تركيا: لا جهة فاعلة يمكنها لعب دورنا في ليبيا

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي والرئيس التركي خلال لقائهما في نيويورك في سبتمبر الماضي (د.ب.أ)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي والرئيس التركي خلال لقائهما في نيويورك في سبتمبر الماضي (د.ب.أ)
TT

تركيا: لا جهة فاعلة يمكنها لعب دورنا في ليبيا

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي والرئيس التركي خلال لقائهما في نيويورك في سبتمبر الماضي (د.ب.أ)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي والرئيس التركي خلال لقائهما في نيويورك في سبتمبر الماضي (د.ب.أ)

اعتبرت تركيا أنه «لا توجد جهة فاعلة أخرى في ليبيا» يمكنها أن تلعب دورها، مشيرة إلى استمرار النهج الذي بدأته مع حكومة الوفاق الوطني السابقة برئاسة فائز السراج، ثم حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في معرض تقييمه لعمل وزارة الخارجية في عام 2022، إن النتائج الملموسة للإرادة التي أبدتها تركيا في ليبيا منذ عام 2019 ما زالت متواصلة. مضيفاً أنه لا توجد جهة فاعلة أخرى في ليبيا يمكنها أن تلعب الدور الذي تلعبه تركيا.
ووقعت تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، مذكرتي تفاهم في مجال تحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، والتعاون العسكري والأمني، التي أرسلت تركيا بموجبها آلافاً من قواتها والمرتزقة السوريين الموالين لها؛ لدعم حكومة طرابلس. وسبق أن قال جاويش أوغلو إنه لولا الدور الذي قامت به تركيا في صد ما سماه «العدوان على طرابلس»، في إشارة إلى حملة «الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر، للسيطرة على طرابلس، التي عرفت بـ«عملية الكرامة» في أبريل (نيسان) 2019، «لكان الوضع في ليبيا يشبه ذلك الموجود في سوريا... لكننا اليوم أصبحنا نوقع اتفاقيات لتحديد مناطق الصلاحية البحرية مع ليبيا، ووقعنا اتفاقية في مجال الموارد الهيدروكربونية (النفط والغاز)».
ووقعت تركيا وحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، المنتهية ولايتها، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عدداً من مذكرات التفاهم في مجالات التدريب الأمني، والطاقة النفطية والغاز والإعلام، خلال زيارة وفد تركي ضم وزراء الخارجية والدفاع والطاقة، وعدداً آخر من المسؤولين.
وقال جاويش أوغلو، عقب توقيع «مذكرة التفاهم» في مجال الموارد الهيدروكربونية (النفط والغاز الطبيعي)، إنه «لا يحق لدول أخرى التدخل في الاتفاقية الموقعة بين بلدين ذوي سيادة» (تركيا وليبيا).
وتتضمن المذكرة العمل المشترك بين شركتي النفط الوطنيتين في كل من تركيا وليبيا في مجال التنقيب عن النفط والغاز في المناطق البحرية قبالة سواحل ليبيا على البحر المتوسط، وداخل الأراضي الليبية واستخراجها وبيعها. وجاء التوقيع كخطوة لتنفيذ «مذكرة التفاهم» الموقعة بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وفائز السراج، في إسطنبول في 27 نوفمبر 2019، والتي لم يصادق مجلس النواب الليبي عليها، ولم يعترف بها حتى الآن.
وقوبلت مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الدبيبة بالرفض في الداخل الليبي من جانب مجلس النواب، وأعضاء في «المجلس الأعلى للدولة»، وحكومة فتحي باشاغا، المعترف بها من جانب مجلس النواب، فضلاً عن معارضة مصر واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، على اعتبار أن حكومة الدبيبة «لا يحق لها توقيع أي مذكرات تفاهم أو اتفاقيات، بعد أن انتهت ولايتها في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، بموجب خريطة الطريق الصادرة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي».
في سياق متصل، هاجم رئيس مركز الاستراتيجيات البحرية والعالمية التركي، الأدميرال جهاد يايجي، مؤسس نظرية «الوطن الأزرق»، حزب الشعوب الديمقراطية التركي المعارض، المؤيد للأكراد، بسبب زيارته لبنغازي في 19 ديسمبر الحالي، بدعوة من حركة المستقبل، وتصريحاته هناك التي أكد فيها رفضه اتفاقية الحدود البحرية الموقعة بين تركيا والسراج.
واتهم يايجي الوفد البرلماني التركي بتبني موقف اليونان من مذكرة التفاهم، التي قال إنها تدافع فقط عن حقوق تركيا وليبيا ضد الموقف اليوناني «الجائر وغير القانوني»، على حد وصفه.
ولفت يايجي إلى أن مذكرة التفاهم الخاصة بتحديد الحدود البحرية الموقعة مع ليبيا تم قبولها في البرلمان التركي، ومسجلة لدى الأمم المتحدة، قائلاً إنه يبدو أن حزب الشعوب الديمقراطية، الممثل في البرلمان التركي، لا يقبل الحدود الاقتصادية لتركيا، وفوق ذلك يشتكي في الخارج. وطالب الحزب بالاعتذار، قائلاً إنه «في أي ديمقراطية في العالم المتقدم لا يستطيع حزب سياسي شرعي فتح حدود بلده للمناقشة... حدود بلدنا هي أساس وجودنا. ولا يمكنك حتى أن تتخيل أن حزباً أو ممثليه في اليونان يمكن أن يقولوا نحن لا نقبل الاتفاقية التي توسع حدود بلادنا الاقتصادية».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

سيناء تنشط كممر بري لدخول إسرائيل والخروج منها

منفذ طابا البري (أرشيفية - أ.ف.ب)
منفذ طابا البري (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

سيناء تنشط كممر بري لدخول إسرائيل والخروج منها

منفذ طابا البري (أرشيفية - أ.ف.ب)
منفذ طابا البري (أرشيفية - أ.ف.ب)

أجلت روسيا العشرات من مواطنيها العالقين في إسرائيل عبر الحدود المصرية، وسط توقعات بنشاط كبير بمدينة شرم الشيخ في جنوب سيناء بوصفها ممراً برياً لدخول إسرائيل والخروج منها، في ظل إغلاق المجال الجوي الإسرائيلي، بسبب الحرب على إيران.

وتوقع خبراء مصريون أن تشهد مطارات مصر القريبة من الحدود إقبالاً واسعاً لنقل الدبلوماسيين والأجانب المدنيين العالقين في إسرائيل من جنسيات مختلفة بعد دخولهم مصر برياً.

وأعلنت وزارة الطوارئ الروسية، الاثنين، إجلاء أكثر من 80 مواطناً روسياً غادروا إسرائيل عبر الحدود مع مصر على خلفية التصعيد العسكري في المنطقة. وأكد المكتب الصحافي للوزارة، حسب وكالة «تاس» الروسية، أن «طائرة خاصة أقلعت باتجاه موسكو، وعلى متنها موظفون دبلوماسيون روس مع أفراد عائلاتهم، كانوا يعملون في إسرائيل»، موضحة أن المواطنين الروس وصلوا إلى شرم الشيخ عبر المعابر البرية، وأن عددهم الإجمالي بلغ 84 شخصاً.

وحسب مصادر مطلعة، فإن المجموعة الروسية وصلت إلى مصر قادمة من إسرائيل عبر مدينة طابا المصرية الحدودية قبل دخول شرم الشيخ، وتضم دبلوماسيين روساً وعائلاتهم كانوا يعملون بسفارة بلادهم في إسرائيل.

وذكرت «القناة 13» الإسرائيلية، الاثنين، أنه سيتم قريباً تمكين شركات الطيران الإسرائيلية من تشغيل رحلات إنقاذ لإعادة الإسرائيليين العالقين في الخارج، ونقلهم عبر جسر جوي إلى مطار شرم الشيخ في جنوب شبه جزيرة سيناء، في ظل إغلاق مطار «بن غوريون».

وأضافت القناة أن وزيرة النقل ميري ريغيف تقف وراء هذه الخطوة، في حين يدير فريق رفيع المستوى في وزارة النقل المفاوضات مع الجانب المصري. وأشارت إلى أن شركات الطيران الإسرائيلية «العال»، و«أركيع»، و«إسرائيل إير»، و«إير حيفا»، ستتمكن في حال الموافقة على الخطوة من تشغيل رحلات مكوكية من مختلف أنحاء أوروبا أو وجهات أخرى، ومن هناك يجري نقل الإسرائيليين جواً إلى شرم الشيخ، ليواصلوا بعد ذلك رحلتهم براً بواسطة الحافلات من سيناء إلى إسرائيل.

ووفق أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة طارق فهمي، فإن استخدام المعابر البرية والمطارات المصرية في خروج أو دخول المدنيين إلى إسرائيل يحمل زوايا عديدة، منها الإنساني ومنها السياسي.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مصر لديها التزام إنساني خصوصاً في أوقات الحروب، فهي بلد آمن تفتح أبوابها للجميع من أي جنسية»، متوقعاً أن «يشهد مطار شرم الشيخ نشاطاً ملحوظاً خلال الفترة المقبلة لإجلاء الدبلوماسيين والمدنيين الأجانب من إسرائيل، وسيكون مفتوحاً لكل الجنسيات دون تمييز».

ومن الناحية السياسية، أكد فهمي أن مصر «ليست طرفاً في الحرب الأميركية-الإيرانية، وموقفها السياسي الرافض للتصعيد واضح، لكن أيضاً لديها التزامات سياسية في التعامل مع دول الجوار، خصوصاً المتاخمة للحدود، سواء في أوقات الحروب أو الأزمات والتهديدات، وإسرائيل ليست لديها خيارات أخرى سوى مطار شرم الشيخ».

وأطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل، فجر السبت الماضي، عمليات عسكرية مباشرة ضد إيران عبر ضربات جوية واسعة، مستهدفةً تدمير قدراتها العسكرية والإطاحة بنظام الحكم، مما تسبب في إغلاق المجال الجوي لعدد من دول الجوار في المنطقة، وتعليق رحلات طيران عدة، وهو ما حوَّل المطارات المصرية إلى ملاذ آمن لرحلات الطيران التي تضطر إلى تغيير مسارها، أو الهبوط الاضطراري، وسط تخوفات من تحول العمليات العسكرية والقصف المتبادل إلى مواجهة مفتوحة في منطقة الشرق الأوسط.

وكانت منصة «ذا ماركر» الإخبارية الإسرائيلية قد ذكرت أن شركات السياحة أوصت الإسرائيليين العالقين في الخارج بالسفر إلى شرم الشيخ في مصر للدخول براً إلى إسرائيل عبر معبر «إسحاق رابين».

وقالت المنصة، الأحد، إن شركات السياحة نصحت أيضاً الإسرائيليين العالقين في الخارج بالاقتراب من مطارات كبيرة مثل ميلانو وأثينا ولارنكا «التي من المتوقع أن تُستأنف منها الرحلات إلى تل أبيب».


الحرب تحصد أطراف مئات الأطفال في السودان

الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري خلال الحرب (الشرق الأوسط)
الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري خلال الحرب (الشرق الأوسط)
TT

الحرب تحصد أطراف مئات الأطفال في السودان

الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري خلال الحرب (الشرق الأوسط)
الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري خلال الحرب (الشرق الأوسط)

نجت الطفلة زينب مجاهد (8 أعوام) من الموت بأعجوبة إثر قذيفة اخترقت سقف منزل أسرتها في مدينة أم درمان، فأفقدتها عينها اليمنى وأصابت وجهها وأجزاء متفرقة من جسدها الصغير بحروق بالغة.

توفى في القصف والدها واثنتان من شقيقاتها، ولم يبقَ لها من يعتني بها سوى والدتها.

وبنبرة طفولية حزينة تردد: «أحب أرجع حلوة كما كنت قبل الحرب»، ثم تلتفت إلى والدتها لعلها تجد إجابة تمنحها أملاً في تحقق الأمنية.

زينب واحدة من مئات الأطفال السودانيين الذين لحقت بهم إعاقات مستديمة في الحرب التي اندلعت بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023.

الطفلة زينب التي نجت من الموت إثر قذيفة أصابت منزل الأسرة في أم درمان (الشرق الأوسط)

وتقول والدتها، فاطمة، لـ«الشرق الأوسط»: «في لحظة تغيَّر كل شيء. انهار المنزل فوق رؤوسنا، نجوت أنا وابنتي، ولكن تعرضنا لإصابات بالغة لا نزال نتعالج من آثارها حتى الآن».

وتضيف: «أَجريت لها عمليتين جراحيتين لتركيب عين صناعية، وتحتاج الآن إلى جراحة تجميلية». وأكثر ما تخشاه الأم أن تصاب طفلتها بمرض نفسي.

لم تتمكن زينب من اللحاق بالعام الدراسي للعام الحالي، فهي حسب والدتها لا تزال تعاني ضعفاً شديداً في السمع وأثر بعض الشظايا التي سكنت قدمها.

أعداد تتصاعد

ما جرى لزينب ليس سوى لقطة واحدة من مشهد بشع أصيب فيه أطفال وهم يحاولون الفرار من مناطق الاشتباكات، وبقوا بلا أطراف لفترات طويلة، بسبب الأزمة الحادة في الإمدادات الطبية التي كانت قائمة حتى قبل الحرب الحالية.

وحسب تقارير رسمية، ضاعفت الحرب أعداد المعاقين في السودان؛ إذ بُترت أطراف الآلاف، صغاراً وكباراً، بعد إصابتهم بقذائف متطايرة أو ذخيرة حية.

وسبق وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن استمرار الانتهاكات والقتال سيُعرِّض مستقبل جيل كامل للخطر.

ويقول الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة، عبد القادر عبد الله، إن 875 طفلاً في السودان تعرضوا لإصابات نتجت عنها إعاقات جزئية ودائمة، بينهم 200 في العاصمة الخرطوم وحدها.

وأشار عبد الله، في حديث لــ«الشرق الأوسط»، إلى أن العدد الحقيقي للمصابين أعلى من ذلك بكثير، قائلاً إن الحصيلة لا تشمل المناطق البعيدة. وأضاف أن أسراً كثيرة تمكنت من السفر للخارج لعلاج أطفالها وتركيب أطراف صناعية لهم.

وساهمت هيئة الأطراف الصناعية ومنظمات متخصصة في توفير نحو 254 كرسياً متحركاً وأطراف صناعية وغيرها من المستلزمات الطبية لأطفال لحقت بهم إعاقات في أثناء الحرب. وفي العام الماضي، تمكنت الهيئة من توفير قرابة 1000 قطعة من الأجهزة والمعدات الخاصة بالمعاقين، منها 600 للأطفال الذين أصيبوا في الحرب.

وقال عبد الله: «حسب إحصائيات أولية جمعها المجلس الطبي بمشاركة متطوعين مدنيين، تم رصد أكثر من 154 طفلاً معاقاً جراء الحرب في إقليم دارفور غرب البلاد».

«اشتقت للمدرسة واللعب»

أما سعد الدين محيي الدين (16 عاماً)، وهو من سكان أم درمان، فقد أصيب في الشهر الثاني من الحرب بطلق ناري طائش في الظهر سبَّب له شللاً نصفياً؛ وهو يعاني قُرح الفراش ولا يحصل على الرعاية الطبية الكافية.

الفتى السوداني سعد الدين المصاب بشلل نصفي بسبب الحرب وبجواره والده (الشرق الأوسط)

ويقول والده، وهو عامل باليومية، إن عليه توفير 50 ألف جنيه سوداني (نحو 14 دولاراً) أسبوعياً لنقل ابنه إلى المستشفى لتنظيف الجرح وتضميده. ويضيف: «الأطباء طلبوا إجراء فحوص لمتابعة الحالة، لكن لا نملك المال». ويتابع: «ابني أصبح عاجزاً عن الحركة، والجروح تنتشر في جسده، وهو يحتاج الآن إلى كرسي متحرك».

ويقول الفتى: «منذ إصابتي بالرصاصة قبل 3 سنوات لم أذهب إلى المدرسة. اشتقت إليها وإلى اللعب مع أصدقائي كما كنا نفعل قبل الحرب».

قرر الأطباء إجراء عملية جراحية له، لكنها في كل مرة تتأجل لنقصان وزنه.

وقال المدير العام لوزارة الصحة في الخرطوم، فتح الرحمن محمد، لـ«الشرق الأوسط» إن أعداداً كبيرة من الأطفال والشباب في سن الدراسة، ممن تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و18 عاماً لحقت بهم إصابات بسبب الذخائر والمتفجرات، مما سبَّب لهم إعاقات مؤقتة ودائمة. وأشار إلى أن سجلات الوزارة لا تفرز الإصابات التي لحقت بالأطفال عن تلك التي أصيب بها الكبار.

«النابغة»

عبد الرحمن إبراهيم بحر (17 عاماً) بُترت ساقه اليمنى قبل عامين بعد تعرضه لإطلاق نار مباشر في الفخذ من قبل عناصر مسلحة قال إنها من «الدعم السريع» اقتحموا منزل أسرته في الخرطوم.

وبعدما كان يُلقب بـ«النابغة»، تغيَّرت حياته، وحرمته الإعاقة من مواصلة الدراسة؛ فهو لا يستطيع السير لمسافات طويلة بالاستعانة بعكَّازيه، كما أن أسرته عاجزة عن توفير نحو 4 ملايين جنيه سوداني لتركيب طرف صناعي. (الدولار يساوي 3600 جنيه سوداني)

الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري يجلس بجوار والده (الشرق الأوسط)

ويقول والده إن الطرف الصناعي متوفر في مستشفى السلاح الطبي، لكنه لا يستطيع تدبير المال؛ وهو يأمل أن يحالف الحظ ابنه في الحصول عليه.

وكان المدير العام للهيئة العامة للأجهزة التعويضية السابق، جمال حامد، قد أشار في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» إلى زيادة الإقبال على الأطراف الصناعية بعد الحرب، وإلى أنه يتم تصنيع نحو 900 طرف شهرياً؛ مؤكداً أن هذا الرقم لا يشمل من تعرضوا للبتر نتيجة لتبعات مرض السكري أو الحوادث المرورية.

يشرد ذهن عبد الرحمن وتزوغ عيناه وهو يقول: «الحرب تسببت في قتل أصدقاء كنت أحبهم جداً».


«المتوسط» يقذف جثث حالمين بـ«الفردوس الأوروبي» على شواطئ ليبيا

فريق جمعية الهلال الأحمر ينقل إحدى الجثث المنتشلة إلى قسم الشرطة 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)
فريق جمعية الهلال الأحمر ينقل إحدى الجثث المنتشلة إلى قسم الشرطة 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)
TT

«المتوسط» يقذف جثث حالمين بـ«الفردوس الأوروبي» على شواطئ ليبيا

فريق جمعية الهلال الأحمر ينقل إحدى الجثث المنتشلة إلى قسم الشرطة 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)
فريق جمعية الهلال الأحمر ينقل إحدى الجثث المنتشلة إلى قسم الشرطة 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)

اعتاد سكان المدن الليبية القريبة من ساحل البحر المتوسط مشاهدة جثث تقذف بها أمواج البحر على الشواطئ، وذلك منذ أن باتت البلاد طريقاً معتاداً للمهاجرين غير النظاميين إلى دول أوروبا.

وخلال الأسبوعين الماضيين، زادت عمليات انتشال الجثث التي تقذف بها الأمواج على شواطئ ليبيا، وذلك على خلفية «زيادة نشاط العصابات المتاجرة بالبشر» وتهريبهم المهاجرين عبر البحر بقصد الوصول إلى «الفردوس الأوروبي».

تفيد المنظمة الدولية للهجرة أن نحو 7667 مهاجراً لقوا حتفهم أو فُقدوا على طرق الهجرة حول العالم خلال العام الماضي (أ.ف.ب)

وقالت جمعية الهلال الأحمر الليبي، مساء الأحد، إن فريق الطوارئ في فرع الجمعية بمدينة الخمس (غرب البلاد) انتشل جثة من شاطئ بمنطقة غنيمة غرب الخمس، يُرجَّح أنها تعود لأحد ضحايا الهجرة غير النظامية الذين غرق قارب كان يقلهم مطلع الأسبوع، لافتة إلى أن الأمر «بات مشهداً يتكرر مع كل موجة هجرة غير نظامية».

وأوضح الهلال الأحمر أنه بدأ عمليات الانتشال فور تلقيه بلاغات، ويتعامل وفق الضوابط الإنسانية، والإجراءات المعتمدة من انتشال وتغليف وتأمين كامل للموقع، وذلك بالتنسيق المباشر مع مركز شرطة غنيمة، منوهاً إلى أنه «يسلم» الجثامين للجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة.

وقال مصدر أمني بجهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة لـ«الشرق الأوسط» إن «ظاهرة العثور على جثث تتقاذفها الأمواج باتت معهودة لنا، وللسكان المحليين القريبين من الساحل»، وأشار المصدر -الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث إلى الإعلام- إلى «زيادة عمليات تهريب المهاجرين إلى السواحل الأوروبية في فصل الشتاء»، وأرجع ذلك إلى «اعتقاد شبكات الاتجار بالبشر بأن السواحل تكون مكشوفة من دون حراسة أمنية».

انتشال جثة في موقع حادث انقلاب قارب بغرب ليبيا 1 مارس (جمعية الهلال الأحمر الليبي)

وسبق أن قضت محكمة جنايات بالعاصمة الليبية طرابلس الأسبوع الماضي بمعاقبة أحد أفراد «منظمة إجرامية متورطة بالاتجار في البشر» بالسجن 30 عاماً.

وتحدثت المنظمة الدولية للهجرة في 27 فبراير (شباط) عن «استمرار الكوارث التي يواجهها الأشخاص في أثناء تنقلهم عبر البحر المتوسط». وقالت إن نحو 7667 مهاجراً لقوا حتفهم، أو فُقدوا على طرق الهجرة حول العالم خلال العام الماضي، داعية إلى تكثيف الجهود الرامية إلى «تفكيك شبكات تهريب المهاجرين التي تستغل أوضاعهم، وتعرّض حياتهم لمخاطر جسيمة».

وفي 21 فبراير الماضي، تمكنت جمعية الهلال الأحمر فرع الخمس من انتشال سبعة جثامين «تعود لمهاجرين ضمن محاولات الهجرة غير القانونية». وقال مسؤول في الشرطة الليبية لوكالة «رويترز» إن هذه الجثث جرفتها الأمواج إلى شاطئ مدينة قصر الأخيار الساحلية التي تقع في شرق العاصمة طرابلس.

وأوضح حسن الغويل، رئيس قسم التحقيقات في مركز شرطة قصر الأخيار، أن السكان أفادوا بأن جثة طفل جرفتها الأمواج إلى الشاطئ لكنها عادت إلى البحر بسبب ارتفاع الأمواج، مشيراً إلى أنهم طلبوا من خفر السواحل البحث عنها، ومنوهاً إلى أن الجثث كلها لأشخاص من ذوي البشرة السوداء.

فريق جمعية الهلال الأحمر بالخمس ينتشل جثة من البحر 1 مارس (المكتب الإعلامي للجمعية)

وأمام زيادة هذه الظاهرة، تشير جمعية الهلال الأحمر إلى أن فرق الطوارئ التابعة لها سارعت إلى انتشال الجثث في موقع حادث انقلاب القارب، والعمل على نقل الحالات إلى الجهات المختصة لاستكمال باقي الإجراءات القانونية.

وقال الهلال الأحمر في بيان له، مساء الأحد: «هذه الظاهرة الأليمة تعكس استمرار النزيف الإنساني على سواحلنا، وتؤكد أن البحر ما زال يبتلع أحلام الباحثين عن حياة أفضل، تاركاً خلفه مآسي صامتة، وقلوباً مفجوعة».

وتحدث المصدر الأمني عن قارب غرق قبالة ساحل مدينة طبرق شرق ليبيا، الأحد، كان يقل 31 مهاجراً، أسفر عن مصرع أربعة منهم، وفقدان عشرة آخرين، مشيراً إلى أن 17 مهاجراً نجوا، فيما لا تزال أعمال البحث جارية عن المفقودين.

وسبق للمديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، القول: «إن استمرار فقدان الأرواح على طرق الهجرة يمثل إخفاقاً عالمياً لا يمكن عدّه أمراً طبيعياً، فهذه الوفيات ليست حتمية»؛ ورأت أنه «عندما تظل المسارات الآمنة والمنظمة بعيدة المنال، يضطر الأشخاص إلى سلوك رحلات خطرة، والاعتماد على المهربين، والمتاجرين بالبشر».

وعلى الرغم من محدودية الأدلة المتعلقة بما يُعرف بـ«حوادث الغرق غير المرئية»، فقد جرفت المياه -بحسب المنظمة- ما لا يقل عن 270 جثة إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط خلال عام 2025، دون ارتباط بحادث غرق معلوم.

ومنذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011، وفي ظل ما تعانيه ليبيا من انقسام وعدم استقرار، ازدهر الاتجار بالبشر، وإساءة معاملة المهاجرين، والانتهاكات بحقهم، وفقاً للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية غير الحكومية.