إنجازات 2022 العلمية... انطلاقة بعد «هدوء إجباري»

مهمات فضائية وكونية جديدة وأبحاث طبية وابتكارات تكنولوجية مذهلة

مهمة «دارت» الكوكبية
مهمة «دارت» الكوكبية
TT

إنجازات 2022 العلمية... انطلاقة بعد «هدوء إجباري»

مهمة «دارت» الكوكبية
مهمة «دارت» الكوكبية

أجبرت جائحة «كورونا» قطار البحث العلمي على السير بهدوء شديد، فلم يكن المزاج العام يحتفي كثيراً بأي إنجاز خارج نطاق الأدوية واللقاحات التي تتعامل مع تحديات الوباء، لكنّ الباحثين الذين استثمروا فترات الإغلاق التي فرضتها الجائحة، في مزيد من البحث والتفكير، كشفوا عن بعض الاكتشافات المذهلة في عام 2022، عندما بدأت سحابة «كورونا» تنقشع إلى حد ما، عن حياتنا اليومية.
واستطاع الباحثون تغيير الكثير من المفاهيم عن أشياء كثيرة، من فترات ما قبل التاريخ، إلى مستقبل الفضاء، إلى سبب تقدم البشر في العمر، وما يستطيع الدماغ القيام به، ولماذا تكون الخسائر الناجمة عن تغير المناخ أكثر خطورة مما يُعتقد حاليا، كما اتخذوا خطوة مهمة نحو فهم الكثير من الأمراض، بما قد يقود لاحقا لأدوية ولقاحات جديدة...
ومن أبرز الإنجازات العلمية الإعلان في 13 ديسمبر (كانون الأول) الحالي عن نجاح علماء الفيزياء الأميركيين في إنتاج طاقة الاندماج النووي (Nuclear fusion energy)، بعد حصولهم، تجريبياً ولأول مرة، على طاقة ناتجة أكبر من الطاقة التي استخدمت لإنتاج الاندماج نفسه بنسبة 1.54. وقد أجريت التجربة في منشأة الإشعال الوطني التابعة لمختبر لورنس ليفرمور الوطني في كاليفورنيا.
وفيما يلي أبرز الإنجازات الأخرى.
ما قبل التاريخ
1. فترات ما قبل التاريخ. حملت إنجازات هذا العام كثيرا من الاكتشافات التي تعود إلى فترات ما قبل التاريخ، ومنها:
* وثّق علماء جامعة كالغاري في كندا، اكتشاف أنثى ماموث صوفي يبلغ من العمر حوالي 30 ألف عام، بأظافر أصابع وجلد وجذع وشعر محفوظ تماماً… وكان عمال المناجم في كندا قد اكتشفوا حيواناً متجمداً داخل التربة الصقيعية، وسرعان ما تواصلوا مع الباحثين من جامعة كالغاري، الذين صُدموا عندما اكتشفوا أنهم أمام اكتشاف أقرب ما يكون إلى الماموث الحي، لدرجة أنه لا يزال لديه شعر، رغم مرور 30 ألف عام على وفاته، ووصف دان شوغار، الباحث المشارك بالدراسة، الاكتشاف بأنه «أكثر الأشياء العلمية إثارة على الإطلاق».
* كشفت دراسة نُشرت في أغسطس (آب) أن العلماء وجدوا 88 أثراً متحجراً لأقدام بالغين وأطفال، يرجع تاريخها على الأرجح إلى 12000 عام، في مجاري الأنهار الضحلة في ولاية يوتا الأميركية، وهذا يشير إلى أن البشر احتلوا المنطقة قبل 7500 عام مما كان يُعتقد سابقاً، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى زعزعة الفهم الحالي لكيفية تطور البشر.
* توصلت دراسة لمعهد ماكس بلانك الألماني لعلوم تاريخ البشرية، نشرتها مجلة «ساينس أدفانسيس» في فبراير (شباط)، إلى أن كهف (ماندرين) على أحد التلال المطلة على وادي الرون الخلاب في جنوب فرنسا، اجتذب كلاً من الإنسان البدائي «إنسان نياندرتال» و«الإنسان الحديث»، قبل فترة طويلة من الاعتقاد بأن هذا الأخير قد وصل إلى هذا الجزء من أوروبا.
الكون والفضاء
2. بدايات نشأة الكون. ومن عصور ما قبل التاريخ إلى فترات أبعد، وهي بدايات نشأة الكون، التي يكشف أسرارها تلسكوب «جيمس ويب» من وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، حيث كان العالم هذا العام على موعد مع صور فريدة التقطها هذا التلسكوب، والذي ينظر في الفترة التي تلت الانفجار العظيم في بدايات تشكل النجوم والمجرات قبل 13.8 مليار سنة.
وتوصف الصور الخمس التي نشرتها وكالة ناسا يومي 11 و12 يوليو (تموز)، بأنها تمثل «فجر حقبة جديدة في علم الفلك»، إذ إنها «أعمق صور فلكية للكون البعيد»، وتُظهر أقدم ضوء موثق في تاريخ الكون، منذ أكثر من 13.5 مليار سنة ضوئية... وهذه الصور هي:
* صور لعنقود المجرات (SMACS 0723)، المعروف باسم «الحقل العميق»، وهي تفيض بالتفاصيل، وتُظهر آلاف المجرات.
- البصمة الكيميائية لكوكب خارج المجموعة الشمسية، حيث يظهر في الصورة التحليل الطيفي للغلاف الجوي المشبع ببخار الماء لكوكب (WASP-96 b)، وهو واحد من أكثر من 5 آلاف كوكب خارجي مؤكد في مجرة درب التبانة.
* السديم الكوكبي الدائري الجنوبي الذي كان مخفيا في السابق عن علماء الفلك، والذي يبعد عنا بمقدار حوالي 2500 سنة ضوئية.
* خمس مجرات متقاربة يطلق عليها «خماسية ستيفان»، وتقع على بُعد 290 مليون سنة ضوئية.
* حافة منطقة تَشكُّل نجومٍ قريبة في سديم كاريناتسمى (NGC 3324)، ويقع سديم كارينا على بُعد 7600 سنة ضوئية، ويُعتبر حضانةً للنجوم الناشئة، وتوصف هذه الصورة بأنها أكثر المناظر الطبيعية جمالا، حيث تبدو وكأنها جبال ووديان مليئة بالنجوم المتلألئة.
3. عام التوجه إلى القمر. ومن الماضي البعيد إلى الحاضر، حيث شهد هذا العام إطلاق مهمتين إلى القمر، بالإضافة إلى ظهور نتائج أبحاث حول عينات تم الحصول عليها من مهام سابقة للقمر، لذلك يمكن وصف عام 2022 بأنه هو الاتجاه إلى القمر، وهو ما يظهر في الآتي:
* إطلاق المركبة أوريون ضمن برنامج «أرتميس» بوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من مركز كينيدي للفضاء في كيب كنافيرال بولاية فلوريدا، ونجحت مهمتها إلى القمر التي استغرقت 25 يوما، وعادت إلى الأرض. وتمهد هذه الرحلة لصعود رواد فضاء على متن الرحلة التالية، حيث يطيرون حول القمر ويعودون في أقرب وقت في عام 2024، ويمكن أن يتبع ذلك هبوط شخصين على سطح القمر بينهما أول امرأة وأول شخص من أصحاب البشرة الملونة بحلول نهاية عام 2025.
* إرسال المستكشف راشد الإماراتي، والذي يقوم برحلته إلى القمر بواسطة مركبة الهبوط «هاكوتو - آر» التي بنتها الشركة اليابانية «آي سبيس»، ونقل صاروخ «فالكون 9»، التابع لشركة «سبيس إكس» الأميركية، المهمة إلى الفضاء، يوم 11 ديسمبر من قاعدة كيب كانافيرال الفضائية، في ولاية فلوريدا، ويدرس المستكشف راشد خصائص التربة على سطح القمر وصخور وجيولوجيا القمر، كما سيدرس حركة الغبار والبلازما والغلاف الكهروضوئي.
* وبالإضافة إلى هذه المهام، فإن عينات قمرية تقدر بـ1731 غراما، جلبتها مهمة «تشانغ آه - 5» الصينية، التي عادت إلى الأرض في 2020، خضعت للدراسة، لتظهر النتائج في سبتمبر (أيلول) حاملة معها مفاجأة جديدة، وهي اكتشاف معدن جديد على سطح القمر، تمت تسميته Changesite- (Y)، وهذا هو سادس معدن جديد تكتشفه البشرية على سطح القمر، وأصبحت الصين ثالث دولة في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق تكتشف معدنا جديدا على سطح القمر.
4. أول مهمة للدفاع الكوكبي. ومن الماضي والحاضر للاستعداد للمستقبل، وذلك عبر تنفيذ وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» أول مهمة للدفاع الكوكبي في سبتمبر.
ونجحت المركبة الفضائية التي أطلقتها (ناسا) في تغيير مدار الكوكيب «ديمورفوس»، وهو جسم صغير قطره 530 قدما (160 مترا)، يدور حول كويكب أكبر يبلغ ارتفاعه 2560 قدما (780 مترا) يسمى «ديديموس»، ولا يشكل أي من الكويكبين أي تهديد للأرض، والهدف الذي كانت تسعى له المهمة، هو اختبار إمكانية تنفيذ مهمة شبيهة في المستقبل، عندما يكون هناك تهديد بوجود كويكب في مسار تصادمي مع الأرض.
وبينما كان هدف المركبة (دارت) هو تقصير مدار الكويكب «ديمورفوس» حول الكويكب الأكبر (ديديموس)، بمقدار 73 ثانية على الأقل، جاءت النتائج أكثر من المأمول، حيث أعلن مسؤولو ناسا، أن الحسابات أظهرت أن اصطدام (دارت) بالكويكب أدى إلى اختصار مداره بمقدار 32 دقيقة، فبعد أن كان يدور حول (ديديموس) كل «11 ساعة و55 دقيقة» أصبحت الفترة المدارية كل «11 ساعة و23 دقيقة».

أبحاث جديدة
5. أبحاث الخلايا الجذعية. وما زلنا في الاستعداد للمستقبل، لكن في مجال آخر، وهو الصحة، حيث ستقود أبحاث الخلايا الجذعية إلى اختراقات خلال الأعوام القادمة، ظهرت بشائرها هذا العام، من خلال الآتي:
* قام باحثون أستراليون بتنمية خلايا المخ البشري من الخلايا الجذعية وأجنة الفئران إلى دماغ صغير يتكون من 800 ألف خلية، وقد نجحوا في تدريب تلك الخلايا على أن تلعب لعبة فيديو.
* نجح باحثون في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية في زرع أنسجة من المخ البشري في الفئران، حيث أصبحت جزءا وظيفيا من أدمغتهم، وتم إنشاء أنسجة المخ البشري المزروعة في المختبر باستخدام تقنية تسمح للعلماء بتحويل خلايا الجلد إلى ما يعادل الخلايا الجذعية الجنينية، وهي الخلايا التي تنمو منها جميع الخلايا الأخرى مع نمو الجنين، وستشمل التطبيقات الفورية لهذه الدراسة البحث في علاج حالات مرضية حرجة مثل التوحد والصرع والفصام والإعاقات الذهنية.
* نجح فريق بحثي دولي، عبر مشروع «بايوريسكو»، الذي يشرف عليه معهد «لايبنتز» بألمانيا، في إنتاج خلايا جرثومية بدائية، من الخلايا الجذعية لوحيد القرن الأبيض الشمالي، وهي خطوة نحو إنشاء بويضات وحيوانات منوية في المختبر، لهذا النوع الفرعي المهدد بالانقراض.
والخطوة التالية التي يجب على العلماء تنفيذها، هي الانتقال لمهمة صعبة، وهي إنضاج الخلايا الجرثومية الأولية في المختبر، لتحويلها إلى خلايا بويضة وحيوانات منوية وظيفية، ليتم زرع الأجنة الناتجة في إناث وحيد القرن الأبيض الجنوبية ذات الصلة الوثيقة، والتي ستحمل بعد ذلك النسل البديل إلى المدى البعيد، وبالتالي فإن سلالات وحيد القرن الأبيض الشمالية التي قضى عليها البشر بالفعل بشكل فعال من خلال الصيد الجائر، قد يتم إنقاذها بفضل هذه التقنيات.
6. أدوية جديدة تدخل الخدمة قريبا. ومن بشائر ما زلنا ننتظرها مع أبحاث الخلايا الجذعية، إلى بشائر تحققت بالفعل مع بعض الأدوية، التي دخل بعضها الخدمة، والبعض الآخر بات قريبا جدا من ذلك، ومنها:
* دواء (ليكانيماب) لعلاج ألزهايمر، الذي طورته شركتا «إيساي» اليابانية و«بيوغن» الأميركية للأدوية، وأجريت تجربة إكلينيكية للدواء على مدار 18 شهرا، مع 1795 متطوعاً يعانون المرض في مراحله المبكرة، ووجد الباحثون في الدراسة التي نُشرت في مجلة «نيو إنغلاند» الطبية أن الدواء أبطأ تدمير المرض للدماغ بنسبة 27 في المائة، وذلك عن طريق مهاجمة بروتين «بيتا أميلويد»، الذي يتراكم في أدمغة الأشخاص المصابين بمرض ألزهايمر... ويتم في الوقت الحالي تقييم بيانات ونتائج الدراسة من الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة، التي سوف تقرر قريباً ما إذا كان يمكن الموافقة على استخدام الدواء على نطاق واسع.
* دواء «ريبيوتا»، وهو أول علاج باستخدام البكتيريا لعلاج اضطراب الأمعاء، ويعطي الدواء كعلاج بجرعة واحدة لعدوى بكتيريا «المطثية العسيرة»، حيث تعطل هذه البكتيريا المنتجة للسموم التوازن الطبيعي في الجهاز الهضمي للشخص، وقد وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في نوفمبر على تسويق هذا الدواء.
* المركب (SK-124)، هو دواء لا يزال في طور التجارب، أنتجه باحثون من جامعة كاليفورنيا الأميركية، كعلاج لهشاشة العظام، حيث يتم تقديمه كعلاج فموي بديل لأدوية الحقن، التي تعطى لمرضى الهشاشة.
* البروتين الشوكي الشهير الذي يعطي فيروس «كورونا» المستجد، شكله التاجي الشهير (بروتين سبايك)، سيصبح قريبا علاجا لأحد أخطر أنواع السرطانات، وهو سرطان الرئة، وذلك وفقا لـ«كاليبادا باهان»، أستاذ الكيمياء الحيوية وعلم الأدوية بجامعة راش الأميركية، والذي قاد دراسة نشرت بدورية (كانسر) وأثبتت فاعلية هذا البروتين في علاج حيوانات التجارب، وقال باهان لـ«الشرق الأوسط»: «نبحث في الوقت الحالي عن شركاء لنقل هذه التقنية في العلاج إلى عيادة سرطان الرئة قريبا، وفي البداية، سنختار مرضى سرطان الرئة في المراحل المتأخرة للتجارب السريرية».
* اكتشف باحثون من جامعة نوتنغهام البريطانية، فئة جديدة من «البوليمر» يمكنها تحفيز الخلايا المناعية وغير المناعية للمساعدة في التئام جروح السكري التي يصعب علاجها، وتم الإعلان عن هذا الإنجاز في دورية «أدفانسيد ماتريالز».
7. حل ألغاز الأمراض. وفي سبيل السعي نحو إنتاج المزيد من الأدوية، لا بد من فهم الأعضاء البشرية جيدا، وشهد عام 2022، الكثير من الإنجازات في هذا المجال، وأهمها نجاح فريق بحثي مكون من أكثر من 160 باحثا، في إنتاج أطلس رقمي ضخم يضم خرائط تمثل التعبير الجيني عما يقرب من نصف مليون خلية يعود مصدرها إلى 24 عضواً ونسجياً بشرياً، من ضمنها الرئتان والجلد والقلب، وتم الإعلان عن هذا الإنجاز في شهر مايو (أيار) بدورية «ساينس».
وهذا الأطلس هو مشروع مرجعي، يضم أنسجة متعددة من متبرعين، وهو الأول من نوعه الذي يحتوي على صور تشريحية للأنسجة، ويكشف تفاصيل المجتمعات الميكروبية التي تتخذ أجزاء مختلفة من قناتنا الهضمية مسكنا، وهذا من شأنه أن يزيد من المعرفة بصحة الإنسان، والأمراض التي تصيبه.

ابتكارات ومفاجآت
8. ابتكارات تكنولوجية مذهلة. وتبرز في خريطة الإنجازات العلمية، ابتكارات تكنولوجية مذهلة هدفها مساعدة البشر وتسهيل حياتهم، ومنها:
* طور باحثون من جامعة «نورث كارولاينا»، روبوتا ناعما موفرا للطاقة يمكنه السباحة بأكثر من أربع مرات أسرع من الروبوتات السابقة للسباحة، وأطلقوا عليه اسم «روبوتات الفراشة»، لأن حركته في السباحة تشبه الطريقة التي تتحرك بها أذرع الشخص عندما يسبح بضربة الفراشة، وتم الإعلان عن هذا الإنجاز في دورية «ساينس أدفانسيس».
* ابتكر علماء في جامعة نورث ويسترن بولاية إلينوي الأميركية «أصغر روبوت» في العالم، لإنجاز مهام دقيقة للغاية، ووفق دراسة نشرت في دورية «ساينس روبوتكس»، فإن هذا الروبوت يبلغ عرضه، حوالي نصف ملّيمتر، أي أصغر من سمك عملة «البنس» المعدنية، ويتم التحكم فيه عن بعد، ويأخذ أشكال حيوانات صغيرة مثل الديدان والسرطانات، ويكون هذا الروبوت في حالته الأصلية مسطحا، مثل قطعة من الورق، ثم يتم إدخال حرارة الليزر لتتغير حالته ويبدأ في التحرك.
* عرضت إحدى شركات السيارات، تصميما جديدا لسيارة يمكن للمستخدمين تغيير لونها من الأبيض إلى الأسود أو العكس بضغطة زر.
9. تأثيرات التغيرات المناخية. وبالتزامن مع ظواهر مناخية متطرفة شهدها العالم هذا العام، اهتم البحث العلمي برصد تداعيات التغيرات المناخية في أكثر من اتجاه، ومن أبرز الأبحاث التي تناولت الظاهرة، الآتي:
* رصدت دراسة نُشرت في مجلة «نيتشر جيوساينس»، أن أكبر صفيحة جليدية في العالم، والمعروفة أيضا باسم غرينلاند، تختفي بشكل أسرع مما كان يعتقد العلماء سابقا، حيث أدى ارتفاع درجة حرارة مياه المحيطات وارتفاع درجات حرارة الهواء إلى تسريع الذوبان، حيث تفقد غرينلاند حوالي 250 مليار طن متري من الجليد كل عام.
* رجحت دراسة للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي بأميركا، تغير المناخ، كسبب لاختفاء مليار سلطعون من ألاسكا في العامين الماضيين، وهذا العدد يمثل 90 في المائة من أعدادها. وقالت الإدارة، إن ألاسكا هي الأكثر سخونة في الولايات المتحدة، وتحتاج السرطانات إلى الماء البارد للبقاء على قيد الحياة.
10. مفاجآت علمية. ولم تخل إنجازات 2022 من بعض المفاجآت، ومنها:
* اكتُشف أن بعض الأشخاص الذين يبدو أنهم في غيبوبة قد يكونون في الواقع واعين ويسمعوننا. ويطلق على ذلك اسم «الوعي الخفي»، وهي حالة يتفاعل فيها الدماغ مع العالم الخارجي ببعض الفهم، لكن الجسم يظل غير مستجيب، وذكر باحثون من جامعة كولومبيا، أن ما يصل إلى 15 إلى 20 في المائة من المرضى الذين يبدو أنهم في غيبوبة يظهرون هذا النوع من الوعي الخفي عند مراقبته باستخدام تقنية يمكنها قياس نشاط الدماغ.
* اكتشفت دراسة ألمانية نشرت في ديسمبر بدورية «نيتشر إيجينغ»، مؤشرات على أن تأثير عقار «رابامايسين» الواعد لمكافحة الشيخوخة، سيكون أكثر فاعلية عند النساء، مقارنة بالرجال.



في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس
TT

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس

يقول المدرسون إنهم يرغبون في تمكين طلاب المرحلة الثانوية من قيادة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكونوا مجرد مُتلقّين تُسيّرهم برامج الدردشة الآلية.

وفي الجلسة الأولى من دورة جديدة في الذكاء الاصطناعي أقيمت هذا الشهر لطلاب الصف الثاني عشر في «مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك، لم يطرح أي شيء عن الذكاء الاصطناعي بل إنها خُصصت للذكاء البشري... بشكلٍ كامل.

كان واجب الطلاب: مُقارنة أوقات تصفّحهم السلبي لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي يُديرها الذكاء الاصطناعي، مع أوقات اختيارهم المُباشر للفيديوهات أو نتائج بحث «غوغل» التي يرغبون هم في مُشاهدتها.

«هل تُسيّر التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟»

«هل تُسيّر أنت التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟» هكذا طُرح السؤال من خلال شريحة عرض (سلايد) على السبورة البيضاء في مدرسة واشنطن بارك الثانوية.

وفي نقاشٍ صفّيٍّ تلا ذلك، قال طالبٌ يُدعى أدريان فاريل، 18 عاماً، إنه سيطر على الذكاء الاصطناعي من خلال طلبه من برنامج دردشة آلي مُراجعة واجباته المنزلية في الرياضيات للتأكّد من دقّتها. بينما قالت الطالبة بريانا بيريز، البالغة من العمر 18 عاماً، إنها دخلت في «وضع الراكب» عند استخدام ميزة «دي جي الذكاء الاصطناعي» في موقع «سبوتيفاي». وأضافت: «إنها تشغل موسيقاي المفضلة، فلا داعي لتغييرها».

«مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك

«محو أمية الذكاء الاصطناعي» - مادة تعليمية

تسعى المدارس في جميع أنحاء الولايات المتحدة جاهدةً لإدخال مادة جديدة: معرفة (محو أمية) الذكاء الاصطناعي A.I. literacy. وفيما يسميها بعض التربويين «رخصة قيادة» للذكاء الاصطناعي، تهدف الدروس الجديدة إلى تعليم الطلاب كيفية فحص أحدث الأدوات التقنية واستخدامها بمسؤولية. ويقول المعلمون إنهم يريدون إعداد الشباب للتعامل مع عالم يتشكل بشكل متزايد بفعل الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم برامج الدردشة الآلية بتأليف نصوص تبدو كأنها من صنع البشر، فيما يستخدم أصحاب العمل الخوارزميات للمساعدة في تقييم المرشحين للوظائف.

برامج ذكية في المناهج الدراسية

ويركز بعض المدارس على برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، حيث تعلم الطلاب كيفية استخدام مساعد غوغل «جيميناي» أو مساعد مايكروسوفت «كوبايلوت». بينما تقوم مدارس أخرى بإدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. وبوصفه موضوعاً جديداً في المناهج الدراسية، تتناول الدروس التداعيات المجتمعية مثل انتشار الصور العارية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة المعروفة باسم «التزييف العميق».

تحسين التعليم أم تدميره؟

تزداد دروس الذكاء الاصطناعي شيوعاً في المدارس مع احتدام الجدل حول ما إذا كانت برامج الدردشة الآلية ستُحسّن التعليم أم ستُدمّره. يقول المؤيدون إن على المدارس أن تُعلّم الشباب سريعاً استخدام الذكاء الاصطناعي وأنه ضروري لدعم تعلّمهم، وإعدادهم للوظائف، ومساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين. وفي العام الماضي، أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يحثّ المدارس على تدريس «أساسيات الذكاء الاصطناعي» بدءاً من رياض الأطفال.

في مقابل ذلك يُحذر باحثون في مجال التعليم من أن برامج الدردشة الآلية قد تُلفّق المعلومات، وتُسهّل الغش، وتُضعف التفكير النقدي. ووجدت دراسة حديثة أجرتها مطبعة جامعة كمبردج و«مايكروسوفت للأبحاث» أن الطلاب الذين دوّنوا ملاحظات على النصوص كانوا أكثر فهماً للقراءة من الطلاب الذين تلقوا مساعدة من برامج الدردشة الآلية.

مؤسسة «برومينغز» أصدرت تقريراً الشهر الماضي حول أخطار الذكاء الاصطناعي

مخاطر الذكاء الاصطناعي أكبر من فوائده

في الوقت الراهن، «تفوق مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم فوائده»، هذا ما خلصت إليه مؤسسة بروكينغز Brookings Institution الشهر الماضي في تقرير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس.

موقف وسط

في خضمّ هذا الجدل، تتخذ مدارس مثل مدرسة واشنطن بارك الثانوية موقفاً وسطاً، إذ تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان سيارة، وتساعد الطلاب على وضع قواعد لاستخدامه.

وشبّه مايك تاوبمان، 45 عاماً، وهو مُدرّس استكشاف المسارات المهنية، الذي شارك في تطوير منهج محو الأمية الجديد في المدرسة، هذه الحصة الدراسية بتحضير المراهقين لاختبار رخصة القيادة.

وتساءل تاوبمان: «إلى أين تريدون الوصول؟ وهل يُمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتكم على ذلك؟». وأضاف أن الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل وظائفها، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

وتابع: «ما القوانين والقواعد والمعايير التي يجب أن تُطبّق على الذكاء الاصطناعي في مدينتي وبلدي؟».

المدرسان مايك تاوبمان وسكوت كيرن

تجربة مدرسية

يخدم مبنى واشنطن بارك، وهو مبنى من أربعة طوابق بواجهة من الطوب الأحمر في وسط نيوآرك، نحو 900 طالب في المرحلة الثانوية. وهو جزء من شبكة مدارس أنكومون، وهي شبكة مدارس مستقلة في شمال شرقي الولايات المتحدة الأميركية تركز على إعداد الطلاب للجامعة والمسارات المهنية.

وقد ابتكر تاوبمان مع سكوت كيرن، مدرس التاريخ الأميركي، فكرة المقرر الدراسي الاختياري الجديد حول الذكاء الاصطناعي. وكان كلاهما قد أدخل أدوات ومواضيع الذكاء الاصطناعي في مقرراتهما الدراسية.

وشارك كيرن، البالغ من العمر 45 عاماً، أخيراً في برنامج «بلاي لاب Playlab»، وهي منظمة غير ربحية تساعد المعلمين على إنشاء تطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة لمقرراتهم الدراسية. ولمساعدة طلابه على صقل مهاراتهم في الكتابة الجدلية، طوَّر كيرن روبوتات محادثة لصفوف التاريخ الأميركي بناءً على مواد المقرر الدراسي وتقييمات الطلاب. كما وضع إرشادات واضحة للطلاب حول متى يجب استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي ومتى يجب تجنب استخدامها.

مناقشة تاريخية اصطناعية-بشرية

وفي تجربة صفّية درّس السيد كيرن جانباً دراسياً متقدماً في تاريخ الولايات المتحدة حول أحداث شغب شيكاغو العرقية، وهي احتجاجات عنيفة اندلعت إثر مقتل مراهق أسود عام 1919. في البداية، طلب من الطلاب قراءة قصاصات صحافية قديمة ووثائق تاريخية أخرى. ثم أدار نقاشاً صفّياً حول الاتجاهات الأوسع التي أسهمت في تأجيج التوترات.

بعد ذلك، طلب السيد كيرن من الطلاب تخصيص بضع دقائق لوصف السبب الرئيسي للشغب لبرنامج دردشة آلي كان قد أنشأه خصيصاً لهذا الفصل.

وبعد بضع دقائق أخرى، أخبر كيرن الطلاب أن وقتهم مع الروبوت قد انتهى، واستأنف نقاش الصف. وأكد أن التعلم الأساسي للطلاب يجب أن يبقى نشاطاً خالياً من الذكاء الاصطناعي. وقال كيرن: «في أي وقت نرغب فيه أن يتفاعل الطلاب بعضهم مع بعض أو أن يمارسوا التفكير النقدي الأولي، لا أريد أبداً أن يتدخل الذكاء الاصطناعي أو أي نوع من التكنولوجيا المشابهة في ذلك».

وفي قسم آخر من المدرسة، كان تاوبمان يُدرّس دورة استكشاف المسارات المهنية. وقد طوّر مجموعة متنوعة من برامج الدردشة الآلية لمحاكاة المسارات المهنية لطلابه.

«رخصة قيادة» الذكاء الاصطناعي

وأقرّ كيرن وتاوبمان بأن تعبير «رخصة القيادة: الذي استخدموه له حدود. إذ سيعاني الطلاب من صعوبات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية... حتى الحين الذي سيتم فيه تزويد ​​برامج الدردشة الآلية بآليات حماية مُدمجة تُشبه أحزمة الأمان والوسائد الهوائية.

وقال كيرن إنه يأمل أن يتمكن الطلاب يوماً ما من «التأثير في بناء هذه الأدوات بطريقة أفضل وأكثر عدلاً وأكثر مراعاةً للبيئة مما هو موجود الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز».


استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»
TT

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية.

تضاعف استخدام الذكاء الاصطناعي

وأفاد استطلاع «بيو» في تقرير نُشر أمس الثلاثاء أن 54 في المائة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً قالوا إنهم استخدموا برنامج دردشة آلية مثل «تشات جي بي تي» أو«كوبايلوت» لمهام مثل البحث عن الواجبات المدرسية أو حل مسائل الرياضيات.

وكان 26 في المائة من المراهقين الأميركيين أفادو عام 2024 أنهم استخدموا «تشات جي بي تي» في واجباتهم المدرسية، وذلك وفقاً لدراسة سابقة أجراها «مركز بيو» سألت تحديداً عن استخدامهم لهذا البرنامج. وقد مثل هذا زيادة مضاعفة مقارنةً بعام 2023، حيث أفاد 13 في المائة فقط من الطلاب باستخدامهم برنامج «جي بي تي» للمساعدة في دراستهم، وفقاً لنفس المركز.

تنفيذ الواجبات المدرسية

وخلص التقرير الحديث واستناداً إلى استطلاع شمل 1458 مراهقاً وأولياء أمورهم في خريف العام الماضي، إلى وجود تباين في استخدام الذكاء الاصطناعي بين المراهقين بشكل كبير. فبينما قال 44 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في «بعض» أو «قليل» من واجباتهم المدرسية، قال 10 في المائة إنهم لجأوا إلى برامج الدردشة الآلية للحصول على المساعدة في جميع أو معظم واجباتهم المدرسية.

وقالت كولين ماكلين، الباحثة الرئيسية في مركز بيو والمشاركة في إعداد الدراسة: «نلاحظ بوضوح أن استخدام برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الواجبات المدرسية أصبح ممارسة شائعة بين المراهقين».

جدل محتدم

وتأتي هذه النتائج وسط جدل وطني محتدم حول انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، القادرة على إنتاج نصوص تبدو وكأنها من صنع الإنسان، وإنشاء صور واقعية، وتطوير تطبيقات.

يقول المؤيدون إن على المدارس تعليم الطلاب استخدام وتقييم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المتغيرة. بينما يحذر المنتقدون من أن هذه الروبوتات قد تنشر معلومات مضللة، وتضلل الطلاب، وتقوض التفكير النقدي، وتؤدي إلى إيذاء النفس، وتسهل الغش.

تعويق التفكير النقدي للطلاب

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن روبوتات الدردشة قد تعيق التفكير النقدي وتؤثر سلباً على التعلم. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها دار نشر جامعة كامبريدج والتقييم بالتعاون مع «مايكروسوفت للأبحاث» حول فهم النص المقروء، أظهر الطلاب الذين طُلب منهم تدوين الملاحظات دون استخدام روبوتات الدردشة فهماً أفضل للنص المقروء مقارنةً بالطلاب الذين طُلب منهم استخدامها لفهم النصوص.

التعلم والترفيه

طرح باحثو مركز بيو للأبحاث أسئلة متنوعة على المراهقين حول آرائهم واستخدامهم للذكاء الاصطناعي. وتُظهر النتائج أن العديد من الشباب يستخدمون روبوتات الدردشة كمنصات متعددة الأغراض للتعلم والترفيه والحصول على النصائح والتواصل الاجتماعي.

وقال 47 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا روبوتات الدردشة للتسلية، بينما قال 42 في المائة إنهم استخدموها لتلخيص المحتوى. وقالت نسبة أقل، 12 في المائة، إنهم استخدموها للحصول على النصائح أو الدعم النفسي.

كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي

وسلّط ​​التقرير الضوء أيضاً على كيفية استخدام المراهقين لأدوات الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

وقال ما يقرب من نصف المراهقين إنهم استخدموا برامج الدردشة الآلية لأغراض البحث، بينما استخدم أكثر من 40 في المائة منهم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل مسائل الرياضيات. وأفاد أكثر من ثلثهم بأنهم استخدموا هذه البرامج لتحرير كتاباتهم.

الغشّ «بشكل متكرر»

ولم يتطرق الاستطلاع إلى سؤال الطلاب عما إذا كانوا قد استخدموا برامج الدردشة الآلية لكتابة المقالات أو إنشاء واجبات أخرى، وهي أنواع الغش التي حذَّر منها المعلمون في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن ما يقرب من 60 في المائة من المراهقين أخبروا مركز بيو للأبحاث أن طلاباً في مدارسهم يستخدمون برامج الدردشة الآلية للغش «بشكل متكرر» أو «بشكل متكرر إلى حد ما».

وذكر التقرير أن النتائج تشير إلى أن المراهقين يعتقدون أن «الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»