لماذا تجاهل سيف القذافي انتقادات الدبيبة لنظام والده؟

وسط اعتقاد بوجود تحالف بين الطرفين

سيف الإسلام القذافي لدى ترشحه للانتخابات الرئاسية في ليبيا نهاية 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي لدى ترشحه للانتخابات الرئاسية في ليبيا نهاية 2021 (مفوضية الانتخابات)
TT

لماذا تجاهل سيف القذافي انتقادات الدبيبة لنظام والده؟

سيف الإسلام القذافي لدى ترشحه للانتخابات الرئاسية في ليبيا نهاية 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي لدى ترشحه للانتخابات الرئاسية في ليبيا نهاية 2021 (مفوضية الانتخابات)

تضمنت تصريحات رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، خلال الأسبوع الماضي، حول عملية تسليم ضابط الاستخبارات السابق أبو عجيلة المريمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، أكثر من إشارة حول مسؤولية نظام الراحل معمر القذافي عن «وصم ليبيا بكونها دولة حاضنة للإرهاب».
وفي حين أبدى كثيرون تعجبهم من تلك التصريحات في ظل معرفتهم بعمل الدبيبة مع نظام القذافي، تساءل آخرون عن أسباب صمت أنصار القذافي ونجله سيف الإسلام عن الرد على تلك الاتهامات.
وعزا عضو مجلس النواب الليبي جاب الله الشيباني الإجابة عن هذا الصمت إلى أسباب عدة؛ في مقدمتها «الإقرار بحق الجميع، بمن فيهم الدبيبة، بأن يقول كلمته، سواء مدحاً أو ذماً بحق نظام سابق استمر لأكثر من أربعين عاماً في الحكم».
ولم يستبعد الشيباني، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، «ظهور أصوات تندِّد بما ذكره الدبيبة، خلال الأيام المقبلة»، مشيراً إلى أن «قطاعاً كبيراً من أنصار القذافي يتعاطون مع الأمر من زاوية أن الراحل شخصيته معروفة للجميع داخل ليبيا وخارجها، وأن أي حديث جديد حوله وحول نظام حكمه لن يقدم أو يؤخر شيئاً، ولذا فضّلوا التركيز على قضية تسليم أبو عجيلة».
كان الدبيبة قد قال إن «الشعب الليبي دفع ثمناً باهظاً لمغامرات إرهابية، وأن الزمن قد توقف في ليبيا عشر سنوات بسبب توريطها في عمليات إرهابية حتى أصبحنا في عيون العالم بكل أسف ننتمي لدولة الإرهاب».
ورغم توافقه وما يطرحه عدد من المراقبين بأن العلاقة بين أنصار القذافي والدبيبة لم تشهد أي توتر منذ تولّي الأخير الحكومة، يتوقع الشيباني «تضرر شعبية رئيس الحكومة بدرجةٍ ما بسبب تصريحاته بين أنصار النظام السابق»، مرجعاً تغيّر لغة الدبيبة إلى «تقلبات السياسة».
واعتبر عضو مجلس النواب الليبي صلاح أبو شلبي أن «انتقاد الدبيبة نظام القذافي وتحميله المسؤولية عن وصم ليبيا بالإرهاب، كما يزعم، ليس إلا محاولة لإيجاد مبرر منطقي لنفسه أمام الغضب الشعبي إزاء تسليم أبو عجيلة، فضلاً عن كونها قد تكون عملية إقصاء مبكرة لأحد منافسيه بالسباق الرئاسي».
وقال أبو شلبي، لـ«الشرق الأوسط»: «ربما يتعلق الأمر بمحاولة إقصاء سيف الإسلام من الترشح للرئاسة، وهو الأمر الذي قد يكون جرى بمباركة بعض الدول الغربية التي أعلنت من قبل اعتراضها على خوض القذافي الابن السباق الرئاسي».
ورأى أبو شلبي أن شعبية الشخصيات المتصدرة للمشهد السياسي كافة تتآكل، بمن في ذلك سيف الإسلام، موضحاً «نعم، ابتعاده عن صناعة القرار احتفظ له ببعض الشعبية، مقارنة بالآخرين، إلا أن اختفاءه عن الأنظار منذ إعلان ترشحه، نهاية العام الماضي، يستنزف رصيد شعبيته».
وعزا عضو ملتقى الحوار السياسي الليبي أحمد الشركسي «صمت أنصار القذافي؛ وفي مقدمتهم نجله سيف الإسلام، إلى وجود تحالف بينه وبين الدبيبة»، مرجحاً «وقوف الأخير وراء تأمين حركة وتنقلات الأول بعموم البلاد».
ولفت الشركسي، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «رغم حالة الغموض التي يمارسها سيف الإسلام حول مكان إقامته وندرة ظهوره، فإنه كان من السهل عليه إصدار بيان للتنديد بخطابات الدبيبة حول والده وتلميحه بكونه نظاماً إرهابياً، والتنديد أيضاً بعملية تسليم أبو عجيلة التي أغضبت كل الليبيين». ورأى أنه «كان بإمكانه مهاجمة حكومة تُحسب على مُخرجات (ثورة فبراير) وكيف أنها سلَّمت مواطناً ليبياً دون سند قانوني، لدولة أجنبية».
ووافق رئيس مؤسسة «سلفيوم للأبحاث والدراسات» جمال شلوف مع الطرح السابق في وجود تحالف بين الدبيبة وسيف القذافي وأنصار النظام السابق، وقال: «هذا التحالف هو ما دفع هؤلاء لعدم الرد على تصريحاته لتفادي الطعن علناً به».
وأشار شلوف، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الكثير من النخب باتت تربط بين دخول كل من الدبيبة وسيف الإسلام السباق الرئاسي، وبين عرقلة إجراء الاستحقاق نهاية العام الماضي».
وشارك الباحث الليبي تعجب قطاعات كثيرة من إدانة الدبيبة نظام القذافي، موضحاً «نعم، الجميع يدرك أن الدبيبة كان يحاول إيجاد مَخرج لنفسه ولحكومته أمام الغضب الشعبي جراء عملية تسليم أبو عجيلة، لكن ما لم يتصوره أحد أن يكون هذا المخرج هو إدانة نظام كان رئيس الحكومة نفسه جزءاً منه».
ولفت شلوف إلى أن بعض فريق الدبيبة الوزاري وقيادات الصف الثاني وبعض فريق مستشاريه هم من المحسوبين أيضاً على نظام القذافي، ورأى أنهم «نفعيون استفادوا من النظام السابق وهربوا مع سقوطه، والآن يتنصلون من أية علاقة لهم به، ولا مشكلة لديهم باتهامه».
وفي معرض تعليقاتهم على خطابات الدبيبة، حرص عدد من المدونين الليبيين على نشر صور تجمع الدبيبة بكل من القذافي ونجله سيف الإسلام، في مرحلة ما قبل ثورة فبراير.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

برلمانيون يرسمون «خريطة طريق» للإطاحة برئيس «النواب» الليبي ونائبيه

برلمانيون ليبيون خلال اجتماع في بنغازي الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
برلمانيون ليبيون خلال اجتماع في بنغازي الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
TT

برلمانيون يرسمون «خريطة طريق» للإطاحة برئيس «النواب» الليبي ونائبيه

برلمانيون ليبيون خلال اجتماع في بنغازي الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
برلمانيون ليبيون خلال اجتماع في بنغازي الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

دخلت الأزمة السياسية في ليبيا منعطفاً جديداً من التصعيد البرلماني، حيث يواجه رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح أكبر تحدٍّ لسلطته منذ سنوات، بعد إعلان عشرات النواب عن «خريطة طريق» للإطاحة به، وتفعيل الدورة البرلمانية.

ولم يعلق صالح أو الناطق باسمه على هذا التحرك، الذي اعتبره مراقبون «أكبر تحدٍّ سياسي يواجهه صالح منذ سنوات»، حيث يسعى النواب لاستعادة سلطة المجلس الجماعية من قبضة «القرارات الفردية».

وفي غياب رئيس البرلمان ونائبيه فوزي النويري ومصباح دومة، أعلن عشرات الأعضاء، مساء الثلاثاء، عن إطلاق ما وصفوها «خريطة طريق لإصلاح المجلس»، تهدف بشكل مباشر إلى إنهاء سيطرة صالح على رئاسة المجلس، وتفعيل نظام «الدورة البرلمانية» لانتخاب هيئة رئاسة جديدة.

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المكتب الإعلامي للمجلس)

وشهدت الجلسة التشاورية الثانية من نوعها لأعضاء المجلس في مقره بمدينة بنغازي (شرق) غياباً لافتاً لصالح ونائبيه، بينما أكد النواب أن هذه الخطوة «تؤسس لعهد جديد ينهي السياسات الفردية»، وطالبوا بـ«إصلاح البرلمان، باعتباره ضرورة ملحة لمواجهة حالة التفرد في تحديد جدول الأعمال وتعطيل الجلسات لشهور».

وقرر النواب تفعيل اللائحة الداخلية لإجراء انتخابات لهيئة رئاسة المجلس واللجان النوعية الدائمة، وفق دورة برلمانية محددة، وطلبوا عقد جلسة رسمية مكتملة النصاب في 30 من الشهر الحالي لبدء تنفيذ «الخريطة». كما أعلن الأعضاء اتفاقهم على «إلغاء أي قرارات صدرت بطريقة فردية»، وعلى رأسها «ضريبة السلع»، التي أثارت جدلاً واسعاً.

وقال رئيس اللجنة المالية عمر تنتوش إن قرار إلغاء الضريبة المفروضة على بيع السلع بات «محسوماً» بإجماع أكثر من 60 عضواً، مشيراً إلى أن تأخر عقيلة صالح في إصدار القرار، رغم الاتفاق المسبق، هو ما فاقم حالة الاستياء داخل أروقة البرلمان.

يشار إلى أن أزمة «ضريبة السلع» في البرلمان الليبي، التي بدأت منذ الشهر الماضي، تتعلق بخلاف حول الجهة المسؤولة عن تمرير الضريبة على بيع السلع الأساسية في البلاد، داخل البرلمان نفسه. وقد أدى هذا الخلاف إلى رفض العديد من النواب للمشروع، معتبرين أنه قرار منفرد لم يُتخذ بالإجماع، ما أثار جدلاً واسعاً حول الشفافية، وطريقة اتخاذ القرارات المالية في المجلس، وفتح الباب نحو الحديث عن تغيير عقيلة ونائبيه فوزي النويري ومصباح دومة.

وزيرة العدل الليبية حليمة إبراهيم خلال زيارة سابقة إلى أحد سجون طرابلس وقتما كان نجيم مديراً له (وزارة العدل)

وتزامن هذا الحراك مع أزمة حقوقية وأمنية فجّرها قرار حكومة «الاستقرار»، برئاسة أسامة حماد في شرق البلاد، بتعيين الفريق أسامة الدرسي لرئاسة جهاز الشرطة القضائية، وهو الذي عمل سابقاً رئيساً لجهاز الأمن الداخلي.

لكن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان رفضت القرار، معتبرة أن «إعادة تدوير الدرسي وتكليفه بمهام جديدة يمثلان إخلالاً فاضحاً بالتزامات الحكومة حيال سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان»، مشيرة إلى أن سجلّه يتضمن «174 واقعة اعتقال تعسفي وإخفاء قسري شملت سياسيين وحقوقيين وإعلاميين، بالإضافة إلى 3 حالات وفاة تحت التعذيب، والتنكيل داخل المعتقلات التابعة له».

في شأن حقوقي أيضاً، طالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، المعنية بحقوق الإنسان، السلطات في غرب ليبيا بتسليم مدير إدارة العمليات السابق بجهاز الشرطة القضائية أسامة نجيم، المعروف بـ«المصري»، للمحكمة الجنائية الدولية على وجه السرعة، مع التعاون الكامل بشأن المطلوبين الآخرين، الذين يُعتقد أنهم موجودون في البلاد.

ويُعرف نجيم بأنه كان مديراً لسجن في طرابلس، وقد أوقفته السلطات الإيطالية في يناير (كانون الثاني) 2025 بموجب مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية، بتهم تشمل القتل والتعذيب والاغتصاب بحق معتقلين في سجن معيتيقة، قبل أن تُفرج عنه بعد يومين وتعيده إلى طرابلس.

وفي الوقت ذاته، شكك حقوقيون ونشطاء ليبيون في رواية السلطات بشأن حجز نجيم، مشيرين إلى «مشاهدات متطابقة»، تشير إلى ظهوره طليقاً في طرابلس، رغم إعلان النيابة العامة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أنها باشرت التحقيق معه وأحالته إلى القضاء.

إلى ذلك، تفجرت مواجهة علنية بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، عبر بيان فند فيه أرقام الإيرادات النفطية الموردة إليه خلال فبراير (شباط) الماضي، في خطوة تعكس «أزمة ثقة متصاعدة بين قطبي المال والطاقة في البلاد».

وأكد المصرف أن إجمالي الإيرادات النفطية الفعلية، التي وصلت إلى خزائنه للشهر الماضي، بلغت 906 ملايين دولار فقط، موزعة بين 705 ملايين دولار إيرادات خام و201 مليون دولار إتاوات، وهو رقم يقل كثيراً عما أوردته تقارير المؤسسة التي أشارت إلى إجمالي إيرادات يقارب 1.8 مليار دولار. ودعا المصرف وزارة المالية والجهات الرقابية لمراجعة سجلاته رسمياً للتحقق من صحة بياناته، مشدداً على أن المصرف الليبي الخارجي «يقوم بخصم قيم المحروقات قبل إحالة المبالغ النهائية للمركزي»، ما قد يفسر «الفجوة المالية» الكبيرة بين ما تعلنه المؤسسة كإنتاج، وما يتسلمه المصرف كإيراد صافٍ.

وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلنت أن إجمالي الإيرادات النفطية المحصلة خلال الشهر الماضي بلغ نحو 1.001 مليار دولار، منها 295.6 مليون دولار لتغطية جزء من تكاليف توريد المحروقات، بينما جرى تحويل 705.4 مليون دولار إلى المصرف المركزي، وفق الترتيبات المالية المتفق عليها.


الغلاء يضاعف معاناة الأُسَر الليبية مع اقتراب عيد الفطر

ليبيون في إحدى الأسواق (أ.ف.ب)
ليبيون في إحدى الأسواق (أ.ف.ب)
TT

الغلاء يضاعف معاناة الأُسَر الليبية مع اقتراب عيد الفطر

ليبيون في إحدى الأسواق (أ.ف.ب)
ليبيون في إحدى الأسواق (أ.ف.ب)

مع اقتراب عيد الفطر، تتفاقم معاناة الأسر الليبية، في ظل ارتفاع قياسي في أسعار مستلزمات العيد، ولا سيما ملابس الأطفال، ما يزيد الضغوط المالية على المواطنين، في ظل استمرار صعود سعر الدولار، ويحوِّل فرحة العيد إلى عبء إضافي على ميزانياتهم.

وفي إحدى أسواق طرابلس، شكا المواطن حميد الشويل من أن شراء ملابس العيد لطفل واحد قد يكلف نحو 500 دينار، وهو مبلغ يراه كثيرون مرتفعاً مقارنة بمتوسط دخل الأسر. وقال الشويل إن «بعض البضائع القديمة التي كان سعرها في الأيام العادية يقارب 150 ديناراً، تضاعف قبل العيد ليصل إلى نحو 300 دينار». (الدولار يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية، و10.77 دينار في السوداء).

وحتى الأسواق الشعبية التي كانت تشكل ملاذاً للعائلات الباحثة عن أسعار أقل: «لم تعد بعيدة عن موجة الغلاء خلال موسم العيد» حسب الشويل.

جُل الليبيين باتوا يشتكون من ارتفاع الأسعار قبيل حلول العيد (أ.ف.ب)

هذه الارتفاعات في الأسعار رصدها رئيس «اتحاد جمعيات حماية المستهلك»، أحمد الكردي، الذي أشار في حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى «ارتفاع شديد في أسعار لوازم العيد، من أحذية وملابس؛ خصوصاً للأطفال والنساء»، في مقابل ذلك تبرز محاولات لاحتواء هذا الغلاء «عبر تخفيضات في أسعار الزي الوطني الرجالي».

غلاء وضعف رقابة

ولا تختلف الصورة كثيراً في مدن أخرى؛ حيث يقول المواطن علي مفتاح، من بني وليد (غرب)، إن الليبيين اعتادوا تقريباً على ارتفاع الأسعار قبل الأعياد، بنسبة تصل إلى 25 في المائة سنوياً. ويوضح أن «بعض العائلات تحاول تفادي هذه الزيادة بشراء احتياجات العيد قبل شهر من رمضان، ولكن ذلك لا يمنع استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق في ظل ضعف الرقابة».

وتروي نور محمد جانباً آخر من معاناة العائلات الكبيرة، وتقول إن تكلفة الملابس أصبحت «خيالية»؛ خصوصاً للأسر التي لديها 5 أو 7 أطفال. مضيفة أن: «أقل سعر لطقم ملابس لطفل واحد قد يبدأ من 200 دينار، دون احتساب الأحذية وبقية المستلزمات»، ما يجعل الفاتورة النهائية ثقيلة على كثير من الأسر.

ولا تتوفر أرقام رسمية حديثة عن معدل التضخم في ليبيا خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن آخر بيانات المصرف المركزي أظهرت ارتفاعه بنسبة 1.5 في المائة على أساس سنوي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. في حين أظهر مؤشر «هانكي» الأميركي لشهر فبراير (شباط) الماضي أن ليبيا احتلت المرتبة الرابعة عالمياً بين الدول الأعلى تضخماً، بمعدل بلغ 56.3 في المائة سنوياً.

وتزامن ذلك مع ارتفاع حاد في سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي؛ حيث سجل خلال الشهر زيادة تقريبية بنسبة 11.5 في المائة، ما يعكس ضغوطاً ومخاوف متصاعدة على القوة الشرائية للمواطنين، وهي شكاوى رآها الخبير الاقتصادي، الدكتور يوسف يخلف مسعود: «منطقية» في ضوء غياب آليات الرقابة الفاعلة.

ويصف بعض المواطنين دورة المصاريف السنوية بأنها لا تكاد تنتهي، بدءاً من نفقات شهر رمضان إلى مصاريف عيد الفطر، ثم عيد الأضحى، وبعدها الاستعداد للعام الدراسي، في وقت تتراوح فيه رواتب كثير من الموظفين بين 1500 و2000 دينار، بينما يفتقر آخرون إلى دخل ثابت من الأساس.

ورغم هذه الضغوط، يقول مواطنون إنهم يحاولون قدر الإمكان ألا يحرموا أطفالهم من فرحة العيد، حتى وإن اضطروا إلى تقليص مصاريف أخرى. فبالنسبة لهم، تبقى ابتسامة الصغار صباح العيد سبباً كافياً لتحمل هذه الأعباء.

محاربة الاحتكار

يحذِّر رئيس «مجلس المنافسة ومنع الاحتكار» في ليبيا، الدكتور سلامة الغويل، من أن موجة ارتفاع الأسعار مع اقتراب عيد الفطر مرشحة لمزيد من التصاعد، مؤكداً أن الزيادات الحالية «حقيقية وليست مؤقتة». وأوضح الغويل لـ«الشرق الأوسط» أن المجلس يسعى إلى تفعيل التشريعات المنظمة لضبط الأسواق والحد من الممارسات الاحتكارية، غير أن الانقسام السياسي والوضع الاقتصادي الهش «يعرقلان هذه الجهود، ويجعلان مهمة ضبط الأسعار أكثر صعوبة».

في المقابل، تحاول السلطات في غرب ليبيا التخفيف من آثار الضغوط المعيشية؛ حيث أعلنت حكومة «الوحدة» إنهاء إجراءات صرف منحة اجتماعية للزوجة والأولاد ضمن برامج الدعم الاجتماعي.

وعلى الصعيد الرقابي، شدد المجلس الأعلى للدولة، خلال ختام جلسة تشاورية، على ضرورة تكليف لجان مختصة لمتابعة الإجراءات والسياسات التي يتخذها المصرف المركزي، بما يضمن الشفافية والانضباط المالي، ويحول دون أي ممارسات قد تسهم في زيادة معدلات التضخم أو تعمق أزمة سعر الصرف.

غير أن رئيس «مجلس المنافسة ومنع الاحتكار» حذَّر أيضاً من أن «سيطرة بعض التجار، بدعم من مجموعات مسلحة، على مفاصل القرار المالي في غرب البلاد، قد تضع أي محاولات لاحتواء الأسعار محل شك»، وسلَّط الضوء أيضاً على «فوضى الاعتمادات المستندية وأزمة شح الدولار، إلى جانب عمليات التهريب إلى بعض دول الجوار، وهي عوامل تزيد الضغط على السوق وترفع الأسعار؛ خصوصاً مع ازدياد الطلب قبل العيد».

وزيرة الشؤون الاجتماعية بحكومة الوحدة وفاء الكيلاني خلال اجتماع في العاصمة الليبية طرابلس الثلاثاء (صفحة الوزارة)

ولم تغفل تقديرات المسؤول الليبي انعكاسات التصاعد المستمر للتوترات الإقليمية، بما في ذلك الحرب الإيرانية؛ إذ يرى الغويل أنها «تشكل عاملاً رئيسياً في رفع تكاليف الشحن والطاقة عالمياً». وأوضح أن هذا الارتفاع ينعكس مباشرة على أسعار الواردات التي تعتمد عليها السوق الليبية بشكل كبير، مما يفاقم الضغوط التضخمية، ويحد من القدرة الشرائية للمواطنين.


تعديلات الدبيبة الحكومية تثير تساؤلات الليبيين حول سبب تجاهل الوزارات السيادية

الدبيبة خلال لقاء مع قادة وأعيان مدينة الزاوية الليبية على مائدة إفطار رمضاني (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة وأعيان مدينة الزاوية الليبية على مائدة إفطار رمضاني (مكتب الدبيبة)
TT

تعديلات الدبيبة الحكومية تثير تساؤلات الليبيين حول سبب تجاهل الوزارات السيادية

الدبيبة خلال لقاء مع قادة وأعيان مدينة الزاوية الليبية على مائدة إفطار رمضاني (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة وأعيان مدينة الزاوية الليبية على مائدة إفطار رمضاني (مكتب الدبيبة)

على مدى نحو أسبوع، كشف رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، عن قرارات تعديل وزاري بشكل متدرج، شمل وزارة تلو الأخرى، لتتضح في النهاية تغييرات محدودة طالت خمس حقائب فقط. لكن هذه الخطوة أعادت الجدل حول شرعية حكومته وصلاحياتها، في ظل استمرار الانقسام السياسي منذ سحب مجلس النواب الليبي الثقة منها في سبتمبر (أيلول) 2021.

ودأبت الرواية الحكومية على التسويق السياسي للتعديل الوزاري، بصفته يهدف إلى «رفع كفاءة الأداء وتعزيز العمل المؤسسي»، بينما يرى مراقبون أنه يعكس محاولة لإعادة ترتيب موازين السلطة في غرب البلاد، من دون الاقتراب من الوزارات السيادية الأكثر حساسية، وهو ملف بات محل تساؤلات واسعة.

الدبيبة على مائدة الإفطار مع أحد قادة التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا (متداولة)

وأكد رئيس «المنظمة الليبية للتنمية السياسية»، جمال الفلاح، أن خطوة الدبيبة تمثل «محاولة لبث روح جديدة داخل الحكومة، وتحريك المياه الراكدة عبر إدخال دماء جديدة»، في ظل الجدل المتصاعد حول أداء بعض الوزراء، الذين دارت حولهم اتهامات بالفساد وإبرام صفقات مشبوهة. وقال الفلاح لـ«الشرق الأوسط» إن «عدداً من هؤلاء الوزراء حظي في السابق بتزكية من مجلسي النواب والأعلى للدولة»، مشيراً إلى أن التعديل، إلى جانب لقاءات الدبيبة مع قادة التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية، يندرج ضمن مساعي توحيد الصف في غرب ليبيا.

وشمل التعديل الوزاري الذي أجراه الدبيبة وزارات الإسكان والتعمير، والتربية والتعليم، والموارد المائية، إضافة إلى وزارة الثقافة والتنمية المعرفية، ووزارة الدولة لشؤون المهجرين وحقوق الإنسان.

ويوضح الفلاح أن هدف هذا التغيير «يتمثل في تشكيل كتلة متماسكة يمكن أن تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً في أي مفاوضات مقبلة تتعلق بتوحيد مؤسسات الدولة»، عادَّاً أن الدبيبة يسعى أيضاً إلى توجيه رسالة للمجتمع الدولي، مفادها أن حكومته «لا تزال طرفاً مؤثراً في المعادلة الليبية، وقادرة على إدارة الأوضاع في غرب البلاد».

غير أن التعديل الحكومي أثار جدلاً بشأن تجاهله الحقائب السيادية، ولا سيما الدفاع والخارجية. وتزايد النقاش حول هذا الملف في ظل التباين بين الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي؛ إذ يحتفظ الدبيبة بحقيبة الدفاع، في حين يدير وزارة الخارجية، الطاهر الباعور، بعد إقالة الوزيرة السابقة نجلاء المنقوش، عقب لقائها مع وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في أغسطس (آب) 2023.

المكلف وزارة الخارجية في غرب ليبيا الطاهر الباعور (وزارة الخارجية)

واستباقاً لهذا التعديل، شدد المنفي في رسالة إلى الدبيبة على أن معالجة الشغور الناتج من استقالة بعض الوزراء «تتطلب توافقاً وطنياً وأطراً قانونية سليمة، مع إجراء مشاورات ملزمة بشأن حقيبتي الدفاع والخارجية، اللتين تمثلان أولوية وطنية قصوى».

في هذا السياق، يبرز عضو مجلس النواب الليبي، فهمي التواتي، أن «التعديلات التي أُعلن عنها حتى الآن لم تركز على الوزارات، التي تعاني شغوراً فعلياً، بل اتجهت إلى استبدال بعض الوزراء، في وقت لا تزال فيه وزارات سيادية عدة تُدار عبر وكلاء يقومون بمهام الوزراء».

ويستنتج التواتي أن هذا الواقع «يعكس صعوبات يواجهها الدبيبة في إدارة التوازنات السياسية والأمنية داخل المنطقة الغربية، سواء في علاقته مع المنفي، أو مع ولاءات التشكيلات المسلحة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن ذلك يدفع إلى «الإبقاء على الوزارات السيادية كما هي، مقابل إجراء تغييرات في وزارات خدمية، لا تمتلك تأثيراً مباشراً في المشهد الأمني في غرب ليبيا».

هذا «التجاهل للحقائب السيادية، وعلى رأسها الدفاع والخارجية»، حسب الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة درنة، يوسف الفارسي «يحمل دلالات سياسية واضحة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن الدبيبة يحرص على «الاحتفاظ بقدر كبير من السيطرة المباشرة على ملفات الدفاع والعلاقات الخارجية في غرب البلاد».

ويأتي التعديل بعد سنوات من الاستقالات والإقالات داخل حكومة الدبيبة، التي تواجه منذ عام 2021 تحدياً سياسياً، عقب سحب ثقة البرلمان منها، من حكومة «الاستقرار» المكلفة من مجلس النواب الليبي، والتي تعاقب على رئاستها فتحي باشاغا قبل أن يخلفه أسامة حماد.

لقاء سابق بين الدبيبة والمنفي في أكتوبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ومنذ ذلك الحين تعيش ليبيا حالة انقسام حكومي بين سلطتين تنفيذيتين في الشرق والغرب؛ ما انعكس على عمل المؤسسات وعمّق حالة الاستقطاب السياسي.

وكان الدبيبة قد لمح لأول مرة إلى إجراء تعديل وزاري في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يعلن رسمياً في فبراير (شباط) الماضي عزمه على تنفيذ التعديل، لتبدأ لاحقاً قرارات التكليف منذ مطلع مارس (آذار) الحالي.

ويرى التواتي أن التلويح بالتعديل في وقت سابق «كان يهدف إلى استقطاب بعض الفاعلين في المنطقة الشرقية، بما في ذلك أعضاء من مجلس النواب، للدخول في تفاهمات سياسية قد تمهد لترتيبات استقرار أولية». لكنه أشار إلى أن «انعدام الثقة بين الأطراف السياسية، والتطورات الأمنية في الجنوب الليبي كشف عن هشاشة هذه الرؤية، إذ لا تزال الخلافات بين الأطراف جوهرية». بينما عدّ الفارسي أن التعديل «لا يعدو كونه محاولة لامتصاص غضب الشارع الليبي، واستعطاف الرأي العام»، في ظل تصاعد الانتقادات لأداء الحكومة.

وأضاف موضحاً أن الاحتجاجات التي شهدتها بعض المدن الليبية ضد الفساد، واستنزاف المال العام تعكس «حالة من السخط الشعبي على أداء السلطة التنفيذية»، مشيراً إلى أن التعديل جاء «في إطار محاولة تقديم صورة للرأي العام المحلي والدولي بأن الحكومة بصدد إجراء تغييرات، وإعادة النظر في سياساتها عبر استبدال عدد من الوزراء، وإتاحة الفرصة لكفاءات جديدة قد تقدم أداء أفضل».

غير أن الوزراء الجدد قد يواجهون اعتراضات قانونية؛ إذ ترى تنسيقية العمل المشترك في المجلس الأعلى للدولة الليبي أن «شرعية حكومة الوحدة الوطنية انتهت بسحب الثقة منها، وأن صلاحياتها تقتصر على تسيير الأعمال اليومية من دون إجراء تغييرات وزارية».

وقال التواتي إن التكليفات الصادرة أخيراً لبعض الحقائب الوزارية «تثير تساؤلات قانونية قد تنعكس لاحقاً على دستورية القرارات الصادرة عن المسؤولين المكلفين»، موضحاً أن «أي قرارات قد تصدر عنهم يمكن أن تكون عرضة للطعن أمام الدوائر القضائية».

ومن منظور سياسي، فإنه «لا يمكن التعاطف مع من تولى المسؤولية الوزارية، دون أساس قانوني واضح، ثم غادر المنصب بالطريقة ذاتها»، وهي رؤية المرشح الرئاسي السابق محمد المزوغي.