محمد عبلة يرسم «ليالي المدينة» بين مصر والسعودية

لوحاته تعكس ولعه بالقاهرة وشوارعها وحكاياتها

الفنان محمد عبلة
الفنان محمد عبلة
TT

محمد عبلة يرسم «ليالي المدينة» بين مصر والسعودية

الفنان محمد عبلة
الفنان محمد عبلة

يقدم الفنان المصري القدير محمد عبلة معرضه «ليالي المدينة» في الرياض والقاهرة في آن واحد، وذلك في تجربة مميزة وتعاون جديد بين «غاليري إرم» و«غاليري مصر»، وبحضور لافت من جانب نخبة من الفنانين والنقاد والشخصيات العامة والجمهور من البلدين، والذين حرصوا على مشاهدة أحدث الأطروحات الإبداعية للفنان الذي تسلم في أغسطس (آب) الماضي وسام جوتة وهو أرفع وسام ألماني في الثقافة والعلوم، ليصبح أول فنان تشكيلي عربي يحصل عليه.

ويضم المعرض 24 لوحة في مصر، و32 في السعودية، تعكس جميعها ولع عبلة بمدينة القاهرة، التي سبق له تناولها في معارض سابقة بأبعاد ومعالجات فنية مختلفة، وإذا كان الفنان الكبير قد وصف نفسه في إحدى الندوات التي شارك فيها بأنه كان في شبابه من «أهل الخطوة» في إشارة إلى أنه كان يمشي كثيراً في شوارع المدينة، ويسمع حكايات الناس عن الأمكنة وأسرارها وتفاصيلها، فإنه يخبرنا أن الفن التشكيلي لديه مشكلة في «الحكي»، ذلك أنه لا يستخدم اللغة وأن هذه المشكلة كانت تطرح سؤال: كيف يمكن نقل الحكايات والحوارات على مسطح اللوحات؟ لكن ها هي أعماله في هذا المعرض تقدم الإجابة؛ فالفنان الذي استدعى مشاهداته وخبراته الطويلة ومخزونه من حياة البشر وأحلامهم في مدينته يسرد لنا الواقع بلغة بصرية سلسة تتمتع بجماليات متنوعة، مؤكداً في كلمته عن المعرض أنه قصد ذلك، إذ قال: «سعيت لإثبات أن الواقع ما زال مدهشاً وساحراً فقط يتوقف ذلك على الزاوية التي ننظر منها».

ورغم أنه لطالما انشغل من قبل بقضايا الشارع وهمومه وآلامه إلا أنه يقدم هذه المرة تجربة جديدة تحمل اتجاهاً ومساراً مغايرين لما سبق تقديمه، فنحن أمام القاهرة بلياليها وناسها وحواديتها الشيقة، وقد رسم عبلة خلال ذلك الحركة نفسها التي تتجسد بوضوح على مسطحاته التصويرية، وتتعانق فيها المقومات البصرية من لون وتكوين وخطوط وغير ذلك مع مشاعره وذكرياته في المكان، وزاد من ذلك اهتمامه البالغ بإبراز الضوء في مساءات القاهرة، والاحتفاء بتفاصيل المدينة من حيث نمط الحياة لسكانها والنيل والمراكب والسفن العائمة والبنايات والاحتفالات والموالد والشوارع والكباري والمشاهد اليومية من حيث العمل والتنزه والسير وركوب السيارات والحافلات المختلفة، فقد عمل على رصد ذلك كله من خلال الحركة والحكايات التي تنساب بين الأشكال والشخوص.

إلى هذا يستمر المعرض في مصر حتى 12 يناير (كانون الثاني) وبالسعودية حتى 17 من الشهر نفسه، ويعد تأكيداً على نجاح رحلة من التعاون الفني المثمر بين القاعتين، تميزت بالخبرة الطويلة والاحترافية والتواصل القائم على التفاهم بينهما بحسب محمد طلعت مدير «غاليري مصر» ومنظم العرض الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «(ليالي المدينة) هو المعرض الخامس من سلسلة المعارض التي أقيمت بالتعاون مع (غاليري إرم) وخطوة مهمة نفتح بها أفاقاً واعدة له ونستهدف بها جذب جمهور جديد متعطش للفنون، سيما أن عبلة واحد من أهم الفنانين المصريين حالياً، وله مكانة كبيرة على الصعيدين العربي والأوروبي».

وأضاف: «تشهد المملكة السعودية انفتاحاً كبيراً على الثقافة والفنون؛ ما ينعكس بدوره على المشهد التشكيلي، وهناك نشاطات وفعاليات ثرية في هذا المجال، واهتمام بارز به سواء من جانب الدولة أو الأفراد؛ ومن هنا جاءت فكرة التعاون المشترك بيننا؛ حيث أقوم بالتواصل مع دائرة كبيرة من الفنانين البارزين المصريين والعرب، في حين بدأ السيد محمد السعوي مدير(غاليري إرم) قاعاته بإمكانات ضخمة، إذ تتمتع بأحدث أساليب العرض العالمي». وتابع: «يوفر هذا التعاون مساحة للإبداع وفضاءً واسعاً للتواصل والنقاش بين الفنانين والنقاد والمهتمين بالمجال التشكيلي؛ فهو يمثل قوتين تتحدان؛ فيصبح لدى المشهد الفني فرص وأرض جديدة لصالح الحركة الثقافية؛ فنقدم فناً معاصراً في البلدين، ويزيد من أهمية الأمر أنه في ظل هذا التعاون، يقوم بعض الفنانين بعرض إبداعهم لأول مرة في الرياض، فلم يسبق لهم تحقيق ذلك برغم شهرتهم الواسعة ومشوارهم الطويل».

وبحسب طلعت، فإن هذا «التعاون يهدف إلى التوسع في السوق الفنية، ومضاعفة العروض أمام الفنانين، وتقديم فعاليات ونشاطات أكبر وأهم مما لو كان أحدنا قام بها بمفرده، ولذلك أستطيع القول إننا نحقق نجاحاً لافتاً وسيزداد خلال الفترة المقبلة؛ حيث سننظم معرضاً كبيراً عن المرأة العربية سيضم تشكيليات من مصر والسعودية وعدد من الدول العربية خلال الشهور الأولى من 2023، كنا سننظم معرضاً آخر عن النحت، يليه معرض للفنان عادل السيوي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

من أعماق البحر إلى قاعات العرض... ذاكرة البحر الأحمر في «كنوز غارقة»

ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
TT

من أعماق البحر إلى قاعات العرض... ذاكرة البحر الأحمر في «كنوز غارقة»

ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)

في مبنى «باب البنط» بجدة التاريخية، حيث كانت السفن تقترب من الساحل محمّلة بالبضائع والحجاج والقصص القادمة من أطراف العالم، يقيم متحف البحر الأحمر معرضه المؤقت «كنوز غارقة... التراث البحري للبحر الأحمر» في محاولة لاستعادة تاريخ طويل ظل جزء كبير منه مغموراً تحت الماء.

المعرض لا يقدم قطعاً أثرية فحسب، بل يعيد فتح صفحات من ذاكرة البحر الأحمر، ذلك الممر الذي ربط لقرون الجزيرة العربية وآسيا وأفريقيا وأوروبا، وحمل فوق أمواجه الحجاج والتجار والرحالة، بينما احتفظ في أعماقه بشواهد من السفن والبضائع والقصص التي لم تصل يوماً إلى مرافئها.

كسر أوانٍ خزفية اكتُشفت في باب البنط (الشرق الأوسط)

وتوضح مديرة المتحف إيمان زيدان أن المعرض يهدف إلى تعريف المجتمع بالتراث البحري للساحل السعودي، الذي شهد مرور الحجاج والرحالة وازدهار موانٍ تاريخية مثل الشعيبة وجدة، إضافة إلى مرافق ساحلية مثل فرسان والسيرين، التي شكّلت عبر القرون نقاط اتصال ضمن شبكات تجارة ربطت الجزيرة العربية بآسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتشير زيدان إلى أن كثيراً من هذا الإرث ظل لفترة طويلة مغموراً تحت الماء وغير متاح للجمهور، حتى كشفت أعمال المسح الأثري الحديثة عن مواقع وسفن ومقتنيات أعادت تسليط الضوء على تاريخ البحر الأحمر بوصفه فضاءً للتبادل الحضاري.

كتاب العربية الغربية والبحر الأحمر (الشرق الأوسط)

خرائط البحر... بداية الحكاية

تبدأ الجولة بخرائط أوروبية وفرنسية تعود إلى القرنين السابع عشر والتاسع عشر، تكشف كيف كان العالم ينظر إلى البحر الأحمر بوصفه ممراً استراتيجياً يصل آسيا بأفريقيا.

ويشرح مرشد المعرض جاسر الدالي أن هذه الخرائط تبرز أهمية البحر الأحمر في تاريخ الملاحة؛ إذ شكّل نقطة التقاء لطرق التجارة العالمية، وارتبط بالمواني التي ازدهرت على سواحله.

وبالقرب منها، يعرض كتاب يعود إلى عام 1946 يتضمن صورة قديمة لمدينة جدة، إضافة إلى مخطوطة تشبه البوصلة استُخدمت لمعرفة المسافات بين مكة ومدن العالم، في دلالة على مكانة المدينة في حركة الرحلات والملاحة.

صور تعكس مشهد الحياة التجارية في جدة قديماً (الشرق الأوسط)

الحياة فوق السفينة

مع الانتقال إلى القسم التالي، يتغير الإيقاع البصري للمتحف. فالأرضية الخشبية وصوت الأمواج يعيدان خلق أجواء السفن القديمة، بينما تصطف توابل جاءت من أماكن بعيدة: منها جوز الهند، المسك، الكركم، الحناء، والهيل.

يوضح الدالي أن هذه السلع تعكس الدور التجاري للبحر الأحمر بوصفه ممراً يربط أسواق آسيا بالجزيرة العربية.

أما الحياة اليومية للبحارة، فكانت أكثر بساطة وتعقيداً؛ إذ استخدموا الغناء لتنظيم العمل على متن السفينة، فالإيقاع السريع يعني شد الحبال بسرعة، والبطيء يعني التمهّل، في نظام جماعي يساعد على تنسيق الجهد خلال الرحلات الطويلة.

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)

الأسطرلاب... قبل عصر الأقمار الاصطناعية

في إحدى خزائن العرض يبرز الأسطرلاب النحاسي، وهو أداة فلكية استخدمها البحارة لتحديد الاتجاه والوقت عبر مراقبة الشمس والقمر.

ويشير الدالي إلى أن الأسطرلاب كان يمثل في زمنه ما يشبه نظام تحديد المواقع الحديث، قبل أن تنتقل الملاحة إلى عصر التقنيات الرقمية.

وفي المعرض، يمكن للزائر مشاهدة شاشة تعرض حركة السفن التي تعبر البحر الأحمر في الوقت الفعلي، مع معلومات عن مسارها وسرعتها وحمولتها، في مقارنة حيّة بين الملاحة القديمة والملاحة الحديثة.

مجموعة من العملات الفضية الإسلامية التي استُخرجت من حطام سفينة بالقرب من الشعيبة (الشرق الأوسط)

العملات... لغة التجارة القديمة

في خزائن أخرى تظهر مجموعة من العملات التي تعكس تنوع العلاقات التجارية عبر البحر الأحمر.

تشمل هذه العملات قطعاً من العهد الأموي وأخرى من الدولة العثمانية، إضافة إلى عملات هندية وبريطانية؛ ما يعكس شبكة تجارة امتدت عبر قارات عدة.

وبين هذه القطع، تبرز سبحة مصنوعة من اليسر المكاوي — وهو نوع نادر من المرجان الأسود الموجود في البحر الأحمر — مطعّمة بالفضة، وتعدّ من أجمل وأغلى المسابح التقليدية.

هذه السبحة لا تمثل مجرد قطعة زينة، بل هي شاهد على ارتباط الحياة اليومية بثروات البحر نفسه.

سبحة من اليسر المكاوي المستخرج من المرجان الأسود الموجود في البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

حطام سفينة أملج

أحد أكثر أقسام المعرض جذباً للانتباه هو مقتنيات حطام سفينة أملج، التي اكتُشفت عام 2007 واستُخرجت بعض آثارها عام 2015.

تشمل القطع المعروضة مقابض خناجر وأدوات شخصية مثل مشط وملعقة، إضافة إلى فناجين خزفية بزخارف صينية؛ ما يشير إلى أن السفينة كانت تحمل بضائع قادمة من شرق آسيا.

كما يعرض المعرض جراراً اكتُشفت في جزيرة فرسان كانت تستخدم لنقل التوابل والحبوب والعصائر عبر البحر.

لكن البحر الأحمر لم يكن طريقاً سهلاً للملاحة؛ فالشعاب المرجانية الكثيفة، والتيارات القوية، وصعوبة الملاحة ليلاً جعلت من الإبحار فيه تحدياً حقيقياً للبحارة.

ويستحضر المعرض قصيدة للجغرافي الشهير الإدريسي تصف البحر الأحمر بأنه بحر صعب المسالك، في إشارة إلى المخاطر التي كانت تواجه السفن في تلك الحقبة.

قرص حجر رحى دائري بثقب مركزي من ميناء السيرين (الشرق الأوسط)

كنز الشعيبة

ومن أبرز الاكتشافات المعروضة كنز الشعيبة، الذي يضم نحو 5 آلاف عملة تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي، يُعرض منها نحو 300 قطعة فقط.

يشير الدالي إلى أن هذه العملات كانت غارقة في البحر الأحمر لقرون، قبل أن يُستعاد بعضها بالتعاون مع الإنتربول ووزارة الخارجية ليعود إلى المملكة ويعرض في هذا المعرض.

وفي نهاية الجولة، يتضح أن المعرض لا يكتفي بسرد تاريخ البحر الأحمر، بل يطرح سؤالاً أكبر: كم من القصص ما زال مخبأ في أعماقه؟

فبين الخرائط القديمة، وأدوات الملاحة، ومقتنيات السفن الغارقة، يبدو البحر الأحمر هنا أرشيفاً مفتوحاً، لا تزال صفحاته تُكتشف واحدة تلو الأخرى، وبهذا يخرج الزائر من «كنوز غارقة» وهو يدرك أن البحر لم يكن مجرد طريقٍ للسفن... بل ذاكرة كاملة، ما زالت تحتفظ بالكثير مما لم يُكتشف بعد.

مجموعة من العملات الفضية الإسلامية التي استُخرجت من حطام سفينة بالقرب من الشعيبة (الشرق الأوسط)


فنانون من السعودية ومصر يحتفون باليوم العالمي للمرأة

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من السعودية ومصر يحتفون باليوم العالمي للمرأة

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

احتفاءً باليوم العالمي للمرأة الذي يحل في 9 مارس (آذار) نظم «ملتقى عيون الدولي للفنون التشكيلية» معرضاً يستلهم قضايا المرأة، ويحتفي بإبداع الفنانات، تحت عنوان «همسها لون» متضمناً أكثر من 70 عملاً فنياً متنوعاً بين الرسم والنحت والغرافيك.

المعرض الذي استضافته قاعة آدم حنين بالهناجر في دار الأوبرا المصرية شارك فيه فنانون من السعودية ومصر وقطر والبحرين وألمانيا وروسيا وأوكرانيا، بأعمال تعبر عن حضور المرأة في البيئات العربية المختلفة، وكذلك في الدول الأجنبية.

ويضم المعرض لوحات تعبر عن مدارس فنية متنوعة من التعبيرية إلى التجريدية والسريالية والتأثيرية، بالإضافة للحضور التراثي والتاريخي في اللوحات، خصوصاً لدى فنانين مصريين، وفق حديث الفنان مصطفى السكري، منسق المعرض، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض أيضاً اهتم بتنوع الأجيال المشاركة والتي طرحت قضايا المرأة ورؤيتها للعام بطريقة فنية مميزة، وكان الاحتفاء الأكبر بالفنانات المصريات والعرب من خلال إبراز أعمالهن».

وعن افتتاح المعرض وتخصيصه هذه المناسبة يتابع: «في هذا اليوم المضيء باسم المرأة، نفتح أبواب الفن على اتساعها لتحية الكيان الذي علّم الضوء كيف يُرى، واللون كيف يُحسّ؛ فالمرأة ليست موضوعاً في اللوحة فقط، بل روحها الخفية، نبضها العميق، وسرّ توازنها الجمالي، فالمعرض يحتفي باليوم العالمي للمرأة، ولا يكتفي بتكريم المرأة فحسب، بل يعترف بدورها الملهم في تشكيل الوعي والجمال والحياة».

أعمال المعرض احتفت بالمرأة بروح تراثية (الشرق الأوسط)

وعدَّ المرأة تمثل «صوت الإبداع حين يبحث عن معنى، وملهمة الفنان منذ فجر الحضارة حتى اللحظة الحالية». وأشار إلى أن نخبة من الفنانات والفنانين افتتحوا المعرض، مع الدكتورة مها شهبة عضو اللجنة الثقافية بالمجلس القومي للمرأة، التي قامت بافتتاح المعرض نيابة عن المستشارة أمل عمار رئيسة المجلس. كما حضر أيضاً الفنانون والأكاديميون سهير عثمان وحنان موسى ووهاد سمير وأمل أبو زيد وحسن عبد الفتاح والفنان فواز.

ومن بين لوحات المعرض لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني تجسد فيها المرأة انطلاقاً من فن البورتريه الذي يبرز الملامح الفردية والشخصية، وما يمكن أن تحمله هذه الملامح من أبعاد مختلفة دليلاً على الحزن أو الفرح أو السكون أو البهجة باستخدام وجه غير محدد الملامح ليوحي بامتداد الأفكار لينسحب على أكثر من نموذج أنثوي.

وشارك في المعرض نحو 50 فناناً من الفنانين المحترفين والأساتذة المتخصصين بالجامعات الفنية المصرية، والدارسين والموهوبين وذوي الاحتياجات، ويمثل المعرض تنوعاً ثرياً في الأجيال المختلفة وتنوعاً في التقنيات والخامات والرؤى الجمالية والقضايا التي تناولها كل فنان في عمله.

فنانون من أجيال مختلفة شاركوا في المعرض (الشرق الأوسط)

ويشير السكري إلى أن المعرض «يحتفي بالمرأة بوصفها روح الجمال ومصدر الإلهام الأول للفن، ويقدم تحية لكل امرأة جعلت من الفن لغةً، ومن الوجود أثراً لا يُنسى»، معتبراً المعرض لا يقدم لوحات وأعمالاً فنية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم رؤى وقضايا وحكايات عن المرأة في كل مكان بالعالم، مؤكداً أن المعرض يجدد صورة المرأة وحضورها المؤثر في المجتمع كأم، ومبدعة، وفنانة، وقائدة.

وتناولت بعض اللوحات المرأة من منظور جمالي، وما تمثل من طاقة نور وفرحة وسعادة في العالم، ولوحات أخرى عالجت الحضور النسوي في التراث، كما تبدت فنون الحروفية وما تتضمنه من حس ناعم في التعامل مع الألوان والتكوينات المختلفة والمتناغمة للحروف، بالإضافة للأعمال النحتية التي اتسمت بالانسيابية والتناغم مع فكرة المعرض.


شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده، موضحاً أن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة للترفيه؛ بل هي وسيلة للتعبير العاجل عن الواقع وما يحمله من تناقضات.

وأضاف سوميت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه يعيش حياته اليومية بعينين مفتوحتين على ما يحدث حوله؛ حيث يرى كيف تتغير المجتمعات مع تسارع النمو الاقتصادي، وهو ما يدفعه دائماً إلى التفكير في تحويل هذه الملاحظات إلى قصص سينمائية. وأوضح أن «بنغلاديش تمر بمرحلة نمو اقتصادي سريع، وهو أمر يبعث على التفاؤل من جهة، ولكنه من جهة أخرى يترك آثاراً اجتماعية وبيئية معقدة»، مؤكداً أن هذا النمو قد يأتي أحياناً على حساب العدالة الاجتماعية أو البيئة، وأنه يشاهد يومياً هذه التناقضات، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن طريقة للتعبير عنها فنياً، من خلال السينما التي كانت وسيلته لتوجيه هذه الطاقة والقلق نحو العالم.

المخرج البنغالي رضوان شهريار (الشرق الأوسط)

وفي إنجاز لافت للسينما البنغالية المستقلة، فاز فيلم «ماستر» في النسخة الماضية من مهرجان «روتردام السينمائي الدولي» بجائزة مسابقة «الشاشة الكبيرة»، وأشادت لجنة تحكيم المسابقة بالفيلم في بيانها، مؤكدة أنه «يقدم رؤية إنسانية عميقة تتجاوز حدود المكان».

وأكد سوميت أن فوز الفيلم في «روتردام» كان مفاجأة كبيرة بالنسبة له؛ خصوصاً أن «ماستر» مشروع مستقل بالكامل تقريباً، معتبراً أن الجوائز تلعب دوراً مهماً في حياة صُنَّاع الأفلام المستقلين؛ لأنها تساعدهم في الوصول إلى الممولين والموزعين ومبرمجي المهرجانات، كما تمنح الفيلم فرصة أوسع للانتشار.

وقال سوميت إن «المنافسة في المسابقة كانت قوية للغاية، لكونها ضمت أفلاماً لمخرجين معروفين وأسماء بارزة في السينما العالمية، وهو ما جعل مجرد المشاركة في المهرجان تجربة مهمة بالنسبة له»، مؤكداً أن الاحتكاك بهذه الأعمال يمنح صناع الأفلام فرصة كبيرة للتعلم وتبادل الخبرات.

وأضاف أن لحظة إعلان الجائزة كانت لحظة استثنائية بالنسبة له ولطاقم الفيلم؛ ليس فقط لأنها تكريم للعمل؛ بل لأنها تمثل أيضاً اعترافاً بالسينما البنغالية المستقلة، لافتاً إلى أن هذا النوع من التقدير يمنح صناع الأفلام في بلاده دفعة معنوية كبيرة للاستمرار في تقديم قصصهم للعالم.

وعن التحديات التي واجهت إنتاج الفيلم، أوضح سوميت أن «التمويل كان العقبة الأكبر؛ لأن صناعة فيلم في بنغلاديش تحتاج غالباً إلى جهد أكبر، بسبب محدودية الإمكانات المتاحة».

وكشف سوميت أن المسودة الأولى من سيناريو «ماستر» كُتبت في أواخر عام 2022، واستغرق العمل عليها أكثر من 3 سنوات، وعندما بدأ العمل على الفيلم وعرض الفكرة على عدد من المنتجين والشركاء، أبدى كثيرون إعجابهم بالموضوع، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا مترددين في المشاركة بسبب حساسية موضوع الفيلم؛ حيث يتطرق إلى قضايا تتعلق بالبيروقراطية والفساد المؤسسي، والعلاقات المعقدة بين السلطة السياسية وأجهزة إنفاذ القانون.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «بعض المنتجين رأوا أن المشروع يحمل قدراً من المخاطرة بسبب طبيعته السياسية، إضافة إلى أن الفيلم ينتمي إلى نوع الدراما السياسية المشوقة التي تحتاج إلى مساحة إنتاجية واسعة نسبياً، وأن تنفيذ هذا النوع من الأعمال ليس سهلاً في صناعة سينمائية محدودة الموارد مثل بنغلاديش».

وأضاف أنه تمكَّن في النهاية من الحصول على منحة حكومية؛ لكنها لم تكن كافية لتغطية جميع تكاليف الإنتاج، لذلك اضطر إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة، موضحاً أن بعض الأشخاص الذين دعموا الفيلم لم يكونوا من العاملين في مجال السينما؛ بل كانوا أصدقاء ومعارف يؤمنون بمشروعه، ويرغبون في رؤيته يتحقق، إلى جانب مساهمته بجزء من أمواله الخاصة في تمويل الفيلم، بعدما عمل خلال السنوات الأخيرة في قطاع الشركات وإنتاج المحتوى التجاري، مما ساعده على توفير جزء من الميزانية اللازمة للمشروع.

وعن اختيار الممثلين، قال سوميت إن «الدور الرئيسي في الفيلم أُسند إلى الممثل نصير الدين خان، وهو أحد الوجوه المعروفة في السينما البنغلاديشية. ولكن السبب الحقيقي لاختياره لم يكن شهرته فقط؛ بل طبيعة الأدوار التي اعتاد تقديمها، فهو ممثل اشتهر بتجسيد شخصيات مظلمة أو سلبية، غالباً ما تكون مدفوعة بالطمع أو الرغبة في السلطة».

وأوضح أنه رأى في ذلك فرصة لتقديمه في دور مختلف تماماً؛ إذ تبدأ شخصية «ماستر» كرجل مثالي محبوب في مجتمعه، معروف بنشاطه الاجتماعي ورغبته في مساعدة الآخرين. ولكن مع تطور الأحداث تبدأ السلطة والضغوط المحيطة به في كشف طبقات أخرى من شخصيته.

خلال تسلم الجائزة في روتردام (الشركة المنتجة)

وأردف بأن هذه الرحلة النفسية المعقدة للشخصية كانت من أهم عناصر الفيلم، لذلك كان بحاجة إلى ممثل قادر على إظهار هذا التحول التدريجي من المثالية إلى الظلام، مؤكداً أن نصير الدين خان تحمس للفكرة منذ اللحظة الأولى؛ لأنه رأى فيها فرصة للخروج من الصورة النمطية التي حُصر فيها داخل الصناعة.

وعن تجربة التصوير، قال المخرج إن «أحداث الفيلم تدور في بلدة صغيرة تقع بالقرب من غابة، مما جعل الطبيعة جزءاً أساسياً من بناء القصة. والغابة لم تكن مجرد خلفية بصرية جميلة؛ بل كانت عنصراً سردياً مهماً في الفيلم؛ إذ ترتبط بشكل مباشر بالصراع الذي يطرحه العمل».

وأكد أن السكان المحليين الذين يعيشون بالقرب من الغابة يعرفون جيداً كيف يتعايشون معها ويحافظون عليها؛ لأنها جزء من حياتهم اليومية، ولكن في المقابل تظهر أطراف أخرى تسعى إلى استغلال مواردها وتحويلها إلى مصدر للربح؛ مشيراً إلى أن الفيلم يتناول أيضاً فكرة الشركات الكبرى التي تحاول تنفيذ مشاريع استثمارية ضخمة في هذه المناطق، مثل بناء فندق فاخر بالقرب من الغابة، وهو ما يهدد التوازن البيئي والاجتماعي في المكان.

واعتبر أن تصوير الفيلم داخل الغابة كان تحدياً لوجستياً كبيراً، لكون العمل امتد عبر فترات مناخية مختلفة، ففريق العمل بدأ التصوير في نهاية الشتاء وسط ضباب كثيف، ثم واجه حرارة الصيف المرتفعة، قبل أن تقترب الأمطار مع بداية موسم الرياح الموسمية. وخلص إلى أن «هذه الظروف الطبيعية كانت صعبة في بعض الأحيان، ولكنها في الوقت نفسه أضفت أبعاداً جمالية وبصرية مميزة على الفيلم».