«بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها

زياد كاج يرصد تحولات العاصمة اللبنانية

«بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها
TT

«بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها

«بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها

عمل أدبي جديد يصدر بعد أيام للروائي والشاعر اللبناني زياد كاج، يحمل عنوان «بناية تي. في. تاكسي»، يحكي فيه عن تحولات بيروت، تحديداً المنطقة التي سكنها صغيراً، في عمارة «الزاهد» وشاهد من خلالها تبدلات المدينة وأحوالها.
يأخذنا كاج من خلال الكتاب الصادر عن «دار نلسن»، ويحمل عنواناً فرعياً هو «الصنوبرة، رأس بيروت» في رحلة عبر الزمن، إلى هذه المنطقة من العاصمة اللبنانية التي بقيت فخراً لأبنائها بسبب تنوع سكانها، وتسامحهم، وتعايشهم، حتى في فترة الحرب الأهلية. إذ يصرّ أهالي «رأس بيروت» ومنهم مؤلف الكتاب، على أنها أجمل مناطق المدينة وأكثرها تميزاً، وأن كل شارع بها وعمارة وشجرة شهود على أحداث جسام، أثرت ليس فقط في تاريخ لبنان، بل في المنطقة ككل.
الشخصية الرئيسية في الكتاب هي بناية «الزاهد» التي تقع في حي الصنوبرة، نسبة إلى شجرة صنوبر ضخمة موجودة في المكان. يقول الراوي: «سكان بناية الزاهد تبدلت أحوالهم خلال الحرب، بعد انقطاع الكهرباء وتقنين المياه، وفلتان الشارع. صاروا أكثر حاجة لنا كأبناء للناطور، تحسنت معاملتهم معنا، خصوصاً أؤلئك الذين كنت أضعهم على اللائحة السوداء من أمثال مدام بورسالي، وغازي بو زين المتشاوف، الذي لا يضحك للرغيف السخن، وإميل البتروني الذي تآمر يوماً مع (أبو بوز) للتخلص من أبي، وجلب ناطوراً جديداً للبناية».
في الكتاب عودة إلى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية، ليحكي الكاتب - الرواي عن البناية التي فيها ترعرع الكاتب وكبر وذهب الى المدرسة، ولم يتركها إلا حين تزوج. لكن الحنين إلى الحي ورأس بيروت، لم يفارقه. وسبق له وكتب عن بيروت أكثر من كتاب، أبرزها روايته «بيروت: صندوق في بحر، نار على تلة».
كاج في كتابه الجديد، لا تحكمه النوستالجيا، ولا يسكنه الحنين. إنما يسجل «سيرة مكان» كما وصف الناشر سليمان بختي النص. سيرة بناية تبدو للكاتب «كأنها تدور وهي تؤدي رقصة الدراويش، تلفظ أناساً وتستقبل غيرهم تبعاً للمرحلة. قبل حرب السنتين، كانت في حال، وبعدها صار السكان شيئاً آخر. قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 سكنتها مجموعة مختلفة عن تلك التي جاءتها بعد الاجتياح، ثم تحلّ مرحلة رفيق الحريري الذي سكن المنطقة وأثر فيها. في كل مرة ثمة من يموتون أو يهاجرون أو يغيرون أماكن سفرهم، وتبقى العمارة قائمة في مكانها، إلى اليوم».
تغّير ملّاك العمارة، كما سكانها، وبقي والد الكاتب، ناطورها الأمين عليها، وابنه زياد الكاج الذي كان طفلاً يومها، يراقب ما يحدث، ليصبح كاتباً يقص علينا حكاية ما صارت تعرف خلال الحرب الأهلية ببناية «تي. في. تاكسي»، بسبب مكتب سيارات الأجرة الذي تمركز بها واصطفت مركباته الأميركية الصفراء كبيرة الحجم حولها. أما الأم المسيحية فهمزة وصل، وجسر مع السكان، ولا تزال تسكن في المكان مع ابنتها.
حدثان رئيسيان، عاشهما أهل الحي، رآهما الراوي طفلاً، وكان شاهداً عليهما. اغتيال ثلاثة قادة فلسطينيين عام 1973؛ وهم كمال ناصر، وكمال عدوان وأبو يوسف النجار، وكان لا يزال في التاسعة، ثم اغتيال أبو حسن سلامة عام 1979 في الشارع نفسه بسيارة مفخخة، وكان قد أصبح في الخامسة عشرة.
على المبنى الضخم الذي يقع عند زاوية ومفترق، ويرتفع سبعة طوابق في كل منها خمس شقق، توالت عشرات العائلات، أرمن، مسلمون ومسيحيون ومسؤول كبير من شهود يهوا، خفيف الظل، متواضع، وآخرون من ملل متعددة. (يمكن للقارئ أن يكتشف المبنى على غلاف الكتاب الجميل الذي صمم لوحته يوسف دوغان).
من خلال متابعة بعض الشخصيات، نفهم سيكولوجيا المكان وأعماق الناس. هناك كوكو الكوافير النسائي الأرمني، الذي كان رغم الحرب يتنقل بخفة بين شطري بيروت الشرقية والغربية، وأصبح بتكوينه جزءاً من منطقة رأس بيروت. ويوم اضطر كوكو أو كريكور (وهو اسمه الأصلي) للانتقال إلى منطقة ذات غالبية أرمنية في برج حمود ضاع توازنه، وفقد ألقه، وبدا شاحباً وهرماً.
ثمة فصل كامل عن محمد ميشال الغريب، الذي كان من سكان الشارع، في مبنى قريب. وهو شخصية معروفة لمعاصريه في سبعينات القرن الماضي، كونه مارونياً اعتنق الإسلام، وعمل في السياسة. هو ابن الجبل وبدل أن يكون تحت جناحي طائفته التحق بالحزب الاشتراكي وكمال جنبلاط، الذي هو نفسه أيضاً لم يأخذه على محمل الجد. هكذا بقي محمد ميشال الغريب الذي تخرج من كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية وعمل محامياً وفتح لنفسه مكتباً، غريباً في عيون كثير من الناس، لكنه ترك لنا مؤلفات جميلة، أمتعها «مذكرات ماروني».
«أحببت أن أخصص له في الكتاب فصلاً كاملاً»، يقول كاج، «لأظهر أن الشخص النقي والآدمي في بلادنا، يداس ويسحق. كميل شمعون لم يتمكن من مسامحة محمد ميشال الغريب الماروني الذي ترك زعيم طائفته والتحق بجنبلاط، فبقي يحاربه حتى سحقه بالفعل».
هناك أيضاً ابو علي الذي حلّ كناطور مكان والد الراوي ومعه عائلته، ولا هم له إلا أن يعود إلى قريته التي هجّر منها، وهو ما تحقق له بالفعل، بعد أن انضم إلى الحزب الشيوعي الذي صبغ غالبية سكان المنطقة، ثم بدّل من ميوله كما كثيرين غيره.
يقول كاج: «لا أذكر أن أولاد العائلات المتوسطة في منطقتنا حملوا سلاحاً، أو شاركوا في الحرب. كان همّ الناس، أن تعلم أولادها وتنجو بنفسها، خصوصاً أن ثمة فترة أغلقت فيها المدارس».
في هذا الوقت مدرستان فتحتا أبوابهما لأولاد الحي، «مدرسة الطليان» قرب فندق البريستول، و«مدرسة الروضة». يعلق الكاتب: «جميل أن يفكر مدير مدرسة وقد تعطلت الحياة التربوية، أن يفتح مؤسسته لأبناء الجيران ليلعبوا كرة القدم أو كرة السلة ويقضوا وقتاً لطيفاً في زمن عصيب».
في الكتاب عودة إلى شارع الحمرا، أيام العزّ مطلع السبعينات، بسينماته الكثيرة، «ستراند» و«الحمرا» و«كوليزيه»، وأفلامه الأثيرة، ورواده. هناك سكنت عائلة كاج، قبل أن تتمركز في بناية الزاهد. ذلك يوم كان الدرك اللبناني و«فرقة 16» على وجه التحديد، لها هيبة لم تسترد، وشراء «البوب كورن» قبل الدخول إلى صالات السينما، ليس في متناول كل الناس، فيستبدلون به الفول السوداني.
ينتهي الراوي، وهو يتحدث عن الزمن الراهن، عن زيارته لوالدته وشقيقته في بناية الزاهد، وتأمله ما انتهت إليه منطقته، وما صار عليه حي الصنوبرة. ويعلق بالقول: «تغيرت وجوه الناس بالفعل، ومع ذلك لا يزال رأس بيروت، رغم أنه فقد بعضاً من تنوعه الإنساني، مكاناً لا يمكن مقارنته بأي منطقة أخرى في العاصمة».
«بناية تي. في. تاكسي» ليس رواية، بل نصّ مفتوح يجول فيه الراوي، في حنايا منطقة عزيزة من العاصمة اللبنانية، هي القلب والنبض والحيوية. يجول فيها أحد أبنائها جيئة وذهاباً في الزمن، يتأمل الوجوه التي عبرتها، من سبعينات القرن الماضي إلى اليوم مسجلاً عبر ناسها على اختلافهم، حكاية نصف قرن ونيف من عمر مدينة عربية ليست ككل المدن.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نظام نباتي لعلاج «المباني المريضة»

الحدائق العمودية تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي (جامعة ساري)
الحدائق العمودية تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي (جامعة ساري)
TT

نظام نباتي لعلاج «المباني المريضة»

الحدائق العمودية تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي (جامعة ساري)
الحدائق العمودية تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي (جامعة ساري)

أظهرت دراسة إسبانية فعالية الحدائق العمودية النشطة، أو ما يُعرف بالجدران الخضراء، في تحسين جودة الهواء داخل المباني والأماكن المغلقة.

وأوضح باحثون في جامعة إشبيلية أن الحدائق العمودية تمثل بديلاً طبيعياً لأنظمة تنقية الهواء الصناعية، مع استهلاك أقل للطاقة وتأثير بيئي إيجابي. ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Atmospheric Environment».

والحدائق العمودية هي تقنية زراعية مبتكرة تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي على واجهات المباني أو الجدران الداخلية والخارجية، بدلاً من الزراعة التقليدية في التربة. وتُثبَّت هذه النباتات ضمن أنظمة دعم خاصة تشمل طبقات لعزل الرطوبة، وأوساط نمو بديلة للتربة، إضافة إلى أنظمة ري وتغذية آلية مدمجة.

وتهدف هذه الحدائق إلى استغلال المساحات المحدودة في المدن لتعزيز الغطاء النباتي، ما يُسهم في تنقية الهواء من الملوثات، وخفض درجات حرارة المباني، وتقليل الضوضاء، فضلاً عن إضافة لمسة جمالية ونفسية مريحة للبيئة العمرانية.

وأجرى الباحثون تجاربهم داخل غرفة زجاجية مغلقة، بهدف قياس قدرة أنواع مختلفة من النباتات على تقليل تركيز الملوثات في الهواء، في ظل تزايد القلق العالمي بشأن تلوث الهواء الداخلي وتأثيره في الصحة العامة.

وأشار الفريق إلى أن تلوث الهواء داخل المباني يُمثل مشكلة صحية خطيرة في عدد من الدول، إذ يرتبط بمتلازمة «المباني المريضة»، التي تؤثر سلباً في راحة الأفراد وإنتاجيتهم، وكذلك في قدرة الطلاب على التعلم.

وبيّنت الدراسة أن مصادر التلوث الداخلي تشمل مذيبات الطلاء، والعطور ومستحضرات التجميل، ومواد البناء، والأثاث، ودخان التبغ، إلى جانب الأنشطة اليومية مثل الطهي والتدفئة والتنظيف، فضلاً عن تسرب الملوثات من الخارج، مثل الغبار الحضري.

واعتمد الباحثون على اختبار 5 أنواع نباتية داخل نظام «الجدار الأخضر النشط»، وهي «سباثيفيلوم»، و«ترادسكانتيا زبرينا»، و«فيلودندرون سكاندينس»، و«فيكس بوميلا»، و«كلوروفيتوم كوموسوم».

وخلال التجارب، جرى إدخال ملوثات غازية مثل ثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت، بالإضافة إلى مركبات عضوية متطايرة مثل الفورمالديهايد والأسيتون والهكسان والهيبتان، ثم جرت متابعة التغير في تركيزها داخل الغرفة.

وسجلت النتائج انخفاضاً كبيراً في مستويات الملوثات، خصوصاً الفورمالديهايد وثاني أكسيد الكبريت؛ حيث تراوحت نسبة الإزالة الإجمالية بين 96 و98 في المائة بعد 24 ساعة لجميع الأنواع النباتية. كما أظهرت النتائج أن كفاءة التنقية كانت الأعلى بالنسبة للفورمالديهايد وثاني أكسيد النيتروجين.

وفي وقت قصير نسبياً، وتحديداً بعد 15 دقيقة فقط من إدخال المركبات العضوية المتطايرة، انخفضت نسبتها بمعدل تراوح بين 24 و40 في المائة باستخدام جميع النباتات، ما يُشير إلى سرعة استجابة هذه الأنظمة، حسب الفريق.

وأشارت النتائج إلى أن استخدام الحدائق العمودية داخل المباني يمكن أن يكون حلّاً فعالاً ومستداماً لتحسين جودة الهواء الداخلي، بما يعزز صحة الأفراد، ويحد من المخاطر المرتبطة بالتلوث في البيئات المغلقة.


مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)

تحت لافتة «كامل العدد»، استعادت المسارح المصرية زهوها وحضورها الفني خلال موسم عيد الفطر، وشهدت مسارح القاهرة والإسكندرية زخماً جماهيرياً لعروض متنوعة تراوحت بين الكوميديا والتراجيديا، إلى جانب مسرحيات كلاسيكية وأخرى استعراضية، إضافة إلى عروض موجهة للأطفال، في حين خطف عرض «الملك لير» الأضواء على خشبة المسرح القومي (وسط القاهرة).

وشهدت مسارح البيت الفني للمسرح، التابع لوزارة الثقافة المصرية، إقبالاً جماهيرياً كبيراً، وسط أجواء احتفالية وتفاعل واسع من الجمهور، كما حضر العروض عدد من الفنانين والصحافيين والشخصيات العامة، من بينهم الفنانتان سهير المرشدي وحنان مطاوع.

وأكد المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح بوزارة الثقافة، أن «طموح البيت الفني للمسرح لا يتوقف عند مواسم الأعياد، بل يمتد إلى جذب أكبر عدد من الجمهور طوال العام»، مشيراً، في بيان صدر يوم الاثنين، إلى أن «الرؤية ترتكز على تقديم محتوى مسرحي رفيع المستوى يتناول قضايا المجتمع، ويطرح حلولاً لها في إطار درامي واجتماعي، إيماناً بدور المسرح بوصفه ركيزة أساسية في تشكيل الوعي وبناء الإنسان، مع العمل على تقديم عروض تناسب مختلف شرائح الجمهور، بما يضمن استمرارية شعار (كامل العدد) على مدار الموسم بأكمله».

وقدَّمت فرقة المسرح القومي عرض «الملك لير» من تأليف وإخراج شادي سرور، وبطولة يحيى الفخراني، وطارق دسوقي، وحسن يوسف، وأحمد عثمان، وتامر الكاشف، وأمل عبد الله، وإيمان رجائي، ولقاء علي، وبسمة دويدار، وطارق شرف، ومحمد العزايزي، وعادل خلف.

المسرح القومي كامل العدد في عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الإقبال الجماهيري على المسرح يؤكد حيوية الفن المصري، وأن الجمهور عندما يجد عروضاً تستحق المشاهدة يُقبل عليها»، مشيراً إلى أن «النجاح منقطع النظير لمسرحية (الملك لير) منذ انطلاقها، سواء على مسارح الدولة أو في القطاع الخاص، عبر مواسم متعددة، يعكس المصداقية الكبيرة والمحبة التي يحظى بها يحيى الفخراني في قلوب الجمهور».

وقدّمت فرقة المسرح الكوميدي، على مسرح ميامي بوسط القاهرة، عرض «ابن الأصول» من تأليف وإخراج مراد منير، وبطولة ميرنا وليد، ومصطفى شوقي، ومحمود عامر، وحسان العربي، وليلى مراد، ويوسف مراد، وحامد سعيد، ورشا فؤاد، وعبير مكاوي، ونور العزيز، ومحمود عوض.

في حين قدّمت فرقة المسرح الحديث عرضين متوازيين؛ الأول «كازينو» على مسرح السلام، من تأليف وأشعار أيمن النمر وإخراج عمرو حسان، وبطولة كريم الحسيني، ومحمد مبروك (يوركا)، ونوال سمير، ونيجار محمد، ومحمود البيطار، ولمياء الحناوي، وهاني ماهر، وأحمد محسن منصور، ومحمد دياب.

أما العرض الثاني فهو «يمين في أول شمال»، على قاعة يوسف إدريس، من تأليف محمود جمال حديني وإخراج عبد الله صابر، وبطولة إيهاب محفوظ، وأمنية حسن، وعبد الله صابر، وطارق راغب.

مسرحيات رفعت شعار كامل العدد في العيد بمصر (وزارة الثقافة المصرية)

وقدّمت فرقة مسرح الطليعة عرضين؛ الأول «سجن اختياري» على قاعة صلاح عبد الصبور، من تأليف محمود جمال الحديني وإخراج باسم كرم، وبطولة إيهاب محفوظ، ويوسف المنصوري، وأمل عبد المنعم، وبولا ماهر. أما العرض الثاني فهو «متولي وشفيقة» على قاعة زكي طليمات، من تأليف محمد علي إبراهيم وإخراج أمير اليماني، وبطولة محمد فريد، ويسرا المنسي، ومنة اليمني، ودالا حربي.

ومن إنتاج فرقة مسرح الغد، قدَّم المخرج السعيد المنسي عرض «الأداجيو... اللحن الأخير»، المأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، وبطولة رامي الطمباري، وهبة عبد الغني، وبسمة شوقي، وجورج أشرف، وجنا عطوة، ومحمد دياب، وأحمد هشام، وأمنية محسن.

عروض مسرحية متنوعة في موسم العيد بمصر (وزارة الثقافة المصرية)

ويضيف السماحي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «الإقبال الجماهيري على المسرح خلال العيد يعود إلى أسباب عدَّة، من بينها تنوع الموضوعات، وعودة المسرح إلى الاهتمام بالأدب من خلال مسرحة رواية (الأداجيو... اللحن الأخير) للروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد».

ويلفت إلى أن «الأهم هو أن سعر تذكرة المسرح أصبح في متناول الجميع بفضل دعم وزارة الثقافة؛ إذ بات أقل من سعر تذكرة السينما، وهو ما يفسر هذا الإقبال الكبير من الأسر المصرية على العروض المسرحية بوصفها (فسحة العيد)».

أحد العروض المسرحية بموسم عيد الفطر (وزارة الثقافة المصرية)

وقدّمت فرقة مسرح الشباب عرض «سابع سما» على مسرح أوبرا ملك برمسيس، في تجربة مسرحية تعكس حيوية الجيل الجديد وقدرته على التعبير الفني.

وللأطفال، قدَّمت فرقة مسرح القاهرة للعرائس عرض «رحلة سنوحي»، من تأليف محمد أمين عبد الصمد، وأشعار سامح العلي، وإخراج عيد مسعد، وبطولة أحمد بدير، وعفاف شعيب، وأحمد راتب، ومحمد الصاوي، ومجدي فكري، وعلي الحجار، وفاطمة عيد.

وأكد الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «المسرح يزدهر بشكل ملحوظ خلال العيد، نظراً لطبيعة الأعمال المقدَّمة، ومن بينها أعمال مهمة وكبيرة مثل (الملك لير) التي ترفع منذ افتتاحها شعار (كامل العدد)».

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «إعادة تقديمها خلال العيد اختيار ذكي، إذ يُعرف أن المسرح من الخيارات المطروحة والمحببة لدى كثير من الأسر خلال إجازة العيد، ما ينعكس في حالة انتعاش ملحوظة، سواء في القاهرة أو الإسكندرية».

الموسم تضمن عروضاً استعراضية وأخرى للأطفال (وزارة الثقافة المصرية)

وقدّمت فرقة المسرح القومي للأطفال، برئاسة الفنانة إيناس نور، عرض «لعب ولعب» من تأليف وإخراج الدكتور حسام عطا، وبطولة جيهان قمري، وليلى عز العرب، وأحمد صادق، ومنير مكرم.

كما قدّمت فرقة مسرح الإسكندرية عرض «صفحة 45» على مسرح ليسيه الحرية، من إخراج معتز البنا وتأليف أحمد عبد الرازق، وبطولة ريهام الغرباوي، وأحمد جابر، ومحمد سعيد، وأحمد عاطف.

ويلفت سعد الدين إلى أن هذه العروض تظل مقصورة على القطاع العام، مضيفاً: «ننتظر عودة المسرح الخاص كما كان في السابق، مع فرق مثل فرقة الفنانين المتحدين، وبنجوم مثل عادل إمام وفؤاد المهندس وغيرهما، لكن ما يحدث حالياً يؤكد أن المسرح لا يزال يحتفظ بجمهوره».

Your Premium trial has ended


انتهت الخدمة العسكرية... عودة مدويَّة لـ«BTS» مع حفل ضخم وألبوم جديد

أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)
أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)
TT

انتهت الخدمة العسكرية... عودة مدويَّة لـ«BTS» مع حفل ضخم وألبوم جديد

أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)
أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)

في النصف الثاني من الكوكب، أي على بُعد آلاف الكيلومترات من الحروب والحشود العسكرية، انشغلت عاصمة كوريا الجنوبية سيول بجيشٍ من نوعٍ آخر. إنه «جيش بي تي إس» أو (BTS Army) الذي ملأ شوارع المدينة احتفاءً بعودة فريقه الغنائي المفضّل بعد غيابٍ استمرّ 4 سنوات.

كانت دوافع الانكفاء عن الفن وطنيّة بالنسبة للشبّان الـ7 الذين يتألّف منهم الفريق. ففي 2022، كان على المغنّي الأكبر سناً بينهم أن ينضمّ إلى صفوف الجيش لأداء خدمته العسكرية. وقد لحق به باقي أعضاء الفريق ما بين 2022 و2025.

مساء السبت كانت سيول على موعد مع حفل ضخم لفريق «BTS» إحياءً لعودته (أ.ف.ب)

«BTS»... ولادة ثانية

ليس «BTS» فريقاً اعتيادياً، فمنذ انطلاقته عام 2013، تحوّل إلى ظاهرة موسيقية حلّقت بالبوب الكوري K-Pop إلى الفضاءات العالمية. كما صنع لنفسه قاعدة جماهيرية تُسمّى «جيش» ويتجاوز عدد جنودها 120 مليوناً حول العالم.

104 آلاف من بين هؤلاء حضروا إلى ميدان غوانغهوامون التاريخي في سيول لمشاهدة حفل العودة، وفق أرقام شركة HYBE المنظّمة. أما البقيّة فأُتيحت لها المشاهدة عبر «نتفليكس» التي تولّت البثّ الحيّ للحفل في تجربة هي الأولى من نوعها، بالتوازي مع استعداد المنصة لخوض مزيدٍ من تجارب النقل المباشر، لا سيّما في قطاعَي الموسيقى والرياضة.

جانب من الحشود التي توافدت إلى حفل «BTS» (أ.ف.ب)

يُعدّ الحفل ولادة ثانية للفريق وقد شكّل مناسبةً لإطلاق ألبوم العودة، الذي حمل عنوان «أريرانغ» Arirang وهو اسم الأغنية الفولكلورية الأكثر شعبيةً في كوريا الجنوبية. تعمّد «BTS» اختيار هذا العنوان لأنّ «أريرانغ» نشيدٌ عاطفي يتحدّث عن الانتقال من المشقّة وعذاب الفراق إلى ما هو أفضل. وها هم نجوم الكي بوب، «آر إم»، و«جين»، و«شوغا»، و«جي هوب»، و«جيمين»، و«في»، و«جانكوك» يخوضون معاً نقلة نوعيّة في مسيرتهم، ويمتحنون استمراريّة شعبيّتهم.

قلق العودة وإصابة في الكاحل

وسط تصفيق الجمهور وهتافاته ودموعه، اصطفّ الشبّان السبعة على المسرح الضخم الشبيه بقَوس النصر، والذي شُيّد خصيصاً من أجل الحفل. في الخلفيّة، المعبد التاريخي والبوّابة المهيبة المؤدّية إلى القصر الملكيّ والعائدة إلى القرن الرابع عشر. الإطار فيه ما يكفي من السحر كي يتخلّى المنظّمون ومصمّمو الحفل عن البهرجة والمؤثّرات الخاصة.

تحت الأضواء البنفسجيّة، وهو اللون المعتمد للفريق، وعلى مدى ساعة من الوقت قدّموا مجموعة من أغاني الألبوم الجديد، كما استرجعوا بعضاً من قديمهم.

شكّل حفل العودة مناسبة لتقديم الألبوم الجديد للفريق (أ.ب)

بين أغنيةٍ وأخرى، توجّهوا بالحديث إلى «جيشهم» متنقّلين بين اللغتين الكوريّة والإنجليزية. لم يخفوا رهبتهم من الوقفة مجدّداً تحت الأضواء: «خلال السنوات الماضية وحتى اللحظة، واجهنا قلقاً كبيراً وتساءلنا ما إذا كان جمهورنا ما زال يتذكّرنا أم أنه قد نسيَنا»، اعترف جي هوب أمام عشرات آلاف المحتشدين في الميدان، وملايين المشاهدين عبر «نتفليكس».

للمرة الأولى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، غنّى أعضاء «BTS» ورقصوا معاً، باستثناء «آر إم» الذي اكتفى بالغناء جلوساً معظم الوقت نظراً لإصابة في كاحله تعرَّض لها خلال التمارين للحفل.

أمضى آر إم جزءاً من الحفل جالساً بسبب إصابة في القدم أثناء التمارين (أ.ب)

التجمّع الأكبر منذ كأس العالم

22 ألفاً من بين الجماهير استطاعوا الوصول إلى أقرب مسافة ممكنة من المسرح بما أنهم فازوا بالبطاقات الذهبية المجّانية، أما الباقون فقد شاهدوا الحفل عبر الشاشات الضخمة الموزّعة في أرجاء الميدان.

وفق السلطات الكورية الجنوبية، فإنّ هذا التجمّع يُعَدّ من بين الأضخم منذ مباريات كأس العالم 2002 التي استضافتها سيول. وقد تجنّدت القوى العسكرية من أجل تنظيم الحشود وفرض القيود الأمنية. إذ انتشر 7 ألاف عنصر من الشرطة في أضخم ميادين كوريا الجنوبية، مانعين الوصول إلى عشرات المباني. كما أُقفلت 3 محطات قطار مجاورة.

يُعرف معجبو الفريق الموسيقي بجيش «BTS» (أ.ف.ب)

أما فنادق المنطقة فكانت كلها محجوزة نظراً لتوافد الكوريين من مختلف أنحاء البلد، إضافةً إلى السيّاح من حول العالم. ويُعَدّ فريق «BTS» محرّكاً أساسياً للاقتصاد الكوري الجنوبي نظراً لكثافة مبيعات كل ما يمتّ له بصِلة؛ من بطاقات الحفلات والحجوزات المرافقة لها، إلى مبيعات الألبومات، مروراً بالسِلَع التجارية الخاصة بالفريق. وكانت تقديرات «معهد الثقافة والسياحة الكوري الجنوبي» قد أشارت إلى أنّ عرضاً غنائياً واحداً لـ«BTS» يمكن أن يدرّ ما يصل إلى 842 مليون دولار.

«BTS»... ظاهرة لن تتكرر

في قطاع صناعة الترفيه، يشكّل فريق «BTS» ظاهرة فريدة من الصعب أن تتكرّر. حقّق إجماعاً عالمياً بسرعة قياسية وبلغَ الإعجاب به حدّ الهوَس. لم تقف اللغة حاجزاً بينه وبين عشرات ملايين المعجبين الذين انجذبوا إلى خصوصية الفريق، أكان على مستوى الأغاني أو الأزياء أو الحكاية الإنسانية الخاصة بكل فردٍ من أفراده.

لذلك، فإنّه من المنطقيّ أن تُكرّم سيول الفريق المعجزة، ليس بتنظيم حفل عودتهم فحسب، إنما بتعديل قانون الخدمة العسكرية خصيصاً من أجلهم.

حفل واحد لـ«BTS» كفيل بأن يدرّ أكثر من 840 مليون دولار (رويترز)

تعديل الخدمة العسكرية من أجل «BTS»

بموجب القانون الكوري الجنوبي، يجب على جميع الشباب الأصحّاء الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و28 عاماً، الخدمة من 18 إلى 21 شهراً في الجيش، من دون أي استثناءات لنجوم الكي بوب. لكن بسبب نجاح فريق «BTS»، جرى تعديل ذلك القانون عام 2020. كان قد بلغ جين الـ28 في تلك السنة وبات ملزماً بأداء خدمته، فتقرّر إضافة بندٍ إلى القانون ينصّ على السماح لنجوم الكي بوب والفنانين بتأجيل خدمتهم العسكرية إلى حين بلوغهم الـ30.

مع ذهاب جين لأداء الخدمة العسكرية دخل الفريق إجازة قسرية استمرت 4 أعوام (إنستغرام)

تمديدٌ استفاد منه جين وزملاؤه سنتَين، إلى أن حلّ عام 2022 حيث ما عاد التأجيل ممكناً. ارتدى جين البزّة المرقّطة وحلق شعره، وما هي إلا أشهر حتى لحق به رفاقه الستة بعد أن خاض بعضُهم تجربة موسيقية منفردة في الأثناء. وقد ذكرت إدارة القوى العاملة العسكرية الكورية الجنوبية لوكالة «أسوشييتد برس»، أن أفراد المجموعة خضعوا للإجراءات والتدريبات والقواعد الصارمة ذاتها التي يخضع لها المجنّدون الآخرون.

نجما «BTS» جيمين وجانكوك في الخدمة العسكرية (رويترز)

جزءٌ من حياة «BTS» في المعسكر سيعرضها «وثائقي» تستعدّ «نتفليكس» لإطلاقه الأسبوع المقبل، بعنوان «بي تي إس: العودة» BTS: The Return كما يواكب «الوثائقي» استعدادات الفريق لالتئام الشمل وتفاصيل رحلتهم إلى لوس أنجليس حيث أمضوا شهرَين في تسجيل ألبومهم الجديد.