«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

الفيلم للعرض في مهرجان «تريبيكا» الأميركي بعد «برلين»

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
TT

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)

يقدم الفيلم الوثائقي «Crocodile» (التمساح) واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية دفئاً وصدقاً، حيث يغوص في أعماق الشغف البشري، ويتتبع بمسؤولية ونضج مسيرة مجموعة «النقاد» (The Critics) النيجيرية الشابة، وتضم هذه المجموعة ريموند يوسف، ورونالد يوسف، وفيكتور جوسايا، وجودوين جوسايا، وبرفقة صديقيهم جوردان، وريتشارد، بالإضافة إلى عدد من المقربين، وأفراد العائلة الذين شاركوهم الرحلة.

من قلب الأزقة المتواضعة في مدينة كادونا النيجيرية قرر هؤلاء الفتية منذ نعومة أظفارهم ألا يستسلموا لواقعهم، فبدأوا في صناعة أفلام خيال علمي هوليوودية الطابع بإمكانات تكاد تكون معدومة، ومحولين الشغف الطفولي إلى قضية حياة.

من فناء منزل طيني بسيط يفتقر لأدنى مقومات التكنولوجيا، استطاع هؤلاء الشباب تأسيس عالم سينمائي متكامل الأركان، مستعينين بأدوات لا تتجاوز هاتفاً جوالاً واحداً بائساً بملامح بدائية، وبعض الملابس والأقمشة القديمة، وقطع الخردة، والمعادن التي يجمعونها من القمامة.

القصة قدمت في الفيلم الوثائقي، وهو إنتاج نيوزيلندي-نيجيري مشترك، وعرض في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وسيكون عرضه الأول في الولايات المتحدة ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» الشهر المقبل.

مخرجة وأبطال الفيلم على السجادة الحمراء في برلين (إدارة المهرجان)

العمل الذي أخرجته المخرجة النيوزيلندية بيترا بريتكيللي، بالتعاون الإنتاجي والفني الإبداعي مع أعضاء المجموعة أنفسهم، يتجاوز كونه مجرد توثيق تقليدي لصناعة السينما المستقلة، أو الأفلام البديلة في أفريقيا، فهو يتحول تدريجياً إلى رحلة فلسفية عميقة تبحث في جوهر الحلم، ومعنى النجاة، ومحاولات صياغة الهوية الشخصية والثقافية وسط واقع محلي قاسٍ يفيض بالأزمات المعيشية والأمنية.

على مدار ثلاثة عشر عاماً كاملة من التصوير المتواصل والمضني، يرصد الفيلم نمو هؤلاء الشباب جسدياً وفكرياً وعاطفياً أمام عدسة الكاميرا، وكيف تشكلت وتبلورت علاقاتهم المعقدة بالحياة والسينما والعالم الخارجي.

تتحدث المخرجة بيترا بريتكيللي لـ«الشرق الأوسط» عن اللحظة الاستثنائية التي اكتشفت فيها المجموعة للمرة الأولى عبر فضاء الإنترنت، مشيرة إلى أن اهتمامها المهني والإنساني الطويل بفكرة الهوية الثقافية واللغات المهددة بالاختفاء كان السبب الجوهري وراء هذا الانجذاب المباغت.

كانت بيترا تتابع بشغف تجارب ثقافية مغايرة ومستقلة حول العالم، قبل أن تصادف بالصدفة البحتة مقاطع فيديو قصيرة صنعتها مجموعة «النقاد»، وفي تلك اللحظة شعرت المخرجة بأنها تقف أمام تجربة إنسانية نادرة وصادقة للغاية، وتحمل في طياتها طاقة خام، وسحراً دفيناً من الصعب تفسيره بالكلمات العادية، أو النظريات النقدية الجاهزة.

استغرق العمل على الفيلم عدة سنوات (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة النيوزيلندية في مقابلتها مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم» أن علاقتها بالمشروع الوثائقي بدأت بشكل غريزي وعاطفي تماماً، بعيداً عن الحسابات الإنتاجية الباردة، أو التخطيط المسبق، واتخذت قراراً جريئاً بالسفر الفوري إلى نيجيريا بعد أيام قليلة جداً من أول تواصل إلكتروني معهم، دون أن تملك أي خطة عمل واضحة، أو تصور نهائي لشكل الفيلم، أو مساره الفني.

ولم يكن طريق التصوير الممتد عبر السنين مفروشاً بالورود، بل واجه تحديات لوجستية وإنسانية بالغة التعقيد، بدأت من مشقة السفر والمسافات الطويلة بين نيوزيلندا ونيجيريا، ومروراً بأزمة جائحة كورونا العالمية التي قطعت أوصال التواصل الفعلي، ومنعتها لسنوات من العودة. امتدت الصعوبات لتشمل تفاصيل الحياة اليومية المضطربة لأبطال الفيلم، من انقطاع دائم للتيار الكهربائي، وغياب شبكات الإنترنت، وهي عقبات كادت تعصف بالمشروع بأكمله.

من جانبه، كشف ريموند يوسف، أحد الأعضاء البارزين في المجموعة، عن الكواليس النفسية الأولى للقاء، موضحاً أنهم تجاهلوا رسائل بيترا المتكررة في البداية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مدفوعين بنوع من التوجس والريبة الفطرية.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفضول هو ما حركهم في النهاية للرد عليها، حيث لم يكونوا يستوعبون إطلاقاً لماذا قد تتكبد مخرجة أجنبية مشقة السفر من نيوزيلندا إلى نيجيريا لتصنع فيلماً عن فتيان يصورون مقاطع بسيطة بهواتف متهالكة في حي شعبي منسي، ولم يدركوا وقتها أن شغفهم الصغير يملك هذه القيمة الإنسانية الكبيرة.

وأشار ريموند يوسف إلى أن المجموعة اعتقدت في بادئ الأمر أن المسألة لن تتجاوز بضعة أيام من التصوير التوثيقي العابر، قبل أن تفاجئهم بيترا بإعلان نيتها مرافقة تفاصيل حياتهم، ورصد تقلبات عيشهم لسنوات طويلة قادمة.

هذا الالتزام الزمني الطويل لم يفهم الشباب أهميته وقيمته الفنية في ذلك الوقت المبكر من حياتهم، لكن السنوات اللاحقة جعلتهم يدركون النضج الكامن في هذا التوثيق، فشاهدوا، بكثير من الدهشة والذهول، كيف تغيرت ملامحهم، ونضجت أفكارهم، وكيف كبروا، وتطورت أدواتهم الفنية والشخصية أمام هذه العدسة المخلصة التي رافقت طفولتهم وشبابهم.

أما شقيقه رونالد يوسف، فقد أوضح أن فكرة التصوير المستمر والتوثيق لم تكن غريبة تماماً على بيئة المجموعة، لأنهم اعتادوا منذ الطفولة توثيق كواليس أفلامهم، ومشاركة تفاصيل حياتهم اليومية مع متابعيهم على شبكات التواصل.

وثق الفيلم جانباً من حياة مخرجين شباب في نيجيريا (الشركة المنتجة)

هذا الاعتياد خلق نوعاً من الانسجام الطبيعي والتلقائي مع كاميرا بيترا منذ اللحظات الأولى، وضمن تدفقاً عفوياً للأحداث دون تصنع، لكن رونالد اعترف في الوقت نفسه بأن أحداً منهم لم يكن يتوقع أو يتخيل، ولو في الأحلام، أن يتحول هذا الفيلم الوثائقي إلى علامة فارقة تشكل جزءاً جوهرياً ومصيرياً من حياتهم، ومسيرتهم الفنية والمهنية اللاحقة.

في المقابل، لم ينكر فيكتور جوسايا أن وجود شخص أجنبي يحمل ثقافة مختلفة تماماً ويراقب تفاصيل حياتهم الخاصة بالكاميرا كان أمراً مربكاً ومثيراً للقلق في البداية، وزاد من هذا الإرباك أن المجموعة كانت تتلقى في تلك الفترة عروضاً تجارية، ورسائل بريدية لا حصر لها من جهات وأشخاص يبحثون عن استغلال نجاحهم الرقمي المفاجئ على الإنترنت.

لكن فيكتور أكد أن علاقتهم الإنسانية بالمخرجة النيوزيلاندية تطورت تدريجياً وبثبات مع مرور الوقت، بعدما اكتشفوا بذكائهم الفطري أنها لا تبحث عن إثارة رخيصة، أو صناعة فيلم سريع، بل تسعى بصدق واهتمام لفهم أعماقهم الفكرية.


مقالات ذات صلة

هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

يوميات الشرق يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

على الرغم من أن فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) يجذب آلاف السياح سنوياً إلى مدينة سالزبورغ، فإن هذا العمل السينمائي لم يجذب قطّ سكان المدينة.

كاثرين هيكلي (سالزبورغ (النمسا))
سينما من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها،

محمد رُضا (لندن)
سينما «القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة.

يوميات الشرق عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان فينسيا للمرة الأولى (الشركة المنتجة)

أشجان الهمص: فيلم «البرانية» أعادني إلى حياة افتقدتها في أوروبا

قالت المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص إن فكرة فيلم «البرانية» بدأت معها قبل نحو أربعة أعوام.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده. تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان...

فاطمة عبد الله (بيروت)

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)
قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)
TT

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)
قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)

أسدل مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» الستار على دورته الرابعة خلال حفل ختام أقيم على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية مساء الجمعة، بعد ثمانية أيام من الفعاليات التي حملت اسم الفنانة الراحلة سناء جميل، وشملت تقديم 13 عرضاً مسرحياً من مصر، وعدد من الدول العربية، والأجنبية، إلى جانب ورش، وندوات، وفعاليات فكرية، وحوارية.

وشهدت فعاليات الختام العرض المسرحي البريطاني «مجوهرات ضخمة»، إلى جانب الإعلان عن الفائزين في مسابقة «فتحية العسال» للنصوص المسرحية، التي ينظمها المهرجان بالتعاون مع دار «ريشة للنشر» للعام الثاني، وبلغ عدد النصوص المشاركة 54 نصاً، تنافست في مسارين؛ الأول للمحترفين من الكاتبات، والكُتّاب، والثاني للمبتدئات من النساء.

وفاز في مسار المحترفين نص «حفرة» لإسلام فرغلي، و«هي وما جرى لها» لمجدي مصطفى القوصي، وهو نص مونودراما، و«نساء القمر» لداليا بسيوني. وفي مسار المبتدئات، ذهبت النتائج إلى «خضاب روح» لسمر المليجي، و«القشة» لنور الهدى طاهر محمد الصغير، و«كانيلوني» لسارة قاسم، ومن المقرر أن تجمع النصوص الفائزة في كتاب يصدر عن دار «ريشة للنشر»، ويُطرح ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب.

شهد حفل الختام إعلان أسماء الفائزين بجوائز الكتابة (إدارة المهرجان)

وقالت رئيسة المهرجان، عبير لطفي، إن الدورة الرابعة لم تقتصر على تقديم العروض، وإنما فتحت مساحات للإبداع، والتعلم، وتطوير التجارب الجديدة، عبر حاضنة «نهاد صليحة» التي ساعدت عروضاً على الخروج للنور، بالإضافة إلى الورش، والندوات، ومسابقة «فتحية العسال» للتأليف المسرحي في إطار مواصلة المهرجان دعم الكتابة المسرحية، وطرح تجارب النساء في الفن.

وشهد ختام المهرجان تقديم العرض البريطاني «مجوهرات ضخمة» (Chunky Jewellery) والذي يعيد النظر في الطريقة التي نعيش بها، والأحداث التي يصعب تجاوزها، عبر عام واحد في حياة امرأتين، يحمل ولادتين، وموتاً، ومرضاً، وانفصالاً، وأسئلة عن الأمومة، والفقد، لتتحول خشبة المسرح إلى مساحة تتجاور فيها المواقف الصغيرة مع اللحظات التي تقلب حياة الإنسان، من دون فصل واضح بين ما هو مؤلم وما هو ساخر، أو بين الانهيار ومحاولة مواصلة اليوم التالي.

العمل الذي ينطلق من تجارب حقيقية عاشتها بطلتاه، ومن جلسات جمعتهما حول موائد مطبخهما في «غلاسكو» البريطانية، جرى تحويله إلى مادة مسرحية تسمح للجمهور بالدخول إلى تفاصيل شديدة الحميمية، من أعياد الميلاد، والوجبات، والمواقف العائلية، وصولاً إلى المرض، والوداع.

ويشارك في ابتكار وأداء العرض الثنائي جود ويليامز وناتاشا غيلمور، فيما يتولى بن ديوك الإخراج، والمشاركة في الابتكار، واختار صناع العرض ألا يضعوا هذه التجارب تحت ثقل الدراما وحدها، فمن خلال الرقص، والحكي، والكوميديا، والأغاني تضمن العرض طرقاً مختلفة لاستعادة ما حدث، وأحياناً للهروب منه.

تناول العرض جانباً حقيقياً من حياة بطلتيه (إدارة المهرجان)

وقالت بطلة العرض والمشاركة في ابتكاره ناتاشا غيلمور لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة العمل بدأت بشكل عفوي بينها وبين صديقتها جود ويليامز، بعدما حصلت في عيد ميلادها على قلادة كبيرة الحجم، ما دفعهما إلى المزاح حول تقديم عرض يحمل اسم «مجوهرات ضخمة» تطور لاحقاً إلى رغبة في تقديم حكايات عن نساء في مرحلة عمرية لا تحظى بالمساحة نفسها في القصص، بعيداً عن صورة البطلة الشابة ذات الحكاية الرومانسية.

وأوضحت غيلمور أن «العرض نشأ من رغبة في الاحتفاء بالصداقة، والحب الذي ينشأ بين الأصدقاء، وليس فقط الحب الرومانسي»، مشيرة إلى أن العمل يتناول مرحلة من الحياة تصبح فيها التجارب أكثر تعقيداً، مع التعامل مع وفاة الوالدين، والأطفال الصغار، والعمل، وغيرها من المسؤوليات. لافتة إلى أن قوة الصداقة بينهما كانت جزءاً أساسياً من الحكاية، وأرادتا الاحتفاء بهذا النوع من العلاقات التي توفر للنساء الدعم في مراحل صعبة من حياتهن.

وأكدت أن العرض لم يكتب بالطريقة التقليدية، إذ عملت مع جود ويليامز والمخرج بن ديوك على مجموعة من الارتجالات والتجارب لفترة طويلة، قبل أن يبدأ النص في التشكل تدريجياً، مشيرة إلى أن المخرج ساعدهما في العثور على البناء المناسب لمجموعة القصص التي أرادتا تقديمها، بينما جرى تنقيح النص مرة بعد أخرى انطلاقاً من الارتجالات، حتى أصبح للعرض هيكله النهائي.

العرض البريطاني قدم في نهاية المهرجان (إدارة المهرجان)

ولفتت غيلمور إلى أن «اختيار الممثلين لم يكن مطروحاً بالطريقة المعتادة، لأن العرض يقوم على قصتهما الحقيقية، وجود صديقتين بالفعل، وأن كلاً منهما كانت حاضرة في محطات أساسية من حياة الأخرى»، إذ حضرت جود ولادة طفلها، بينما كانت هي موجودة في جنازة والدة جود.

وأضافت أن هذه التجارب المشتركة أصبحت جزءاً من النص، وأن تقديمها بقدر كبير من الصدق جعلها، في رأيها، أكثر قدرة على الوصول إلى جمهور مختلف، لأن التفاصيل الشخصية يمكن أن تقود إلى مشاعر وتجارب إنسانية مشتركة، مؤكدة أن الحفاظ على صدق التجربة لم يعنِ نقل كل شيء كما حدث، إذ جرى اختيار بعض التفاصيل من أجل التأثير الكوميدي، أو ضبط الإيقاع، إلى جانب المبالغة في بعض المواقف، بينما قررتا عدم تضمين أشياء أخرى لحماية أشخاص في حياتهما.

وتطرقت غيلمور إلى المزج بين المسرح، والرقص، والكوميديا، والموسيقى، موضحة أن اختلاف خلفيتها عن خلفية جود ويليامز كان أحد أسباب هذا التنوع؛ فهي تنتمي إلى عالم الرقص المسرحي، بينما جود مغنية جاز، وتلقت تدريباً في المسرح الغنائي.


مخرج «الهدف»: تحمستُ للمسلسل لأن تداعيات حرب العراق ما زالت حاضرة

ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)
ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)
TT

مخرج «الهدف»: تحمستُ للمسلسل لأن تداعيات حرب العراق ما زالت حاضرة

ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)
ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)

قال المخرج الأميركي ليزلي غرايف إن اختياره تقديم مسلسل «الهدف» (High Value Target) انطلق من اهتمامه بالتاريخ، ورغبته في تناول قصص وشخصيات وأحداث يمكن من خلالها فهم الماضي وتأثيره في الحاضر. وأشار إلى أن قصة العمل لا تقف عند حدود الولايات المتحدة، إذ تمتد تداعياتها إلى الشرق الأوسط والعالم، وهو ما منحه إحساساً بأن هذه الحكاية تستحق أن تُروى، خصوصاً مع عودة كثير من الأسئلة المرتبطة بالحرب على العراق إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف ليزلي غرايف في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن طموحه كان منذ البداية تقديم عمل عالمي من حيث المستوى، بحيث لا يشعر المشاهد بأن ما يراه يقل في قيمته الإنتاجية عن أي مسلسل يُصوَّر في أوروبا أو الولايات المتحدة، رغم محدودية الوقت والميزانية، موضحاً أن هذه الرغبة رفعت سقف التحديات، خصوصاً مع طبيعة المسلسل التي تتطلب الحركة والانتقال بين أجواء وشخصيات ولغات مختلفة، لكنه رأى أن الضغط نفسه دفع الفريق إلى مضاعفة الجهد، بدلاً من التنازل عن المستوى الذي كان يستهدفه.

وكان التصوير في القاهرة جزءاً لافتاً من تلك التجربة، بعدما حصل فريق العمل على تصريح للتصوير في شوارع المدينة، من بينها منطقة شبرا التي احتضنت أحد مشاهد الحركة الكبيرة، وذكر غرايف أن سكان المنطقة تعاملوا مع فريق التصوير بصورة ودية ومتعاونة، وهو ما أتاح تنفيذ مشاهد لم يكن من السهل نقلها إلى الاستوديوهات، كما استفاد العمل من مواقع في القاهرة وسقارة ومناطق أخرى جرى اختيارها بعناية لتؤدي دور أماكن عراقية، مع بناء ديكورات إضافية عندما لم تكن المواقع الطبيعية كافية لتحقيق الصورة المطلوبة.

ؤ

ولم تتوقف الاستفادة من الإمكانات المصرية عند التصوير، إذ امتدت إلى المؤثرات البصرية وما بعد الإنتاج، بحسب المخرج الأميركي الذي أكد أن تنفيذ هذا الجانب كان يتم عادةً بالنسبة إلى فريقه في دول مثل الهند أو كندا أو الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية، لكن شركة «أروما ستوديو» (Aroma Studios) قدمت تصوراً لإنتاج المؤثرات داخل مصر، وبعد الاطلاع على مستوى العمل، اتُّخذ القرار بمنحها الفرصة، لتنتهي التجربة بتنفيذ المؤثرات البصرية كاملة في مصر، إلى جانب جزء كبير من أعمال المونتاج، بما جعل المشروع يتجاوز فكرة تصوير عمل أجنبي داخل البلاد.

ولفت غرايف إلى أن حساسية موضوع المسلسل فرضت تحدياً مختلفاً، يتعلق بتقديم القصة من دون الانحياز إلى موقف سياسي محدد، فيما كان الهدف النهائي الوصول إلى معالجة متوازنة لا تضع العمل في موقع الدفاع عن طرف أو الهجوم على طرف آخر، مؤكداً أن الفريق كان مدركاً في الوقت نفسه أن «الهدف» عمل درامي وليس وثائقياً، لذلك كان لا بد من اختصار بعض الوقائع ودمج شخصيات وضغط الزمن للحفاظ على البناء الدرامي.

وكشف غرايف أن «مشروع المسلسل بدأ في الأساس باعتباره فيلماً، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مسلسل قصير بعد انضمامه إلى المشروع»، موضحاً أن «مرحلة التحضير اعتمدت بدرجة كبيرة على استعادة التجربة من أصحابها الحقيقيين، خصوصاً جويل كينامان الذي يؤدي شخصية (جون نيكسون)، والذي أمضى وقتاً طويلاً مع نيكسون لفهم طريقة تفكيره وسلوكه كضابط في الـCIA»، فيما استعان الفريق أيضاً باللواء محمد شنشل، مدير المكتب الخاص للرئيس العراقي صدام حسين، لتقديم وجهة النظر العراقية ومراجعة التفاصيل المتعلقة بهذا الجانب. وأكد أن الجمع بين المصدرين ساعده في الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الواقعية، مع إبقاء العمل داخل حدود الدراما السياسية ذات العناصر الحركية.

مخرج المسلسل ليزلي غرايف (الشرق الأوسط)

واستعاد غرايف واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تجربته، عندما شاهد جون نيكسون بعض المشاهد المصورة في واشنطن. وقال إن نيكسون تأثر بما رأى إلى درجة جعلته يشعر بأنه عاد إلى تلك الفترة، وربط هذا الإحساس تحديداً بالإضاءة والمزاج البصري للمشاهد، موضحاً أن تلك اللحظة اكتسبت بالنسبة إليه قيمة خاصة لأنها جاءت من شخص عاش الأحداث بالفعل، ومنحته مؤشراً على أن العمل لم يكتف بإعادة بناء الوقائع، إنما استطاع أيضاً الاقتراب من الأثر النفسي الذي تركته التجربة لدى أصحابها.

وحول اختيار الممثل وليد زعيتر لتجسيد صدام حسين، كشف غرايف أن فريق العمل أجرى بحثاً واسعاً عن الممثل المناسب حول العالم، قبل الاستقرار عليه، لافتاً إلى أن زعيتر لم يتعامل مع الشخصية باعتبارها دوراً تقليدياً، وإنما خضع لتحضير طويل شمل دراسة حركات صدام من خلال تسجيلاته والاستعانة بمدرب للحركة، إلى جانب العمل اليومي مع مدرب للهجة العراقية لأن الهدف كان الوصول إلى أداء يلتقط أكثر من جانب في الشخصية، بدلاً من تقديم صورة أحادية عنها.

وأشار غرايف إلى أن اختيار الممثلين المصريين اعتمد على تجارب الأداء إلى جانب معرفته السابقة بعدد من الفنانين، موضحاً أن الممثلة المصرية نيللي كريم كانت من الأسماء التي ساعدت في ترشيح ممثلين للمشروع.

وتطرق غرايف إلى علاقته بمصر التي تمتد لأكثر من 20 عاماً، موضحاً أنها بدأت من خلال عمله في مشروعات تناولت الاكتشافات الأثرية بالتعاون مع وزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس، مؤكداً أنه صوّر خلال تلك الفترة في الواحات البحرية وسقارة والجيزة ومنطقة الأهرامات، كما عمل في إنتاجات لصالح «نتفيلكس» و«ديسكفري»، وهو ما أتاح له التعرف على طبيعة العمل في مصر وبناء علاقات واسعة مع فنانين وفنيين وجهات إنتاجية وحكومية.

ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)

ولفت إلى أن «اختيار مصر لم يكن مرتبطاً بالمواقع فقط، إنما أيضاً بدرجة الثقة التي تكونت لديه عبر سنوات العمل فيها»، موضحاً أن قرار التصوير جاء في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى المنطقة، بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول)، مع وجود مخاوف لدى بعض المشاركين من أوروبا وأميركا وكندا بشأن العمل في الشرق الأوسط، لكن تجربته السابقة مع مصر منحته شعوراً بالاطمئنان، وتمكن من نقل هذا الشعور إلى أعضاء الفريق القادمين من الخارج، قبل أن تتحول الفكرة لاحقاً إلى تجربة إنتاجية كاملة داخل البلاد.


ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر
TT

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

في منطقة ترسانة بإسطنبول، وعلى امتداد ساحل القرن الذهبي حيث كانت تُبنى السفن العثمانية، يشعر الزائر بأنه يقف عند تقاطع بين التاريخ والحاضر؛ بين المستودعات الحجرية الضخمة وأشرعة السفن من جهة، والأسواق والمطاعم ومساحات الترفيه من جهة أخرى. ومن الطبيعي أن تستقطب هذه المنطقة الفنون أيضاً، وهو ما تجسد في معرض «كونتمبوراري إسطنبول» الذي أقيم بين 23 و27 سبتمبر.

واصل المعرض نموه هذا العام، إذ ارتفع عدد الصالات المشاركة إلى 70 صالة مقارنة بـ52 صالة في الدورة السابقة، بمشاركة 736 فناناً عرضوا 1372 عملاً فنياً. كما تجاوز عدد الزوار 38 ألفاً، وفق وكالة الأناضول.

وفي اليوم الأول استعرض علي غورلي مدير المعرض مسيرة «كونتمبراري إسطنبول» الممتدة على مدار 21 عاماً، ومكانة إسطنبول في عالم الفن الدولي مشيرا إلى أن المعرض أصبح يمثل حلقة تربط بين تركيا وسوق الفن العالمية قبل أن يضيف بتفاؤل حذر: » يجب أن نضع في الحسبان الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة والتي أثرت بشكل سلبي على العالم الفني». خلال حديثه، قدّم عرضاً لأبرز المستجدات في دورة هذا العام، ومنها قسم المنحوتات الضخمة المنتشرة خارج القاعات الرئيسية ومنها أول منحوتة للفنان العالمي جوني دب وعمل تركيبي للفنان البحريني راشد آل خليفة، ويشير إلى أنها من الجوانب التي تفتقدها تركيا.

ننطلق في جولة على قاعات العرض ال 70 وهي مهمة ليست سهلة، ولكنها ممتعة جدا، نتوقف عند بعض الأعمال اللافتة ونعرف تفاصيل أكثر عنها ولكن في النهاية يصعب الحديث عن كل القاعات بشكل وافي، ولكن ما يبقى في الذاكرة بعد التجول بينها هي أعمال متفردة يصعب نسيانها نستعرض هنا بعضا منها.

ساعات الفنان ألفريدو جار (الشرق الأوسط)

ساعات الكارثة

في غاليري «فرانسيسكو فينو» من لشبونة بالبرتغال: ثلاث ساعات حائط متجاورة كل منها مثبتة على وقت معين، في البداية لا نعرف رمزية الساعات الثلاث ولا الأوقات لكن بالنظر لبطاقة العمل نقرأ أنها العمل للفنان ألفريدو جار وعنوانه «هيروشيما، ناغازاكي، فوكوشيما (2019)، يظهر لنا شريط معدني مثبت داخل الساعة التاريخ الذي توقفت عنده العقارب، وهو يوم سقوط القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي في عام 1945 (يومي 6 و9 من شهر يونيو عام 1945) واليوم الذي حدثت فيه كارثة فوكوشيما النووية في 11 مارس 2011.

أسراب الحمام فوق المخيم

في غاليري «كارلييه غيباور» من برلين نرى عمل بعنوان «تحليق-الجلزون» للفنان الأميركي نيدا سينيكروت. في الصورة الملتقطة ليلا نرى أسرابا من الحمام الأبيض يحلق فوق بيوت مخيم الجلزون في الضفة الغربية بفلسطين، ثبت الفنان أضواء LED في أرجل الحمام نري تأثيرها في خطوط الضوء التي تسجل تحليق الحمام في دوائر «تحاكي أنماط الهجرة سواء كانت قسرية أو طبيعية» بحسب بيان العمل.

«تحليق - الجلزون» للفنان الأميركي نيدا سينيكروت (غاليري «كارلييه غيباور»)

الخبيزة

من فلسطين أيضاً نرى لوحتين معلقتين تحملان طبعة نباتات باهتة للمصوّر دور غويز، وهو مقيم في القدس من أصول مسيحية يهودية فلسطينية. يحمل العمل عنوان «خبيزة». تعلق دليلة المعرض أن الفنان استخدم نبات الخبيزة واسع الانتشار في فلسطين، لأنه غذاء أساسي يلجأ له الفلسطينيون حين يندر الغذاء: «أخذ الفنان سيقاناً من نبات الخبيزة، وطبعها على الورق للوصول لهذه النتيجة».

«خبيزة» للمصور دور غويز (الشرق الأوسط)

زهرة الغامدي

في غاليري «بيرل لام بروجيكتس»، نرى سلسة من أعمال الفنانة السعودية زهرة الغامدي، بعنوان «نبض واحد وحيوات متعددة» تستخدم فيه الخيط الأسود على القماش. وبحسب الغاليري، تستلهم الغامدي عملها من «الممارسات الحرفية التقليدية والمناظر الطبيعية في جنوب غربي المملكة العربية السعودية. وتستكشف سلسلة (نبض - حيوات متعددة) العلاقات المتغيرة بين الجسد البشري والمناظر الطبيعية والذاكرة والانتماء».

يعلق المشرف على المعرض أن الفنانة تعبّر عن رهافة العلاقات الإنسانية عبر استخدام الخيط، وأنها «تتعامل مع تقاطع العلاقات الثقافية والشخصية والاجتماعية»، مضيفاً أن الغامدي «تميل بشدة إلى التفاعل الحسي المباشر»، وأن طابع أعمالها «يفيض بصلة وثيقة بالأرض».

عمل للفنانة السعودية زهرة الغامدي (الشرق الأوسط)

إسطنبول بين الشعر والحديد

في غاليري «فيلا ديل آرتي» من برشلونة نرى عملاً يتوسط القاعة للفنان لويس سيرا، بعنوان «إسطنبول»، وهو عبارة عن عمود من الحديد والرخام وفي وسطه عقدة تضم طرفيه في تشكيل جميل، يحمل الجزء الأسفل، وهو مصنوع من الرخام الإيراني النحاسي اللون، كتابات متعددة يقول عنها الفنان إنها مأخوذة من قصيدة لشاعر تركي معروف، ويشير إلى الجزء الثاني من العمود المصنوع من الحديد بأنه يعبر عن أوروبا، وكأن العمل يقدم إسطنبول المليئة بالشعر والثقافة والجمال على أنها الرابط مع أوروبا الحديثة المعتمدة على الصناعة.

خفة رغم الكتلة

من الأعمال التي توقف عندها الزوار تمثال بديع للفنان بهادر براوتر نرى عدة نسخ منه حول المعرض وخارجه، بعنوان «السمينات». البعض قال إنه يصوّر راقصات بالية ممتلئات الجسم يرقصن غير عابئات بمن حولهن وترتسم على أوجههن ابتسامة لطيفة، أياً ما كانت الشخصية التي يصورها العمل؛ فهو يظل من الأعمال التي أمتعت الزوار، ورسمت الابتسامة على وجوههم؛ فما بين الكتلة الضخمة للتمثال ورشاقة الحركة هناك كثير من المعاني والمتعة.

شراع الضوء

في مدخل المعرض نرى منسوجة بيضاء عملاقة للفنانة تشيساتو ماتسوموتو تمثل كائناً أسطورياً ربما. المنسوجة دقيقة التفاصيل ومصنوعة باليد، تصيح إحدى الحاضرات عند الاقتراب من العمل قائلة: «هناك حركة!». وبالنظر، نرى أطراف العمل وهي تتحرك بطريقة ميكانيكية وكأن أصابعَ خفية تتحرك تحت القماش الأبيض الممتد.

بحسب بيان غاليري بيرل لام، فالعمل صممته الفنانة خصيصاً للموقع، وتم نقله من هيروشيما في اليابان إلى منطقة ترسانة إسطنبول التاريخية. استخدمت الفنانة قماش «شيبوري» (shibori) المربوط يدوياً عبر المساحة باستخدام الحبال والبكرات، لتشكل هياكل عضوية تذكرنا بالأشرعة أو الأجنحة؛ إذ يوحي تراكم هذه الأشكال بالحركة المستمرة للسفن وتجمّع الناس في الميناء قبل الانطلاق مجدداً في رحلاتهم حول العالم.

من معرض «كونتمبوراري إسطنبول» (الشرق الأوسط)

بعد ساعات من التجول بين القاعات والمنحوتات المنتشرة على ضفاف القرن الذهبي، تتوارى أسماء الفنانين وتبقى الانطباعات. خيوط، وأشرعة، وطيور، وساعات متوقفة، وهياكل من الحديد والضوء؛ أعمال مختلفة في أشكالها ولغاتها، لكنها تلتقي عند أسئلة مشتركة عن الذاكرة والهوية والحركة والحدود.

راشد آل خليفة و«الصندوق المأهول - متعدد الألوان»

ضمن الأعمال التركيبية الموزَّعة على أرض المعرض يقف مربع من الحديد الملوَّن مطلاً على القرن الذهبي. موقعه في منطقة الترسانة بماضيها في بناء السفن يعيدنا للبحرين وعلاقتها بالتجارة البحرية عبر الأزمنة، فيبدو وكأن العمل الضخم يدخل في حوار مع موقع ترسانة، بكل أصداء ماضيه.

«الصندوق المأهول-متعدد الألوان للفنان البحريني راشد آل خليفة (كيهان كايغوسوز)

يبدو العمل كشبكة ضخمة من الفولاذ تتألف من شبكات متقاطعة، وهي بنية تدعو الزوار إلى التجول داخلها بدلاً من الاكتفاء بمشاهدتها من الخارج.

بحسب الفنان، فإن العمل في تصميمه الهندسي ورؤيته يؤكد على مفهوم الشفافية؛ فهو يسمح للناظر بالرؤية كاملة من الداخل والخارج، ويبدو بالفعل وكأنه كائن شفاف ملوَّن من بعيد. وعند دخوله والمشي فيه يرى الزائر ما حوله بنفس الشفافية، وإن كان من منظور مختلف. في الداخل نشعر بأننا في مكانين في الوقت ذاته، رغم الحدود الفاصلة المصنوعة من الحديد المجلفن، ولكن بحكم التصميم واستخدام الألوان اللطيفة على العين (لا توحي بالقسوة بحسب تعبير الفنان) ينتابنا شعور بتلاشي الحدود الفاصلة بيننا وبين العالم الخارجي.

يشير الفنان إلى نقطة مهمة، وهي أن الدخول والمشي داخل المربع في ممرات صغيرة تشبه المتاهة «جزء من العمل».