سوريا على شفا هوة سحيقة أعمق

مع تأرجح روسيا وتراجع إيران لا يمكن تصور قوة راعية للتعافي السوري سوى العرب

سوريون يصطفون لملء حاويات خارج محطة وقود في منطقة تسيطر عليها «هيئة تحرير الشام» شمال غربي سوريا في 15 ديسمبر (أ.ف.ب)
سوريون يصطفون لملء حاويات خارج محطة وقود في منطقة تسيطر عليها «هيئة تحرير الشام» شمال غربي سوريا في 15 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

سوريا على شفا هوة سحيقة أعمق

سوريون يصطفون لملء حاويات خارج محطة وقود في منطقة تسيطر عليها «هيئة تحرير الشام» شمال غربي سوريا في 15 ديسمبر (أ.ف.ب)
سوريون يصطفون لملء حاويات خارج محطة وقود في منطقة تسيطر عليها «هيئة تحرير الشام» شمال غربي سوريا في 15 ديسمبر (أ.ف.ب)


مع بداية مخاض الربيع العربي 2011، فوضت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تركيا والقوى المتحالفة معها، بتدبير تداعيات الانهيار الكبير. فكانت زيارة أوباما وخطاباته في أنقرة بعد جامعة القاهرة إلخ... لكن في منتصف حقبة أوباما، انقلبت المعادلة الأميركية على نفسها في اتجاهين واضحين: فمن جهة تم إبعاد العرب، وإطلاق مفاوضات الملف النووي وليرسل أوباما للمرشد الإيراني علي خامنئي رسالة يبلغه فيها، أن الولايات المتحدة لا تسعى للإطاحة برئيس النظام السوري بشار الأسد، ومن جهة أخرى أعادت واشنطن بناء الثقة مع روسيا بعد أن خربتها أطماع روسيا وسط آسيا. زبدة الكلام، أن الحبل انقطع بالسوريين في منتصف البئر.
لكن سرعان ما تبلورت الطبيعة الإشكالية للعلاقات الأميركية - الروسية. وبدأت روسيا دق الأسافين بين الولايات المتحدة وحلفائها في الحلف الأطلسي، وكانت تركيا المثال الصارخ. لم تكن التفاهمات التركية - الروسية حول سوريا، وصفقة الـS 400، وتداعيات الانقلاب في تركيا، إلا إحدى مظاهرها. بل إن جوهر ما سعت إليه روسيا هو استدراج تركيا لتصبح شريكاً استراتيجياً وعقدة توزيع لمشروع خطوط الطاقة الروسية من كازاخستان، وإيران والعراق، والغاز السيبيري المتجه غربا نحو أوروبا عبر ميناء جيهان.

تلميذة تسير نحو مدرستها في مدينة الرقة بشمال سوريا يوم 21 سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

بتدابير خلاسية، لم تتوانَ الولايات المتحدة عن وضع الألغام تحت هذا الجسر الروسي. فكان استفتاء كردستان العراق لقطع الطريق على قنديل، وكان الدخول التركي لغرب الفرات، ونزلت القوات الأميركية شرق الفرات، بل قامت الولايات المتحدة بإجهاض المحاولات الروسية لإنتاج أي حلول بديلة موازية لعملية جنيف، من القاهرة، لآستانة إلى سوتشي. لكن رغم وعورة العلاقة استمر التفويض الأميركي لروسيا، فهي لا ترى بديلاً.

اذهبوا إلى الروس

عشية سقوط حلب عام 2016، قمت، إلى جانب العديد من السوريين الأميركيين، بالتواصل مع الإدارة الأميركية؛ سعياً لوقف القصف الوحشي بالبراميل ومنع سقوط المدينة. وعلى أعلى المستويات كان الجواب «اذهبوا إلى الروس، ثم اذهبوا إلى الروس» وبدا استمرار تفويض روسيا جلياً.
بعدئذٍ، اتجه الصراع السوري نحو استقرار نسبي، في إطار تقسيم العمل ومحاصصة النفوذ. وصولاً إلى اتفاقات سوتشي 2018، حيث ينقل عن الصحافيين المرافقين، أن الحديث لم يدر فيها عن سوريا إلا قليلاً، بل عن الإقليم والشراكة الإيرانية - التركية في مشروع أنابيب الطاقة الروسي.

الرئيس بشار الأسد خلال لقائه «المرشد» الإيراني خامنئي بحضور الرئيس إبراهيم رئيسي بطهران في مايو 2022 (الرئاسة السورية)

بعد شهرين، جرت اجتماعات في القدس حول سوريا، لرؤساء أجهزة المخابرات الروسية والأميركية والإسرائيلية. وبحسب ما تسرب، تم التوصل إلى توافقات أولية على الخطوط التكتيكية لمصالح إسرائيل وأميركا وروسيا في صياغة الصراع. وفي حينه، وعدت روسيا بتخفيض مخاطر النفوذ الإيراني في سوريا، وإتاحة هوامش فعالة لإسرائيل لقص العشب الإيراني.
بذلك كرست روسيا موقعها كوسيط قوة إقليمي مهيمن (Power Broker)، يحتاج إليه الجميع لضبط الجمر تحت الرماد، ليس في سوريا فحسب، بل وفي الإقليم. فبفضل ذلك حاولت روسيا بالرضا أو الإكراه، ضبط إيقاع الصراعات. فهي وسيط القوة بين إسرائيل وإيران، وبين تركيا وإيران والنظام السوري، وبين الأردن والنظام، وبين الأكراد السوريين والنظام، وبين أميركا والنظام... إلخ. والأهم من ذلك، أنها بدأت تتمدد لخطوط التجارة العالمية في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب عبر شراكات مع دول الإقليم.

صورة من وزارة الدفاع التركية لزيارة وزير الدفاع وقادة الجيش لمركز قيادة على الحدود مع سوريا نوفمبر الماضي

لكن هيهات؛ إذ ما لبثت أن تجلت مؤشرات هشاشة هذا الاستقرار. وفشلت بشكل ذريع وبائس محاولة روسيا إغلاق الصراع عبر المصالحات في درعا وحلب وريف حمص. ولم تتمكن روسيا من انتزاع أي موقف ذي مغزى من النظام السوري في جنيف، وأخيراً أبلغت روسيا إسرائيل، أنها لم تعد قادرة على ضبط وجود إيران في سوريا.
ثم، وبمغامرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، انكسر مزراب العين! وتفككت مقومات توافقات سوتشي والقدس. وانكسرت لعقود تفويضات الولايات المتحدة لروسيا، بل وأصبحت هزيمة روسيا وإخراجها هي ومصادر الطاقة والنظام الاقتصادي العالمي، خطة تنفذها أميركا بعدوانية ظاهرة. وبدأت تتبلور الخطط الأميركية لضمان هيمنتها على الخطوط البحرية للتجارة العالمية في المتوسط والأحمر وبحر العرب. وإذ تضغط على دول الإقليم، ومع عودة نتنياهو في إسرائيل، يصبح حسم التحالفات الإقليمية مع بوتين، أولوية ملحة للولايات المتحدة. فـ«إما معنا أو ضدنا».
وعلى التوازي من ذلك، تمادت إيران في عبثها في الملف النووي، لتفوّت فرصتها التاريخية.

دورية روسية في مدينة درعا أخيراً (الشرق الاوسط)

وبذلك انهارت بشكل مدهش أعمدة التوافقات السابقة. وإذ تفطم أوروبا نفسها قسراً عن مصادر الطاقة الروسية، فإنها تحرم بوتين من آخر أمل في صفقته مع الرئيس التركي رجب إردوغان حول خطوط الطاقة.
وأكثر من ذلك، أدى انسداد الأفق أمام أي مَخرَج مشرّف لبوتين في أوكرانيا، إلى إضعاف وهم القوة الروسية بشكل استراتيجي. فلا عادت روسيا تملك القدرة على فرض مواجهة تركيا وضبط خطوط التماس معها، ولا على ضمان اتفاقات الأكراد مع النظام، ولا على ضبط القصف الإسرائيلي، ولا حتى على دعم النظام في أزمة اقتصادية تنخره حتى النخاع. ليبدو انهيار وسيط القوة الروسي، وتراجع إيران الاستراتيجي، حقائق غير قابلة للانتكاس. يخلق هذا الوضع فراغاً استراتيجياً. وفي حين يغرد إردوغان لما بعد روسيا، يدخل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مغطس بائس. وتحضر إسرائيل لتصعيد إقليمي يائس، لكنه غاية في الخطورة. وعلى إيقاع خيرسون وخاركيف تتحرك القوى الدولية في سوريا بحذر ولكن بثبات، ويتعالى صوت شحذ السيوف، ليصبح احتمال اشتعال الخطوط قضية وقت.
أمام هذا الواقع، تكمن الطامة الكبرى في السياسة الأميركية ذاتها. فباستثناء البيانات والنوايا الحسنة، وباعتراف العديد من الدبلوماسيين، لا تمتلك الإدارة حتى الآن أي خطة أو مجرد رؤية تجاه سوريا. فلقد ألحق التردد والتقلب والتلاعب الأميركي الطويل، ضرراً كبيراً بأدوات أميركا ومصداقيتها. ولا تجد أميركا منصة موثوقة للتقدم نحو مخرج للصراع السوري، لإدارة وضعها المحرج فيها. إنه وضع خطر بحد ذاته. فحين تفتقد الولايات المتحدة الأدوات، تترك العنان للتفاعلات الإقليمية والسورية، لعل حراك الوقائع يفرز جديداً يمكن الاعتماد عليه. ومثال العراق واضح!
هذه المرة، لم تعد تستطيع أميركا أن تقترح على السورين الذهاب لجحيم روسيا. فأين يذهب السوريون؟ يصيب هذا السؤال الدبلوماسيين الأميركيين بالخرس، أو الثرثرة الفارغة. لكنهم يدركون أن الأحداث المتسارعة ستقحم أميركا قريباً في الصراع. وبسبب غياب الرؤية، لن تلبث أن تجد مواقعها محاصرة دبلوماسياً وسياسياً وعسكرياً من قبل الخصوم. ويضع كل ذلك سوريا على شفا دورة جديدة من التفكك والدم.
لكن ثمة حقيقتين صارختين تزيدان من قتامة هذه السيناريوهات المستجدة. إذ ليس ثمة حرب في سوريا من دون القوى المحتلة، ولا سلام في سوريا، من دون السوريين. السوريون والعرب غائبون.
صار السوريون الحلقة الجوهرية المفقودة في الصراع. وكما في لبنان والعراق، فككت الطائفية والمللية أهلها ذاتهم. وحين تصطف النجوم لاختطاف سوريا من أنياب القوى الدولية، وفي غياب السوريين، كما اللبنانيين والعراقيين، ستعمد القوى الدولية لخياطة الجرح السوري بقيحه، لتعاود دورة التفكك عاجلاً.

الغائب الحاضر

السوريون هم الغائب الحاضر الأول. فقبل أسئلة بيدرسون العبثية حول الخطوة مقابل خطوة، وقبل البحث في عمل اللجنة الدستورية، تكمن المسألة الجوهرية في ذلك «الثمن» الذي يمكن أن يقبله السوريون على مختلف مشاربهم للعيش الطوعي المشترك والحفاظ على وحدة البلاد. وإذ يفقد الصراع عزمه لدى جميع السوريين، يتحول الكثير منهم لأدوات في صراع المحتلين.
مرّت بلاد الشام بحقبة مشابهة امتدت لأكثر من أربعة قرون، فلا أبطال، ولا تاريخ ولا شعراء، بل فوضى وضياع يحكمها البلطجية. ورغم هول جرائم النظام، يحتاج السوريون إلى بديل عن موالاتهم و«معارضتهم» على حد سواء. فكلاهما من الجنس التاريخي ذاته. والبديل غير ممكن دون القبول بصفقة تاريخية طوعية جديدة للعيش المشترك.
وفي انتظار ذلك لا بد من حل درء المخاطر الراهنة للتفكك. فنحن على شفا الغرق ولا بد من عمل شيء الآن. الصراعات تحتدم بين السوريين، داخل كل منطقة من مناطقهم الأربع، غرب الفرات وشرقه والجنوب ومناطق سيطرة النظام، لتصبح المهمة الراهنة هي جعل الحياة ممكنة للمدنيين حيثما كانوا، وتحريرهم من عبوديتهم «الطوعية» لبلطجة أمراء حربهم. المهمة الجوهرية هي خلق بيئة ممكنة للعيش الطبيعي المنتج لكل المدنيين. وهذا غير ممكن من دون مستوى معين من الاستقرار. الذي يجب أن تتحمل مسؤوليته الدول المحتلة بحسب القانون الدولي.
في هذا السياق، من العبث الحديث عن مسؤولية روسيا أو إيران. لكن القوى المحتلة شرق وغرب الفرات، وجنوب البلاد، تتحمل المسؤولية الكاملة عن الأوضاع المزرية للناس ولحقوقهم، وعن ضمان حد أدنى من الأمن الشخصي والجماعي والاقتصادي للمجتمعات المحلية. فبذريعة مكافحة الإرهاب، تخلي الدول المحتلة مسؤولياتها تجاه المدنيين، بل تتقاسم الولايات المتحدة في شرق الفرات مع القوات الروسية والإيرانية وقوات النظام متغاضية عن جرائمهم وعدوانهم على المدنيين.
وبالذريعة ذاتها، تتغاضى القوى المحتلة عن استيلاد الميليشيات على الثروات والمعابر والسوق السوداء والإتاوات والقتل والاغتصاب دون محاكمة وبغياب كامل للقانون، ناهيك عن التغييرات الديموغرافية القسرية التي تفرضها الميليشيات. ثم ماذا نقول في الغائب الحاضر الثاني، ألا وهم العرب. فمع سقوط روسيا، وتراجع إيران، لا يمكن تصور قوة راعية للتعافي السوري، سوى العرب. ومن دونهم تُدفع سوريا إلى هوة سحيقة، ليمتد لهيبها للجوار حتماً. فأين أنتم يا عرب؟
- الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

في حين تكشف التقارير الحقوقية عن جملة واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة الحوثية ضد سكان مناطق سيطرتها خلال العام الماضي، يتسع مشهد الانفلات الأمني على نحو لافت، في تزامن مثير مع تدهور الأوضاع وتفاقم الاحتقان الاجتماعي، بما يعكس اتساع الشرخ بين علاقة الحوثيين بالمجتمع والقبائل.

وتُظهر التقارير الحقوقية ووقائع الانفلات الأمني تطوُّرَ الممارسات الحوثية في التعاطي مع مختلف القضايا من السياسة الأمنية التي تعتمد على الاعتقالات والاختطافات واستخدام القضاء، إلى حملات عسكرية تستهدف المدنيين مباشرةً، بالاعتقالات الجماعية والقتل خارج القانون وتجنيد الأطفال واستهداف الأعيان المدنية.

في هذا السياق، نددت الحكومة اليمنية بالحملة العسكرية الحوثية على منطقة عزلة بيت الجلبي في مديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت (شمال غرب) والاعتداء على أهاليها، باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، طبقاً لما أورده الإعلام الرسمي.

ودفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وفرضت حصاراً مشدداً على إحدى القرى عقب مقتل القيادي مجلي عسكر فخر الدين، الذي ينتمي إلى قوات الأمن المركزي التابعة للجماعة، برصاص مسلح قبلي خلال حملة أمنية على القرية أدت إلى مقتل أحد أهلها.

وتسبب مقتل القيادي الحوثي في تسيير الجماعة حملة عسكرية واسعة لتعزيز الحملة الأمنية، مما زاد من منسوب التوتر، حسب مصادر محلية، خصوصاً أن الحملة الأمنية الأولى جرت ضمن مساعي الجماعة لإطلاق حفّار آبار احتجزه الأهالي بسبب خلافات محلية.

وأدى تدخل القائمين على الحملة، وبينهم القيادي الذي لقي مصرعه، إلى مفاقمة الخلافات التي كانت في طريقها للحل بوساطات قبلية تقليدية، وبسبب انحياز القادة الحوثيين لأحد أطراف الخلاف، وقعت الاشتباكات.

ودعت الحكومة اليمنية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن إلى سرعة التحرك لوقف هذه الانتهاكات، مطالبةً جميع المكونات السياسية والاجتماعية والمنظمات الحقوقية بالوقوف في وجه هذه الانتهاكات.

نفوذ بنهب الأراضي

في سياق هذا التغول الحوثي شهدت منطقة المحجر في مديرية همدان، الواقعة على الأطراف الشمالية الغربية من صنعاء، حملة عسكرية يتولى مسؤوليتها القيادي مهدي اللكمي المكنّى «أبو شامخ»، لمصادرة أراضٍ يؤكد مُلَّاكها صدور حكم قضائي لصالحهم.

عنصر حوثي ضمن استعراض مسلح نظمته الجماعة في محافظة عمران (أ.ف.ب)

ونشرت الحملة عدداً كبيراً من مسلحيها في المنطقة التي اشتكى أهاليها من وقوع انتهاكات متعددة بحقهم؛ بينها الاعتداءات الجسدية والاعتقال، وتشديد القيود على الحركة، والمنع من مغادرة المنازل.

وخلال الأعوام الماضية وسّعت الجماعة الحوثية أنشطتها في مديرية همدان للاستيلاء على الأراضي بغرض استحداث تجمعات سكنية لأنصارها وعائلات قتلاها المقربين من القيادة العليا، إلى جانب منشآت أخرى بينها سجون ومقرات للأجهزة الأمنية.

وبينما قُتل سبعة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون في مديرية برط التابعة لمحافظة الجوف (شمال شرقي صنعاء)، في أول أيام شهر رمضان، إثر تجدد ثأر قديم بين قبيلتي المكاسير وآل أبو عثوة بني هلال، كانت مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، مسرحاً لاعتداء عناصر أمنية حوثية على أحد السكان بإطلاق النار عليه وإصابته بجراح خطيرة، واقتحام منزله ونهب محتوياته بسبب خلافات مالية بينه وبين أحد هذه العناصر.

تطور منهجي للقمع

حسب تقارير مؤسسات حقوقية محلية، فإن الجماعة الحوثية كثفت انتهاكاتها خلال العام الماضي، وطوَّرت من نهجها في استهداف المدنيين، ضمن مخاوفها من ازدياد الغضب الشعبي بسبب ممارساتها والأوضاع المعيشية المتدهورة التي أوصلت السكان إليها.

الحوثيون فرضوا حصاراً على الشخصيات الاجتماعية وقادة أمنيين وعسكريين سابقين (إ.ب.أ)

ووثّق «مركز رصد للحقوق والتنمية» 868 انتهاكاً خلال العام، في محافظة البيضاء (241 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء) مثّل الاعتقال التعسفي والاختطاف 79 في المائة منها، لتتحول المحافظة إلى «سجن مفتوح».

وتصدرت مديرية القريشية قائمة المناطق التي طالتها الانتهاكات بـ592 حالة، حيث تعرضت على مدار العام للحصار والقصف بمختلف الأسلحة، وسقط من أهاليها 40 قتيلاً و32 جريحاً، واحتجزت الجماعة 16 جثماناً ورفضت تسليمها إلا بشروط عدَّها التقرير مُهينة لذوي القتلى، إضافةً إلى اعتداءات على مساجد ومنشآت تعليمية وتدمير منازل.

ويَبرز انفجار محطة غاز في مديرية الزاهر، الذي أودى بحياة أكثر من 35 شخصاً، مؤشراً إضافياً على هشاشة البيئة الاقتصادية وغياب الرقابة والاستهتار بحياة وسلامة السكان.

مسلحون حوثيون يحاصرون قريةً شمال غربي صنعاء ضمن مساعي السيطرة على الأراضي (إكس)

وفي الجوف، سجلت «منظمة عدالة» 8860 انتهاكاً خلال العام الماضي، بينها 24 حالة قتل خارج القانون، و24 حالة اختطاف وتعذيب، فضلاً عن مقتل أكثر من 12 مدنياً عند إحدى النقاط.

وتضمنت الانتهاكات 1509 وقائع كان ضحاياها من الأطفال، وشملت تجنيد 300 طفل واستخدام 709 في أعمال عسكرية، إضافةً إلى اقتحام ونهب منشآت وفعاليات ذات طابع طائفي، مما أدى إلى نزوح 6589 مدنياً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».