المشهد الثقافي المصري في 2022: أنشطة متنوعة وحوار غائب

مكتبة لإدوار الخراط... و«وسام غوته» لمحمد عبلة... ووداع لبهاء طاهر وصلاح فضل

الفنان محمد عبلة
الفنان محمد عبلة
TT

المشهد الثقافي المصري في 2022: أنشطة متنوعة وحوار غائب

الفنان محمد عبلة
الفنان محمد عبلة

شهدت الحياة الثقافية في مصر خلال عام 2022 حزمة من الأنشطة المتنوعة كان للفن التشكيلي النصيب الأوفر فيها، وتواكب ذلك مع تغيرات هيكيلية طالت المؤسسة الثقافية الرسمية، كان أبرزها تغيير حقيبة وزارة الثقافة لتؤول إلى الدكتورة نيفين الكيلاني، بعدما ظلت في حوزة عازفة الفلوت الدكتورة إيناس عبد الدايم نحو سبع سنوات، لتكون الكيلاني بذلك ثاني امرأة تتولى الوزارة منذ تأسيسها في عام 1958. ساعد على بروز الفن التشكيلي حركة نشطة مهمومة بالابتكار والمغامرة والبحث عن أشكال ولغة بصرية مغايرة، تساندها وزارة الثقافة بما تمتلكه من قاعات متنوعة للعرض في العاصمة القاهرة ومعظم الأقاليم. كما ترعى الوزارة سمبوزيوم الأقصر للتصوير، وسمبوزيوم أسوان للنحت، اللذين يشارك فيهما فنانون من مصر ومخلف دول العالم، يضاف إلى ذلك اتساع قاعات العرض الخاصة، التي أصبح الكثير منها يشكل حافزاً للفنانين لعرض أعمالهم بشكل لائق، وكان لافتاً أيضاً في هذا المشهد عودة ملتقى البرلس الدولي للرسم على الحوائط والمراكب، الذي تقيمه مؤسسة الفنان عبد الوهاب عبد المحسن للثقافة والفن بمحافظة كفر الشيخ، وانطلقت دورته التاسعة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بمشاركة 25 فناناً من مصر والهند وصربيا وبولندا وإيطاليا والنرويج وتونس والأردن؛ الملتقى ساحة حرة للتفاعل المباشر بين الفنانين والبيئة المحيطة، من خلال الرسم على جدران البيوت في مدينة البرلس الساحلية، ثم الرسم على نماذج خشبية مصغرة من المراكب والسمك. كما عقد بينالي شرم الشيخ دورته الرابعة بمدينة شرم الشيخ الساحلية ذات الطابع السياحي بجنوب سيناء، بمشاركة فنانين من إيطاليا ومصر، ويذكر لهذا البينالي الذي قام بتأسيسه الفنان جمال مليكة أنه كسر طوق الحظر الذي فرضته أغلب الدول الأوروبية على مصر، وحذرت مواطنيها من زيارتها، جراء تزايد نشاط الجماعات الإرهابية بسيناء قبل سنوات، وأقام البينالي دورته الأولى التي شارك فيها نحو 40 فناناً، معظمهم من أوروبا، مخترقاً هذا الحصار.

د. صلاح فضل

ومن أبرز قاعات العرض الخاصة النشطة «جاليري ضي»، سواء في مقره الجديد الرحب الأنيق بحي الزمالك الراقي بالقاهرة، أو مقره بحي المهندسين بالجيزة. فعلى مدار هذا العام أقام «ضي» عدداً من المعارض الكبرى الحاشدة استهلها بمعرض «مراحل» للفنان محمد عبلة احتفاء بتجربته وحصوله هذا العام على وسام جوتة من ألمانيا. ضم المعرض لوحات تمثل محطات مهمة في تجربة عبلة التشكيلية، تنوعت ما بين التصوير والنحت والجرافيك. ويعد عبلة أول فنان عربي يحصل على هذا الوسام، وهو أرفع وسام رسمي تُقدمه ألمانيا سنوياً، ويُمنح لأصحاب التجارب العالمية المميزة التي أثرت الثقافة الإنسانية بتجارب مهمة، ولها علاقة بالتبادل الفكري والأدبي والفني مع الثقافة الألمانية المنفتحة على العالم. وجاء في حيثيات استحقاق عبلة لهذا الوسام: «إن تجربته الفنية تُعد جسراً بين الشرق والغرب، وتجسد تعبيراً مميزاً عن ثقافته المصرية والعربية، وإيمانه كذلك بأن الفنان يحمل مسؤولية اجتماعية لا يمكن فصلها عن ممارسته الإبداعية».

د. يحيى الرخاوي

يولي «ضي» اهتماماً خاصاً بتاريخ الحركة التشكيلية وإنجازها الفارق في مصر والعالم العربي، ويسعي لأن يكون جسراً يربط التجارب الجديدة بعطاء رواد هذه الحركة. برز هذا الهم بشكل لافت في معرض «مبدعون خالدون»، الذي ضم ألف عمل لمائة فنان تشكيلي من مصر وبعض الدول العربية تركوا بصماتهم على مسيرة الفن.
انطلق المعرض وسط حضور لافت في 3 أغسطس (آب) الماضي وتوزع على فرعي الجاليري في المهندسين والزمالك، واستمر حتى آخر أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام، واختير الفنان التشكيلي الراحل ممدوح عمار ضيف شرف له، تقديراً لعطائه التشكيلي الكبير وتجربته الثرية في مسار الحركة التشكيلية في مصر، التي ألهمت الكثير من أجيال المبدعين الذين تتلمذوا على يديه.
وفي 3 ديسمبر (كانون الأول) من الشهر الحالي، وتحت شعار «بلا قيود» انطلق مهرجان «ضي» الرابع للشباب العربي، بمشاركة أكثر من 200 فنان تشكيلي من مختلف الدول العربية يتنافسون على جوائز المهرجان في مختلف فروع الفن التشكيلي.
وعلى بعد خطوة من الفن التشكيلي، شهد هذا العام الدورة 29 من مهرجان المسرح التجريبي بمشاركة 14 عرضاً مسرحياً من مصر ودول عربية وأجنبية. ابتعد معظمها عن فكرة التجريب، وتقديم أشكال جديدة تثري خشبة المسرح. وربما هذا ما دفع إدارة المهرجان إلى التصريح بأن الدورة القادمة ستركز على التجريب من خلال اللعب على الكلاسيكيات الأدبية الشهيرة.
بالتوازي مع هذه الأنشطة استعادت دور النشر الحكومية والخاصة عافيتها بعد تعثر طالها طيلة العامين الماضيين بسبب جائحة «كورونا». ومن الإصدارات المهمة في الرواية: «أيام الشمس المشرقة» لميرال الطحاوي عن دار العين، و«تماثيل الجان» لسمر نور عن دار المحروسة، «ملكة الأزرار» لمحمد عطية، عن دار الثقافة الجديدة، و«أقفاص فارغة» لفاطمة قنديل الفائزة بجائزة نجيب محفوظ لهذا العام. وفي الشعر: «نساء التفاح» لبهية طلب عن الهيئة المصرية للكتاب، و«بوينج سي17... ليست شجرة» لعبد الرحمن مقلد، عن دار المثقف، و«مدمن الغناء» لعبد الحفيظ طايل، عن دار ميريت.

الروائي إدوارد الخراط

في غبار هذا المشهد، ما أجمل لمسة الوفاء في هذا العالم المضطرب، خصوصاً حين تكون من الأبناء للآباء. تحت مظلة هذه اللمسة، دشن بالقاهرة مثقفون وكتاب وشعراء افتتاح مكتبة باسم الروائي والناقد والمترجم الراحل إدوارد الخراط، أحد صناع الحداثة ومنظريها في الحياة الثقافية المصرية والعربية. تحدث في حفل التدشين الناقد الدكتور صبري حافظ، والروائي إبراهيم عبد المجيد، والروائي منتصر القفاش، وكاتب هذه السطور.
من جهته، استعرض الدكتور إيهاب الخراط، النجل الأكبر لإدوار الخراط، ما تتضمنه المكتبة من ذخائر ومقتنيات ومؤلفات، وكتب مترجمة، فضلاً عن مخطوطاته من الروايات والقصص ومسوداتها، والكتب والأعمال التي ترجمها، ورسائل الدكتوراه والماجستير التي كُتبت عن إبداعاته، وقال إنه تقرر إتاحتها جميعاً للدراسة والتعرف عليها ودراستها.
وأعلن إيهاب - بناء على مقترحات من الحضور - إطلاق جائزة للخراط، تهتم بالكتابات الطليعية الشابة المجددة، وأنه سوف يتم الإعلان عن الفائزين بها في احتفال يقام سنوياً بالمكتبة، في يوم ميلاد إدوار الخراط.

الروائي  بهاء طاهر

ولم يشأ هذا العام أن يمضي، دون أن تودع الحياة الثقافية المصرية رموزاً مبدعة، أخلصوا للأدب، ودافعوا عن قيم الجمال والاستنارة والحرية، وتركوا زاداً ثقافياً يبقى مثيراً لحيوية الرؤى والأفكار. في 27 أكتوبر الماضي رحل بهاء طاهر عن عمر ناهز 87 عاماً، الروائي والقاص العذب، صاحب روايات «واحة الغروب»، «الحب في المنفي»، «خالتي صفية والدير»، وغيرها من الأعمال التي جسدت المأزق الإنساني جسداً وروحاً وستبقى علامات مضيئة في مسيرة الرواية العربية.
ومن مصادفات هذا الوداع المؤلم أن تفقد الحياة الأدبية وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) اثنين من أعمدة الدرس النقدي الرصين. ففي 31 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، رحل الدكتور جابر عصفور، الناقد الأدبي، ووزير الثقافة المصري الأسبق صاحب «زمن الرواية»، وفي 11 ديسمبر (كانون الأول) الحالي رحل الدكتور صلاح فضل الناقد الأدبي، ورئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، بعد مسيرة أدبية خصبة امتدت على مدار 84 عاماً، قدم خلالها للمكتبة العربية الكثير من المؤلفات المهمة والرائدة، خصوصاً في مجال الأدب المقارن ومناهج النقد الحديث. ولحق بهما الدكتور يحيى الرخاوي، أستاذ الطب النفسي، عن عمر ناهز 90 عاماً، صاحب: «حكمة المجانين» و«عندما يتعرى الإنسان»، و«علم النفس تحت المجهر».

ملصق معرض (مبدعون خالدون)

لكن يبقى السؤال قائماً: هل ما في جعبة الثقافة المصرية لهذا العام يصلح أن تبني عليه عطاءً جديداً في العام المقبل... سؤال يبدو نمطياً ومراوغاً، بخاصة حين يفتقد المشهد برغم كثرة الأنشطة والفعاليات الثقافية، القدرة على التواصل وإثارة الحوار الخلاق الخصب ما بين أطراف الفعل الثقافي، من مثقفين وكتاب وشعراء وفنانين، ناهيك عن الدور الحقيقي المنوط بالمؤسسات الثقافية والأهلية، في دفع هذا المشهد وانتشاله من حالة الركود لينفتح برحابة نقدية وفكرية أوسع على نفسه وعلى القارئ معاً.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


مصر تؤكد استنكارها لـ«الاعتداءات السافرة» على السعودية

مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)
مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)
TT

مصر تؤكد استنكارها لـ«الاعتداءات السافرة» على السعودية

مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)
مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)

أكدت مصر إدانتها الشديدة لاستمرار الهجمات على أراضي المملكة العربية السعودية الشقيقة. وشددت على استنكارها البالغ لتلك الاعتداءات السافرة والتصرفات غير المسؤولة وما تحمله من انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي والاستهتار بسلامة المدنيين من مختلف الجنسيات.

ونعت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الأحد، وفاة المواطنة عزة رمزي جراء الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي بالرياض.

وحسب وزارة الخارجية المصرية، أصدر وزير الخارجية بدر عبد العاطي، بناءً على توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، تكليفات للسفارة والقنصلية بالرياض بالتواصل مع أسرة الفقيدة ومتابعة إجراءات نقل الجثمان إلى مصر في أسرع وقت ممكن.

كما وجّه عبد العاطي كلاً من السفير والقنصل بالرياض بزيارة المصابين المصريين بالمستشفيات البالغ عددهم خمسة مواطنين وإجراء الاتصالات مع أسرهم وتقديم جميع سبل الرعاية اللازمة لهم حيث قاما بزيارة المصابين والاطمئنان على حالتهم الصحية.

ووفق «الخارجية»، الأحد، تتابع السفارة والقنصلية في الرياض التنسيق مع مختلف السلطات في المملكة العربية السعودية الشقيقة والتي تقدم جميع أشكال الدعم للمصابين المصريين، سواء فيما يخص الرعاية الطبية أو أي تسهيلات أخرى.


حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

حذّر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، من أن انتشار الميليشيات والقوات الموازية خارج مؤسسات الدولة يهدد وحدة السودان ويحوّله إلى مناطق نفوذ متنازعة، مؤكداً ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون وبناء جيش وطني موحد.

وقال مناوي، الذي يتزعم «حركة تحرير السودان»، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الجيش يمتلك اليد العليا في الميدان، وإن ميزان القوى يميل لمصلحته، رغم استمرار الكرّ والفرّ، وأوضح أن «القوة المشتركة» التي ينتسب إليها، تقاتل بالتنسيق مع القوات المسلحة، بينما يتطلب استكمال الترتيبات الأمنية إصلاح المؤسسات ودمج القوات وإعادة هيكلتها.

وربط مناوي أي هدنة مقبلة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تكريس الانقسام، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي حتى تتوافر ظروف تضمن مشاركة السودانيين بحرية وتكافؤ. كما حذّر من قيام سلطات موازية، وشدّد على صون سيادة البلاد ووحدتها في مواجهة التدخلات الخارجية والمصالح الإقليمية.

ودعا مناوي إلى معالجات تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته، مؤكداً أن الحرب اتسعت وتداخلت أطرافها، ولم تعد مجرد مواجهة بين قيادتين عسكريتين. واستشهد بتجارب النزاعات في الصحراء وليبيا واليمن والصومال، محذراً من هدنة تثبّت نتائج الحرب وتكرّس الانقسام، بدلاً من حماية المدنيين واستعادة الأمن والاستقرار للبلاد.


حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

رفض حاكم إقليم دارفور، مَنِّي أركو مناوي، إنشاء ميليشيات أو قوات «دروع» خارج مؤسسات الدولة، محذراً من أن تعدد التشكيلات العسكرية وتحول القبائل إلى قوى مسلحة مستقلة يهددان وحدة السودان ويكرّسان تنازع مناطق النفوذ. وربط، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أي هدنة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تثبيت الانقسام الذي فرضته الحرب، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي الجاري حالياً، حتى تتوافر ظروف تتيح للسودانيين المشاركة بحرية وتكافؤ.

وقال مناوي إن بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة يمثل أساساً لاستقرار البلاد، وإن الترتيبات الأمنية لا تقتصر على دمج القوات وتسريحها، بل تشمل إصلاح المؤسسات العسكرية والشرطية وإعادة هيكلتها. وفيما رأى أن ميزان القوى الميداني يميل لمصلحة الجيش، حذّر من اختزال الحرب في صراع بين قيادتين عسكريتين، مؤكداً أن اتساعها وتداخل أطرافها وأبعادها الإقليمية يفرضان معالجة تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته.

السلاح ومؤسسات الدولة

وشدد مناوي على ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون والمؤسسات الوطنية المختصة، قائلاً: «لا نؤيد إنشاء ميليشيات أو قوات دروع تحت أي مسمى خارج المنظومة الرسمية. فالدولة التي لا يحتكر فيها الجيش الوطني السلاح المنظم، وتتحول فيها القبائل إلى تشكيلات عسكرية مستقلة، لا يمكن أن تكون دولة مستقرة، بل تصبح أقرب إلى مناطق نفوذ وحواكير متنازعة».

أنصار حاكم دارفور يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك 3 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويرأس مناوي حركة «جيش تحرير السودان»، (منشقة عن حركة عبد الواحد نور) وهي إحدى أبرز الحركات المكونة لـ«القوة المشتركة» في دارفور، التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، وتضم أيضاً حركة «العدل والمساواة»، بزعامة وزير المالية جبريل إبراهيم.

وأوضح أن «القوة المشتركة» تعمل بتنسيق وانسجام مع القوات المسلحة في ميادين القتال، رغم عدم اكتمال الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق جوبا للسلام. وقال إنها رفضت، منذ اندلاع الحرب، ما وصفه بإغراءات قدمتها إليها «قوات الدعم السريع» للانضمام إلى صفوفها، واختارت الوقوف إلى جانب الجيش ضمن المنظومة الوطنية.

وأضاف أن الحرب غيّرت الأوضاع وأخلّت بالترتيبات السابقة، ما يستدعي معالجة الفجوات التي تعترض استكمال المسار الأمني. وشدد على أن هذا المسار يشمل إصلاح المؤسسات الأمنية، ومراجعة منظومتي الكلية الحربية وكلية الشرطة، ووضع أسس واضحة للاستيعاب والتسريح وإعادة الهيكلة، إلى جانب دمج القوات.

وفي تقييمه للوضع الميداني، رأى مناوي أن القوات المسلحة تمتلك اليد العليا عند النظر إلى مجمل التطورات منذ بداية الحرب، رغم ما تشهده المعارك من كرّ وفرّ. وقال إنه سمع، قبل اندلاع القتال بأيام، أن قائد «الدعم السريع» قدّر عدد مقاتليه بنحو 120 ألفاً، معتبراً أن هذه القوات تراجعت منذ ذلك الحين، وفقدت عدداً من القيادات التي كانت تدير عملياتها.

وأضاف: «طبيعة العمليات العسكرية الآن تختلف تماماً عما كانت عليه في بداية الحرب»، معرباً عن اعتقاده بأن ميزان القوى يرجّح كفة الجيش، وأن الحرب ستصل، مهما طال أمدها، إلى نهايتها.

حوار لا يكرّس الأمر الواقع

وفي الملف السياسي، دعا مناوي إلى إرجاء الحوار السوداني حتى تتوافر الظروف التي تضمن مشاركة مختلف مكونات المجتمع، محذراً من أن تتحول تهيئته إلى وسيلة لتكريس الأمر الواقع الذي فرضته الحرب.

وأوضح أن لقاءه لجنة تهيئة الحوار السوداني، الذي عُقد بدعوة منها، تناول طبيعة مهمتها والوجهة التي تسعى إليها، وأن النقاش مع أعضائها لا يزال مستمراً. وقال إنه أبلغ اللجنة بضرورة مراعاة الأوضاع الميدانية والإنسانية، في ظل استمرار سيطرة «قوات الدعم السريع» على مناطق واسعة، وما يواجهه السكان من نزوح ومعاناة تحدّ من قدرتهم على المشاركة السياسية.

وقدّر مناوي عدد سكان دارفور بنحو 12 مليون نسمة، قائلاً إن من تبقوا في مناطقها المختلفة، وفق تقديراته، أقل من مليوني شخص. وأشار إلى نزوح أعداد كبيرة إلى مناطق أخرى، بينها تخوم الخرطوم وأم درمان، بينما يعيش آخرون أوضاعاً تحول دون مشاركتهم الفعلية في النقاشات والتعبير عن آرائهم بحرية.

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

وشدد على الربط بين مساري الحوار الداخلي والخارجي، بما يتيح الاستماع إلى مختلف الآراء والمواقف، مع تفضيله عقد الحوار داخل السودان متى تهيأت الظروف. ورأى أن نجاحه يتطلب بيئة تتوافر فيها مساحة معقولة من الحرية والتكافؤ، بعيداً عن تأثير تفاوت مناطق السيطرة العسكرية.

ضمانات للهدنة ووحدة السودان

وأكد مناوي أنه لا يرفض الهدنة من حيث المبدأ، لكنه يحذّر من تحولها إلى أداة لتثبيت نتائج الحرب وإدامة الانقسام. وقال إن الصراع تجاوز المواجهة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي طبعت ساعاته الأولى، بعدما اتسعت المعارك وتداخلت فيها أطراف وقوى متعددة.

وبحسب مناوي، فإن جهود وقف القتال ينبغي أن تتجاوز مصالح القيادات العسكرية إلى حماية المدنيين ومعالجة القضايا التي تهم السودانيين، مستشهداً بتجارب النزاعات في الصحراء الغربية وليبيا واليمن والصومال.

وتوقف عند أوضاع الفاشر، قائلاً إن أعداداً كبيرة من سكانها غادرت المدينة، وإن المدنيين تعرضوا لانتهاكات خطيرة. وطالب بضمانات حقيقية تتيح عودة المواطنين إلى ولايات شمال دارفور وغرب دارفور وجنوب دارفور، وتكفل أمنهم وحمايتهم.

كما أثار مسألة وجود مقاتلين أجانب في صفوف «قوات الدعم السريع»، زاعماً أن نسبتهم تبلغ، وفق تقديراتهم، نحو 60 في المائة، ومطالباً بمعالجة هذه القضية ضمن أي ترتيبات للهدنة.

مستشفى الفاشر إثر إصابته بالمعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (صفحة حاكم دارفور- فيسبوك)

وحذّر من مشروع «تأسيس» وإعلان مؤسسات موازية، معتبراً أن قيام سلطة موازية يهدد بتكريس الانقسام السياسي والمؤسسي ووجود حكومتين في بلد واحد. وشدد على ضرورة توفير ضمانات تحول دون تقسيم السودان بالقوة العسكرية أو بفعل طموحات خارجية.

وقال إن أي تغيير في شكل الدولة أو نظام الحكم يجب أن يستند إلى إرادة شعبية حرة، عبر برلمان منتخب، وإن الهدنة ينبغي أن تكون مدخلاً لحماية المدنيين واستعادة الاستقرار ووحدة البلاد، وألا تصبح غطاءً لإدامة الانقسام.

أبعاد إقليمية وتدخلات خارجية

ورأى مناوي أن الحرب تجاوزت إطارها الداخلي وأصبحت ذات أبعاد إقليمية، بفعل تداخل المصالح والتدخلات الخارجية وحركة المقاتلين والسلاح بين دول المنطقة.

وفي حديثه عن العلاقة مع تشاد، قال إنه يتواصل شخصياً مع عدد من مسؤولي حكومتها، لكن بصورة غير رسمية. واعتبر أن موقف النظام التشادي ربما تأثر بمواقف الدول الراعية أو الداعمة لأطراف الحرب، مع تشديده على التمييز بين الموقف السياسي للحكومة والدور الإنساني الذي أدته تشاد في استقبال اللاجئين السودانيين.

وأضاف أن عجز الدولة السودانية عن بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها وحدودها أتاح مجالاً للتدخلات الخارجية. وقال إن البلاد لا تعيش وضعاً طبيعياً يمكّن حكومة مستقرة من ضبط الحدود والموارد وحماية السيادة، مشيراً إلى ما وصفه بانكشاف المجال الجوي وتحركات الميليشيات عبر الحدود، وارتباط بعضها بدول تدعم أطراف الحرب.

مناوي خلال لقائه أعضاء من الجالية السودانية في موسكو ديسمبر 2024 (صفحته على فيسبوك)

وأكد أن الجهود تتركز على تقليل آثار هذه التدخلات وتجنب تداعياتها، مشدداً على أن مصلحة السودان ووحدته وسيادته يجب أن تشكل أساس التعامل مع المبادرات والضغوط الخارجية.

اتفاق جوبا قابل للمراجعة

وفي شأن اتفاق جوبا للسلام (وقعته الحركات المسلحة عام 2020)، قال مناوي إنه ليس نصاً مقدساً، وإن تعديله أو إلغاءه يظل ممكناً إذا اتفقت الأطراف الموقعة عليه، وفق مقتضيات المصلحة الوطنية.

وأوضح أن تلك الأطراف أصبحت جزءاً من الواقع السياسي والحكومي، وتتحمل مسؤولياتها تجاه البلاد شأنها شأن بقية المكونات. ورفض تصويرها بوصفها مجموعات حصلت على امتيازات خاصة، أو التعامل معها باعتبارها أقل مكانة من غيرها.

وشدد على أن المشاركين في الاتفاق سودانيون يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، وتترتب عليهم واجبات تجاه الدولة، وأنهم جزء من حكومة واحدة ودولة واحدة، وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية أو أصحاب حقوق منقوصة.

الإسلاميون وحدود الإقصاء

وعن خلافه السابق مع تحالف «قوى الحرية والتغيير»، قال مناوي إن من أسبابه طريقة التعامل مع حزب «المؤتمر الوطني» (الحكم في عهد الرئيس السابق عمر البشير) والإسلاميين، موضحاً أنه اعترض على ما وصفه بالاندفاع نحو مهاجمتهم، رغم أنه من أكثر المتضررين منهم.

وأضاف أنه دعا إلى الفصل بين الخلاف السياسي وحقوق المواطنة، معتبراً أن معارضة الإسلاميين لا تبرر تجريد أي سوداني من جنسيته أو مصادرة جواز سفره. وقال إنه فضّل معالجة القضية تدريجياً، والعمل على إنهاء نفوذ التنظيمات التي تهدد التحول الديمقراطي، بدلاً من تبني إقصاء شامل.

وأوضح أن موقفه عرّضه لاتهامات بالتعاطف مع الإسلاميين، ووصفه بأنه من «الفلول»، لكنه تمسك برأيه. وشدد على أن المرحلة الانتقالية ينبغي ألا تبقى مفتوحة بلا نهاية، بل تفضي إلى انتخابات وحكومة منتخبة ودستور ينظم الحياة السياسية.

وأشار إلى استمرار وجود عناصر «المؤتمر الوطني» داخل الجيش والشرطة والخدمة المدنية، معتبراً أن إنهاء نفوذ الحزب لا يتحقق بمجرد معاداة جميع المنتمين إليه. ودعا إلى إتاحة المشاركة في العملية الانتقالية لكل من لم تصدر بحقه أحكام قضائية، مع إخضاع الجميع للقانون والمساءلة، والاحتكام إلى الدستور والانتخابات لتحديد من يحكم السودان.

المساءلة والحق في العلاج

وفي شأن الرئيس المعزول عمر البشير، فصل مناوي بين المساءلة القضائية والحق في العلاج، مؤكداً أن الوضع القانوني لأي شخص لا يبرر حرمانه من الرعاية الصحية، حتى إذا كان محكوماً عليه ويقضي عقوبة بالسجن.

الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير خلال محاكمته بتهم فساد 31 أغسطس 2019 (رويترز)

وقال إنه سبق أن ناقش مع وزير العدل السابق نصر الدين عبد الباري العقبات التي تحول دون تسليم أشخاص صدرت بحقهم مذكرات توقيف إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأضاف أن الوزير شرح له خمسة عوائق قانونية وإجرائية، إلى جانب مسارات بديلة في حال تعذر التسليم، بينها إنشاء محكمة خاصة وفق القانون.

ورأى مناوي أن المحكمة تواجه تحديات سياسية دولية، في ظل المواقف الأميركية والتحركات المعارضة لها في بعض الدول الأفريقية. لكنه شدد على أن تنفيذ الأحكام القضائية لا يتعارض مع ضمان الحقوق الصحية، وأن البشير، إذا كان يعاني مرضاً يستدعي العلاج، ينبغي أن يتلقى الرعاية اللازمة.