلي» بالقاهرة الفاطمية، يقف الشاب محمد سيد فوزي صاحب علامة «مكة للسبح والفضيات»، ممسكاً بسبحته الأنيقة، معرباً في بداية حديثه عن اعتزازه بتصميم وتصنيع السبح بوصفها حرفة أصيلة ورثها من أجداده، وعمل بها الأب والأعمام لعشرات السنين؛ حيث يعد والده سيد فوزي «شيخ المهنة» في مصر.

يقول فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «السبح موجودة في مصر طوال العام، لكن تصبح أكثر ازدهاراً في رمضان، فيحرص الكثيرون على اقتنائها، وتهدى في الزيارات، وتتصدر واجهات المحال في المناطق العتيقة، حيث تختلط بأشكالها، وألوانها المختلفة مع أصوات الباعة، وحكاياتهم».

صناع السبح اليدوية يستخدمون خامات نادرة (الشرق الأوسط)

يتلاقي حديث فوزي مع عراقة صناعة السبح في مصر؛ فتاريخياً تعود هذه الصناعة إلى العصر الفاطمي، حين ازدهرت الحرف المرتبطة بالشعائر الدينية. ولاحقاً، في العصرين المملوكي والعثماني، تطورت الصناعة، وأصبحت أكثر تنوعاً من حيث الخامات والأشكال، خصوصاً مع ازدهار التجارة.

وفي القاهرة القديمة، وخصوصاً في الجمالية، ومحيط مسجد الحسين والأزهر الشريف نشأت ورش صغيرة متخصصة في خرط الحبات، وصقلها يدوياً؛ فهذه المناطق لم تكن مجرد أسواق، بل مدارس حقيقية للحرفة، يتوارثها الصناع جيلاً بعد جيل؛ ولذلك يقصدها الزائرون طلباً لسبحة «لها روح» وفق وصف فوزي.

وتنقسم السبح من حيث الخامات إلى مستويات مختلفة، منها السبح الشعبية، والمتوسطة، والفاخرة. وتتخصص عائلة فوزي في السبح اليدوية الفاخرة المصنوعة من الأحجار الكريمة، والخامات الطبيعية، في اتجاه حديث يحتفي باقتناء السبح باعتبار أنها نوع من الاستثمار.

يقول فوزي: «إن السبح الطبيعية الفاخرة تشبه في فلسفتها الساعات الثمينة التي يحرص البعض على اقتنائها بوصفها استثماراً طويل الأمد».

وأضاف: «بعض السبح يصل سعر الغرام الواحد منها إلى ما بين 150 و200 دولار، ويجب ألا ننسى أن أي حجر طبيعي ترتفع قيمته مع مرور الوقت»، ويضرب مثالاً بمن يشتري سبحة مطعمة بالفضة بعشرة آلاف جنيه، متوقعاً ارتفاع سعرها لاحقاً.

تحتاج بعض السبح إلى أسبوعين لصناعتها (الشرق الأوسط)

ويضيف: «ما أقدمه يعتمد بالكامل على خامات طبيعية لم تمسها الآلة، إذ تصنع يدوياً بالكامل؛ ما يمنحها قيمة خاصة، ويسري شعور بالراحة والهدوء النفسي لدى من يستخدمها». ويرى أن «الألفة التي يشعر بها المرء عند لمس السبحة اليدوية تختلف تماماً عن تلك المصنوعة من خامات صناعية مثل البلاستيك التي تبدو خفيفة، ورخيصة، وصناعية في مظهرها، وإحساسها».

ويشير فوزي إلى أن من أبرز الخامات التي يعمل بها اليسر والكوك والكهرمان والأبنوس، لكنه يضع اليسر في مكانة خاصة، إذ يعده من أكثر الأحجار قيمة وتنوعاً. ويوضح أن «اليسر هو نوع من المرجان، وله فصائل متعددة مثل الأسود والبني والأبيض والذهبي، ويعد اليسر البني الأندر والأغلى ثمناً؛ لأنه مكث فترات طويلة في المياه، وتأثر بقلوية البحر التي غيرت لونه من الأسود إلى البني». وأردف: «يكمن جانب كبير من قيمة اليسر في كونه خامة طبيعية تتفاعل مع الجسم، إذ تنبعث من الحبات رائحة خفيفة تشبه رائحة البحر واليود عند إزالة طبقة التلميع؛ ما يمنح إحساساً بالسكينة، والارتباط بالطبيعة» وفق فوزي.

سبحة كوك طبيعي مجدولة بمعدن باحترافية عالية من مكة (الشرق الأوسط)

وعن الكوك، يوضح أنه «ثمرة من جوز الهند، ويعد من أكثر الخامات انتشاراً في مجال السبح، وتتراوح أسعاره من 180 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 47 جنيها مصرياً) إلى آلاف الجنيهات، وأحياناً تتم صباغته بلون بني داكن؛ لإعطاء انطباع بالعراقة، وكثرة التسبيح عليه».

ويؤكد فوزي أن ما يميز تاريخ صناعة السبح في مصر أنها تعتمد بشكل شبه كامل على العمل اليدوي باستخدام المخرطة؛ «حيث يقوم الحرفيون بتشكيل السبحة يدوياً دون الاعتماد على آلات صناعية؛ ما يجعل الخراط المصري من الأفضل عالمياً». ويشير إلى أن «الحرفيين المصريين مطلوبون بالاسم في العالم»، وأن بعض الخراطين المشهورين يتقاضون مبالغ تصل إلى 1000 دولار مقابل خرط سبحة واحدة، بغض النظر عن نوع الخامة.

وتتطلب الصناعة الدقيقة العمل على أجزاء من الملليمتر؛ لتقليل الهدر في الأحجار الكريمة مرتفعة الثمن، وأن الوصول إلى هذه الدرجة من الدقة يحتاج لسنوات طويلة من التدريب، والعمل المتواصل. ويصف فوزي مراحل صناعة السبحة بأنها عملية معقدة تشترك فيها أيادٍ متعددة؛ إذ تمر الخامة بمراحل التقطيع، والتشكيل، والخرط، والتخريم، والتطعيم، والصنفرة، والمراجعة، والتلميع، والتلميض، والتكتيل، وكل مرحلة لها أشخاص متخصصون.

خامات متنوعة وألوان متعددة للسبح (الشرق الأوسط)

وتستغرق صناعة بعض المسابح المطعمة بالفضة 15 يوماً، فيما تحتاج أنواع أخرى إلى خطوات إضافية، مثل التكتيل الأفريقي الذي ينفذه طلاب أفارقة من الأزهر. ويرى فوزي أن «الصناعة شهدت تطوراً كبيراً، بعدما كانت الأسواق محدودة في مصر، تشهد اليوم انفتاحاً عالمياً مع وجود مزادات للسبح في دول مثل ألمانيا، وليتوانيا».

ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في إحياء هذا المجال بعد تراجعه خلال فترات سياسية، وأزمات عالمية؛ فمنصات مثل «إنستغرام» ساعدت حرفيين بلا متاجر على الوصول إلى الأسواق، كما ساهمت في تعليم الخراطة، ونشر الوعي بكيفية اختيار الأحجار الكريمة.

وتطورت التصاميم أيضاً؛ فبعد أن كانت مقتصرة على أشكال تقليدية مكررة باتت تشهد اليوم ابتكارات جديدة في التطعيم، والأشكال، ويحتفي الجيل الجديد من صناع السبح بتقديم تصاميم جديدة مستوحاة من التراث بحسب محمد فوزي الذي يختتم حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أستلهم تصاميمي من الحضارة الإسلامية، وشارع المعز».


إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
TT

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

قبل 4 أيام من إسدال الستارة على هذه الدورة من المهرجان الألماني الكبير، أتيحت لكاتب هذه السطور فرصة لمقابلة المخرج التركي إلكر تشاتاك. كنت أرغب في طرح أسئلة على المخرج مستوحاة من فيلمه المثير للتفكير وما يدعو إليه. أخبرني المسؤول عن تنظيم المقابلات الصحافية أن المخرج أجرى العديد من المقابلات سابقاً، وربما كنت آخر من يحاوره قبل إعلان النتائج. أحد الأسئلة الواردة هنا يدور حول أهمية الجائزة التي كان يطمح إليها تشاتاك، والتي نالها بالفعل.

مفاجأة كبيرة

إلكر تشاتاك مع بطلَي فيلمه «رسائل صفراء» بعد الفوز في مهرجان برلين (رويترز)

* في بداية الفيلم نتعرّف إلى الزوجين «عزيز» و«دريا» في قمّة نجاحهما. بعد ذلك نراهما يفقدان ما حقّقاه بفعل حادثة. هل يمكن القول إنهما لم يدركا النتيجة التي سيصلان إليها بسبب تلك الحادثة؟ وهل يمكن أنهما لم يتوقّعاها؟

- أولاً، كانت المقدّمة التي اخترتها للفيلم ضرورية ليكون تمهيداً لما قد يحدث لأي فنان، بصرف النظر عن نجاحه، حتى لو كان نجماً. حتى في الغرب، وفي هوليوود، هناك حالات مشابهة تقع لفنانين ينتقدون أوضاعاً تخرج عن الأعراف، ولا بد أنك تعرف ذلك. ما أسرده يحدث في أماكن عدة، هنا في ألمانيا وغيرها من دول أوروبا. فيلمي إشارة إلى ذلك وتنبيه إليه. أما بالنسبة للتوقّع، فيدرك المشاهد أنهما لم يتوقَّعا النتيجة التي ذكرتها؛ لقد كانت مفاجأة كبيرة لهما، وتركت هذا التأثير العميق عليهما وعلى ابنتهما الشابة.

* لا تُخفي في الفيلم ذكر المدينتين الألمانيّتين اللتين صوّرت فيهما العمل. حدّثني عن هذا القرار.

- طبعاً، كان لا بد من ذلك. أردت أن أذكر اسمَي المدينتين اللتين لعبتا دور أنقرة وإسطنبول. لم تهمّني الاختلافات التي قد يدركها المشاهد سريعاً؛ لأنني أردت توظيف اختياري التصوير في ألمانيا؛ فموضوع فيلمي لا يمكن تصويره في تركيا. هذا الاختيار نوع من التأكيد على مضمون الفيلم.

الواقع حاضر

* موضوعك يوحي بأنك استلهمته من حادثة حقيقية، أليس كذلك؟

- رغم أن هناك أحداثاً وقعت لفنانين ومثقفين في السنوات الأخيرة، فإن الفيلم لا يستند إلى شخصية حقيقية أو حادثة معيّنة. إنه استلهام من واقع سائد في أكثر من مكان، كما ذكرت.

* لكن ألا يمكن أن يكون دافعك الأول لهذا الفيلم هو الإشارة إلى هذا الوضع؟

- هو جزء أساسي منه، وليس كله. الحكاية محلّية بالتأكيد، لكن الناتج بطبيعة الحال يعكس وضعاً منتشراً في أكثر من بلد حول العالم، وقد ازداد انتشاره مؤخراً. ومع ذلك، فالفيلم ليس فقط عن النزول من سلّم الشهرة إلى البطالة، بل أردت أيضاً الخوض في موضوع مهم آخر، هو تأثير ذلك على الحياة الزوجية.

* ما نشاهده في وضع العائلة الاجتماعي هو وصف للحال التي وصلت إليها وتأثير ذلك على حياتها الداخلية. بالنسبة إلى الزوجين، يبدو أن كلاً منهما على حق، وهذا واضح من الحوار الذي يتبادلانه، إلى جانب الأجواء التي تصاحب انتقالهما للعيش في منزل والدة «عزيز».

- تماماً، هذا مقصود. كنت أبحث عن حكاية أُبرز فيها العلاقة تحت الضغط. حاولت أن أكون منصفاً: لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام.

* لكن إذا كان هذا هو المقصود، ألا يقع الفيلم في التعميم؟

- لا أعتقد ذلك. في كل أفلامي أطرح أسئلة وأتجنّب الإجابة عنها. أفضِّل ذلك على أن أقدّم للمشاهد جواباً جاهزاً. عليه هو أن يُحلّل ويبحث. لا أرغب في توجيه المشاهد، ولا أريد أن أقول له: هذا ما يجب أن يكون.

الفائز هو الفيلم

المخرج إلكر تشاتاك والمنتج إنغو فليس (أ.ف.ب)

* فيلمك يشارك في مسابقة مهرجان برلين. وهي المرة الأولى لك في المسابقة بعد تقديم فيلمك السابق خارجها «صالة المعلّم» (Teacher’s Lounge). ماذا تعني الجائزة بالنسبة إليك، وبالنسبة لهذا الفيلم؟

- بالنسبة لهذا الفيلم، كما ذكرت، هو إشارة إلى ما يحدث حول العالم هذه الأيام. هناك تطوّرات تقنية نعيشها اليوم قد تؤدي إلى انتشار البطالة وصرف الموظفين من أعمالهم؛ لأن البديل الاصطناعي بات موجوداً. أعني أن المسألة لا تتعلّق فقط بالرقابة، أو منع العمل لأسباب فكرية، بل أيضاً بتطوّرات تمسّ اليوم الكثير من العاملين في شتّى الحقول. علينا أن نكون على وعي بما ستؤدي إليه هذه التعقيدات على المستويات الإنسانية والثقافية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية كافة. أما الجائزة بالنسبة إليّ، فهي تعني مساعدتي على نشر هذه الرسالة. إنها تمنح الفيلم حياة أخرى تتجاوز مجرد المشاركة في المسابقة. إذا فزت، فالفائز الحقيقي هو الفيلم.