دراسة تضع رؤية لترابط الابتكار والتمويل والتجارة بالاقتصاد الدولي

دار نشر عالمية تصدر كتاباً لباحث سعودي حول أهمية تبني سياسات تدعم النمو والتنمية المستدامة

حاويات تجارية في مرفأ نيوآرك بولاية نيوجيرسي الأميركية... وفي الإطار كبير المستشارين الاقتصاديين بوزارة الاقتصاد والتخطيط د. رجا المرزوقي (أ ف ب)
حاويات تجارية في مرفأ نيوآرك بولاية نيوجيرسي الأميركية... وفي الإطار كبير المستشارين الاقتصاديين بوزارة الاقتصاد والتخطيط د. رجا المرزوقي (أ ف ب)
TT

دراسة تضع رؤية لترابط الابتكار والتمويل والتجارة بالاقتصاد الدولي

حاويات تجارية في مرفأ نيوآرك بولاية نيوجيرسي الأميركية... وفي الإطار كبير المستشارين الاقتصاديين بوزارة الاقتصاد والتخطيط د. رجا المرزوقي (أ ف ب)
حاويات تجارية في مرفأ نيوآرك بولاية نيوجيرسي الأميركية... وفي الإطار كبير المستشارين الاقتصاديين بوزارة الاقتصاد والتخطيط د. رجا المرزوقي (أ ف ب)

أكد الباحث السعودي الدكتور رجا المرزوقي ترابط الابتكارات وحركة التجارة الدولية والأموال والنمو الاقتصادي التي باتت ممكناً اقتصادياً عالمياً يتخطى الحدود الجغرافية، داعياً لتبني سياسات وتشريعات حكومية تعمق الاستفادة من العلاقة بين عوامل البحث والتطوير للابتكار والنمو الاقتصادي والدفع بها نحو تحقيق التنمية المستدامة، لا سيما مع انفتاح الاقتصاد وحركة الأفراد وتدفق الاستثمارات.
وقال الدكتور رجا المرزوقي كبير المستشارين الاقتصاديين في وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية في كتاب بعنوان «الابتكار العالمي... التمويل والتجارة الدولية»، صدر مؤخراً عن دار النشر ذائعة الصيت عالمياً «روتليدج»، بشراكة الدكتور جون ماتيس الأستاذ الفخري للاقتصاد الدولي والمصارف والتمويل بجامعة ولاية أريزونا في الولايات المتحدة الأميركية، أن بروز الجدوى الاقتصادية للابتكار مع تزايد الانفتاح الاقتصاد العالمي وتشابكه من خلال التجارة الدولية والاستثمارات والأفراد أدى إلى جاذبية الابتكارات للاستثمارات العالمية من كل مكان، متجاوزة الحدود الجغرافية للدولة المبتكرة مما ساهم في تحقيقها معدلات نمو أعلى من مثيلاتها.

- أدوات التمويل
وأضاف المرزوقي لـ«الشرق الأوسط» أن نمو صناديق الاستثمار الجريء كان له دور واضح ورئيسي بجانب أسواق المال التي كانت داعماً قوياً جداً، مفيداً أن ابتكارات الأدوات المالية، كنموذج، أدى إلى انخفاض المخاطر وزيادة القدرة على تمويل رواد الأعمال والشركات الناشئة وبالذات الشركات التقنية والتي يغلب عليها الابتكار.
وأشار إلى أنه مع توفر التمويل وتعدد أدواته نمت الابتكارات بشكل ملحوظ منذ عام 1750 والتي تمثل بداية الثورة الصناعية الأولى والتي ساهمت في زيادة الإنتاج العالمي الذي استطاع أن يتواكب مع زيادة الطلب بسبب النمو السكاني المرتفع وتحسن الدخل الفردي في العالم، وهو لا شك - على حد تعبيره - كان له دور في المحافظة على أسعار مقبولة، بل ساهم في منع صدمات أسعار أعلى على مستوى العالم.
وزاد: «ساهمت كذلك في دعم جودة الحياة كنتيجة لما أدت له الابتكارات من إمكانيات في مناحٍ كثيرة في الحياة منذ الثورة الصناعية الأولى للوقت الحالي والتي تمخض عنها تغير كبير وتطور مذهل في وسائل النقل والاتصالات وسهولة الانتقال للأفراد والبضائع وبتكاليف منخفضة، بالإضافة لما قدمته من تحسين في نمط وجودة الحياة للأفراد».
ونظراً لانفتاح الاقتصاد العالمي وسهولة حركة التجارة، وفق المرزوقي، انتقلت كثير من الابتكارات عبر الحدود ليستفيد منها الجميع وتحقق مكاسب اقتصادية للدول المنتجة والمستهلكة لها، مفيداً أن الابتكارات تعد من أهم مصادر النمو الاقتصادي المستدام للدول. ولذا فإن دعم الابتكارات وتمويلها يحقق مكاسب أعلى للاقتصاد الوطني تتجاوز التكاليف التي يتحملها المجتمع جراء هذا الدعم.

 الدار العالمية روتليدج تصدر كتاب «الابتكار العالمي... التمويل والتجارة الدولية»

- دور حكومي
وشدد المرزوقي، كإحدى نتائج الكتاب التي بحثها في فصوله، على دور الحكومات الجوهري للابتكارات، لافتاً إلى أهمية السياسات والتشريعات الاقتصادية التي تبنتها الحكومات لتشجيع البحث والتطوير، بالإضافة للدعم المادي، إذ تعتبر أساساً في خلق البيئة المناسبة لنمو الابتكارات وتشجيع رواد الأعمال.
ولفت إلى أن العلاقة بين البحث والتطوير والنمو الاقتصادي علاقة إيجابية كما في نظرية النمو الاقتصادي الداخلي والتي أثبتتها دراسات تطبيقية كثيرة أكدت على وجود علاقة إيجابية بين النمو الاقتصادي والإنفاق على البحث والتطوير.
واستطرد الدكتور المرزوقي أنه نتيجة لهذه النظريات تبنت الدول المتقدمة زيادة الإنفاق على البحث والتطوير بما لا يقل عن 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، بل إن دولاً مثل كوريا الجنوبية بلغ فيها المعدل في حدود 3.5 في المائة، والذي أسهم في تحويل الاقتصاد الكوري للوضع الذي نراه في الوقت الحالي مقارنة بوضعها في الستينات والسبعينات الميلادية.

- تسهيل الحياة
ولفت المرزوقي، وهو كذلك أستاذ الاقتصاد في المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية السعودية: إلى أن «اتساع رقعة استخدام الابتكارات مع مستوى انفتاح الاقتصاد العالمي على بعضه أدى إلى تسهيل حياة الأفراد وتحسين الدخل الفرد، لا سيما الدول التي نجحت في تحسين البيئة الاستثمارية والتنظيمية والقانونية، وكذلك البنية التحتية استطاعت أن تحقق منافع للاقتصاد المحلي والاستفادة من التغيرات التي حصلت للعالم بسبب الثورات الصناعية المتتابعة والأمن الجماعي الذي تم الاتفاق عليها من خلال الأمم المتحدة مما قلل الصراعات المسلحة وتحول الصراع للمنافسة الاقتصادية».

- استقرار مائة عام
الكتاب بحث، بحسب المرزوقي، العلاقة بين ثلاثة متغيرات مهمة هي: الابتكارات والتمويل والتجارة الدولية بدءاً من الثورة الصناعية الأولى إلى الوقت الحالي، كما تتبع العلاقة بينها وآثارها الاقتصادية، واستعرض بعض قصص النجاح التي أسهمت في تغييرات جوهرية في نمط الحياة وطريقة أداء الأعمال، بجانب مناقشة الأنظمة والتشريعات والمتغيرات الاجتماعية والثقافية والبناء المؤسسي، بالإضافة للتعليم سواء التعليم الأساسي أو التعليم العالي التي شكلت بيئة خصبة لنمو الابتكارات وازدهارها.
ونتيجة لذلك، يؤكد الأكاديمي السعودي أن التداخل بين زيادة الابتكارات ونمو التجارة الدولية وحركة الأموال وتأثير كل منهما على الآخر يعتبر من أهم الأسباب التي أسهمت في نمو الابتكارات بشكل كبير، حيث أدت الابتكارات كمثال في مجال النقل والاتصالات لتسهيل حركة التجارة الدولية وانخفاض تكلفتها، والتي بدورها أسهمت بفتح أسواق أكبر للابتكارات، متجاوزة الحدود الجغرافية مما نتج عنه ارتفاع الجدوى الاقتصادية لتمويلها.
وقال المرزوقي إن «الابتكارات وخاصة في جانب الإنتاج أدت للإنتاج بأحجام كبيرة تتجاوز الطلب المحلي مما نمت معه الحاجة لفتح أسواق خارجية لفائض الإنتاج المحلي»، مضيفاً: «مع تزايد العلاقات الاقتصادية والاعتماد المتبادل بين كثير من دول العالم فقد ازدادت أهمية تفادي الصراعات بين الدول لارتفاع تكاليفها الاقتصادية وتأثير ذلك على الأمن الاقتصادي الذي يشكل العمود الفقري للأمن الوطني».

- فصول الكتاب
وجاء الكتاب في 266 صفحة توزعت على تسعة فصول، مقسمة على ثلاثة أقسام رئيسية. ومن بين فصول الكتاب، الذي أعده الباحثان المرزوقي وماتيس، الثورات الصناعية والبيئة والظروف المحيطة بالمخترعين واستكشاف خلفياتهم لتحديد لماذا وكيف حددوا الحاجة التي أصبحت بذرة الاختراع، وما هي طريقتهم في تسويق ابتكاراتهم بنجاح، بجانب استعراض جوانب تمويل المخترع، والابتكار، وتسويق الاختراع، والآثار الاقتصادية في كل مرحلة نتجت من هذه الاختراعات وانعكاساتها على الاقتصاد المحلي والعالمي.
واعتبر الباحثان أن الثورة الصناعية الأولى أسست لما بعدها من ثورات صناعية بنت على هذا الأساس لتتابع الثورات الصناعية، محدثة بذلك تغييراً جوهرياً في حياة البشرية في وقت وجيز وبشكل متسارع.
وقام الباحثان بتحليل التغييرات في التمويل أثناء التحول من عملية الإنتاج القائمة على العمالة إلى عملية الإنتاج الأكثر كثافة في رأس المال، وما هي المنتجات المالية الجديدة أو الأسواق المالية التي تم إنشاؤها لتسهيل هذا التحول، كما بحثا تأثير التجارة العالمية على بيئة الابتكار في البلد المخترع والمنافسة الدولية التي تؤثر على إنتاج الابتكار وتوزيعه ومبيعاته، وكذلك التحقيق في أي تأثير مالي من جانب الطلب وما إذا كان هذا التأثير محلياً أو عالمياً.

- هجرة الأفراد
ومن ضمن فصول الكتاب، التطرق إلى التمويل العالمي والتجارة الدولية بما في ذلك هجرة الأفراد وكيف تلعب دوراً في نمو الابتكارات ومساعدات المخترعين للانتقال للدول التي تساعدهم في تحقيق أحلامهم لوجود البيئة المناسبة للعمل والابتكار وتوفير الدعم المادي، بالإضافة للسياسات العامة الداعمة.
ويرى الباحثان أن الكتاب مهم، خاصة في هذه المرحلة التي يتشكل فيها الاقتصاد العالمي نتيجة للثورة الصناعية الرقمية والصراعات السياسية والتي قد تشكل منعطفاً يؤثر على التعاون الدولي ومسيرة الاقتصاد العالمي ونموه.
ويستهدف الكتاب المسؤولين الحكوميين والمنظمات الدولية وقيادي الأعمال والمهنيين، بالإضافة للطلاب عبر عدد من التخصصات بما في ذلك المالية والاقتصاد والأعمال والهندسة والتكنولوجيا.


مقالات ذات صلة

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد مقر «المجموعة السعودية» في مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

«السعودية للأبحاث والإعلام»: مواصلة إعادة هيكلة الأصول ودعم التوسع الاستثماري

أعلنت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) نتائجها المالية لعام 2025، حيث بلغت إيراداتها 2.673 مليار ريال (712.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد الرميان يتحدث خلال مشاركته في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الرميان: «صندوق الاستثمارات» يرسّخ استراتيجية طويلة الأجل ويستعد لمرحلة جديدة

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)

خاص السعودية تكسر حصار مضيق هرمز بمنظومة ربط عابرة للقارات

كشفت السعودية عن تفوق منظومتها للنقل التي تحولت إلى رئة بديلة وشريان حياة يضمن استدامة تدفق التجارة العالمية في مواجهة تعطل مضيق هرمز الحيوي.

ساره بن شمران (الرياض)

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.


عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)
منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)
TT

عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)
منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)

تقول الحكومة البريطانية وبنك إنجلترا إنه من المبكر تقييم الأثر الاقتصادي لحرب إيران، إلا أن أولى علامات الضغوط بدأت تظهر، ومن المرجح أن تدق ناقوس الخطر لصانعي السياسات الذين تقل لديهم خيارات الاستجابة مقارنة بالأزمات السابقة.

يوم الخميس، خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها لنمو المملكة المتحدة لعام 2026 أكثر من أي اقتصاد كبير آخر، وزادت في الوقت نفسه توقعاتها للتضخم بأكبر قدر، ما يعكس ضعفاً اقتصادياً يهدد التزام حكومة العمال نحو الناخبين بإصلاح المالية العامة وتمويل خدمات عامة أفضل من خلال نمو أسرع. كما يهدد هذا الوضع آمال بنك إنجلترا في السيطرة على التضخم المرتفع لأول مرة منذ سنوات، وفق «رويترز».

اعتماد بريطانيا على الغاز يزيد هشاشتها

بينما ستتأثر معظم الاقتصادات العالمية بالصراع، تُعد المملكة المتحدة أكثر هشاشة بين الاقتصادات الغربية الكبرى.

الغاز – الذي تضاعف سعره تقريباً هذا الشهر – يحدد عادةً سعر الكهرباء البريطانية، بخلاف فرنسا حيث يتم توليد معظم الكهرباء من المحطات النووية.

وأظهرت الاستطلاعات هذا الأسبوع أكبر زيادات شهرية منذ عقود في توقعات التضخم لدى الجمهور البريطاني وفي مؤشر تكاليف المصانع، إلى جانب انخفاض ثقة المستهلكين. وشهدت الأسر أولى الزيادات الواضحة في أسعار الوقود، بينما حذر المزارعون من ارتفاع أسعار المواد الغذائية بدءاً من الشهر المقبل، بما في ذلك الطماطم والخيار والفلفل المزروع في الصوب المدفأة.

امرأة تمر أمام متجر بقالة في لوفبورو بوسط إنجلترا (رويترز)

وقالت متاجر التجزئة إن الحرب ستزيد من تكاليفهم وأسعار البيع، كما ستؤثر على الطلب. وحذرت سلسلة الملابس «نكست» من أن استمرار النزاع قد يرفع أسعار البيع بنسبة 2 في المائة في يونيو (حزيران) وحتى 10 في المائة لاحقاً خلال العام، فيما وصفت مجموعة «Co-op» ثقة المستهلكين بأنها «هشة». وفي سوق الإسكان، ارتفعت معدلات الرهن العقاري العائمة وسحبت البنوك المنتجات ذات السعر الثابت تحسباً لارتفاع أسعار الفائدة لدى بنك إنجلترا.

وقال روس ووكر، كبير الاقتصاديين في المملكة المتحدة ورئيس قسم الاقتصاد العالمي في «نت وست ماركتس»: «المملكة المتحدة لديها قدرة محدودة لمواجهة أزمة طاقة طويلة الأمد. الحكومة لا يمكنها الاقتراض بكثافة لمساعدة الأسر دون إزعاج المستثمرين في السندات، بينما الضغوط التضخمية الأساسية مرتفعة جداً لبنك إنجلترا لتخفيض الفائدة بسرعة، رغم ارتفاع معدل البطالة. نحن ندخل هذه الأزمة في وضع دون المثالي، وخيارات السياسة محدودة جداً».

بنك إنجلترا مستعد للتحرك

قال بنك إنجلترا، الأسبوع الماضي، إنه مستعد للتحرك لمنع ارتفاع أسعار الطاقة من التحول إلى مشكلة تضخم طويلة الأمد، كما حدث بعد صعود أسعار الغاز عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022.

ومع ذلك، يحذر صانعو السياسات من افتراض أنهم سيتبعون النهج نفسه حين رفعوا تكاليف الاقتراض مما يقارب الصفر إلى ذروة 5.25 في المائة خلال 18 شهراً.

ويشير مسؤولو البنك إلى أن مخاطر أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى تضخم أوسع قد تكون أقل هذه المرة لأن الاقتصاد البريطاني أضعف حالياً، علاوة على أن صعود أسعار الغاز لم يكن دراماتيكياً كما كان سابقاً.

وقالت ميغان غرين، عضو لجنة تحديد الفائدة في بنك إنجلترا: «هناك دائماً خطر مقاومة المعركة الماضية، لكننا بالتأكيد نفعل ما في وسعنا».

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

لكن ستيفن ميلارد، نائب مدير معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية الوطني، قال إن ذكريات ارتفاع التضخم إلى أكثر من 11 في المائة في 2022 ستجعل من الصعب على البنك الجلوس مكتوف الأيدي. وأضاف: «من شبه المؤكد أنه سيتعين عليه الاستجابة».

ومع أن سعر الفائدة المرجعي للبنك بالفعل عند 3.75 في المائة والبطالة عند أعلى مستوى منذ جائحة كوفيد، فإن مجال زيادة أسعار الفائدة لمواجهة تفشي التضخم يبدو أقل مما كان عليه قبل أربع سنوات.

ويتوقع المستثمرون بالكامل ثلاث زيادات ربع نقطة في سعر الفائدة من بنك إنجلترا هذا العام، وهو انعكاس حاد عما كانوا يتوقعونه قبل شهر، بينما يرى معظم الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم أن البنك سيبقى على موقفه دون تغيير في 2026.

خيارات محدودة لوزيرة المالية

تمتلك وزيرة المالية راشيل ريفز بخيارات محدودة أكثر من أسلافها، الذين أنفقوا مجتمعين 120 مليار جنيه إسترليني (160 مليار دولار) لحماية الأسر من فقدان الوظائف بسبب كوفيد وارتفاع أسعار الطاقة بعد غزو أوكرانيا.

وقالت ريفز هذا الأسبوع إن أي دعم للمستهلكين سيكون «مستهدفاً لمن هم في أمس الحاجة إليه»، مع مراعاة مخاوف المستثمرين بشأن تكلفة أي إنقاذ ضخم آخر.

وقالت تحليلات «كابيتال إيكونوميكس» إن تخفيضات الضرائب الأساسية والمدفوعات لمرة واحدة التي قد تقدمها ريفز قد تصل إلى 24 مليار جنيه إسترليني، أي أقل من نصف الدعم الذي تم في 2022 و2023.

وأضاف ميلارد أن ريفز لديها هامش للمناورة لمساعدة بعض الأسر، لكنه يجب أن يتم بعناية للحفاظ على ثقة أسواق السندات: «المفتاح هو التأكد من أن الدعم موجه فعلياً لمن يحتاج إليه حقاً، وأيضاً التأكد من أنهم لا يهددون القاعدة المالية؛ لأن الأسواق ستتفاعل سلباً إذا حدث ذلك».