«بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها

زياد كاج يرصد تحولات العاصمة اللبنانية

«بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها
TT

«بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها

«بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها

عمل أدبي جديد يصدر بعد أيام للروائي والشاعر اللبناني زياد كاج، يحمل عنوان «بناية تي. في. تاكسي»، يحكي فيه عن تحولات بيروت، تحديداً المنطقة التي سكنها صغيراً، في عمارة «الزاهد» وشاهد من خلالها تبدلات المدينة وأحوالها.
يأخذنا كاج من خلال الكتاب الصادر عن «دار نلسن»، ويحمل عنواناً فرعياً هو «الصنوبرة، رأس بيروت» في رحلة عبر الزمن، إلى هذه المنطقة من العاصمة اللبنانية التي بقيت فخراً لأبنائها بسبب تنوع سكانها، وتسامحهم، وتعايشهم، حتى في فترة الحرب الأهلية. إذ يصرّ أهالي «رأس بيروت» ومنهم مؤلف الكتاب، على أنها أجمل مناطق المدينة وأكثرها تميزاً، وأن كل شارع بها وعمارة وشجرة شهود على أحداث جسام، أثرت ليس فقط في تاريخ لبنان، بل في المنطقة ككل.
الشخصية الرئيسية في الكتاب هي بناية «الزاهد» التي تقع في حي الصنوبرة، نسبة إلى شجرة صنوبر ضخمة موجودة في المكان. يقول الراوي: «سكان بناية الزاهد تبدلت أحوالهم خلال الحرب، بعد انقطاع الكهرباء وتقنين المياه، وفلتان الشارع. صاروا أكثر حاجة لنا كأبناء للناطور، تحسنت معاملتهم معنا، خصوصاً أؤلئك الذين كنت أضعهم على اللائحة السوداء من أمثال مدام بورسالي، وغازي بو زين المتشاوف، الذي لا يضحك للرغيف السخن، وإميل البتروني الذي تآمر يوماً مع (أبو بوز) للتخلص من أبي، وجلب ناطوراً جديداً للبناية».
في الكتاب عودة إلى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية، ليحكي الكاتب - الرواي عن البناية التي فيها ترعرع الكاتب وكبر وذهب الى المدرسة، ولم يتركها إلا حين تزوج. لكن الحنين إلى الحي ورأس بيروت، لم يفارقه. وسبق له وكتب عن بيروت أكثر من كتاب، أبرزها روايته «بيروت: صندوق في بحر، نار على تلة».
كاج في كتابه الجديد، لا تحكمه النوستالجيا، ولا يسكنه الحنين. إنما يسجل «سيرة مكان» كما وصف الناشر سليمان بختي النص. سيرة بناية تبدو للكاتب «كأنها تدور وهي تؤدي رقصة الدراويش، تلفظ أناساً وتستقبل غيرهم تبعاً للمرحلة. قبل حرب السنتين، كانت في حال، وبعدها صار السكان شيئاً آخر. قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 سكنتها مجموعة مختلفة عن تلك التي جاءتها بعد الاجتياح، ثم تحلّ مرحلة رفيق الحريري الذي سكن المنطقة وأثر فيها. في كل مرة ثمة من يموتون أو يهاجرون أو يغيرون أماكن سفرهم، وتبقى العمارة قائمة في مكانها، إلى اليوم».
تغّير ملّاك العمارة، كما سكانها، وبقي والد الكاتب، ناطورها الأمين عليها، وابنه زياد الكاج الذي كان طفلاً يومها، يراقب ما يحدث، ليصبح كاتباً يقص علينا حكاية ما صارت تعرف خلال الحرب الأهلية ببناية «تي. في. تاكسي»، بسبب مكتب سيارات الأجرة الذي تمركز بها واصطفت مركباته الأميركية الصفراء كبيرة الحجم حولها. أما الأم المسيحية فهمزة وصل، وجسر مع السكان، ولا تزال تسكن في المكان مع ابنتها.
حدثان رئيسيان، عاشهما أهل الحي، رآهما الراوي طفلاً، وكان شاهداً عليهما. اغتيال ثلاثة قادة فلسطينيين عام 1973؛ وهم كمال ناصر، وكمال عدوان وأبو يوسف النجار، وكان لا يزال في التاسعة، ثم اغتيال أبو حسن سلامة عام 1979 في الشارع نفسه بسيارة مفخخة، وكان قد أصبح في الخامسة عشرة.
على المبنى الضخم الذي يقع عند زاوية ومفترق، ويرتفع سبعة طوابق في كل منها خمس شقق، توالت عشرات العائلات، أرمن، مسلمون ومسيحيون ومسؤول كبير من شهود يهوا، خفيف الظل، متواضع، وآخرون من ملل متعددة. (يمكن للقارئ أن يكتشف المبنى على غلاف الكتاب الجميل الذي صمم لوحته يوسف دوغان).
من خلال متابعة بعض الشخصيات، نفهم سيكولوجيا المكان وأعماق الناس. هناك كوكو الكوافير النسائي الأرمني، الذي كان رغم الحرب يتنقل بخفة بين شطري بيروت الشرقية والغربية، وأصبح بتكوينه جزءاً من منطقة رأس بيروت. ويوم اضطر كوكو أو كريكور (وهو اسمه الأصلي) للانتقال إلى منطقة ذات غالبية أرمنية في برج حمود ضاع توازنه، وفقد ألقه، وبدا شاحباً وهرماً.
ثمة فصل كامل عن محمد ميشال الغريب، الذي كان من سكان الشارع، في مبنى قريب. وهو شخصية معروفة لمعاصريه في سبعينات القرن الماضي، كونه مارونياً اعتنق الإسلام، وعمل في السياسة. هو ابن الجبل وبدل أن يكون تحت جناحي طائفته التحق بالحزب الاشتراكي وكمال جنبلاط، الذي هو نفسه أيضاً لم يأخذه على محمل الجد. هكذا بقي محمد ميشال الغريب الذي تخرج من كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية وعمل محامياً وفتح لنفسه مكتباً، غريباً في عيون كثير من الناس، لكنه ترك لنا مؤلفات جميلة، أمتعها «مذكرات ماروني».
«أحببت أن أخصص له في الكتاب فصلاً كاملاً»، يقول كاج، «لأظهر أن الشخص النقي والآدمي في بلادنا، يداس ويسحق. كميل شمعون لم يتمكن من مسامحة محمد ميشال الغريب الماروني الذي ترك زعيم طائفته والتحق بجنبلاط، فبقي يحاربه حتى سحقه بالفعل».
هناك أيضاً ابو علي الذي حلّ كناطور مكان والد الراوي ومعه عائلته، ولا هم له إلا أن يعود إلى قريته التي هجّر منها، وهو ما تحقق له بالفعل، بعد أن انضم إلى الحزب الشيوعي الذي صبغ غالبية سكان المنطقة، ثم بدّل من ميوله كما كثيرين غيره.
يقول كاج: «لا أذكر أن أولاد العائلات المتوسطة في منطقتنا حملوا سلاحاً، أو شاركوا في الحرب. كان همّ الناس، أن تعلم أولادها وتنجو بنفسها، خصوصاً أن ثمة فترة أغلقت فيها المدارس».
في هذا الوقت مدرستان فتحتا أبوابهما لأولاد الحي، «مدرسة الطليان» قرب فندق البريستول، و«مدرسة الروضة». يعلق الكاتب: «جميل أن يفكر مدير مدرسة وقد تعطلت الحياة التربوية، أن يفتح مؤسسته لأبناء الجيران ليلعبوا كرة القدم أو كرة السلة ويقضوا وقتاً لطيفاً في زمن عصيب».
في الكتاب عودة إلى شارع الحمرا، أيام العزّ مطلع السبعينات، بسينماته الكثيرة، «ستراند» و«الحمرا» و«كوليزيه»، وأفلامه الأثيرة، ورواده. هناك سكنت عائلة كاج، قبل أن تتمركز في بناية الزاهد. ذلك يوم كان الدرك اللبناني و«فرقة 16» على وجه التحديد، لها هيبة لم تسترد، وشراء «البوب كورن» قبل الدخول إلى صالات السينما، ليس في متناول كل الناس، فيستبدلون به الفول السوداني.
ينتهي الراوي، وهو يتحدث عن الزمن الراهن، عن زيارته لوالدته وشقيقته في بناية الزاهد، وتأمله ما انتهت إليه منطقته، وما صار عليه حي الصنوبرة. ويعلق بالقول: «تغيرت وجوه الناس بالفعل، ومع ذلك لا يزال رأس بيروت، رغم أنه فقد بعضاً من تنوعه الإنساني، مكاناً لا يمكن مقارنته بأي منطقة أخرى في العاصمة».
«بناية تي. في. تاكسي» ليس رواية، بل نصّ مفتوح يجول فيه الراوي، في حنايا منطقة عزيزة من العاصمة اللبنانية، هي القلب والنبض والحيوية. يجول فيها أحد أبنائها جيئة وذهاباً في الزمن، يتأمل الوجوه التي عبرتها، من سبعينات القرن الماضي إلى اليوم مسجلاً عبر ناسها على اختلافهم، حكاية نصف قرن ونيف من عمر مدينة عربية ليست ككل المدن.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دواء شائع يؤخِّر ظهور أعراض «الروماتويد» لسنوات

يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)
يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)
TT

دواء شائع يؤخِّر ظهور أعراض «الروماتويد» لسنوات

يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)
يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من كلية كينغز لندن البريطانية، عن أنه يُمكن لدواء شائع تأخير ظهور أعراض المرض عدة سنوات عند الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي (الروماتويد)، كما يُتوقع أن تستمر فوائده حتى بعد التوقف عن تناوله.

وأظهرت التجربة أن العلاج لمدة عام واحد بدواء أباتاسيبت Abatacept، الذى يعمل على تنشيط الخلايا المناعية، يُقلل من تطور الروماتويد لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة به.

ووجد الباحثون أن فوائد العلاج استمرت لفترة طويلة بعد التوقف عن تناوله. كما استغرق الأشخاص الذين تلقوا الدواء وقتاً أطول بكثير للإصابة بالمرض، مقارنةً بمن تلقوا العلاج الوهمي، حيث تأخر ظهور المرض لمدة تصل إلى 4 سنوات بعد انتهاء فترة العلاج.

وقال البروفسور أندرو كوب، أستاذ أمراض الروماتيزم بكلية «كينغز كوليدج لندن» والمؤلف الرئيسي للدراسة: «إن التدخل المبكر لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي يمكن أن يحقق فوائد طويلة الأمد».

وأضاف في بيان نُشر، الأربعاء، على موقع الجامعة: «لقد أثبتنا أن هذا النهج آمن ويمكنه الوقاية من المرض خلال فترة العلاج، فضلاً عن تخفيف الأعراض بشكل كبير».

وأوضح أن الأهم من ذلك، أنه يمكن أن يؤخِّر ظهور التهاب المفاصل الروماتويدي لسنوات عدة، حتى بعد توقف العلاج، وهذا من شأنه أن يقلل من مدة معاناة المرضى من الأعراض والمضاعفات، مما يحسن جودة حياتهم بشكل جذري.

وعلى الرغم من أن الدواء لم يمنع التهاب المفاصل الروماتويدي بشكل دائم، فإن النتائج تُشير إلى أن العلاج المبكر يُمكن أن يُغير من مسار المرض عن طريق تأخير تطوره، مما قد يُقلل من عدد السنوات التي يعيشها المرضى مع الأعراض والمضاعفات.

تجربة سابقة

تستند الدراسة الجديدة المنشورة، الثلاثاء، في مجلة «لانسيت لأمراض الروماتيزم»، إلى نتائج تجربة سابقة أجراها باحثون من كلية كينغز لندن ونُشرت نتائجها عام 2024.

وبينما تابعت التجربة الأصلية 213 مشاركاً من المملكة المتحدة وهولندا لمدة عامين، تُقدم الدراسة الجديدة نتائج فترة متابعة تتراوح بين 4 و8 سنوات.

ويُعد التهاب المفاصل الروماتويدي مرضاً مناعياً مزمناً يُصيب نحو نصف مليون شخص في المملكة المتحدة وحدها. ويتطور هذا المرض عندما يهاجم الجهاز المناعي المفاصل عن طريق الخطأ، مما يُسبب الألم والتورم والإرهاق والإعاقة طويلة الأمد.

وغالباً ما يتوقف الأشخاص المعرضون لخطر الإصابة بهذا المرض عن العمل قبل ظهور أعراضه، مما يُؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة.

وعلى الرغم من وجود علاجات فعّالة للأشخاص المصابين بالتهاب المفاصل الروماتويدي، فإنه لا يوجد حالياً أي علاج مُرخص يمنع تطوره لدى المعرضين لخطر الإصابة به.

وأظهرت الدراسة الجديدة أن دواء أباتاسيبت كان أكثر فاعلية لدى الأفراد الأكثر عرضة للإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي، والذين تم تحديدهم من خلال فحص دم يكشف عن وجود أجسام مضادة ذاتية محددة. وبينما كان هؤلاء المشاركون الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالمرض، كانوا أيضاً أكثر استفادة من التدخل المبكر.

وخلال مرحلة الخطر، قلل العلاج بدواء أباتاسيبت من أعراض مثل آلام المفاصل والإرهاق، وحسّن من الصحة العامة. كما أنه بمجرد توقف العلاج، تقاربت مستويات الأعراض بين مجموعتي العلاج والدواء الوهمي، مما يشير إلى أن استمرار تعديل المناعة قد يكون ضرورياً للحفاظ على السيطرة على الأعراض.


لماذا تتزايد الاضطرابات الجوية الخطيرة؟ وما أفضل طرق الوقاية منها؟

طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)
طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)
TT

لماذا تتزايد الاضطرابات الجوية الخطيرة؟ وما أفضل طرق الوقاية منها؟

طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)
طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)

أصبحت الرحلات الجوية في كثير من مناطق العالم تشهد اضطرابات متزايدة، ما حوّل السفر جواً لدى البعض إلى تجربة مقلقة. ففي الشهر الماضي وحده، أُصيب شخصان بكسور في الكاحل بعد أن واجهت رحلة تابعة للخطوط الجوية البريطانية اضطرابات جوية شديدة في أثناء توجهها إلى المملكة المتحدة.

أما الحادثة الأبرز خلال السنوات الماضية، فقد وقعت في مايو (أيار) 2024، عندما لقي رجل بريطاني يبلغ من العمر 73 عاماً مصرعه، وأُصيب أكثر من 30 شخصاً بجروح، عقب تعرض رحلة تابعة للخطوط الجوية السنغافورية لاضطرابات جوية عنيفة. وخلال تلك الحادثة، هوت الطائرة نحو ستة آلاف قدم، ما أدى إلى اندفاع ركاب غير مربوطين بأحزمة الأمان داخل المقصورة وارتطامهم بخزائن الأمتعة العلوية.

ولسوء الحظ، يُرجّح أن يواجه المسافرون جواً فترات أكثر اضطراباً في المستقبل. فوفقاً لدراسة أجرتها جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة عام 2023، شهدت الاضطرابات الجوية في الهواء الصافي - وهي مطبات هوائية تحدث على ارتفاعات عالية في غياب السحب - زيادة ملحوظة في مناطق مختلفة حول العالم.

وبين عامي 1979 و2020، ارتفع إجمالي المدة السنوية للاضطرابات الجوية الشديدة فوق شمال المحيط الأطلسي، أحد أكثر مسارات الطيران ازدحاماً في العالم، بنسبة 55 في المائة. وفي الفترة نفسها، زادت الاضطرابات الجوية المتوسطة بنسبة 37 في المائة، بينما سجلت الاضطرابات الخفيفة ارتفاعاً بنسبة 17 في المائة.

ويُرجع الخبراء هذا الارتفاع المتزايد في الاضطرابات الجوية إلى تغيّر المناخ.

وقال البروفسور بول ويليامز، عالم الغلاف الجوي في جامعة ريدينغ والمشارك في إعداد الدراسة: «بعد عقد من الأبحاث التي أظهرت أن تغيّر المناخ سيؤدي إلى زيادة اضطرابات الهواء الصافي مستقبلاً، لدينا الآن أدلة تشير إلى أن هذه الزيادة قد بدأت بالفعل».

فكيف تحمي نفسك من الاضطرابات الجوية؟

الالتزام بربط حزام الأمان

لا توجد وسيلة سحرية لتجنّب الإصابة في أثناء رحلة جوية مضطربة. وغالباً ما يكون الحفاظ على السلامة أمراً بسيطاً، كما تؤكد إرشادات السلامة الجوية، ويتمثل في ربط حزام الأمان.

وقال غاري ليف، الخبير في شؤون الطيران وصاحب موقع «نظرة من الجناح»، لصحيفة «نيويورك بوست»: «أهم ما يجب عليك فعله هو ربط حزام الأمان في أثناء جلوسك في مقعدك»، مشيراً إلى أن معظم الإصابات الناتجة عن المطبات الهوائية تحدث لأشخاص لم يكونوا يرتدون أحزمة الأمان.

اختيار المقعد

رغم أن غالبية المطبات الهوائية لا تكون خطيرة، فإن الاضطراب الجوي المتوسط قد يثير الذعر أو الشعور بالغثيان لدى الأشخاص الذين يعانون من رهاب الطيران.

ولحسن الحظ، يمكن لهؤلاء المسافرين التقليل من حدة الشعور بالاضطراب من خلال اختيار الجلوس فوق الأجنحة أو في مقدمة الطائرة، بدلاً من الجلوس في مؤخرتها.

وفي هذا السياق، صرّح الكابتن دينيس تاجير من الخطوط الجوية الأميركية قائلاً: «تقع الأجنحة بالقرب من مركز ثقل الطائرة، لذا يكون الشعور بالاضطراب أقل عند الجلوس بجوارها مقارنةً بالجلوس في مؤخرة الطائرة، حيث يكون التأثير أقوى». وأضاف: «وعلى الرغم من أن الجلوس في مؤخرة الطائرة قد يكون أقل اهتزازاً في بعض الحالات، فإن الإحساس بالرحلة يختلف تبعاً لحركة الهواء».

ولا تقتصر فائدة الجلوس في منتصف الطائرة على تقليل الاضطراب فحسب، إذ قالت مضيفة طيران تابعة للخطوط الجوية البريطانية، فضّلت عدم الكشف عن هويتها: «يسهّل هذا الموقع أيضاً الحركة داخل الطائرة، ما يخفف من الشعور بالخوف من الأماكن المغلقة».

الانسجام مع حركة الطائرة

عندما يصبح المرور بمطبات هوائية أمراً لا مفر منه، لا يزال بإمكان المسافرين اتباع بعض التقنيات للتقليل من حدتها.

ومن بين الأساليب التي يستخدمها طاقم الضيافة الجوية - والتي قد تبدو غير مألوفة - محاولة التمايل مع حركة الطائرة.

وفي مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر تطبيق «تيك توك»، شرحت إحدى المضيفات هذه الطريقة قائلة: «عندما تضرب المطبات الهوائية الطائرة، تحرّك في مقعدك كقنديل بحر صغير... ستشعر بتحسّن كبير».

ومن خلال التحرك بتناغم مع حركة الطائرة، يمكن للمسافرين تقليل توتر العضلات والتخفيف من قوة الصدمة عند اصطدام الطائرة بالتيارات الهوائية.


رسالة حبّ عمرها 2000 عام ومشهد مصارعة على جدار في بومبي

بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)
بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)
TT

رسالة حبّ عمرها 2000 عام ومشهد مصارعة على جدار في بومبي

بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)
بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)

أعلن متنزه بومبي الأثري هذا الأسبوع اكتشاف نقوش قديمة على أحد الجدران، تضمَّنت رسالة حب يعود تاريخها إلى ألفي عام ومشهداً مصوراً لقتال المصارعين.

وذكرت «سي بي إس نيوز» أنّ هذه النقوش، التي تُعد بمثابة «غرافيتي» ذلك العصر، اشتملت أيضاً على قصص من الحياة اليومية، وأحداث رياضية، وعبارات تُعبّر عن الشغف، وأخرى تحتوي على إهانات؛ وقد نُحتت جميعها في ممر كان يربط منطقة المسارح في بومبي بأحد طرقها الرئيسية. ورغم أنّ الجدار قد نُقِّب عنه منذ أكثر من 230 عاماً، فإنّ نحو 300 نقش محفور عليه ظلَّت مخفيّة، إلى أن سمحت التقنيات الحديثة للباحثين بتحديدها.

غرافيتي بومبي يعيد رسم الحياة قبل الكارثة (رويترز)

جاءت جهود الكشف عن هذه الكتابات لكونها جزءاً من مشروع يُدعى «إشاعات الممرات»، برئاسة لويس أوتين وإلويز ليتيلير تايفير من جامعة سوربون في باريس، وماري أديلين لو جينيك من جامعة كيبيك في مونتريال، بالتعاون مع متنزه بومبي الأثري. وعبر موجتين من العمل نُفّذتا عام 2022، ومرة أخرى عام 2025، استخدم الباحثون تقنيات تصوير أثرية وحاسوبية متنوعة لإعادة إظهار تلك الرسائل المفقودة.

«أنا في عجلة من أمري؛ انتبهي لنفسك يا عزيزتي (سافا)، وتأكدي من أنكِ تحبينني!»؛ هكذا كُتب في أحد النقوش التي ظهرت مجدّداً على الجدار، وفق المتنزه الأثري، الذي صرَّح بأنّ هذه الكتابات «تشهد على الحيوية وتعدُّد التفاعلات وأشكال التواصل الاجتماعي التي تطوَّرت في فضاء عام كان يرتاده سكان بومبي القديمة بكثرة».

وجه حميمي وعنيف لبومبي القديمة (إ.ب.أ)

يُذكر أنّ بومبي، التي كانت يوماً مدينة رومانية صاخبة بما يُعرف اليوم بجنوب إيطاليا، قد دُفنت تحت أكوام من الرماد البركاني والحجارة عقب ثوران بركان جبل فيزوف عام 79 ميلادي. وقد تسبَّب هذا الحادث الكارثي في تجميد المنطقة عبر الزمن. واليوم، تُعد بومبي أحد مواقع التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، ومقصداً سياحياً شهيراً، فضلاً عن كونها مصدراً للاستكشاف الأثري المستمر.

الجدار يحتفظ بأصوات مَن مرّوا على المكان (إ.ب.أ)

وقال مدير المتنزه الأثري، غابرييل زوكتريغل، في بيان حول الاكتشافات الأخيرة: «التكنولوجيا هي المفتاح الذي يفتح غرفاً جديدة في العالم القديم، وعلينا أيضاً مشاركة تلك الغرف مع الجمهور. نحن نعمل على مشروع لحماية هذه الكتابات التي يتجاوز عددها 10 آلاف نقش وتعزيزها في أنحاء بومبي، وهو تراث هائل. واستخدام التكنولوجيا وحدها يمكنه ضمان مستقبل هذه الذاكرة من الحياة التي عاشت في المدينة».