شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

الفيلم حصد جائزة «الشاشة الكبيرة» من «روتردام السينمائي»

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده، موضحاً أن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة للترفيه؛ بل هي وسيلة للتعبير العاجل عن الواقع وما يحمله من تناقضات.

وأضاف سوميت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه يعيش حياته اليومية بعينين مفتوحتين على ما يحدث حوله؛ حيث يرى كيف تتغير المجتمعات مع تسارع النمو الاقتصادي، وهو ما يدفعه دائماً إلى التفكير في تحويل هذه الملاحظات إلى قصص سينمائية. وأوضح أن «بنغلاديش تمر بمرحلة نمو اقتصادي سريع، وهو أمر يبعث على التفاؤل من جهة، ولكنه من جهة أخرى يترك آثاراً اجتماعية وبيئية معقدة»، مؤكداً أن هذا النمو قد يأتي أحياناً على حساب العدالة الاجتماعية أو البيئة، وأنه يشاهد يومياً هذه التناقضات، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن طريقة للتعبير عنها فنياً، من خلال السينما التي كانت وسيلته لتوجيه هذه الطاقة والقلق نحو العالم.

المخرج البنغالي رضوان شهريار (الشرق الأوسط)

وفي إنجاز لافت للسينما البنغالية المستقلة، فاز فيلم «ماستر» في النسخة الماضية من مهرجان «روتردام السينمائي الدولي» بجائزة مسابقة «الشاشة الكبيرة»، وأشادت لجنة تحكيم المسابقة بالفيلم في بيانها، مؤكدة أنه «يقدم رؤية إنسانية عميقة تتجاوز حدود المكان».

وأكد سوميت أن فوز الفيلم في «روتردام» كان مفاجأة كبيرة بالنسبة له؛ خصوصاً أن «ماستر» مشروع مستقل بالكامل تقريباً، معتبراً أن الجوائز تلعب دوراً مهماً في حياة صُنَّاع الأفلام المستقلين؛ لأنها تساعدهم في الوصول إلى الممولين والموزعين ومبرمجي المهرجانات، كما تمنح الفيلم فرصة أوسع للانتشار.

وقال سوميت إن «المنافسة في المسابقة كانت قوية للغاية، لكونها ضمت أفلاماً لمخرجين معروفين وأسماء بارزة في السينما العالمية، وهو ما جعل مجرد المشاركة في المهرجان تجربة مهمة بالنسبة له»، مؤكداً أن الاحتكاك بهذه الأعمال يمنح صناع الأفلام فرصة كبيرة للتعلم وتبادل الخبرات.

وأضاف أن لحظة إعلان الجائزة كانت لحظة استثنائية بالنسبة له ولطاقم الفيلم؛ ليس فقط لأنها تكريم للعمل؛ بل لأنها تمثل أيضاً اعترافاً بالسينما البنغالية المستقلة، لافتاً إلى أن هذا النوع من التقدير يمنح صناع الأفلام في بلاده دفعة معنوية كبيرة للاستمرار في تقديم قصصهم للعالم.

وعن التحديات التي واجهت إنتاج الفيلم، أوضح سوميت أن «التمويل كان العقبة الأكبر؛ لأن صناعة فيلم في بنغلاديش تحتاج غالباً إلى جهد أكبر، بسبب محدودية الإمكانات المتاحة».

وكشف سوميت أن المسودة الأولى من سيناريو «ماستر» كُتبت في أواخر عام 2022، واستغرق العمل عليها أكثر من 3 سنوات، وعندما بدأ العمل على الفيلم وعرض الفكرة على عدد من المنتجين والشركاء، أبدى كثيرون إعجابهم بالموضوع، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا مترددين في المشاركة بسبب حساسية موضوع الفيلم؛ حيث يتطرق إلى قضايا تتعلق بالبيروقراطية والفساد المؤسسي، والعلاقات المعقدة بين السلطة السياسية وأجهزة إنفاذ القانون.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «بعض المنتجين رأوا أن المشروع يحمل قدراً من المخاطرة بسبب طبيعته السياسية، إضافة إلى أن الفيلم ينتمي إلى نوع الدراما السياسية المشوقة التي تحتاج إلى مساحة إنتاجية واسعة نسبياً، وأن تنفيذ هذا النوع من الأعمال ليس سهلاً في صناعة سينمائية محدودة الموارد مثل بنغلاديش».

وأضاف أنه تمكَّن في النهاية من الحصول على منحة حكومية؛ لكنها لم تكن كافية لتغطية جميع تكاليف الإنتاج، لذلك اضطر إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة، موضحاً أن بعض الأشخاص الذين دعموا الفيلم لم يكونوا من العاملين في مجال السينما؛ بل كانوا أصدقاء ومعارف يؤمنون بمشروعه، ويرغبون في رؤيته يتحقق، إلى جانب مساهمته بجزء من أمواله الخاصة في تمويل الفيلم، بعدما عمل خلال السنوات الأخيرة في قطاع الشركات وإنتاج المحتوى التجاري، مما ساعده على توفير جزء من الميزانية اللازمة للمشروع.

وعن اختيار الممثلين، قال سوميت إن «الدور الرئيسي في الفيلم أُسند إلى الممثل نصير الدين خان، وهو أحد الوجوه المعروفة في السينما البنغلاديشية. ولكن السبب الحقيقي لاختياره لم يكن شهرته فقط؛ بل طبيعة الأدوار التي اعتاد تقديمها، فهو ممثل اشتهر بتجسيد شخصيات مظلمة أو سلبية، غالباً ما تكون مدفوعة بالطمع أو الرغبة في السلطة».

وأوضح أنه رأى في ذلك فرصة لتقديمه في دور مختلف تماماً؛ إذ تبدأ شخصية «ماستر» كرجل مثالي محبوب في مجتمعه، معروف بنشاطه الاجتماعي ورغبته في مساعدة الآخرين. ولكن مع تطور الأحداث تبدأ السلطة والضغوط المحيطة به في كشف طبقات أخرى من شخصيته.

خلال تسلم الجائزة في روتردام (الشركة المنتجة)

وأردف بأن هذه الرحلة النفسية المعقدة للشخصية كانت من أهم عناصر الفيلم، لذلك كان بحاجة إلى ممثل قادر على إظهار هذا التحول التدريجي من المثالية إلى الظلام، مؤكداً أن نصير الدين خان تحمس للفكرة منذ اللحظة الأولى؛ لأنه رأى فيها فرصة للخروج من الصورة النمطية التي حُصر فيها داخل الصناعة.

وعن تجربة التصوير، قال المخرج إن «أحداث الفيلم تدور في بلدة صغيرة تقع بالقرب من غابة، مما جعل الطبيعة جزءاً أساسياً من بناء القصة. والغابة لم تكن مجرد خلفية بصرية جميلة؛ بل كانت عنصراً سردياً مهماً في الفيلم؛ إذ ترتبط بشكل مباشر بالصراع الذي يطرحه العمل».

وأكد أن السكان المحليين الذين يعيشون بالقرب من الغابة يعرفون جيداً كيف يتعايشون معها ويحافظون عليها؛ لأنها جزء من حياتهم اليومية، ولكن في المقابل تظهر أطراف أخرى تسعى إلى استغلال مواردها وتحويلها إلى مصدر للربح؛ مشيراً إلى أن الفيلم يتناول أيضاً فكرة الشركات الكبرى التي تحاول تنفيذ مشاريع استثمارية ضخمة في هذه المناطق، مثل بناء فندق فاخر بالقرب من الغابة، وهو ما يهدد التوازن البيئي والاجتماعي في المكان.

واعتبر أن تصوير الفيلم داخل الغابة كان تحدياً لوجستياً كبيراً، لكون العمل امتد عبر فترات مناخية مختلفة، ففريق العمل بدأ التصوير في نهاية الشتاء وسط ضباب كثيف، ثم واجه حرارة الصيف المرتفعة، قبل أن تقترب الأمطار مع بداية موسم الرياح الموسمية. وخلص إلى أن «هذه الظروف الطبيعية كانت صعبة في بعض الأحيان، ولكنها في الوقت نفسه أضفت أبعاداً جمالية وبصرية مميزة على الفيلم».


مقالات ذات صلة

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

سينما من «المحطة» (سكرين بروجكت)

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

أضافت ريما المسمار صوتاً ثقافياً لامعاً عندما بدأت كتابة النقد السينمائي في أواخر التسعينات ومطلع العشرية الأولى من هذا القرن. لم يكن صوتاً نسائياً فقط،

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
سينما «عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)

4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

على عكس ما تعرضه صالات السينما من أفلام «الأنيميشن» تكاد تتساوى في السقوط بين القبول والركاكة، تزخر أفلام مهرجان «أنيسي»، المتخصص في سينما «الأنيميشن»،

محمد رُضا
يوميات الشرق لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)

المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

يطرح الفيلم السوري «فوتوغراف» سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، عما يبقى للإنسان عندما تتغير الأمكنة، وتتبدل الأيام، وتتساقط التفاصيل.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من فيلم «ابن مين فيهم» (الشركة المنتجة)

«ابن مين فيهم؟»... مباراة كوميدية بين «رجل مستهتر» و«محامية جادة»

ينطلق فيلم «ابن مين فيهم؟» في سرد حكايته من محاولة إعادة العلاقات الاجتماعية إلى مسارها الصحيح، لكن صناع الفيلم قدموها في قالب كوميدي.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المنتج جابي خوري في اجتماع غرفة السينما (غرفة صناعة السينما في مصر)

«غرفة السينما» المصرية ترفض مطالبات «الممثلين» بحقهم في «الأداء العلني»

أعلنت غرفة صناعة السينما المصرية رفضها لمطالبات الممثلين بالحصول على حق الأداء العلني عن أعمالهم الفنية.

انتصار دردير (القاهرة )

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
TT

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، الخميس، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في البلاد، وذلك بدعم من القيادة، وباستثمار يتجاوز مليار ريال (267 مليون دولار).

وأوضح آل الشيخ، في تصريح له، أن المشروع يضم 9 مبانٍ مكتبية بمساحات تأجير تتجاوز 60 ألف متر مربع، بالإضافة لمساحات تجارية، ومقرات رئيسة للشركات، ومساحات عمل مشتركة، وأكثر من 1300 موقف سيارات.

وأضاف أن المشروع جاء «بالشراكة مع شركة (حي للتطوير العقاري)، وبالتعاون مع صندوق (REQ العقاري - الفرنسي كابيتال)، وبإدارة وتشغيل شركة (صلة)»، مُختتماً تصريحه بالقول: «عزيمة السعوديين ما لها حدود ولا سقف، والقادم أعظم».

وكان آل الشيخ أعلن في أغسطس (آب) 2024 إطلاق هذا المشروع ضمن منطقة «بوليفارد سيتي»، باعتباره المرحلة الأولى من المخطط الحضري لإعادة تخطيط وتنظيم منطقة «بوليفارد ديستريكت» بالشراكة مع القطاع الخاص.


موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
TT

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره، ولا يمكن تخطيه، فلوحاته تنظر للعالم من خلال عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة، حتى التفاصيل التي تحيط بهم لا تنجو من تأثير العدسة المكبرة، فالأشجار ضخمة الجذوع، وأدوات المائدة والفواكه وكل التفاصيل تتحول إلى عناصر ضخمة مستمدة من الحياة اليومية، تزهو بأحجامها المبالغ فيها وألوانها.

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

«بوتيرزمو» الجمال في الضخامة

في لوحات ومنحوتات بوتيرو يظهر نهجه الذي أطلق عليه مصطلح «بوتيرزمو» (Boterismo)، الذي تحدى به الفنان هيمنة الفن التجريدي الذي طبع تلك الحقبة، وابتكر بدلاً منه شخصيات ضخمة الحجم تتسم بروح الدعابة والعمق الإنساني، وللحق يستحق أسلوب بوتيرو مصطلحاً يضع فنه في مكانة خاصة بين فناني العصر الحديث.

لمسة «البوتيرزمو» أصبغها الفنان الكولومبي على لوحات استوحاها من كبار فناني العالم، وكان لموناليزا ليوناردو دافنشي مكانه خاصة لديه، فرسم عدد من اللوحات التي تصور الموناليزا صغيرة وكبيرة وفي كل حالاتها، وتحولت السيدة المبتسمة على يد الفنان إلى نسخ أضخم وأطرف. فتلك اللمسة البوتيرية تحمل حس دعابة جميلاً يلمس كل من ينظر للوحات الفنان الكولومبي، وتفسر المكانة التي احتلها فنه.

فرناندو بوتيرو مع أعماله (الدار)

حياة في نيويورك

يرتبط المعرض بمكانة نيويورك لدى الفنان الراحل، فقد قضى فترة من حياته فيها، وهناك اقتنى متحف الفن الحديث أول لوحة له، ولذلك لا عجب أن تكون المدينة هي المكان الذي اختارته عائلته لعرض مجموعة من لوحاته التي أبدعها خلال الفترة التي عاش بها في المدينة (بين عامي 1960 و1973) وذلك ضمن معرض مخصص للبيع تقيمه دار سوذبيز، يحمل عنوان «بوتيرو في نيويورك» بالتعاون مع المؤسسة التي تحمل اسمه.

من اللوحات في المعرض (الدار)

25 عملاً

ويجمع المعرض المقرر افتتاحه في 22 من يوليو (تموز) الحالي، بحسب بيان الدار، لوحات ومنحوتات، بعضها قادم مباشرة من عائلة بوتيرو، والبعض الآخر من مجموعات خاصة. يعرض بعضها للجمهور للمرة الأولى على الإطلاق. المعرض سيركز على المرحلة التي عاشها بوتيرو في نيويورك، ويعتبرها نقاد الفن بمثابة المرحلة التأسيسية للفنان، ومن خلال المعروضات سيتسنى للجمهور استكشاف تطور أسلوب الفنان في الرسم. تمثل كل قطعة من الأعمال الخمسة والعشرين في المعرض محطة هامة في مشوار الفنان.

ومن جانبها، تعلق أنا دي ستازي، الرئيسة العالمية لقسم فنون أميركا اللاتينية بـ«سوذبيز»: «تكشف سنوات بوتيرو في نيويورك عن فنان كان منخرطاً بعمق في التيارات الفنية المحيطة به، ومع ذلك ظل ثابتاً في عزمه على تطوير لغة فنية خاصة به تماماً. وتُبرز الأعمال المعروضة هنا ركائز ذلك الإنجاز؛ فنان تعامل مع التقاليد الفنية الأوروبية باستقلالية، وأعاد صياغة العالم البصري والاجتماعي لكولومبيا عبر مخيلته الخاصة، ليصيغ بذلك واحدة من أكثر اللغات التصويرية تفرداً في القرن العشرين».

«موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» (الدار)

موناليزا طفلة وزهور فان جوخ

أثناء إقامته في نيويورك زارت دوروثي ميلر استوديو الفنان، واختارت لوحة تصور الموناليزا وهي طفلة لتضمها لمجموعة متحف الفن الحديث بنيويورك، وكانت هذا النقطة الفاصلة في حياة الفنان، إذ وضعت عمله بجوار أعظم الفنانين العالميين. خلال حياته رسم بوتيرو أكثر من لوحة تصور الموناليزا، وتعرض الدار لوحة منها لم تعرض من قبل بعنوان «موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» نفّذها الفنان في عام 1959 تظهر فيها الموناليزا بوجه طفولي مكتنز وابتسامة ساحرة. هذه اللوحة وغيرها تقدم موضوعات وشخصيات مستمدة من أهم اللوحات العالمية، وهو ما يعكس نهج الفنان وترجمته الفنية لأعمال غيره من عباقرة الفن العالمي، وهو أسلوب تصفه الدار بـ«إعادة التفكير بطريقة جريئة في التقاليد الفنية التاريخية»، ويظهر ذلك بشكل كبير في لوحته الأشهر عن الموناليزا التي رسمها في عام 1978.

لوحة «أزهار عباد الشمس» (الدار)

في لوحة ثانية من المعرض بعنوان «نزهة» (1973) يزور بوتيرو مشهداً مألوفاً في اللوحات العالمية، حيث يجتمع حبيبان في نزهة برية تحيط بهما الأشجار. الجديد في اللوحة هو ذلك التصوير الممتع للأشجار، تكاد من حجمها أن تبتلع الأشخاص الجالسين على العشب أسفلها. اللوحة تعرض للجمهور للمرة الأولى.

ومن ليوناردو دافنشي إلى فان جوخ، تنتقل فرشاة بوتيرو الساحرة لتصور مزهرية متضخمة لزهور عباد الشمس التي أبدع فان جوخ في تصويرها في لوحاته الشهيرة.

تمنحنا «زهور عباد الشمس» (1977) كثيراً من المتعة، فالإناء الأزرق المتضخم يبدو متخماً بمجموعة من الأزهار المنتفخة والنابضة بالحياة والمتميزة بدرجات اللون الأصفر. يرى المختصون بالدار أن الإناء الأزرق والأزهار داخله «حوّل موضوع فان جوخ الشهير إلى عمل فني ذي ثقل نحتي وتوتر هادئ»، وأن بوتيرو قدّم في هذه اللوحة «ابتكاراً معاصراً بالكامل».

«طبيعة صامتة مع بطيخ» (الدار)

في لوحة «طبيعة صامتة مع بطيخ» (1976) يعود بوتيرو لموضوع أثير لديه، يستكشف التفاصيل اليومية بأسلوبه الخاص، وفي هذه اللوحة تتحول ثمرة البطيخ إلى كائن مدهش نستمتع بالنظر له. يرجع البعض جذور لوحات الطبيعة الصامتة لدى بوتيرو لإعجابه العميق بفن الرسم الإسباني الكلاسيكي واطلاعه المبكر على روائع متحف برادو في مدريد وتقديره للوحات لفلاسكيز وغويا وغيرهما من عمالقة الفن الإسباني.


المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
TT

المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)

يطرح الفيلم السوري «فوتوغراف» سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، عما يبقى للإنسان عندما تتغير الأمكنة، وتتبدل الأيام، وتتساقط التفاصيل التي كان يظنها ثابتة، فالأشياء لا تمنحنا هويتنا، لكن الذكريات التي تعلقنا بها هي التي تفعل ذلك.

طاف الفيلم الروائي القصير مهرجانات عدة. وحاز، أخيراً، جائزة «العدالة والسلام» من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في دورته التاسعة، الذي أقيم في يونيو (حزيران) الماضي بمدينة لاهاي الهولندية.

يُسلط «فوتوغراف» الضوء على تداعيات الحرب في سوريا، وأثرها على عمالة الأطفال وحرمانهم من التعليم لدعم أسرهم مادياً، وأنتجت الفيلم المؤسسة العامة للسينما السورية، وكتبت السيناريو والحوار بثينة نعيسة، والفيلم بطولة سليمان الأحمد، وغالب شندوية، وجمال العلي، وصفوح ميماس، وإخراج المهند كلثوم.

ويروي الفيلم حكاية صبيين تربطهما صداقة عميقة؛ «سلطان» و«يحيى»، اللذين يتجولان في مدينتهما وسط أنقاض المباني وبقايا الأثاث ومتعلقات بقيت شاهدة على حياة كانت هنا ولم تعد، بينما يقيمان في معسكرات الإيواء، ويقود سلطان صديقه يحيى، بعد أن فقد بصره ليقوما بجمع بقايا أدوات تحت الأنقاض لبيعها لأحد التجار مقابل ليرات معدودة، وبينما يبحثان في أنقاض بيت «يحيى» يعثران على كاميرا تخص عائلته، ينجحان في تشغيلها، فيلتقطان صوراً لبعضهما وسط البنايات المنهارة، لتصبح هذه اللقطات الفوتوغرافية شاهداً على ذكرياتهما، وفيما يحاول سلطان أن يلتقط مزيداً من الصور يسقط ركام المبنى فوق رأس صديقه.

ويقول المخرج المهند كلثوم إن «الجائزة التي حصل عليها الفيلم أكدت لي أن السينما ما زالت قادرة على أن تفتح حواراً بين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن القيمة الحقيقية لأي جائزة تكمن في السؤال الذي تطرحه: لماذا وصل هذا الفيلم إلى الناس، و«منذ بدايته وفيلم (فوتوغراف) لم يكن يبحث عن التعاطف، ولا عن إدانة أحد، بل كان يحاول أن يقترب من الإنسان عندما يكون مضطراً لأن يتمسك بما تبقى من ذاكرته وكرامته، لذا شعرت أن اسم الجائزة يلتقي مع روح الفيلم»، على حد تعبيره.

بطلا الفيلم السوري «فوتوغراف» (الشرق الأوسط)

ويوضح كلثوم أن «إخفاء الكاميرا خلف الشخصيات كان هاجسه الأكبر أثناء التصوير، فقد كنت أبحث عن صورة تتنفس بهدوء، وعن ضوء يشبه الحياة، وعن أماكن تحمل آثار الزمن من دون أن تتكلم، لم أرد صورة جميلة بقدر ما أردت صورة صادقة، لأن الصدق يبقى في ذاكرة المشاهد أكثر من أي إبهار بصري، ولهذا أقول دائماً إن (فوتوغراف) ليس فيلماً عن الحرب، بل عن الإنسان وهو يقاوم النسيان، لأن أكثر ما يخيف الإنسان ليس أن يفقد بيته بل أن يفقد حكايته».

وتُعد جائزة «العدالة والسلام» تتويجاً لمسيرة خاضها الفيلم بين عدة مهرجانات عربية ودولية، حصل خلالها على جوائز عدة، لكن المهند كلثوم لا ينظر لهذه المشاركات كسباق، بل كرحلة يتغير فيها الفيلم مع كل جمهور يشاهده، ويقول عن ذلك: «أحياناً كنت أخرج من قاعة العرض وأنا أشعر أن الجمهور اكتشف في الفيلم ما لم أكن واعياً له، وهذه واحدة من أجمل مفاجآت السينما، لهذا لا أحب أن أقيس نجاح الفيلم بعدد الجوائز، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن يترك أثراً صامتاً في قلب المشاهد بعد أن تُطفأ الشاشة».

ويفسر كلثوم سبب اختيار عنوان الفيلم «فوتوغراف» قائلاً: «لقد كنت أبحث عن عنوان لا يصف الفيلم، بل يفتح باباً للدخول إليه، فالصورة الفوتوغرافية بالنسبة إليّ تعد ذاكرة تقاوم الزمن، أحياناً تكفي صورة واحدة حتى تحمل حياة كاملة وتعيد إلينا أشخاصاً وأماكن لم تعد موجودة إلا في داخلنا، من هنا وُلد الفيلم».

المخرج السوري المهند كلثوم (الشرق الأوسط)

ويحمل «فوتوغراف» بعداً إنسانياً واضحاً، ويبدو كما لو كان يحاكم الذاكرة، لكن كلثوم يؤكد أنه «لا ينظر للذاكرة كمكان نهرب إليه كلما اشتقنا للماضي، بل هو المكان الذي نحمي فيه إنسانيتنا من النسيان، لذلك لم تكن الذاكرة في (فوتوغراف) مساحة للحنين، بقدر ما كانت مساحة للتأمل، ولإعادة طرح الأسئلة»، وفق قوله.

ويؤكد كلثوم أنه تعامل مع السيناريو كمساحة للحوار بين رؤية الكاتبة ورؤيته كمخرج، ويقول: «كان يهمني أن يصبح كل مشهد أكثر قرباً من الشخصيات، وأكثر قدرة على التعبير بالصورة والصمت، لا بالكلمات، وقد ترجمت هذا الحس للغة بصرية هادئة، تترك للمشاهد مساحة ليشعر بأكثر مما يُقال له، لأنني أؤمن أن أجمل الأفلام هي تلك التي تثق بإحساس المتلقي، ولا تفرض عليه تفسيراً واحداً».

وحول السينما السورية، وهل تجاوزت الحرب لتطرح أسئلة عن الهوية؟ يقول كلثوم: «أعتقد أن السينما السورية اليوم تقف أمام فرصة مهمة لإعادة اكتشاف نفسها، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن السينما لا تستطيع أن تبقى أسيرة الحدث إلى الأبد، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس أن نروي ما جرى، وإنما أن نفهم ما الذي تركه داخل الإنسان».

وقدّم المهند كلثوم أعمالاً عديدة روائية ووثائقية شاركت في مهرجانات دولية، وحاز العديد من الجوائز الدولية، ومن بين أفلامه الروائية «لماذا» و«يالا نلعب»، و«على سطح دمشق»، و«أمل إيمان حب»، ومن الوثائقية «البرزخ»، و«رحلة الحرير السوري»، و«هذه الأرض»، وهو مؤسس مشروع «يلا سينما» ومهرجان «أيام دمشق السينمائية» لأفلام الطفولة واليافعين.