رغم الحوادث المتكررة... لماذا تستمر محاولات «الهجرة غير الشرعية» في مصر؟

طلب «إحاطة» برلماني حول استهداف الأطفال والشباب في القرى

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
TT

رغم الحوادث المتكررة... لماذا تستمر محاولات «الهجرة غير الشرعية» في مصر؟

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

عادت وقائع «الهجرة غير الشرعية» إلى الواجهة في مصر بعد سقوط ضحايا جدد على متن ما يُعرف بـ«قوارب الموت» التي تُقلهم إلى السواحل الأوروبية، ما دفع نواب في البرلمان للتحرك وتقديم طلبات إحاطة حول أسباب استمرار تجاوب المصريين مع عصابات التهريب في القرى والنجوع رغم تشديد الإجراءات الأمنية على السواحل.

وجددت المأساة التي شهدتها منطقة سيدي براني بمحافظة مرسى مطروح بشمال غربي البلاد، الجمعة الماضي، مع العثور على جثامين 17 شخصاً لقوا حتفهم في أثناء محاولة الهجرة، تساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي تتخذها الحكومة للحد من الظاهرة، ومدى انعكاسها على جهود تضييق الخناق على «الهجرة غير النظامية»، وأسباب استمرارها.

وجاءت الواقعة الأحدث بعد أيام من تحرير مئات من المصريين سعوا إلى الهجرة لأوروبا في رحلات غير نظامية، واحتُجزوا في ليبيا. وخلال الأشهر الماضية لقي آخرون حتفهم في حوادث غرق قرابة السواحل الأوروبية، في ظل استمرار المناشدات التي توجهها جهات حكومية بضرورة توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، وعدم الانسياق وراء عصابات تهريب البشر، والابتعاد تماماً عن السفر عبر الطرق غير القانونية.

تحرك برلماني

وتقدم وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب ياسر الهضيبي، الثلاثاء، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزارات الخارجية والشباب والرياضة والتضامن الاجتماعي والعمل والتربية والتعليم، بشأن ازدياد استهداف الأطفال والطلاب وصغار السن من قبل سماسرة الهجرة غير الشرعية، وتحول بعض القرى والمناطق إلى بيئات طاردة للشباب ومحفزة للهجرة غير النظامية.

«الخارجية» المصرية أعادت في السابق مهاجرين غير شرعيين هربوا إلى ليبيا قبل وصولهم إلى سواحل أوروبا (وزارة الخارجية)

وجاء في طلب الإحاطة أن «بعض المحافظات والقرى المصرية تشهد خلال السنوات الأخيرة تنامياً خطيراً في ثقافة الهجرة غير الشرعية، بعدما تحولت لدى عدد من الأسر إلى حلم جماعي يتم الترويج له بوصفه الطريق الأسرع لتحسين الأوضاع المعيشية؛ الأمر الذي خلق بيئة خصبة تستغلها شبكات السمسرة والاتجار بالبشر في استقطاب الشباب والأطفال، ودفعهم إلى خوض رحلات شديدة الخطورة عبر الحدود البحرية والبرية».

وأكد الهضيبي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة تولي اهتماماً بمواجهة الظاهرة، وأنها كثفت من إجراءاتها الأمنية واستحدثت إدارات شرطية تتبع «إدارة الأموال العامة» لضبط شبكات التهريب، ونجحت بالفعل في ضبط كثير من القضايا التي استهدفت تهريب مصريين أو أجانب يوجدون على الأراضي المصرية، لكنه شدد أيضاً على أن «التعامل الأمني وحده لا يكفي للتعامل مع الأزمة التي تأخذ أبعاداً مختلفة».

ويطالب الهضيبي، وهو أيضاً سكرتير عام حزب «الوفد»، بوجود تعاون مشترك بين وزارات الإعلام والأوقاف والتعليم والتضامن الاجتماعي إلى جانب مؤسسة الأزهر للتعرف على أسباب اتجاه الشباب نحو الهجرة، وتعريفهم بخطورة المسارات غير النظامية، وتوجيههم نحو فرص شرعية للسفر الجيد الذي يلبي طموحاتهم إذا اقتضى الأمر ذلك.

أعداد في ازدياد

لم يكن تحرك الهضيبي هو الوحيد، إذ سبقه وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب أيمن محسب، الذي تقدم أيضاً بطلب إحاطة «بشأن تصاعد ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين الشباب المصري، وما تمثله من تهديد لحياة الشباب واستقرار المجتمع، في ظل تنامي نشاط شبكات تهريب البشر عبر مسارات الهجرة غير النظامية».

وأوضح محسب أن البيانات الدولية تشير إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المصريين غير الشرعيين من 709 حالات عام 2018 إلى 21753 حالة عام 2022، بما وضع مصر ضمن قائمة أكبر عشر دول من حيث معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

ورصدت التقارير أيضاً استمرار المعدلات المرتفعة خلال عام 2023 بنحو 22 ألف مهاجر مصري غير نظامي، مع بقاء المصريين خلال عامي 2024 و2025 ضمن أكثر ثلاث جنسيات تدفقاً عبر مسار وسط البحر المتوسط المؤدي إلى إيطاليا واليونان، وفق ما ذكره محسب.

وأضاف: «رغم نجاح الدولة منذ عام 2016 في وقف انطلاق قوارب الهجرة مباشرة من السواحل المصرية، فإن شبكات التهريب أعادت تشكيل نشاطها عبر مسارات بديلة تمر بليبيا وتركيا وشرق المتوسط». وطالب بإعادة تقييم السياسات الحالية، مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية والتوعية والتأهيل الاقتصادي في المناطق التي تتصدر الهجرة غير الشرعية.

«ثغرة» الحدود

ويرى عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أيمن زهري، أن مصر ما زالت تعاني «كابوس الهجرة غير الشرعية»، مشيراً إلى أن نشاط هذه العمليات يزداد خلال أشهر الصيف بسبب مخاوف عصابات التهريب والمهاجرين من الإبحار في الشتاء خشية من تقلبات الجو ونوات البحار، وبالتالي فإن تعدد الحوادث أخيراً يُعد «نمواً طبيعياً يرتبط بالظروف المناخية».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة المصرية تبذل جهوداً ضخمة للحد من الظاهرة، وهناك لجنة وطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية تتشارك فيها 30 وزارة وجهة مختلفة، بالإضافة إلى تشريعات رادعة تتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، وهناك عقوبات تم تغليظها مؤخراً على المشاركين في عمليات التهريب، إلى جانب الضبط الأمني شبه الكامل على السواحل الشمالية».

ويؤكد زهري أن الثغرة الحالية تتعلق بالحدود الغربية مع ليبيا، وقال: «الظروف الأمنية الصعبة في ليبيا تجعل الظروف غير مواتية لتحقيق سيطرة كاملة، كما أن مصر تواجه صعوبات في السيطرة على أكثر من 1000 كيلومتر من الحدود المشتركة».

وتابع بقوله إن استمرار نشاط التهريب يعود أيضاً «إلى التواطؤ بين الراغبين في الهجرة والمُهربين، وبالتالي تكون البلاغات ضئيلة للغاية، وهو أمر توظفه شبكات التهريب للإيقاع بالشباب وتشجيعهم على السفر».

ويبقى الأمل في فرص معيشية أفضل من أكبر العوامل وراء السعي إلى الهجرة غير النظامية رغم كل ما يحيق بها من أخطار.


مقالات ذات صلة

العالم العربي وزير الخارجية المصري ونظيره السوري في لقاء سابق بالقاهرة (الخارجية المصرية)

مسؤول مصري لـ«الشرق الأوسط»: سوريا رشحت سفيراً جديداً غير الأحمد… وفي طريقنا لاعتماده

تتجه أزمة ترشيح سوريا محمد طه الأحمد سفيراً لها إلى مصر والتي كشفها تقرير نشرته «الشرق الأوسط» في الأول من يونيو (حزيران) الجاري، إلى الحل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)

مقترح تطبيق «الدعم النقدي» في مصر يثير مخاوف وانتقادات واسعة

لا يزال مقترح تطبيق نظام «الدعم النقدي» في مصر يثير انتقادات لدى قطاعات من المستفيدين، وسط مخاوف من حرمان «الفئات الأولى بالرعاية» من «الدعم الحكومي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)

مقترح بتشكيل لجنة لصياغة «قانون الأسرة المصرية»... هل يُهدئ الجدل بشأنه؟

تحاول الحكومة المصرية تهدئة الجدل المثار حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، بتأكيد انفتاحها الكامل على أي تعديلات بخصوصه.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا وزير البترول المصري خلال جولة في «منجم السكري» (وزارة البترول)

التنقيب غير المشروع عن الذهب في مصر يهدد فرص الاستثمار

يهدد التنقيب غير المشروع عن الذهب في مصر «فرص الاستثمار والاستفادة من الاحتياطات التي تمتلكها البلاد».

أحمد عدلي (القاهرة )

السعودية ومصر لتعزيز الأمن الغذائي في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد

وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)
وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)
TT

السعودية ومصر لتعزيز الأمن الغذائي في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد

وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)
وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)

تعزز المملكة العربية السعودية ومصر تعاونهما في الأمن الغذائي لمواجهة إضرابات سلاسل الإمداد بسبب الحرب الإيرانية.

وأجرى وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري، علاء فاروق، محادثات في السعودية، السبت، مع وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمملكة، الدكتور أسامة فقيه «لبحث سبل تعزيز آفاق التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين في مجالات الزراعة والأمن الغذائي وحماية البيئة».

وتحدث فاروق عن «عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين مصر والسعودية»، مشيراً إلى «استمرار التنسيق والعمل الدؤوب لتحقيق التكامل الزراعي والبيئي بما يخدم خطط التنمية المستدامة في البلدين».

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، السبت، أكد الجانبان «أهمية توحيد وتنسيق المواقف بين مصر والسعودية في المحافل الدولية، لا سيما فيما يتعلق بتنفيذ بنود (الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر)، وبما يخدم المصالح المشتركة للدولتين والمنطقة العربية. وكذا أهمية تشكيل لجنة فنية مشتركة ودائمة بين وزارتي الزراعة في البلدين، تهدف إلى المتابعة المستمرة لجميع مجالات التعاون، فضلاً عن توليها مهام الإعداد والتنسيق للمشاركة في مؤتمر مكافحة التصحر المقرر عقده في منغوليا خلال العام الحالي».

وأشار كل من فقيه وفاروق إلى «أهمية استمرار انعقاد اللجنة التنسيقية المشتركة بين البلدين برئاسة وزيري الزراعة في السعودية ومصر لمتابعة المستجدات، والتنسيق المشترك في جميع الأمور المتعلقة بالقطاع الزراعي بما يسهم في تحقيق التكامل، وتحقيق الأمن الغذائي لكلا البلدين».

ووجّه وزير الزراعة المصري الدعوة للمسؤولين والفنيين والمستثمرين السعوديين، للاطلاع ميدانياً على المنشآت والمزارع المصرية المخصصة للتصدير سواء الحاصلات الزراعية أو الدواجن، والوقوف على مدى تطبيقها لأعلى معايير الجودة والأمان الحيوي، لافتاً إلى «أهمية تعزيز الاستثمارات بين البلدين الشقيق في الأنشطة الزراعية المختلفة».

والثلاثاء الماضي، عُقد في القاهرة الاجتماع التحضيري لـ«المجموعة الأفريقية للمفاوضين» التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وذلك في إطار الاستعدادات للدورة السابعة عشرة لمؤتمر «كوب 17». وتحدث مشاركون حينها عن أن «مكافحة التصحر لا تمثل قضية بيئية فحسب، بل تُعد أيضاً أولوية تنموية واقتصادية ترتبط بشكل مباشر بتحقيق الاستقرار، وتحسين سبل معيشة المجتمعات المحلية».

المحادثات السعودية - المصرية السبت تناولت سبل تعزيز آفاق التعاون (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب إفادة«مجلس الوزراء»، شدد الوزير فاروق خلال المحادثات التي حضرها نائب رئيس «مركز البحوث الزراعية» بمصر، المشرف على العلاقات الزراعية الخارجية، الدكتور سعد موسى، على «الأهمية الاستراتيجية لتعزيز الاستثمار الزراعي المشترك في القارة الأفريقية، بالنظر إلى ما تمتلكه من مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة ووفرة في الموارد المائية».

ولفت إلى أن «توجيه الاستثمارات المصرية والسعودية نحو القارة السمراء يمثل خطوة ركيزة لتحقيق الأمن الغذائي الإقليمي، ومواجهة التحديات العالمية، الناجمة عن تغير المناخ واضطراب سلاسل الإمداد»، كما أكد أن التكامل بين الخبرات الفنية المصرية ورؤوس الأموال والاستثمارات السعودية في أفريقيا «من شأنه خلق شراكات تنموية مستدامة تعود بالنفع على المنطقة بأسرها».

واتفق الجانبان السعودي والمصري على «المضي قدماً في إجراءات تجديد اتفاقية التعاون المشترك في مجال الخدمات البيطرية، بما يضمن تسهيل حركة التجارة وحماية الثروة الحيوانية في كلا البلدين، فضلاً عن إمكانية التعاون المشترك في تحسين سلالات الماشية والأغنام والماعز، إضافة إلى الاستفادة من التجربة المصرية في مجال استصلاح الأراضي».


بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
TT

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى بفعل إعصار دانيال عام 2023، النهوض من جديد من خلال عملية إعمار متسارعة، تشمل تشييد جسور ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية. ورغم مرور 3 سنوات، لا تزال صور كارثة سبتمبر (أيلول) 2023 عالقة في أذهان السكان: مبانٍ مدمَّرة وجثث مدفونة تحت أطنان من الطمي، وهياكل سيارات تطفو فوق أمواج البحر.

قتلى وخسائر بالجملة

في الليلة الفاصلة بين 10 و11 من الشهر ذاته، تسبب هطول أمطار غزيرة في انفجار سدَّين متداعيين في أعالي درنة، ما أدَّى إلى تدفُّق طوفان من المياه على وسط المدينة البالغ عدد سكانها 120 ألفاً. وقد وصل ارتفاع منسوب المياه إلى 7 أمتار، ولقي ما لا يقلُّ عن 4 آلاف شخص حتفهم، بينما اعتبر عشرات الآلاف في عداد المفقودين، ونزح جرَّاء ذلك أكثر من 40 ألف شخص، وفق حصيلة تمَّ الإعلان عنها إثر الكارثة.

صورة التُقطت في 18 سبتمبر 2023 بعدما ضرب إعصار دانيال المدينة (أ.ف.ب)

وفقدت أسماء أحمد القزيّري (40 عاماً) أبناء عمتها وخالها، حالها حال آلاف في مدينة «درنة المترابطة»، كما تقول، وحيث «كل العائلات قريبة بعضها من بعض... وكلُّنا أنساب وأحباب وأقارب وجيران». وتضيف أسماء التي تعمل في دولة خليجية وتعود بانتظام لزيارة مسقط رأسها، إن هناك «تغييراً ملحوظاً جداً... مدينتي تتعافى».

وتمكَّنت «وكالة الصحافة الفرنسية» خلال جولتها في المدينة من معاينة عملية إعادة الإعمار عن قرب، مثل المستشفى الجديد الذي لا يزال قيد البناء، ويتسع لـ600 سرير، كما تمَّت إعادة تأهيل عشرات المدارس، وبُنيت جامعة جديدة وملعب كرة قدم.

تحاول درنة تناسي مأساتها بتشييد المرافق الصحية والمستشفيات والمنازل العصرية (أ.ف.ب)

وعلى مسافة 6.5 كيلومتر، يمتدُّ كورنيش بحري مجهَّز بالحماية اللازمة من عوامل الطقس. كما يمكن مشاهدة محطة لتحلية مياه البحر وجامع الصحابة الذي عاد جديداً. ولكن ذلك لا يُنسي أسماء القزيري المفقودين من عائلتها الذين لم يُعثر عليهم قط.

لذلك ترى أنَّ على السلطات أن تركِّز على الاهتمام بـ«كل من نجا من الإعصار. فقد نجا من نجا جسدياً؛ لكن تضرَّروا جداً نفسياً. فقدوا جزءاً كبيراً من عائلاتهم، والمفروض الاهتمام بقطاع الصحة النفسية وجعله من الأولويات في الوقت الحالي».

جانب من البنايات الحديثة التي عوَّضت المنازل المهدمة (أ.ف.ب)

وبالنسبة إلى أشرف التارقي البالغ من العمر 30 عاماً، وهو مشرف على ورش بناء، وفقد أيضاً كثيراً من أفراد عائلته الموسعة في الكارثة: «وراء كل شرٍّ عظيم تُبتلى به، يأتي خير عظيم بعده، وهذه ميزة من الله»؛ لكنه يتحسَّر على فقدان أقاربه الذين لقوا حتفهم في الفيضان، ويفضِّل لو أنه خسر منزله بدلاً من أحبائه. في الوقت نفسه، يجد أن «المساحات الخضراء» المنتشرة هنا وهناك «مفيدة جداً للصحة النفسية».

درنة تنهض من جديد

تمرَّدت درنة على حكم الزعيم الليبي معمَّر القذافي في عام 2011، مع بدء الانتفاضة الشعبية ضده، ولكنها بعد سقوط هذا الحكم وموت القذافي، تحوَّلت إلى معقل لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» المتطرفَين. وفي 2018، سيطرت قوات المشير خليفة حفتر على المدينة بعد معارك دامية.

نموذج من المنازل الحديثة التي تم تشييدها بعد الإعصار (أ.ف.ب)

اليوم، تتمتع عائلة حفتر بصيت كبير في شرق ليبيا وجنوبها؛ حيث تقع غالبية الحقول النفطية والموانئ في بلد يضم ثروات نفطية كبيرة، وتدعم حكومة تتخذ من بنغازي مقراً وموازية للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس (غرب).

ورافق عادل بوخشيم، المهندس المعماري والمسؤول المحلي عن صندوق إعادة الإعمار، الذي أُنشئ مطلع عام 2024، فريق «وكالة الصحافة الفرنسية» لزيارة أكبر ورش البناء في درنة، مفاخراً بـ«نسبة إنجاز تبلغ 80 في المائة»، و«إتمام الإنجاز خلال الأشهر السبعة أو الثمانية القادمة». ويقول إنه تمَّ بناء 3500 شقة، من بينها 2500 سُلِّمت بالفعل إلى المتضرِّرين، و9 جسور، من بينها 4 تعبر الوادي (مجرى النهر) الذي تحوَّل إلى مكان للتنزه. كما حصلت أيضاً أعمال ترميم في الأحياء التي نجت من إعصار دانيال؛ إذ تنتشر فيها أعمدة إنارة وأرصفة جديدة.

«انطلاقة جديدة»

يُبدي المصري أحمد شحاتة -وهو دهَّان يبلغ من العمر 31 عاماً وأب لأربعة أطفال- سروره من «توفُّر العمل» بسبب «حُمَّى البناء». ويقول: «هناك عمل في كل مكان، ولا يعجز عن إيجاده سوى من لا يستحق».

في أعقاب إعصار دانيال، كشف حجم المأساة ترهُّل وإهمال البنى التحتية، لا سيما السدود التي يعود تشييدها إلى سبعينات القرن الماضي. وقد أقدم سكان غاضبون حينها على إحراق منزل رئيس البلدية، والتنديد بالفساد في الإدارة.

نموذج من الجسور الحديثة المشيدة بعد إعصار دانيال (أ.ف.ب)

وشكَّلت هذه الاضطرابات دافعاً قوياً لعائلة حفتر، التي أنشأت بعد 6 أشهر صندوق إعمار خصَّصت له ملياري دولار، ووُضع تحت إشراف بلقاسم حفتر، نجل خليفة حفتر، الذي قرَّر أن يجعل من درنة مثالاً على قدرات الإدارة في الشرق.

في غضون عامين ونصف فقط، تغيَّر المشهد العام للمدينة بشكل كلِّي، ولكن صور المأساة لا تزال تطارد أهالي المنطقة.

منظر عام لدرنة الجديدة بعد بناء عدد كبير من البنايات والأبراج الحديثة (أ.ف.ب)

فقدْ فقدَ عادل بوخشيم، الممثل المحلي لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، نحو 15 شخصاً من عائلته، من بينهم شقيقته وزوجها وأطفالهما الأربعة. ويقول متأثراً: «لم يكن أحد يظن أننا سنعيش هنا مجدداً» بعد الكارثة.

لكن المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار شكَّلت «نقطة انطلاق» لهذا المهندس البالغ من العمر 54 عاماً، والذي يؤكد: «عندما أنغمس في عملي، أقول لنفسي إن هذه الأرواح لم تذهب هباء».


توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

سجّلت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً، بتوصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تُمهّد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي للحكم الديمقراطي، عقب مداولات استمرت يومين.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتُباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضمّ «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة» (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني. وأكّد البيان أهمية وقف الحرب ضمن 3 مسارات؛ إنسانية وأخرى أمنية.

ويُعدّ هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب، مثل تحالف «صمود»، و«الكتلة الديمقراطية» الداعية لاستمرارها.

وشارك في الاجتماعات وفد من تحالف «تأسيس» وهو من أذرع «الدعم السريع»، غير أنه لم يكن ضمن الاتفاق بسبب اعتراضات بعض أعضاء «الكتلة الديمقراطية».ورجّح مراقبون أن تكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في الاجتماع جاءت بضوء أخضر من قادة الجيش السوداني. كما تمت الموافقة على استبعاد التيار الإسلاموي ممثّلاً في حزب «المؤتمر الوطني» المعزول من أي مشاركة في العملية السياسية.