روايات الخيال السياسي... هل هي مسؤولة عن انتشار «نظرية المؤامرة»؟

تلاقي في الآونة الأخيرة رواجاً شعبياً وتجارياً كبيراً

الأطروحات التآمرية مصدر إلهام لروايات وإنتاجات أدبية تهدف إلى تعليل أحداث أو إضفاء معنى عليها (رسم بالذكاء الصناعي - ميدجيرني)
الأطروحات التآمرية مصدر إلهام لروايات وإنتاجات أدبية تهدف إلى تعليل أحداث أو إضفاء معنى عليها (رسم بالذكاء الصناعي - ميدجيرني)
TT

روايات الخيال السياسي... هل هي مسؤولة عن انتشار «نظرية المؤامرة»؟

الأطروحات التآمرية مصدر إلهام لروايات وإنتاجات أدبية تهدف إلى تعليل أحداث أو إضفاء معنى عليها (رسم بالذكاء الصناعي - ميدجيرني)
الأطروحات التآمرية مصدر إلهام لروايات وإنتاجات أدبية تهدف إلى تعليل أحداث أو إضفاء معنى عليها (رسم بالذكاء الصناعي - ميدجيرني)

تعمل نظريات المؤامرة كشبكة بسيطة لتحليل واقع معقّد، أي أنها تقدِّم تفسيراً في خضمّ حالة من عدم اليقين وهي تجذب أكثر من غيرها؛ لأنها تساعد على إيجاد معنى في عالم مُربك وفوضوي، أو كما كتب توكفيل في «الديمقراطية في أميركا»: «فكرة خاطئة لكن واضحة ودقيقة ستكون أكثر قوة في العالم من فكرة صحيحة لكن معقدة...». ولأنها عمل خياليّ يفترض وجود جماعات سريّة تحرّك الخيوط من وراء الكواليس وأشرار يخطّطون للسّيطرة على العالم في غرف مظلمة يملؤها الدخان، فإن الأطروحات التآمرية هي أيضاً مصدر إلهام لروايات وإنتاجات أدبية تهدف إلى تعليل أحداث أو إضفاء معنى عليها، بإدراجها ضمن مؤامرة عالمية واسعة النّطاق حتى لا تبقى تلك الأحداث وليدة الصّدفة وبلا معنى. الجدل يتمركز حول تأثير المعلوماتية الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي والعوامل النفسية والاجتماعية والثقافية في استفحال هذه النظريات، لكن قلّة قليلة من البحوث تتناول المرجعيات الأدبية التي شجعت ظهور هذا الفكر غير العقلاني، رغم أن الأدب «التآمري»، إذا صّح التعبير، موجود في الرواية البوليسية ورواية الخيال السياسي والتاريخي، وهو يلاقي في الآونة الأخيرة رواجاً شعبياً وتجارياً منقطع النظير.
كتب أخيراً الباحث بيتر نايت، أستاذ الأدب في جامعة مانشستر ومؤلف كتاب «كونسبيراسي كولتور أو ثقافة التآمر»، في جريدة «لوموند» الفرنسية مقالاً بعنوان: «كثير من نظريات التآمر ولدت في الخيال» يقول فيه ما يلي: «على الرغم من أن الأدب كان مهتماً منذ زمن بعيد بموضوع المؤامرة والجمعيات السّرية فإنه وجب انتظار القرن التاسع عشر لتصبح المؤامرة عنصراً مركزياً في العقدة الروائيّة مع ظهور ما يسمى بـ(رواية المجتمعات السرية) في ألمانيا أو «غيهايم برد رومان».
في الوقت نفسه، كان بعض الكتاب البريطانيين مفتونين بشبح الجمعيات السّرية الماسونية، والتآمر الإيطالي والآيرلندي ضد الحكومة، ومع منعطف القرن العشرين بدأت الرواية البوليسية ورواية الإثارة (تريلر) تكتسبان الشهرة والاعتراف حين اعتمدتا على المؤامرة كحبكة روائية مع آلان إدغار بو وهنري جيمس المولعين بالقصّص القصيرة المحفوفة بالألغاز التي لا حلّ لها...».

دان براون - إمبرتو إيكو - جيمس ألروي

ألكسي بروكا الكاتب والصحافي في المجلة الأدبية «ماغازين ليتيرير» ذهب لأبعد من ذلك حين تحدث على أمواج إذاعة «فرانس كولتور» في برنامج بعنوان «نظريات التآمر في الأدب» عن «مكتبة البارانويا» التي تضم في رفوفها إصدارات مبدعين مصابين بما يسميه بـ«البارانويا الخلاقّة» أو «ذهان الملاحقة الخلّاق»، حيث يعمد هؤلاء إلى ابتداع حكايات يشعر فيها البطل (الذي غالباً ما يكون رجلاً أبيض) أنّ حريته وهويّته – وحتى سلامته الجسدية – مهدَّدة بالوقوع تحت سيطرة قوى غامضة. ولتفسير ما يحدث تُقدّم نظرية المؤامرة كوسيلة لفهم الأنظمة المبهمة والأحداث الغامضة التي لم تعد فيها المؤامرة أجنبية تهدف إلى التسلّل إلى الأمّة، بل تهديداً يأتي من الداخل وهو أكثر غموضاً ومكراً»... يضيف الكاتب الفرنسي بأن اسم الروائي هوارد فيليبس لوف كرافت قد يوضع على رأس قائمة كُتّاب «التآمر»، فطيلة حياته ألّف لنا هذا الأخير أعمالاً تشرح بأن العالم ليس كما نظن، وبأن كائنات غريبة هي في الواقع التي تحكم، ورغم أن الكاتب لم يكن هو نفسه يؤمن بهذه الأطروحات التآمرية فإن التأثير على القراء كان قوياً ولا سيما الشباب...». أعمال الروائي هوارد فيليبس لوف كرافت اقتبست بشكل واسع في السنيما والتلفزيون، ولاقت نجاحاً كبيراً ولا سيما قصّص المخلوقات الزاحفة الذكية التي تتحكم سراً في مصائر البشرية من خلال أخذ مكان شخصيات مهمة في السياسة والأعمال، مثل هذه الروايات تركت أثرها وتسبّبت في ظهور إشاعات غريبة، كتلك التي استهدفت رئيس الوزراء النيوزيلندي السابق جون كاي الذي اضطر للظهور في وسائل الإعلام عام 2014 لنفي إشاعات سخيفة تدعي بأنه «حيوان زاحف» قادم من الفضاء، فأعلن بلهجة ساخرة أمام الكاميرات: «زرت الطبيب والبيطري، وكلاهما أكد لي أني لست زاحفاً... وأنا هنا لأعلن بأني لم أزر يوماً مركبة فضائية وليس لي أي زّي أخضر»، وبينما كان لوف كروفت يستعمل عنصر المؤامرة لإضفاء طابع الإثارة على حبكاته الروائية كان مواطنه الأميركي دان براون يؤمن بكل النظريات التآمرية الواردة في كتاباته، بل يسعى جاهداً إلى الترويج لها. فهو الذي كتب في مقدمة روايته «شفرة دافنشي» أن كل ما كتب في الرواية موثق ومستوحى من أحداث واقعية، رغم أن كثيراً من الأساتذة والباحثين أثبتوا بالدليل القاطع عكس ذلك تماماً.
وفي عمله الأخير قبل رحيله عام 2016 «العدد صفر» اقترح إمبرتو إيكو الروائي الشهير وصاحب الرواية المعروفة «اسم الوردة» كتابة جديدة للتاريخ، حيث عرض على لسان شخصية رومانو الصحافي حقيقة أخرى بخصوص الزعيم الفاشي موسوليني، حيث لم يكن هو الذي أعدم في 28 أبريل (نيسان) 1945، بل كان شبيهه! لماذا رفض الدوتشي مقابلة عائلته في كومو؟ لأنها كانت ستلاحظ الخداع. لماذا أرادت بيتاتشي، عشيقة الديكتاتور، أن تموت مع موسوليني المزيف؟ لإنقاذ الحقيقي، تم تسليم الشخص الأصلي إلى رئيس أساقفة ميلانو، ومثل الفاشيين الآخرين، تم شحنه إلى الأرجنتين بمساعدة الفاتيكان، حيث حظي بحماية الغرفة الماسونية بي 2 (الموجودة فعلاً في الواقع)، والتي حاولت إعادته إلى السلطة عام 1970. كل هذه النظريات يشرحها إمبرتو إيكو على مدى عشرين صفحة، وبصرامة تعطي انطباعاً بأن الكاتب هو نفسه مقتنع بغموض التاريخ.
في رفوف مكتبة «التآمر» نجد أيضاً الروائي جيمس ألروي صاحب الرواية الشهيرة «الداليا السوداء»، وهو مع دون دوليلو أهم الكتاب الأميركيين الذين تناولوا في أعمالهم حادثة اغتيال الرئيس جون كينيدي. ألروي عرض نظريته التآمرية في رواية الخيال السياسي «أميركان تابليود»، رابطاً فيها اغتيال الرئيس جون كينيدي بالحكومة الكوبية وجهاز المخابرات الأميركي، مضيفاً إلى العقدة عصابات المافيا والممثلة مارلين مونرو. وكل أحداث روايات جيمس ألروي تقع على خلفية مؤامرات سياسية خبيثة تنتهي بنهايات غامضة وغير مؤكّدة تجعل القارئ يتساءل عمّا إذا كانت الخيوط التي يتقفّى أثرها مجرّد خُدَع أو تمويهات.
الملاحظ أن بعض هؤلاء الكتاب حقّقوا عودة مميزة في الفترة الأخيرة رغم أن إنتاجاتهم الأدبية قد صدرت منذ عقود. تقارير صحافية كثيرة كشفت بأن رواية جورج أورويل «1984» التي ترسم صورة عالم شمولي مبني على شيوع ثقافة المراقبة، وهدم كل أشكال الثقة التي قد تتشكل بين الأفراد، قد عادت بقوة إلى رفوف المكتبات العالمية، وعرفت رواجاً كبيراً بعد أكثر من سبعين عاماً على صدورها، وبالأخّص بعد وصول الرئيس الأميركي ترمب إلى الحكم، حيث كانت من أكثر الروايات مبيعاً على منصّة «أمازون» في الولايات المتحدة وروسيا. وفي فرنسا كشفت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية أن رواية أورويل «1984» كانت من أكثر الكلمات بحثاً في محرك البحث «غوغل»، وقد اقترن اسم هذه الرواية الديستوبية بجائحة «كورونا»، حيث إن هاشتاغ «كوفيد» كان الأكثر تداولاً في تلك الفترة، لدرجة أن الرواية عرفت حياة ثانية، بل أصبحت رمز مقاومة لكل أنصار الأطروحات التآمرية الذين روجوا بشكل واسع لفكرة مفادها أن الوباء أكذوبة كبيرة صُممت لإلهاء الشعوب.
الباحث بيتر نايت، أستاذ الأدب في جامعة مانشستر، ذهب لأبعد من ذلك حين ربط بين الأطروحات التآمرية التي تعرضها هذه النوعية من الأعمال وتبعات خطيرة وغير منتظرة في الواقع المعيش، حيث يبدو حادث الاستيلاء على مبنى الكونغرس الأميركي (الكابيتول) في واشنطن في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، وكأنّه محاكاةٌ لـ«دفاتر تيرنر»، وهي رواية صادرة عام 1978، تغوص في عالم المؤامرة، وتتخيّل انتفاضة مروّعة يقوم بها العنصريّون المنادون بتفوّق البيض. الرواية من تأليف ويليام لوثر بيرس، وهو كاتب وباحث معروف بانتماءاته العنصرية الموالية لحركة «وايث باور» النازية. وقد كان لهذه الرّواية المناهضة للحكومة تأثيرها على تيموثي ماكفاي، الذي فجّر في عام 1995 مبنى فيدرالياً في أوكلاهوما سيتي، أسفر عن مقتل 168 شخصاً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
TT

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)

يُمثّل أخدود «غراند كانيون»، أو الخانق العظيم، في شمال ولاية أريزونا أحد أبرز العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة، إذ يمتدّ لمسافة 277 ميلاً بمحاذاة نهر كولورادو الذي يبلغ طوله 1450 ميلاً.

ورغم اتفاق العلماء على أنّ الأخدود تشكّل بفعل تأثير النهر قبل ما بين 5 و6 ملايين سنة، لم يتمكن الباحثون من التوافق بشأن العمليات التي أدت إلى ذلك وتوقيتها.

وتشير دراسة حديثة نقلتها «الإندبندنت» إلى أنّ النهر ربما بدأ في نحت مساره عقب فيضان بحيرة قديمة قبل نحو 6.6 مليون سنة، وهو ما يقدّم دعماً جديداً لفرضية طُرحت منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ماءٌ صبور نَحَتَ الصخر وترك حكايته (رويترز)

ووفق العلماء، فإنّ تدفق المياه نحو حوض «بيداهوتشي» أدَّى إلى امتلائه ثم فيضانه، متجاوزاً الحاجز الطبيعي وعابراً قوس «كايباب» شديد الانحدار، وهي منطقة مرتفعة بين ولايتي أريزونا ويوتا، ليتشكّل لاحقاً ما نعرفه اليوم باسم «غراند كانيون».

وأوضح عالم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، جون هي، أن هذه اللحظة يمكن عدّها «ولادة نهر كولورادو بشكله الحالي»، مشيراً إلى أن وصوله إلى هذا الحوض ربما غيّر النظام البيئي بأكمله في المنطقة.

وجاء هذا الاستنتاج بعد دراسة تركيب الحجر الرملي المأخوذ من «غراند كانيون» ومن حوض «بيداهوتشي»، إذ تبيَّن أنّ كليهما يحتوي على حُبيبات مجهرية متشابهة تُعرف ببلورات «الزركون». وتتميَّز هذه البلورات بقدرتها على مقاومة التحلُّل عبر الزمن، ممّا يجعلها أداة دقيقة لتتبّع تاريخ الصخور ومصادرها.

وباستخدام تقنيات تعتمد على أشعة الليزر، تمكّن الباحثون من تحديد البصمة الكيميائية لهذه البلورات، ليتبيَّن تطابقها مع رواسب نهر كولورادو، ممّا يعزّز فرضية تدفّقه نحو الحوض قبل فيضانه.

كما كشفت طبقات الصخور العائدة إلى الفترة عينها عن آثار تموّج، تشير إلى تدفُّق نهر قوي في مياه ساكنة، وهو ما يدعم سيناريو الفيضان.

في صمت الماء تشكّلت الحكاية (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال تساؤلات قائمة بشأن طبيعة هذا الحدث، سواء كان فيضاناً مفاجئاً أو عملية تعرية تدريجية، كما لم تحظَ النتائج بإجماع علمي كامل.

وفي هذا السياق، أبدى بعض الباحثين تحفّظهم، مشيرين إلى أنّ تفاصيل فرضية فيضان البحيرة تحتاج إلى مزيد من الاختبار، فيما تحدَّث آخرون عن احتمال وجود مسارات بديلة لتدفُّق النهر.

ومع ذلك، يجد فريق الدراسة أنّ سيناريو الفيضان يظلُّ التفسير الأقرب لفهم تشكّل هذا المَعْلم الطبيعي، في وقت لا تزال فيه أسرار «غراند كانيون» تتكشَّف تدريجياً أمام العلماء.


دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».