«سيرة الشعراوي» تُفجر مزيداً من الجدل في مصر

علاء مبارك دخل على الخط

الشيخ الشعراوي
الشيخ الشعراوي
TT

«سيرة الشعراوي» تُفجر مزيداً من الجدل في مصر

الشيخ الشعراوي
الشيخ الشعراوي

بثلاثة بلاغات للنائب العام المصري وآلاف التغريدات، احتدمت «معركة سيرة الشعراوي» بين تيار يرفض تقديم مسيرته في عمل مسرحي، اعتراضاً على بعض آرائه، وبين تيار آخر أعلن عن «نصرة» الداعية الراحل في هذه المعركة، التي ما زالت تتصدر المشهد في مصر منذ نحو أسبوع.
وبدأت هذه المعركة الكلامية عقب إعلان «البيت الفني للمسرح»، التابع للدولة، تقديم سيرته ضمن خطة أطلقتها وزارة الثقافة تضم مجموعة من الرموز والمؤثرين، لكن النائبة فريدة الشوباشي، عضو مجلس النواب، علقت على الخبر بغضب، وتقدمت بطلب إحاطة بشأن ضعف أداء وزارة الثقافة، مستنكرة «تقديم عمل فني لسيرة الشعراوي». وبعد ذلك دخل الإعلامي إبراهيم عيسى على خط الهجوم الذي شنه عدد من المثقفين وبعض النقاد، ليوجه عدة اتهامات للشيخ الراحل، من بينها أنه «متطرف»، مرتكزاً في ذلك على آراء الشعراوي حول المرأة، وقال في برنامجه «حديث القاهرة»، على فضائية «القاهرة والناس»، إن الشعراوي «وضع الرجل في مكانة أعلى من المرأة، كما حلل ضربها ومنعها من العمل»، مضيفاً أنه «تحدث عن تحريم التبرع بالأعضاء، وهذا يعد رأياً متطرفاً ضد العلم والدين»، على حد تعبيره.
حدث هذا قبل دخول نجل الرئيس المصري الأسبق علاء مبارك على الخط بتغريدة عبر «تويتر»، قائلاً: «تطاول غير مقبول... ما الهدف من هذا التشويه ولماذا الآن؟».
في المقابل، دافعت مؤسسة الأزهر عن الشيخ الراحل بشكل ضمني ومباشر، حيث نشرت عدة منشورات بشأنه عبر حساباتها الرسمية بمواقع التواصل ومطبوعاتها الدورية، على غرار صحيفة «صوت الأزهر»، التي هدفت إلى الاحتفاء بدوره في تفسير «القرآن الكريم». وقال الأزهر في أحد منشوراته الداعمة للشيخ الراحل على حسابه الرسمي على «فيسبوك» إن الشعراوي «وهب حياته لتفسير كتاب الله، وأوقف عمره لتلك المهمة، فأوصل معاني القرآن لسامعيه بكل سلاسة وعذوبة، وجذب إليه الناس من مختلف المستويات، وأيقظ فيهم ملكات التلقي».
غير أن المناهضين لآراء الشعراوي لم يكفوا عن الانتقاد، ليزداد المشهد سخونة بتقديم ثلاثة بلاغات للنائب العام ضد إبراهيم عيسى، والناقد الفني طارق الشناوي، وكذلك الناقدة ماجدة خير الله. وقال المحامي سمير صبري، المتقدم بالبلاغات بناء على طلب من أسرة الشعراوي، إن ما وقع يعد ضمن «جرائم الخطر»، وقد تصل عقوبته إلى الحبس 5 سنوات وغرامة 300 ألف جنيه (الدولار الأميركي يساوي نحو 27 جنيهاً)، حسب قانون جرائم الإنترنت. بحسب وصفه.
ورغم نفي وزيرة الثقافة الدكتورة، نيفين الكيلاني، «إقرار تقديم سيرة الشعراوي في عمل مسرحي»، مبررة ذلك بأنه «شخصية محفوفة بالتحفظات»، فإن انتقاد الوزارة والداعية الراحل لم يتوقف. وبررت النائبة البرلمانية فريدة الشوباشي سبب رفضها تقديم عمل مسرحي يتضمن سيرة الشعراوي، قائلة إن «الشيخ شوه مفهوم الوطن»، وأضافت أن «خلافي مع الشعراوي سياسي ووطني، لا علاقة له بالفقه والتفسير».
وترى فريدة الشوباشي أن «آراء الشعراوي تحتاج كثيراً من التنقيح والمراجعة، لا سيما ما يخص مفهوم الوطن، إذ اعتبر الشعراوي من يموت في سبيل الوطن ليس بشهيد، فما هي معايير الاستشهاد لديه؟»، وفق وصفها.
على الجهة الأخرى، يقف عدد من رجال الأزهر مستنكرين ما طال سيرة الشعراوي، أبرزهم عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف السابق، الذي كتب عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»: «مثلهم كأطفال أرادوا إتلاف ثمار نخلة عالية فسقطت أحجارهم فوق رؤوسهم». في إشارة لمهاجمي الشيخ الراحل. كما كتب الدكتور أسامة الأزهري، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية، وأحد علماء الأزهر الشريف عبر صفحته على «فيسبوك» أن الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي «رمز العلم والوطنية والعطاء المصري لكل العالم العربي والإسلامي، لكن البعض لهم ثأر مع الإمام الشعراوي لسبب مجهول».
من جهتها، اعتبرت الدكتورة إلهام شاهين، الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية لشؤون الواعظات، الهجوم على الشعراوي «ما هو إلا سوء فهم من قبل البعض لتفسيراته، وربما تأويل»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «الشيخ الجليل كان وسطياً، وجه حديثه للبسطاء وساعدهم على فهم القرآن باعتدال، وادعاء البعض أنه يحط من قدر المرأة غير صحيح»، وفق تعبيرها.
كما تقدم النائب كريم طلعت السادات بطلب إحاطة بشأن التطاول على «الرموز»، ومن بينهم الشعراوي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ما يحدث «هو هجوم ممنهج وغير مُبرر، لا سيما أن الشعراوي له مكانة خاصة في قلوب المصريين، حيث أثرى بعلمه المجتمع الإسلامي كله»، بحسب وصفه.
وفي مقابل موجة «الدفاع» الكبيرة عن سيرة الشيخ الشعراوي، يجد نقاده في موقفه من هزيمة يونيو (حزيران) 1967 ذريعة لانتقاده، اتكاء على ما صرح به قبل سنوات طويلة بأنه «سجد لله شكراً» لعدم انتصار المصريين «وهم في أحضان الشيوعية»، كما تقول فريدة الشوباشي.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


سيناء تنشط كممر بري لدخول إسرائيل والخروج منها

منفذ طابا البري (أرشيفية - أ.ف.ب)
منفذ طابا البري (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

سيناء تنشط كممر بري لدخول إسرائيل والخروج منها

منفذ طابا البري (أرشيفية - أ.ف.ب)
منفذ طابا البري (أرشيفية - أ.ف.ب)

أجلت روسيا العشرات من مواطنيها العالقين في إسرائيل عبر الحدود المصرية، وسط توقعات بنشاط كبير بمدينة شرم الشيخ في جنوب سيناء بوصفها ممراً برياً لدخول إسرائيل والخروج منها، في ظل إغلاق المجال الجوي الإسرائيلي، بسبب الحرب على إيران.

وتوقع خبراء مصريون أن تشهد مطارات مصر القريبة من الحدود إقبالاً واسعاً لنقل الدبلوماسيين والأجانب المدنيين العالقين في إسرائيل من جنسيات مختلفة بعد دخولهم مصر برياً.

وأعلنت وزارة الطوارئ الروسية، الاثنين، إجلاء أكثر من 80 مواطناً روسياً غادروا إسرائيل عبر الحدود مع مصر على خلفية التصعيد العسكري في المنطقة. وأكد المكتب الصحافي للوزارة، حسب وكالة «تاس» الروسية، أن «طائرة خاصة أقلعت باتجاه موسكو، وعلى متنها موظفون دبلوماسيون روس مع أفراد عائلاتهم، كانوا يعملون في إسرائيل»، موضحة أن المواطنين الروس وصلوا إلى شرم الشيخ عبر المعابر البرية، وأن عددهم الإجمالي بلغ 84 شخصاً.

وحسب مصادر مطلعة، فإن المجموعة الروسية وصلت إلى مصر قادمة من إسرائيل عبر مدينة طابا المصرية الحدودية قبل دخول شرم الشيخ، وتضم دبلوماسيين روساً وعائلاتهم كانوا يعملون بسفارة بلادهم في إسرائيل.

وذكرت «القناة 13» الإسرائيلية، الاثنين، أنه سيتم قريباً تمكين شركات الطيران الإسرائيلية من تشغيل رحلات إنقاذ لإعادة الإسرائيليين العالقين في الخارج، ونقلهم عبر جسر جوي إلى مطار شرم الشيخ في جنوب شبه جزيرة سيناء، في ظل إغلاق مطار «بن غوريون».

وأضافت القناة أن وزيرة النقل ميري ريغيف تقف وراء هذه الخطوة، في حين يدير فريق رفيع المستوى في وزارة النقل المفاوضات مع الجانب المصري. وأشارت إلى أن شركات الطيران الإسرائيلية «العال»، و«أركيع»، و«إسرائيل إير»، و«إير حيفا»، ستتمكن في حال الموافقة على الخطوة من تشغيل رحلات مكوكية من مختلف أنحاء أوروبا أو وجهات أخرى، ومن هناك يجري نقل الإسرائيليين جواً إلى شرم الشيخ، ليواصلوا بعد ذلك رحلتهم براً بواسطة الحافلات من سيناء إلى إسرائيل.

ووفق أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة طارق فهمي، فإن استخدام المعابر البرية والمطارات المصرية في خروج أو دخول المدنيين إلى إسرائيل يحمل زوايا عديدة، منها الإنساني ومنها السياسي.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مصر لديها التزام إنساني خصوصاً في أوقات الحروب، فهي بلد آمن تفتح أبوابها للجميع من أي جنسية»، متوقعاً أن «يشهد مطار شرم الشيخ نشاطاً ملحوظاً خلال الفترة المقبلة لإجلاء الدبلوماسيين والمدنيين الأجانب من إسرائيل، وسيكون مفتوحاً لكل الجنسيات دون تمييز».

ومن الناحية السياسية، أكد فهمي أن مصر «ليست طرفاً في الحرب الأميركية-الإيرانية، وموقفها السياسي الرافض للتصعيد واضح، لكن أيضاً لديها التزامات سياسية في التعامل مع دول الجوار، خصوصاً المتاخمة للحدود، سواء في أوقات الحروب أو الأزمات والتهديدات، وإسرائيل ليست لديها خيارات أخرى سوى مطار شرم الشيخ».

وأطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل، فجر السبت الماضي، عمليات عسكرية مباشرة ضد إيران عبر ضربات جوية واسعة، مستهدفةً تدمير قدراتها العسكرية والإطاحة بنظام الحكم، مما تسبب في إغلاق المجال الجوي لعدد من دول الجوار في المنطقة، وتعليق رحلات طيران عدة، وهو ما حوَّل المطارات المصرية إلى ملاذ آمن لرحلات الطيران التي تضطر إلى تغيير مسارها، أو الهبوط الاضطراري، وسط تخوفات من تحول العمليات العسكرية والقصف المتبادل إلى مواجهة مفتوحة في منطقة الشرق الأوسط.

وكانت منصة «ذا ماركر» الإخبارية الإسرائيلية قد ذكرت أن شركات السياحة أوصت الإسرائيليين العالقين في الخارج بالسفر إلى شرم الشيخ في مصر للدخول براً إلى إسرائيل عبر معبر «إسحاق رابين».

وقالت المنصة، الأحد، إن شركات السياحة نصحت أيضاً الإسرائيليين العالقين في الخارج بالاقتراب من مطارات كبيرة مثل ميلانو وأثينا ولارنكا «التي من المتوقع أن تُستأنف منها الرحلات إلى تل أبيب».


الحرب تحصد أطراف مئات الأطفال في السودان

الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري خلال الحرب (الشرق الأوسط)
الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري خلال الحرب (الشرق الأوسط)
TT

الحرب تحصد أطراف مئات الأطفال في السودان

الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري خلال الحرب (الشرق الأوسط)
الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري خلال الحرب (الشرق الأوسط)

نجت الطفلة زينب مجاهد (8 أعوام) من الموت بأعجوبة إثر قذيفة اخترقت سقف منزل أسرتها في مدينة أم درمان، فأفقدتها عينها اليمنى وأصابت وجهها وأجزاء متفرقة من جسدها الصغير بحروق بالغة.

توفى في القصف والدها واثنتان من شقيقاتها، ولم يبقَ لها من يعتني بها سوى والدتها.

وبنبرة طفولية حزينة تردد: «أحب أرجع حلوة كما كنت قبل الحرب»، ثم تلتفت إلى والدتها لعلها تجد إجابة تمنحها أملاً في تحقق الأمنية.

زينب واحدة من مئات الأطفال السودانيين الذين لحقت بهم إعاقات مستديمة في الحرب التي اندلعت بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023.

الطفلة زينب التي نجت من الموت إثر قذيفة أصابت منزل الأسرة في أم درمان (الشرق الأوسط)

وتقول والدتها، فاطمة، لـ«الشرق الأوسط»: «في لحظة تغيَّر كل شيء. انهار المنزل فوق رؤوسنا، نجوت أنا وابنتي، ولكن تعرضنا لإصابات بالغة لا نزال نتعالج من آثارها حتى الآن».

وتضيف: «أَجريت لها عمليتين جراحيتين لتركيب عين صناعية، وتحتاج الآن إلى جراحة تجميلية». وأكثر ما تخشاه الأم أن تصاب طفلتها بمرض نفسي.

لم تتمكن زينب من اللحاق بالعام الدراسي للعام الحالي، فهي حسب والدتها لا تزال تعاني ضعفاً شديداً في السمع وأثر بعض الشظايا التي سكنت قدمها.

أعداد تتصاعد

ما جرى لزينب ليس سوى لقطة واحدة من مشهد بشع أصيب فيه أطفال وهم يحاولون الفرار من مناطق الاشتباكات، وبقوا بلا أطراف لفترات طويلة، بسبب الأزمة الحادة في الإمدادات الطبية التي كانت قائمة حتى قبل الحرب الحالية.

وحسب تقارير رسمية، ضاعفت الحرب أعداد المعاقين في السودان؛ إذ بُترت أطراف الآلاف، صغاراً وكباراً، بعد إصابتهم بقذائف متطايرة أو ذخيرة حية.

وسبق وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن استمرار الانتهاكات والقتال سيُعرِّض مستقبل جيل كامل للخطر.

ويقول الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة، عبد القادر عبد الله، إن 875 طفلاً في السودان تعرضوا لإصابات نتجت عنها إعاقات جزئية ودائمة، بينهم 200 في العاصمة الخرطوم وحدها.

وأشار عبد الله، في حديث لــ«الشرق الأوسط»، إلى أن العدد الحقيقي للمصابين أعلى من ذلك بكثير، قائلاً إن الحصيلة لا تشمل المناطق البعيدة. وأضاف أن أسراً كثيرة تمكنت من السفر للخارج لعلاج أطفالها وتركيب أطراف صناعية لهم.

وساهمت هيئة الأطراف الصناعية ومنظمات متخصصة في توفير نحو 254 كرسياً متحركاً وأطراف صناعية وغيرها من المستلزمات الطبية لأطفال لحقت بهم إعاقات في أثناء الحرب. وفي العام الماضي، تمكنت الهيئة من توفير قرابة 1000 قطعة من الأجهزة والمعدات الخاصة بالمعاقين، منها 600 للأطفال الذين أصيبوا في الحرب.

وقال عبد الله: «حسب إحصائيات أولية جمعها المجلس الطبي بمشاركة متطوعين مدنيين، تم رصد أكثر من 154 طفلاً معاقاً جراء الحرب في إقليم دارفور غرب البلاد».

«اشتقت للمدرسة واللعب»

أما سعد الدين محيي الدين (16 عاماً)، وهو من سكان أم درمان، فقد أصيب في الشهر الثاني من الحرب بطلق ناري طائش في الظهر سبَّب له شللاً نصفياً؛ وهو يعاني قُرح الفراش ولا يحصل على الرعاية الطبية الكافية.

الفتى السوداني سعد الدين المصاب بشلل نصفي بسبب الحرب وبجواره والده (الشرق الأوسط)

ويقول والده، وهو عامل باليومية، إن عليه توفير 50 ألف جنيه سوداني (نحو 14 دولاراً) أسبوعياً لنقل ابنه إلى المستشفى لتنظيف الجرح وتضميده. ويضيف: «الأطباء طلبوا إجراء فحوص لمتابعة الحالة، لكن لا نملك المال». ويتابع: «ابني أصبح عاجزاً عن الحركة، والجروح تنتشر في جسده، وهو يحتاج الآن إلى كرسي متحرك».

ويقول الفتى: «منذ إصابتي بالرصاصة قبل 3 سنوات لم أذهب إلى المدرسة. اشتقت إليها وإلى اللعب مع أصدقائي كما كنا نفعل قبل الحرب».

قرر الأطباء إجراء عملية جراحية له، لكنها في كل مرة تتأجل لنقصان وزنه.

وقال المدير العام لوزارة الصحة في الخرطوم، فتح الرحمن محمد، لـ«الشرق الأوسط» إن أعداداً كبيرة من الأطفال والشباب في سن الدراسة، ممن تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و18 عاماً لحقت بهم إصابات بسبب الذخائر والمتفجرات، مما سبَّب لهم إعاقات مؤقتة ودائمة. وأشار إلى أن سجلات الوزارة لا تفرز الإصابات التي لحقت بالأطفال عن تلك التي أصيب بها الكبار.

«النابغة»

عبد الرحمن إبراهيم بحر (17 عاماً) بُترت ساقه اليمنى قبل عامين بعد تعرضه لإطلاق نار مباشر في الفخذ من قبل عناصر مسلحة قال إنها من «الدعم السريع» اقتحموا منزل أسرته في الخرطوم.

وبعدما كان يُلقب بـ«النابغة»، تغيَّرت حياته، وحرمته الإعاقة من مواصلة الدراسة؛ فهو لا يستطيع السير لمسافات طويلة بالاستعانة بعكَّازيه، كما أن أسرته عاجزة عن توفير نحو 4 ملايين جنيه سوداني لتركيب طرف صناعي. (الدولار يساوي 3600 جنيه سوداني)

الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري يجلس بجوار والده (الشرق الأوسط)

ويقول والده إن الطرف الصناعي متوفر في مستشفى السلاح الطبي، لكنه لا يستطيع تدبير المال؛ وهو يأمل أن يحالف الحظ ابنه في الحصول عليه.

وكان المدير العام للهيئة العامة للأجهزة التعويضية السابق، جمال حامد، قد أشار في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» إلى زيادة الإقبال على الأطراف الصناعية بعد الحرب، وإلى أنه يتم تصنيع نحو 900 طرف شهرياً؛ مؤكداً أن هذا الرقم لا يشمل من تعرضوا للبتر نتيجة لتبعات مرض السكري أو الحوادث المرورية.

يشرد ذهن عبد الرحمن وتزوغ عيناه وهو يقول: «الحرب تسببت في قتل أصدقاء كنت أحبهم جداً».


«المتوسط» يقذف جثث حالمين بـ«الفردوس الأوروبي» على شواطئ ليبيا

فريق جمعية الهلال الأحمر ينقل إحدى الجثث المنتشلة إلى قسم الشرطة 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)
فريق جمعية الهلال الأحمر ينقل إحدى الجثث المنتشلة إلى قسم الشرطة 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)
TT

«المتوسط» يقذف جثث حالمين بـ«الفردوس الأوروبي» على شواطئ ليبيا

فريق جمعية الهلال الأحمر ينقل إحدى الجثث المنتشلة إلى قسم الشرطة 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)
فريق جمعية الهلال الأحمر ينقل إحدى الجثث المنتشلة إلى قسم الشرطة 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)

اعتاد سكان المدن الليبية القريبة من ساحل البحر المتوسط مشاهدة جثث تقذف بها أمواج البحر على الشواطئ، وذلك منذ أن باتت البلاد طريقاً معتاداً للمهاجرين غير النظاميين إلى دول أوروبا.

وخلال الأسبوعين الماضيين، زادت عمليات انتشال الجثث التي تقذف بها الأمواج على شواطئ ليبيا، وذلك على خلفية «زيادة نشاط العصابات المتاجرة بالبشر» وتهريبهم المهاجرين عبر البحر بقصد الوصول إلى «الفردوس الأوروبي».

تفيد المنظمة الدولية للهجرة أن نحو 7667 مهاجراً لقوا حتفهم أو فُقدوا على طرق الهجرة حول العالم خلال العام الماضي (أ.ف.ب)

وقالت جمعية الهلال الأحمر الليبي، مساء الأحد، إن فريق الطوارئ في فرع الجمعية بمدينة الخمس (غرب البلاد) انتشل جثة من شاطئ بمنطقة غنيمة غرب الخمس، يُرجَّح أنها تعود لأحد ضحايا الهجرة غير النظامية الذين غرق قارب كان يقلهم مطلع الأسبوع، لافتة إلى أن الأمر «بات مشهداً يتكرر مع كل موجة هجرة غير نظامية».

وأوضح الهلال الأحمر أنه بدأ عمليات الانتشال فور تلقيه بلاغات، ويتعامل وفق الضوابط الإنسانية، والإجراءات المعتمدة من انتشال وتغليف وتأمين كامل للموقع، وذلك بالتنسيق المباشر مع مركز شرطة غنيمة، منوهاً إلى أنه «يسلم» الجثامين للجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة.

وقال مصدر أمني بجهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة لـ«الشرق الأوسط» إن «ظاهرة العثور على جثث تتقاذفها الأمواج باتت معهودة لنا، وللسكان المحليين القريبين من الساحل»، وأشار المصدر -الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث إلى الإعلام- إلى «زيادة عمليات تهريب المهاجرين إلى السواحل الأوروبية في فصل الشتاء»، وأرجع ذلك إلى «اعتقاد شبكات الاتجار بالبشر بأن السواحل تكون مكشوفة من دون حراسة أمنية».

انتشال جثة في موقع حادث انقلاب قارب بغرب ليبيا 1 مارس (جمعية الهلال الأحمر الليبي)

وسبق أن قضت محكمة جنايات بالعاصمة الليبية طرابلس الأسبوع الماضي بمعاقبة أحد أفراد «منظمة إجرامية متورطة بالاتجار في البشر» بالسجن 30 عاماً.

وتحدثت المنظمة الدولية للهجرة في 27 فبراير (شباط) عن «استمرار الكوارث التي يواجهها الأشخاص في أثناء تنقلهم عبر البحر المتوسط». وقالت إن نحو 7667 مهاجراً لقوا حتفهم، أو فُقدوا على طرق الهجرة حول العالم خلال العام الماضي، داعية إلى تكثيف الجهود الرامية إلى «تفكيك شبكات تهريب المهاجرين التي تستغل أوضاعهم، وتعرّض حياتهم لمخاطر جسيمة».

وفي 21 فبراير الماضي، تمكنت جمعية الهلال الأحمر فرع الخمس من انتشال سبعة جثامين «تعود لمهاجرين ضمن محاولات الهجرة غير القانونية». وقال مسؤول في الشرطة الليبية لوكالة «رويترز» إن هذه الجثث جرفتها الأمواج إلى شاطئ مدينة قصر الأخيار الساحلية التي تقع في شرق العاصمة طرابلس.

وأوضح حسن الغويل، رئيس قسم التحقيقات في مركز شرطة قصر الأخيار، أن السكان أفادوا بأن جثة طفل جرفتها الأمواج إلى الشاطئ لكنها عادت إلى البحر بسبب ارتفاع الأمواج، مشيراً إلى أنهم طلبوا من خفر السواحل البحث عنها، ومنوهاً إلى أن الجثث كلها لأشخاص من ذوي البشرة السوداء.

فريق جمعية الهلال الأحمر بالخمس ينتشل جثة من البحر 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)

وأمام زيادة هذه الظاهرة، تشير جمعية الهلال الأحمر إلى أن فرق الطوارئ التابعة لها سارعت إلى انتشال الجثث في موقع حادث انقلاب القارب، والعمل على نقل الحالات إلى الجهات المختصة لاستكمال باقي الإجراءات القانونية.

وقال الهلال الأحمر في بيان له، مساء الأحد: «هذه الظاهرة الأليمة تعكس استمرار النزيف الإنساني على سواحلنا، وتؤكد أن البحر ما زال يبتلع أحلام الباحثين عن حياة أفضل، تاركاً خلفه مآسي صامتة، وقلوباً مفجوعة».

وتحدث المصدر الأمني عن قارب غرق قبالة ساحل مدينة طبرق شرق ليبيا، الأحد، كان يقل 31 مهاجراً، أسفر عن مصرع أربعة منهم، وفقدان عشرة آخرين، مشيراً إلى أن 17 مهاجراً نجوا، فيما لا تزال أعمال البحث جارية عن المفقودين.

وسبق للمديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، القول: «إن استمرار فقدان الأرواح على طرق الهجرة يمثل إخفاقاً عالمياً لا يمكن عدّه أمراً طبيعياً، فهذه الوفيات ليست حتمية»؛ ورأت أنه «عندما تظل المسارات الآمنة والمنظمة بعيدة المنال، يضطر الأشخاص إلى سلوك رحلات خطرة، والاعتماد على المهربين، والمتاجرين بالبشر».

وعلى الرغم من محدودية الأدلة المتعلقة بما يُعرف بـ«حوادث الغرق غير المرئية»، فقد جرفت المياه -بحسب المنظمة- ما لا يقل عن 270 جثة إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط خلال عام 2025، دون ارتباط بحادث غرق معلوم.

ومنذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011، وفي ظل ما تعانيه ليبيا من انقسام وعدم استقرار، ازدهر الاتجار بالبشر، وإساءة معاملة المهاجرين، والانتهاكات بحقهم، وفقاً للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية غير الحكومية.