فوضى الحوثيين تغرق محافظة ذمار في الانفلات الأمني

جهود الجماعة تنصب على ملاحقة المحتفلين بثورة «26 سبتمبر»

تجمع قبلي نظمه الحوثيون منذ سنوات في ذمار (غيتي)
تجمع قبلي نظمه الحوثيون منذ سنوات في ذمار (غيتي)
TT

فوضى الحوثيين تغرق محافظة ذمار في الانفلات الأمني

تجمع قبلي نظمه الحوثيون منذ سنوات في ذمار (غيتي)
تجمع قبلي نظمه الحوثيون منذ سنوات في ذمار (غيتي)

تعيش محافظة ذمار اليمنية (100 كيلومتر جنوب صنعاء) انفلاتاً أمنياً متصاعداً بسبب فوضى الجماعة الحوثية التي عززت من إجراءاتها ضد السكان، واعتقلت المئات منهم على خلفية احتفالاتهم بذكرى الثورة اليمنية (26 سبتمبر) في حين تعاني مناطق سيطرة الجماعة من ارتفاع حاد في معدل الجريمة.

وشهد عدد من مديريات المحافظة، خلال الأيام الماضية من الشهر الجاري، وقائع قتل راح ضحيتها عدد من الأشخاص بينهم طفل في الخامسة، وتنوعت أسباب تلك الوقائع ما بين خلافات شخصية عابرة، ونزاع حول مبالغ مالية، ومحاولة هتك عرض، وأخرى مجهولة السبب، وسط انتشار واسع للسلاح، وإجراءات حوثية تعزز الانفلات الأمني.

وقُتل، الثلاثاء، فواز السماوي، أحد أبرز ملاك المزارع في مديرية رصابة وسط المحافظة، داخل حافلة لنقل الركاب، أثناء توجهه إلى إحدى مزارعه، عندما أقدم أحد الركاب على إطلاق النار باتجاه السائق بعد مشادة كلامية بينهما، إلا أن الرصاص أصاب السماوي، وأدى إلى وفاته في الحال، في حين لاذ الجاني بالفرار.

كما قُتل شاب على يد أربعة من الأفراد بعد استدراجه إلى كوخ لحراسة المزارع لغرض اغتصابه، وبسبب رفضه الاستجابة لهم ومقاومتهم، لجأوا إلى قتله بتهشيم رأسه بالصخور، وإطلاق النار عليه، ورمي جثته قرب إحدى المزارع في محاولة لادعاء أنه قتل برصاص أحد الحراس حين كان يحاول السرقة.

منظر عام لمدينة ذمار (إعلام محلي)

كما أقدم شخص مسلح في مديرية عتمة على قتل طفل في الخامسة من عمره والفرار عقب ذلك مباشرة دون معرفة دوافع الجريمة التي هزت المنطقة بسبب بشاعتها، حيث صوب الجاني سلاحه على رأس الطفل، وأطلق النار بشكل مباشر ومفاجئ أمام شهود عيان.

وفي نفس المديرية قُتل شخص في خلاف، لم يكن طرفاً فيه، بين سائقي سيارتي أجرة على أحقية نقل الركاب.

مؤشرات تدهور الأمن

في السياق نفسه، توفي شقيقان وأُصيب الثالث بجروح متوسطة، مطلع الشهر الجاري، في مديرية الحدا عقب خلاف بينهم حول مبالغ مالية مع عامل لديهم في مزرعة «القات» التابعة لهم، ينتمي إلى مديرية ضوران آنس المجاورة.

تصاعد متسارع للجريمة في مناطق سيطرة الحوثيين وسط انتشار الأسلحة والفوضى الأمنية (إ.ب.أ)

وتمكن أهالي المنطقة من القبض على العامل الذي استولى خلال المشادة الكلامية بينه وبين الأشقاء الثلاثة على سلاح كان بحوزة أحدهم، وأطلق منه النار عليهم.

وكانت مديرية وصاب العالي مسرحاً لجريمة أخرى، أواخر الشهر الماضي، قتل فيها 3 أشخاص بسبب خلافات حول مبالغ مالية.

وارتفع معدل الجريمة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية بنحو 500 في المائة خلال العام الجاري وفقاً للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، في وقت تُتهم فيه قيادات وعناصر عسكرية حوثية، بعضهم عائدون من الجبهات والدورات الطائفية، بالضلوع في عدد من تلك الجرائم.

وكشفت الشبكة عن وقوع 123 جريمة قتل و46 إصابة خلال النصف الأول من العام الجاري، في 14 محافظة يمنية، وسط انتشار السلاح، وغياب مؤسسات العدالة، وتدهور الأوضاع المعيشية والنفسية للسكان.

تجمع قبلي برعاية حوثية في ذمار لحل قضية قتل خارج أطر القضاء (إعلام حوثي)

ونقلت الشبكة عن مراقبين أن هذا التصاعد يؤشر على تدهور الأمن، وتعزيز ثقافة العنف في أوساط السكان الذين تسيطر الجماعة على مناطقهم.

وقالت الشبكة، في تقرير حديث لها، إن الأيام الماضية شهدت سلسلة من الجرائم الوحشية في ست محافظات خاضعة لسيطرة الميليشيا، من بينها محافظة ريمة التي أقدم القيادي الحوثي فيها، عبده إبراهيم جريد، على قتل زوجته البالغة من العمر 17 عاماً، وتقطيع جثتها بمشاركة عصابة يُشتبه في ارتباطها بتجارة الأعضاء البشرية.

اتهام دولي

ووثقت الشبكة الحقوقية مقتل امرأة أخرى على يد زوجها أيضاً، في مديرية بعدان التابعة لمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) إلى جانب امرأة ثالثة قُتلت على يد ابن زوجها، ومقتل طفلة تبلغ 12 سنة من العمر، في محافظة الجوف، على يد والدها الذي أبرحها ضرباً حتى فارقت الحياة.

بحسب إحصائيات حقوقية جنّد الحوثيون أكثر من 4400 طفل من ذمار للقتال في صفوفهم (إعلام حوثي)

ورصد التقرير الحقوقي واقعة انتحار مشبوهة لرجل عُثر عليه مشنوقاً في البيضاء، بينما شهدت العاصمة المختطفة صنعاء حادثة اختطاف واغتصاب طفلة تبلغ من العمر 10 سنوات، في منطقة بني الحارث شمال شرقي المدينة، وكذا اختطاف طفل يبلغ 12 عاماً، والاعتداء عليه بالضرب، والتهديد بذبحه من قبل عصابة مسلحة.

ولقيت امرأة أخرى مصرعها، في محافظة عمران (53 كيلومتراً شمال صنعاء) على يد ابن زوجها الذي أقدم على خنقها قبل أن يفرّ إلى محافظة صعدة حيث معقل الجماعة الحوثية.

ونوهت الشبكة إلى أن تصاعد جرائم قتل الأقارب والعنف الأسري والاعتداءات ضد الأطفال والنساء يعكس خطورة الفكر الطائفي، والدورات التعبوية التي تفرضها الميليشيا الحوثية على عناصرها، ما يمثل إرهاباً منظماً يهدد النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي في المجتمع اليمني، وفقاً لتقريرها.

مئات الأشخاص اعتقلهم الحوثيون خلال الأسابيع الماضية بسبب احتفالاتهم بالعيد الوطني (رويترز- أرشيفية)

وبينما تتوسع الفوضى الأمنية في مناطق سيطرة الحوثيين، اتهمت «هيومن رايتس ووتش» الجماعة باعتقال عشرات الأشخاص في الأسبوع الأخير من سبتمبر (أيلول) الماضي، بسبب احتفالهم السلمي بذكرى «ثورة 26 سبتمبر»، أو وضع منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن هذا العيد الوطني.

واتهمت باحثة اليمن والبحرين في المنظمة الحقوقية الدولية الحوثيين بتسخير موارد لاعتقال أشخاص بسبب منشورات غير مؤذية على وسائل التواصل الاجتماعي تفوق بكثير ما يفعلونه لضمان حصول الناس في المناطق الخاضعة لسيطرتهم على الغذاء والماء. وطالبتهم بحماية حقوق السكان، وليس إسكات أي شخص يحتفل بالعيد الوطني.


مقالات ذات صلة

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي شدد على تنفيذ القرارات السيادية الأخيرة التي اتخذها محذراً من محاولة الالتفاف عليها أو عرقلتها مع تأكيده أنها جاءت على أنها خيار اضطراري لحماية المدنيين

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج قوات «درع الوطن» التابعة للرئاسة اليمنية خلال تأمين إحدى النقاط العسكرية بحضرموت (حساب درع الوطن)

«الانتقالي» يعلن بدء تسليم المواقع لـ«درع الوطن» في حضرموت والمهرة

مع ساعات فجر العام الجديد، شرعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في تسليم عدد من المواقع العسكرية لقوات «درع الوطن» الحكومية، فيما يبدو أنها خطوة تعكس التوصل إلى…

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج علم باكستان يرفرف في إسلام آباد (أ.ب)

باكستان ترفض الخطوات الأحادية في اليمن وتؤكد تضامنها الكامل مع السعودية

أعلنت باكستان تضامنها الكامل مع السعودية، مؤكدة من جديد التزامها بأمن المملكة، وشددت فيه على رفضها أي خطوات أحادية الجانب في اليمن من شأنها تصعيد الأوضاع.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم العربي الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)

الحوثيون يقرّون بمقتل ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» الإيراني

إقرار حوثي بمقتل عبد الملك المرتضى ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» بعد غارات أميركية في 2025 وسط خسائر نوعية واعترافات متتالية بمقتل قيادات عسكرية بارزة...

محمد ناصر (تعز)
العالم العربي المجلس الانتقالي الجنوبي يسعى للانفصال عن اليمن وإخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح (أ.ب)

العليمي يطلب موقفاً دولياً جماعياً لردع تمرد «الانتقالي»

حذّر رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي من استغلال الحوثيين للإجراءات الأحادية، مطالباً بموقف دولي جماعي لردع تمرد «الانتقالي» وحماية وحدة اليمن وأمنه.

«الشرق الأوسط» (لندن)

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
TT

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)

شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي على تنفيذ القرارات السيادية الأخيرة التي اتخذها، محذراً من محاولة الالتفاف عليها، أو عرقلتها، مع تأكيده أنها جاءت على أنها خيار اضطراري، ومسؤول، هدفه حماية المدنيين، وصون المركز القانوني للدولة، ومنع فرض أمر واقع بقوة السلاح.

وكان العليمي أعلن، الثلاثاء، حالة الطوارئ لمدة 90 يوماً، ودعا القوات الإماراتية لمغادرة البلاد خلال 24 ساعة، على خلفية التصعيد العسكري الذي قام به المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، والمهرة بدعم إماراتي، ووجه بأن تقوم قوات «درع الوطن» بتسلم كافة المعسكرات، والمواقع التي سيطر عليها «الانتقالي»، وعودة قوات الأخير من حيث أتت.

وقال العليمي خلال اجتماع بهيئة المستشارين، الخميس، ضمن مشاوراته المستمرة مع سلطات الدولة، ودوائر صنع ودعم القرار، إن هذه القرارات لا تعبّر عن رغبة في التصعيد، أو الانتقام، بل تمثل استجابة قانونية وأخلاقية لواجب الدولة في حماية مواطنيها، والحفاظ على سيادتها، بعد استنفاد كافة فرص التهدئة، والتوافق، وفي مقدمتها إعلان نقل السلطة، واتفاق الرياض.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتمنى رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن تكون السنة الميلادية الجديدة سنة النصر، والسلام، والأمن، والاستقرار، ونهاية لمعاناة المواطنين، وتحقيق تطلعاتهم في دولة عادلة تكفل الكرامة، وتصون الحقوق، وتفتح آفاقاً حقيقية للتعافي، والتنمية.

ووضع العليمي هيئة المستشارين أمام تفاصيل التطورات الأخيرة، موضحاً أن المهل المتكررة التي منحت لإعادة تطبيع الأوضاع في المحافظات الشرقية لم تُستثمر بصورة رشيدة من قبل المجلس الانتقالي.

وأوضح أن ذلك ترافق مع دفع المجلس بالمزيد من القوات إلى محافظتي حضرموت، والمهرة، إلى جانب وصول شحنات عسكرية من مصادر خارجية، ما شكّل تهديداً مباشراً للاستقرار، وفرض على الدولة اتخاذ إجراءات حازمة بالتنسيق مع قيادة تحالف دعم الشرعية، لمنع تحول الأزمة إلى واقع يصعب احتواؤه.

إشادة وتحذير

أشاد العليمي بجهود السلطات المحلية في المحافظات الشرقية، واستجابتها السريعة للقرارات الرئاسية، من خلال تأمين المنشآت السيادية، والبنى الحيوية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين، محذراً في الوقت ذاته من أي محاولات للالتفاف على هذه القرارات، أو عرقلة تنفيذها على الأرض.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به هيئة المستشارين في هذه المرحلة المفصلية، باعتبارها غرفة تفكير متقدمة لدعم القرار الوطني، وترشيده، وحشد الطاقات السياسية، والمؤسسية في معركة استعادة مؤسسات الدولة، وتجفيف مصادر الدعم لأي تشكيلات خارجة عن الإطار القانوني.

وجدد العليمي تأكيده على عدالة القضية الجنوبية، والالتزام الجماعي بمعالجتها وفق أعلى المعايير الحقوقية، بعيداً عن منطق القوة، والإكراه، أو توظيفها في صراعات مسلحة تسيء إلى عدالتها، وتضر بمستقبلها.

الشراكة مع السعودية

عبّر رئيس مجلس القيادة اليمني عن تقديره العميق لدور السعودية بوصف أنها شريك استراتيجي لليمن، مؤكداً أن حماية هذه الشراكة تمثل مسؤولية وطنية، نظراً لما تحمله من مكاسب تاريخية، ومستقبلية، وما ينطوي عليه التفريط بها من مخاطر جسيمة.

وأوضح العليمي أن قرار إنهاء الوجود العسكري الإماراتي في بلاده جاء في إطار تصحيح مسار التحالف، وبالتنسيق مع قيادته المشتركة، بما يضمن وقف أي دعم للمكونات الخارجة عن الدولة، دون أن يعني ذلك القطيعة، أو التنكر للعلاقات الثنائية، أو إرث التعاون القائم على المصالح المشتركة.

جنود في عدن موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال عن اليمن (أ.ب)

وشدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن الهدف الجامع لكل إجراء أو قرار سيادي في هذه المرحلة هو خدمة معركة استعادة مؤسسات الدولة، سلماً أو حرباً، وتحقيق تطلعات اليمنيين في الأمن، والاستقرار، والتنمية.

ودعا العليمي كافة المكونات السياسية، والمنابر الإعلامية إلى تجنب خطاب الإساءة، والتحريض، وتغليب لغة الدولة، والمسؤولية، بما يحفظ وحدة الصف الوطني، ويصون فرص السلام، دون الإخلال بمبدأ المساءلة، وسيادة القانون.


«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)

أكدت منظمة التعاون الإسلامي، اليوم (الخميس)، أن وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه مبدأ راسخ لا يقبل أي مساومة أو تنازل في مواجهة إقدام إسرائيل على الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وشددت المنظمة، في بيان بعد اجتماع للجنة التنفيذية على مستوى المندوبين في جدة بالسعودية، على الرفض القاطع لأي محاولات تهدف إلى فرض أمر واقع جديد يقوض الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي ويفتح المجال أمام مزيد من النزاعات والتوترات.

وأوضحت منظمة التعاون الإسلامي أنها تدين الإعلان الإسرائيلي الاعتراف بأرض الصومال، ووصفته بالانتهاك الصارخ لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية.

وطالب البيان «بتكثيف الجهود وتوحيد الصفوف والوقوف صفاً واحداً إلى جانب جمهورية الصومال».


هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)

هذه قصتنا يا محمد. وقعنا باكراً في الفخ. استدرجنا الحبر وهو جميل، وماكر. اخترنا مهنة شائكة. اخترنا نفقاً طويلاً. لا استراحات ولا هدنات. مطاردة محمومة للأخبار تنسينا تراكم السنوات الهاربة من شجرة العمر. مطاردة مضنية. لا القارئ يرتوي، ولا المؤسسات تفعل. يغالب الصحافي الأخبار طويلاً ثم تغلبه. تحوّله خبراً في صحيفته. خبر وفاة. خبر وداع.

كنا نستعد لوداع العام لا لوداعك. شاركتنا اجتماع أول من أمس. حملت دائماً إلى موعدنا اليومي. خبرتك الطويلة. ونبل مشاعرك. ورقي لغة التخاطب. وكأنك تعمدت أن تُبلغنا الرسالة. إن المحارب القديم لا يتقاعد. يفضّل السقوط على الحلبة. بعد ساعات فقط من الاجتماع جاءنا الخبر المؤلم. خانك القلب. ومن عادته أن يخون.

شاءت المهنة أن ينشغل هذا الرجل الهادئ بملفات عاصفة ورجال قساة. سرقت أفغانستان جزءاً كبيراً من اهتماماته. وكان يذهب إليها يوم كانت تغلي بـ«المجاهدين». وكان يرجع من تلك الأسفار المتعبة محملاً بالأخبار، والتحقيقات، والمقابلات. وحتى حين أوفد العمر رسائله لم يتنازل محمد الشافعي عن شغفه. تستوقفه كلمة. إشارة. عبارة تشبه عبوة ناسفة. وتثيره الأخبار، ويغريه التعب المتوّج بهدية طازجة إلى القراء.

قبل نحو أربعة عقود انتسب إلى عائلة «الشرق الأوسط». أحبها، وأحبته. وكما في كل قصص الحب لم يتردد ولم يتراجع ولم يبخل. أقول عائلة «الشرق الأوسط» وهي حديقة. حديقة أخبار وعناوين، وتحقيقات، ومقالات. وحديقة جنسيات وخبرات، وتجارب. تحت سقف المهنة وسقف الشغف. كان فخوراً بانتمائه إلى صحيفة متوثبة تُجدد وسائلها، وتحفظ روحها.

ما أصعب أن يطرق الموت الباب. ويخطف من العائلة ابناً عزيزاً، وأستاذاً قديراً. وما أصعب الغياب. اعتدنا أن نشاكسك. وأن نسألك. ونتعلم منك. ونعاتبك على أصدقائك القساة. ما أصعب مكتبك مسكوناً بغيابك. وما أصعب الاجتماع مفتقداً مساهمتك ورهافة تمنياتك.

هذه قصتنا يا محمد. نعيش بين سطرين ونموت بين سطرين. ننام أخيراً في أرشيف الصحيفة. وفي مودة زملائنا. و«الشرق الأوسط» بتنوعها، وأجيالها تحتضن ذكرى كل من بنى مدماكاً، وفتح نافذة، وأثرى أيام قرائها. خانك القلب ومن عادته أن يفعل، لكن المودات لا تعترف بالخيانات.