انفلات الثأر القبلي يكشف زيف مزاعم الحوثيين باحتواء الصراعات

توظيف التدخلات لتوسيع نفوذ الجماعة وزيادة مواردها

منذ توسعها وسيطرتها فرضت الجماعة الحوثية على القبائل سياسات مغايرة للأعراف القبلية (أ.ب)
منذ توسعها وسيطرتها فرضت الجماعة الحوثية على القبائل سياسات مغايرة للأعراف القبلية (أ.ب)
TT

انفلات الثأر القبلي يكشف زيف مزاعم الحوثيين باحتواء الصراعات

منذ توسعها وسيطرتها فرضت الجماعة الحوثية على القبائل سياسات مغايرة للأعراف القبلية (أ.ب)
منذ توسعها وسيطرتها فرضت الجماعة الحوثية على القبائل سياسات مغايرة للأعراف القبلية (أ.ب)

على الرغم من ادعاءات الجماعة الحوثية تبني مساعي الصلح القبلي، وإنهاء الثأر في مناطق سيطرتها، فإن تلك المناطق تشهد تصاعداً لهذه الصراعات، وسط اتهامات للجماعة باستغلال تلك القضايا لفرض النفوذ والسيطرة والإثراء من خلال الجبايات.

وتقول مصادر أمنية وقضائية مطلعة في العاصمة المختطفة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن مناطق سيطرة الجماعة شهدت خلال الأشهر الماضية عشرات من حوادث القتل والعنف المتعلقة بقضايا ثأر وانتقام شخصي، على خلفية قضايا كانت منظورة أمام قادة ومشرفين حوثيين لحلها، وإن عدداً من القتلى والمصابين في هذه الوقائع كانوا من المنتمين للجماعة.

وقُتِل نحو 20 شخصاً وأصيب أكثر من 30 في اشتباكات عنيفة بين عائلتين، خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في قرية قرب مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (157 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء)، وتحولت إلى موجة ثأرية مستمرة لأيام، وفق مصادر قبلية.

وأدت المواجهات والتوتر اللاحق لها إلى تراجع الحركة على الطرقات والأسواق المحيطة بالمنطقة، وتوقف الدراسة وإغلاق المدارس حفاظاً على سلامة الطلاب.

مسلحون حوثيون خلال عملية سطو على أرض وقتل مالكها في محافظة إب العام الماضي (إعلام محلي)

وتصاعدت، خلال الأشهر الماضية، حوادث العنف والجرائم المرتبطة بالثأر والنزاعات العائلية في محافظات صعدة والجوف وعمران وصنعاء وذمار والبيضاء، وسط غياب شبه تام لسلطات الجماعة الحوثية عن ضبط الأمن أو احتواء المواجهات.

وحسب المصادر، تتحفظ الجماعة الحوثية على تفاصيل وقائع الانفلات الأمني المرتبطة بالثأر في مناطق سيطرتها والإحصاءات والبيانات الخاصة بها، في مساعٍ للتستر على فشلها في حل تلك القضايا.

ولفتت المصادر إلى أن الزيادة التي شهدتها وقائع العنف بسبب الخلافات العائلية والقبلية تعود إلى حالة الخوف والحذر التي يعيشها قادة الجماعة؛ خوفاً من اغتيالهم من طرف إسرائيل بعد المواجهة التي أشعلتها الجماعة معها، وأدت إلى اغتيال عدد من القيادات العسكرية، ورئيس وأعضاء حكومتها غير المعترف بها، خلال الأشهر الماضية.

مرجعية جديدة

تعزو المصادر فشل كثير من مساعي الصلح القبلي خلال الأشهر الأخيرة إلى اضطرار الجماعة الحوثية لتكليف مستويات دنيا من قياداتها لتولي تلك المهام وفقاً لسياساتها، بعد اضطرار كبار قياداتها للاختفاء، وهو ما أدى إلى تراجع الضغوط التي كان يمثلها حضور تلك القيادات في أوساط القبائل، وأصحاب القضايا العالقة والمزمنة.

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

وكان القيادي محمد علي الحوثي - وهو ابن عم زعيم الجماعة - تولى، خلال السنوات الماضية، ملف الصلح القبلي الذي سعت الجماعة من خلاله إلى تعزيز سيطرتها على القبائل وتحصيل الجبايات، وتولى بنفسه الإشراف على حل مئات قضايا الثأر والصراع خارج مؤسسات القضاء والقانون، الخاضعة بدورها للجماعة.

وينوه الباحث السياسي اليمني صلاح علي صلاح بأن الجماعة اتخذت من حل النزاعات القبلية والعائلية، بإشراف مباشر من قياداتها، وسيلة لتعزيز نفوذها وفرض هيمنتها في أوساط القبائل، وجعل سياستها في إدارة تلك الملفات هي المرجعية الوحيدة، إلى جانب الترويج لمزاعمها في إحداث استقرار أمني في مناطق سيطرتها.

ويبين صلاح لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة روجت لسياساتها في هذا الملف بوصفها تنفيذاً لتوجيهات زعيمها عبد الملك الحوثي الذي لطالما تحدث عن تماسك الجبهة الداخلية، وتعزيز قوة المجتمع في مواجهة الخصوم، ولم يكن تكليف ابن عمه، محمد علي الحوثي، إلا تأكيداً على ما لهذه السياسات من أهمية.

لكن الجماعة، وفقاً لصلاح، تجاوزت بتلك السياسات أعراف الصلح القبلي المتبعة منذ عهود طويلة، وفرضت على السكان واقعاً جديداً بإجراءاتها التي تختلف عن تلك الأعراف، كحل لكل المشاكل، وملء الفراغ الأمني والقانوني بها.

آخر فعالية صلح قبلي ظهر فيها محمد علي الحوثي قبل اختفائه بسبب الغارات الإسرائيلية (إعلام حوثي)

ويؤكد أن هذه السياسات أدت إلى تراجع أدوار زعماء القبائل وأعيانها والوجاهات الاجتماعية لصالح القادة الحوثيين الذين لم يكن غالبيتهم أصحاب حضور مجتمعي قبل صعود الجماعة.

إثراء ورفاهية القادة

باتت القبائل تخشى من تدخل الجماعة لحل النزاعات في أوساطها بسبب مخالفتها للأعراف، وانحيازها لأطراف النزاع ذات الوجاهة الاجتماعية الأقوى والأكثر ثراء للاستفادة من ذلك في تحقيق النفوذ، والحصول على موارد مالية.

يكشف أحد منتسبي القضاء في العاصمة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن فرض القادة الحوثيين حلولاً غير منصفة، ولا تتناسب مع القانون أو الأعراف القبلية، بانحياز واضح للطرف الذي تستطيع الحصول منه على مكاسب سواء بالمال أو بتعزيز النفوذ.

وأوضح المصدر القضائي، الذي طلب التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أنه يجري الضغط على الطرف الأضعف للقبول بالصلح الذي يقرره القادة والمشرفون، ويتم تهديده بتوجيه اتهامات له بمخالفة أوامر وتوجيهات زعيم الجماعة التي تحض على الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.

تجمع لرجال قبائل في صعدة خلال فعالية صلح تحت إشراف قيادات حوثية (إعلام حوثي)

وبهذه الضغوط تتمكن الجماعة من كسب ولاء من انحازت لصالحهم والاستفادة من حضورهم الاجتماعي في أوساط القبائل.

ويحصل قادة الجماعة الحوثية على مكافآت كبيرة، يفرضونها نظير تدخلهم لحل النزاعات، ومن يعجز من المتخاصمين عن دفع مبالغ نقدية يتم إجباره على التنازل عن ممتلكاته أو بيعها.

كما يُلزم أطراف النزاع بنفقات معيشة وتنقل القيادات الحوثية المشرفين على الصلح ومرافقيهم طوال أيام عقد اللقاءات والاجتماعات لبحث الحلول، وهو ما يتسبب في إفقار المتخاصمين، ويجبرهم على القبول بأي قرارات لإنهاء النزاع تجنباً لتحمل مزيد من التكاليف والأعباء المالية.


مقالات ذات صلة

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

القطاع الصحي الخاضع للحوثيين مهدد بالانهيار الشامل

تعيش مناطق سيطرة الحوثيين كارثة صحية بعد اضطرار الأطباء للإضراب احتجاجاً على انقطاع الرواتب في ظل انسحاب الدعم الدولي وتسارع انهيار القطاع الصحي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)

اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

اجتماع دولي في الرياض يؤكد دعم خفر السواحل اليمني وتعزيز قدراته في حماية المواني والملاحة الدولية، ومواجهة التهديدات البحرية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين

«الشرق الأوسط» (عدن)
تحليل إخباري سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال زيارته السابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري كيف وصلت علاقة الأمم المتحدة مع الحوثيين إلى طريق مسدود؟

إيقاف برنامج الأغذية العالمي أنشطته بصنعاء بعد اعتقالات ومصادرة أصوله يعمِّق الأزمة الإنسانية، ويهدد ملايين اليمنيين بالمجاعة، وسط تعنّت حوثي وتجاهل دولي.

محمد ناصر (تعز)
الخليج جانب من عمليات تدمير المخلفات الحربية (مسام)

اليمن: العثور على مخلّفات حربية وقذائف في المناطق التي انسحب منها «المجلس الانتقالي»

أكّد «البرنامج الوطني للتعامل مع الألغام» في اليمن رصد مخلّفات حربية تشمل قذائف وطلقات لم تنفجر في المناطق التي انسحبت منها القوات التابعة لـ«الانتقالي الجنوبي»

غازي الحارثي (الرياض)

رييرا المدرب الجديد لفرانكفورت: أولويتي تطوير اللاعبين وكسب ثقتهم

ألبرت رييرا (د.ب.أ)
ألبرت رييرا (د.ب.أ)
TT

رييرا المدرب الجديد لفرانكفورت: أولويتي تطوير اللاعبين وكسب ثقتهم

ألبرت رييرا (د.ب.أ)
ألبرت رييرا (د.ب.أ)

يبدأ ألبرت رييرا مهمته رسمياً في منصب المدير الفني للفريق آينتراخت فرانكفورت اليوم الاثنين، واضعاً نصب عينيه هدفاً رئيساً وهو تطوير مستوى لاعبي فريقه الجديد.

وقال رييرا، لاعب المنتخب الإسباني السابق، البالغ من العمر 43 عاماً، لصحيفة «بيلد» الألمانية اليوم الاثنين، إنه كان يتوقع الأمر ذاته من مدربيه خلال مسيرته كلاعب، مضيفاً: «لا يهم إذا كان المدرب وسيماً أو قبيحاً، طويلاً أو قصيراً... المهم هو اجعلني أفضل، وعلمني شيئاً، وهذا بالضبط ما يدور في ذهني الآن، كيف أجعل اللاعبين الذين أمتلكهم حالياً أفضل».

وتولى رييرا تدريب فرانكفورت خلفاً لدينو توبمولر، في ظل معاناة الفريق الفائز بلقب الدوري الأوروبي عام 2022، إذ يحتل حالياً المركز الثامن بجدول ترتيب البوندسليغا، بفارق ثمان نقاط عن المراكز المؤهلة للمسابقات الأوروبية.

وسيكون الاختبار الأول لرييرا يوم الجمعة المقبل في مواجهة يونيون برلين، في محاولة لانتشال الفريق من أزمته، حيث لم يحقق فرانكفورت أي فوز في مبارياته السبع التي خاضها منذ بداية عام 2026، كما استقبلت شباكه ثلاثة أهداف في ست من تلك المواجهات، بالإضافة إلى خروجه من دوري أبطال أوروبا.

وأكد رييرا، المدرب السابق لفريق تسيليه متصدر الدوري السلوفيني، أن مهمته الأولى ستكون بناء جسور الثقة داخل الفريق، موضحاً: «الاجتماع الأول لن يكون عن الأمور الفنية، بل عن الأشخاص والمجموعة والانضباط والقواعد، أن ينظر كل منا في عيني الآخر ونثق ببعضنا البعض».

وشدَّد على أنه بمجرد كسب ثقة اللاعبين، سيبدأ في شرح أسلوبه الدفاعي وما يتوقعه منهم في الجانب الهجومي.


نيوم يتفق مع ستراسبورغ لضم ريان ميسي

ريان ميسي (أ.ف.ب)
ريان ميسي (أ.ف.ب)
TT

نيوم يتفق مع ستراسبورغ لضم ريان ميسي

ريان ميسي (أ.ف.ب)
ريان ميسي (أ.ف.ب)

كشفت مصادر «الشرق الأوسط» وصول نادي نيوم، المنافس في الدوري السعودي لكرة القدم، لاتفاق نهائي مع نادي ستراسبورغ الفرنسي لانتقال اللاعب ريان ميسي تنفوري بنظام الإعارة لمدة 6 أشهر، مع أحقية الشراء دون الكشف عن القيمة المالية للصفقة حتى الآن.

ويُعد ريان ميسي من أهم المواهب الشابة في الكرة الفرنسية، ويودّ خوض تجربة جديدة خارج أوروبا.

وأشارت مصادر «الشرق الأوسط» إلى أن نادي نيوم تحرّك سريعاً لتعويض رحيل سايمون بوابرّي، حيث وضع المهاجم الفرنسي الشاب على رأس أولوياته، في ظل قناعته بإمكاناته الفنية وقدرته على التطور.

يُذكر أن ريان ميسي، البالغ من العمر 18 عاماً، كان مُعاراً، هذا الموسم، إلى «يو إف سي»، حيث شارك في 14 مباراة، ضمن دوري الدرجة الثانية الفرنسي، وسجّل هدفين. ومن المنتظر أن يصل اللاعب إلى السعودية، خلال الساعات القليلة المقبلة، لإتمام الإجراءات الرسمية.

ويُعد ميسي مهاجماً يعتمد على السرعة والانطلاق في المساحات، وقد لفَتَ الأنظار قبل عامين خلال تجربته مع ديجون، قبل أن ينتقل إلى ستراسبورغ في أغسطس (آب) 2024. خطوة جديدة تعكس توجه نيوم نحو الاستثمار في المواهب الشابة، وتؤكد، في الوقت نفسه، استمرار الحضور القوي للأندية السعودية في «الميركاتو» الأوروبي.


رغم انتعاش الإنتاج... انكماش النشاط الصناعي في منطقة اليورو مستمر

عمال بمصنع «كناوس-تابرت إيه جي» في ياندلسبورن بالقرب من باساو بألمانيا (رويترز)
عمال بمصنع «كناوس-تابرت إيه جي» في ياندلسبورن بالقرب من باساو بألمانيا (رويترز)
TT

رغم انتعاش الإنتاج... انكماش النشاط الصناعي في منطقة اليورو مستمر

عمال بمصنع «كناوس-تابرت إيه جي» في ياندلسبورن بالقرب من باساو بألمانيا (رويترز)
عمال بمصنع «كناوس-تابرت إيه جي» في ياندلسبورن بالقرب من باساو بألمانيا (رويترز)

أظهر مسح أن النشاط الصناعي في منطقة اليورو ظل في منطقة الانكماش، خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، للشهر الثالث على التوالي، وسط ضعف مستمر في الطلبات الجديدة، رغم عودة الإنتاج إلى النمو.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي لمنطقة اليورو «إتش سي أو بي»، الذي تُعدّه وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 49.5 نقطة في يناير، بعد أن سجل أدنى مستوى له خلال تسعة أشهر عند 48.8 نقطة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، متجاوزاً التقدير الأولي البالغ 49.4 نقطة. وتشير قراءات المؤشر فوق 50 نقطة إلى نمو النشاط، في حين تعكس القراءات دون هذا المستوى الانكماش، وفق «رويترز».

قال سايروس دي لا روبيا، كبير الاقتصاديين في «بنك هامبورغ التجاري»: «يمكن ملاحظة بعض التقدم في قطاع التصنيع، لكنه يحدث بوتيرة بطيئة للغاية». وارتفع مؤشر الإنتاج الصناعي، وهو عنصر أساسي في المؤشر الرئيسي، متجاوزاً عتبة الخمسين نقطة ليصل إلى 50.5 نقطة في يناير، بعد أن كان 48.9 نقطة في ديسمبر، ما يشير إلى نمو طفيف في الإنتاج. ومع ذلك، تراجعت الطلبات الجديدة، للشهر الثالث على التوالي، وكان الانخفاض أقل حدة من ديسمبر، لكنه أثّر سلباً على المؤشر الرئيسي. واستمرت عمليات تسريح العمال في المصانع، للشهر الثاني والثلاثين على التوالي، رغم أن وتيرة الانخفاض كانت الأبطأ منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وأظهر تحليل البيانات وفق الدول تبايناً كبيراً في أداء دول التكتل، حيث سجلت اليونان أقوى أداء عند 54.2 نقطة، بينما وصلت فرنسا إلى 51.2 نقطة، وهو أعلى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة. في المقابل، ظلت قطاعات التصنيع في إسبانيا وألمانيا وإيطاليا والنمسا تعاني الانكماش، وسجلت النمسا أضعف أداء عند 47.2 نقطة. وأضاف دي لا روبيا: «بشكل عام، هذا التفاوت الكبير لا يبشّر بانتعاش مستدام في منطقة اليورو».

وفي ظل ارتفاع تكاليف المُدخلات بأسرع وتيرة منذ ثلاث سنوات، مدفوعة أساساً بارتفاع أسعار الطاقة، لم يتمكن المصنّعون من تمرير هذه الزيادة إلى المستهلكين، وبقيت أسعار الإنتاج ثابتة تقريباً منذ ديسمبر. ومع ذلك، تحسّنت ثقة المصنّعين بشأن العام المقبل لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ فبراير (شباط) 2022، ما يشير إلى تفاؤلهم بتحسن الأوضاع، في نهاية المطاف.

التصنيع يُظهر بوادر انتعاش في ألمانيا

وفي التفاصيل، فقد بدأ قطاع التصنيع في ألمانيا عام 2026 بشكل إيجابي، حيث عاد الإنتاج إلى النمو في يناير، بعد انكماش طفيف في ديسمبر. وارتفع مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع التصنيع الألماني، الصادر عن مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 49.1 نقطة في يناير، مقارنةً بـ47.0 نقطة في ديسمبر، مسجلاً ارتفاعاً طفيفاً عن القراءة الأولية للشهر البالغة 48.7 نقطة. وسجلت قراءة يناير أعلى مستوى لها في ثلاثة أشهر، رغم بقائها دون مستوى 50 نقطة الذي يشير إلى النمو.

وعزَّز هذا الانتعاش زيادة طفيفة في الطلبات الجديدة، مسجلة أول ارتفاع خلال ثلاثة أشهر، على الرغم من استمرار انخفاض مستويات التوظيف بوتيرة ملحوظة، مما يعكس عمليات إعادة الهيكلة الجارية والوظائف الشاغرة. وقال سايروس دي لا روبيا: «يبدو أن الانتعاش الاقتصادي قد بدأ بالفعل». وأضاف: «انتعش الإنتاج بسرعة نسبية بعد انخفاضه في ديسمبر، وارتفع التفاؤل بشأن الإنتاج المستقبلي، كما شهدت الطلبات الجديدة زيادة طفيفة».

وأشار إلى أن الشركات التي حسّنت عمليات إنتاجها قد تكون في وضع جيد إذا استمر انتعاش الطلب خلال العام، لافتاً إلى أن التوقعات المستقبلية للمصنّعين وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ سبعة أشهر. ومع ذلك، أشار دي لا روبيا إلى هشاشة الوضع، إذ لا تزال الشركات تسحب المخزون بسرعة وتتقلص الطلبات المتراكمة. كما ارتفعت تكاليف المُدخلات إلى أعلى مستوى لها منذ 37 شهراً، مدفوعة بارتفاع أسعار المعادن والطاقة والأجور، في حين واجهت الشركات صعوبة في تمرير هذه الزيادة إلى المستهلكين. وأضاف دي لا روبيا: «في أفضل الأحوال، تمكنوا من إبطاء الانخفاض المستمر بأسعار الإنتاج على مدى ثلاثة أشهر، لا أكثر».

التصنيع الفرنسي يحقق أقوى نمو منذ أربع سنوات

أما في فرنسا، فقد أظهر مسحٌ أجرته مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن قطاع التصنيع شهد توسعاً في يناير، مسجلاً أسرع زيادة في الإنتاج منذ ما يقرب من أربع سنوات، مدعوماً بخطط زيادة الإنفاق الدفاعي والعسكري في أوروبا. وارتفع مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع التصنيع الفرنسي إلى 51.2 نقطة في يناير، مقارنةً بـ50.7 نقطة في ديسمبر، متجاوزاً القراءة الأولية البالغة 51 نقطة. وسجل المؤشر أعلى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2022، واستفاد القطاع من خطط أوروبا لزيادة الإنفاق الدفاعي والعسكري، في ظل الحرب بأوكرانيا والخلافات السياسية مع الولايات المتحدة.

وقال جوناس فيلدهاوزن، الخبير الاقتصادي المبتدئ في «بنك هامبورغ التجاري»: «على الرغم من أن البيئة التجارية لا تزال غير مستقرة بسبب التعريفات الجمركية الحالية، لكن تداعيات الإعلانات الأميركية الجديدة أقل اضطراباً بكثير مما كانت عليه قبل عام».

وأضاف: «في الوقت نفسه، تكتسب جهود أوروبا لتعزيز استقلاليتها الاستراتيجية في السياسة الدفاعية زخماً، ويمكن لهذين التطورين الرئيسيين معاً أن يُعطيا دفعة قوية لقطاع التصنيع في عام 2026».