من التبيين إلى التبليغ: الكتابة في الفن المعاصر

تجلَّت في التشكيل بالحرف وأعمال التركيب والغرافيتي

يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة   القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب
يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب
TT

من التبيين إلى التبليغ: الكتابة في الفن المعاصر

يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة   القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب
يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب

مثلت الكتابة أداة للتبليغ في أعمال الفن المعاصر، بينما شكلت الكتلة البصرية قالباً للتبيين، وإعمال الفكر في بنية القول من حروف وكلمات وجمل، وهو الاختيار الذي تجلى على نحو بارز في صيغ التجهيز وفي اللوحة المعاصرة المرتكزة أساساً على الموازنة بين الصباغة والكولاج وإدماج الجاهز على مختلف الحوامل وأشكال السند، وأيضاً في فن الشارع الذي سكنه هاجس التبليغ بالموازاة مع مقاصد التبيين، للتأثير في أكبر شريحة من الجمهور.
ويمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة أهمها متصل بأعمال التركيب القائمة على وضع الحرف والكلمة بوصفها علامات قادمة من مرجعيات شتى في بؤرة العمل، ومستوى ثانٍ خاص بفن اللوحة، حيث يشكل السند بديلاً للصفحة في تمثل المكتوب، وتوزيع تشخصاته، وثالث متعلق بنزعة فن الشارع من جداريات و«غرافيتي» أساساً، إلى إبلاغ رسائل فكرية وسياسية وعقائدية، بنفس تهكمي تارة، واحتجاجي تارة أخرى ونقدي دائماً.
هكذا نجد عدداً كبيراً من أعمال النحت والتجهيز تخترقها الحروف المتشظية والمفردات أو حتى المقاطع، على سطحها أو في عمقها، أو أن هيكل العمل في بنيته الكلية ينهض على طبقات وافدة من إعادة تخطيط المفردة، وتحويلها من رسم مخطوط قابل للاستيعاب، إلى جذع ناقص موزع وفي وضع مرتبك، لا يحيل على معنى محدد، ففي عمل لسيزار بالداتشيني، يحمل عنوان: «سيزار»، يلوح من مستطيل معدني بطبقات وحواف منثنية الكلمة الدالة على المشروب الغازي «طونيك» على خلفية صفراء، ومن واجهة أخرى تفاصيل من علامة «كوكا كولا»، على سطح مكتنف بالتشوهات الزنكية المضغوطة، يتعلق الأمر بسدادات زجاجات المشروبات الغازية، المكتسحة للفضاءات العمومية، تبدو الكتلة في وضع تداخل عضوي ولوني متماهياً ومتوحداً، يفضي إلى إنتاج مكعب متداخل، تنثني حوافه وتنكمش صيغها اللونية في العمق الفضي للمعدن. ثمة إيحاء بانتهاء الصلاحية والتلاشي للشيء وللحرف المطبوع على حدٍ سواء، وانغمارهما معاً في لعبة إعادة التكوين، فالقول في النهاية ليس إلا إعادة تدوير للحروف والكلمات والجمل منتهية الصلاحية في استعمالها الظرفي، على نحو مستمر.
وفي منحوتات وتجهيزات أخرى متباينة الأحجام والصيغ، قدت من المعدن أو من الورق، تطفر المفردات في الغالب على نحو ناقص أو مثلوم أو متشظٍ، لتقول ما انقطع وفصل من منبته وتستثير السؤال عن تكوينها الجديد، أي خروجها من الاستعمال إلى التعبير الفني، في إحدى تلك المنحوتات، بعنوان «ريكار» لباداتشيني يبرز حرفا الراء والدال الأصفران يعلوهما مثلث - هرم باللون نفسه على خلفية زرقاء محفوفة بالأحمر المتضائل في عمق انثناءات الزنك في واجهة المستطيل الواقف. المشاهد لا يميز إلا أنها نثار علامة بائدة لهيكل سابق، بيد أنها باتت كتلة لا تنطوي إلا على مادتها الخارجية، فتتجلى الكتابة بوصفها جزءاً من الكتلة (الجسد) ومكوناً لهويته، قد تنمحي بشكل تدريجي، بيد أنها تصمد طويلاً وتحتفظ بأثرها الظاهر؛ التبيين هنا لا ينهض بغير ما تضمين للعلامة: لحرفي الراء والدال، أو «طونيك» و«كوكا كولا» في العمل السابق، ولا تهم دلالتهما الأصلية المنسوخة، وإنما ما قد توحيان به من معانٍ طارئة في اجتهادات التفسير بصدد الأصلي والزائف، أو الحقيقي والكاذب. هل الهيكل المعدني في وضعه الأول هو الأصل أم كتلته الجديدة؟ هو سؤال غير مكتوب، بيد أنه نافذ من صميم العمل القائم على الكتابة بالأثر المرئي. في تعبير لموريس مرلوبونتي: «لا وجود لمظهر دون إظهار وكل مظهر هو نسخة لإظهار»، أي أن الكتلة المرئية مرهونة بما تجليه، وبما تنطق به، وليس بطبيعتها الخرساء المقيمة، والمنطوق أو «الإظهار» مشروط بفعالية مخيلة التلقي.
ولعل أشكال وأساليب اللوحة المعاصرة في اجتبائها للمكتوب، سيما في التجارب الفنية العربية المعاصرة قمينة بإظهار مستوى مختلف من جدلية التبيين والتبليغ، ذلك المتعلق بالتبيين عبر الحروفيات، وبإدماج الكلمات والجمل والمقاطع، حيث يعاد تنظيم الصلة بين المعنى والعلامة المرئية على السند، فلا يضحى البعد الأفقي القائم على التبليغ هو القاعدة وإنما تبيين كتلة الحرف في تشخصاتها البصرية العمودية الماضية إلى جوهرها المطلق، ذلك ما أسماه شاكر حسن آل سعيد بالبعد الواحد للحرف، الذي لا يتجلى في التداولي - الكتابي، خارج التعبير الفني للوحات، إلا في الفعل التلقائي لعمل اليد غير المدربة ولا المنظمة، والتي يعكس تخطيطها إحساساً بالدوال، بقدر ما تجسد الحروف المرقومة حالة وعي بها، تمثل صورة مستقلة عن القصد التبليغي للمعنى، في تعبير للفنان العراقي يقول: «إني أحب أن أكتب الحرف في لوحاتي بطريقة الأطفال وطلاب المدارس وأنصاف المثقفين، أكثر من أن أكتبه بطريقة ماكينة الطباعة، أو الخطاط».
في عمل لشاكر حسن آل سعيد عمل عنوان: «خطوط على جدار»، برز الحرف في وضع برزخي بين الخفاء والتجلي، صيرورة ترتقي من عمق شبحي إلى تسطير، على خلفية تتدرج في مقامات اللون البنّي من القاعدة الداكنة إلى الأعلى الفاتح، مع تنويع في الحواف والعمق لمستويات القتامة، ثمة في البؤرة كلمتان لا تبينان، نصفهما معتم والنصف الآخر ظاهر، فيقع المشاهد أمام احتمالات: «هو الله»، أو«و الله»، أو«و له»، أو غيرها من إمكانات التهجية، بيد أن المهيمن في الكلمة الأولى هو «الواو» العاتي الماضي إلى مستقره كحركة محورية في التفاصيل، من لمسة الفرشاة السوداء في الوسط يساراً التي تترقرق من أسفلها دموع الحبر، والسطح المبقع بما يشبه نقاطاً لحروف ممحوة، وأرضية خضبها الحبر المسفوح.
والظاهر أن القصد من كل ذلك هو وضع «الواو» خارج سياق استعماله، أو وظيفته في التركيب، بما هو أداة انتقال، وعطف ومصاحبة أو قسم، إلى صفته باعتباره حركة لليد تخط ما يشبه نواة زوبعة على أديم، وهو الوضع الذي يجعل من تهجي لفظ الجلالة خارج الشك مهما ضمرت بدايته واختصرت إلى مجرد لام وهاء، إذ الحال يقتضي النظر إلى المآل بما هو حصيلة حتمية دالة لا تحتاج إلى تبيين. فاللوحة في هذا المنظور أشبه ما تكون بالجدار، ومحتواها ينظر إلى خربشات العابرين المجهولين، الناقصة والمعتمة والعشوائية، إذ لا يكون القصد منها تبليغ معنى، وإنما تشكيل صورة وتكدير بياض وتخليد أثر، وما بين تفاصيل ذلك رصدٌ لإيقاع التلاشي والانمحاء، حيث لا يبقى المكتوب دالاً بمعناه وإنما بمبناه المرئي والمحسوس، والمنذور للفناء.
وفي مستوى مغاير لجدل التبيين والتبليغ بين المكتوب والبصري في أعمال الفن المعاصر يتعلق الأمر بنزعة «فن الشارع» من جداريات و«غرافيتي»، إلى دمج التشكيل الحروفي باستراتيجيات التلطيخ الاحتجاجي، حيث يفقد القول معناه المباشر إلى ظاهره التشويشي للمكتوب على السند المملوك للغير. إن الكتابة في مرامي التصوير هنا، تشكل جزءاً من مرامي عنف التبيين، وفي هذا السياق تحديداً يمكن أن نرى أعمال الغرافيتي، التلقائية، والمؤقتة، بوصفها النموذج النقيض، في حيز الكتابة بالبصري، لمفهوم الأسلوب الاستشرافي المتصل بالمنحوتات والتجهيزات المثبتة في الفناءات المدينية، بقصد البقاء والخلود. إنه فن المظاهرات والانتفاضات والاحتجاج، وهو فن اللحظة، الذي يبقى مقترناً بها، ويتحول لشاهد أو ذكرى، إن لم يتم محوه أو طلاؤه باعتباره تجسيداً لزيغ تعبيري، مقترن بوعي فناني الشارع (المعلومين والمجهولين)، ممن يسكن وعيهم وخيالهم الرغبة في تمثيل الغائبين وإسماع صوتهم للسلطة وإزعاجها، وذلك بجعل المكتوب يقول ويحجب في آن، ويرمي لصدم المشاهد برغبته في خدش الصفاء الصباغي وتلويثه. حيث لا يمكن النظر لأعمال الغرافيتي المتمركزة حول أفكار العدل والحق والثورة والحرية بوصفها كيانات جمالية مجردة، وإلا لما كان ثمة تاريخ للجداريات بهذا الرصيد الممتد، منذ الأسطوريات القديمة إلى العقائديات السياسية الحديثة والمعاصرة، حيث يبدو المكتوب مدمجاً في رغبة تخليد الأثر المرئي الصاعق والحاد.
في جدار عمومي بمدينة «براغ» يحمل عنوان: «جون لينون وول»، تتراكب طبقات الألوان على نحو عشوائي، الأخضر والأصفر والأبيض والأسود والبني والبنفسجي والأزرق عبر خطوط ودوائر وعلامات تجارية ودينية وجنسية ولغوية، مفردات وجمل وأحرف متشظية، تقول وتحجب وتطمس بعضها، في لعبة ناسخ ومنسوخ بصري، يتجلى القول كذريعة للاسترسال في التلوين والصباغة ومضاعفة طبقات الصباغة على سند إسمنتي ثابت، لا يبدو الاحتجاج ولا النقد محركاً ما كتب، وإنما توجيه رسائل ناقصة لمن يهمهم الأمر، من أشخاص حقيقيين أو متخيلين، وتخليد القول بما هو شهادة عبور من أمام اللوحة الجماعية. ففي أحيان عديدة تتحول جداريات «الغرافيتي» إلى ذاكرة للعبور، وتقاطع المسارات والأقوال واللغات والرموز، ذاكرة للأثر الذي يركب مع تواتر الزمن معالم لوحة من دون موضوع ولا قصد ولا تخطيط، قصاراها التبيين بالإشارة وتخطي وضوح القول. وكسر سلطة المتحف والرواق اللذين يحتضنان، ما وسمه بعض النقاد المنحازين للفن المعاصر بـ«المصطنع والموغل في التعقيد، بوصفه فن المثقفين».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
TT

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء، وينتمي الفيلم، الذي حصد تنويهاً من لجنة تحكيم مسابقة «أجيال» بمهرجان «برلين السينمائي» في نسخته الماضية، للأعمال ذات الإنتاج المشترك مع تقديمه بشراكة هندية سنغافورية.

تدور أحداث الفيلم خلال صيف مفصلي في حياة طفل في الحادية عشرة يُدعى «ميفان»، يجد نفسه مُقتلعاً من إيقاع المدينة السريع إلى قرية أجداده البعيدة، حيث الزمن أبطأ، والعلاقات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، لنشاهد في افتتاحية الفيلم، صدمة الانتقال لطفل اعتاد على الراحة والسرعة والاتصال الدائم، يُلقى به في فضاء لا يعترف بالعجلة ولا بالمكافآت الفورية.

حصد الفيلم تنويهاً من لجنة التحكيم في «برلين السينمائي» (إدارة المهرجان)

القرية ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي عالم مغاير بقوانينه الخاصة، حيث كل شيء يتطلب انتظاراً، وكل علاقة تحتاج إلى وقت كي تتشكل، من هنا، يبدأ الصراع الصامت بين «ميفان» والمحيط الجديد، ويتجسد في علاقته المتحفظة بعمته الشابة «باهي»، وهي علاقة مثقلة بمشاعر غير منطوقة وماضٍ لم يُحسم بعد.

تنسج المعالجة الدرامية خيوطها عبر تفاصيل الحياة اليومية، والذهاب إلى المدرسة، والاحتكاك بأطفال القرية، ومراقبة الحيوانات والطبيعة، والانخراط تدريجياً في روتين يبدو بسيطاً لكنه يحمل دروساً عميقة، فلا يعتمد الفيلم على أحداث كبرى أو تحولات درامية صاخبة، بل يراهن على التراكم البطيء للحظات الصغيرة التي تُعيد تشكيل وعي الطفل بذاته وبالآخرين.

العلاقة بين ميفان وعمته تشكل العمود الفقري العاطفي للفيلم، فالتوتر بينهما لا يُحل عبر مواجهات مباشرة، ولكن من خلال صمت طويل يسمح للمشاعر الدفينة أن تطفو تدريجياً إلى السطح، حضور «ميفان» الهادئ داخل المنزل يُعيد فتح جراح قديمة، ويكشف هشاشة الكبار بقدر ما يكشف ارتباك الصغار.

صناع الفيلم خلال حضورهم في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

تطرح المعالجة أيضاً ثنائية لافتة بين العالم الرقمي وإيقاع القرية البطيء، فالطفل «ميفان»، ابن المدينة، يحمل داخله ضجيج التكنولوجيا وتوقعات الإنجاز السريع، بينما تفرض عليه القرية زمناً مختلفاً، بلا شاشات تُكافئه فوراً ولا مقارنات تُحفزه على السباق، هذا الاحتكاك بين السرعة والسكون لا يُدان فيه أي طرف، بل يُقدَّم بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول ما نكسبه وما نخسره حين يتغير إيقاع حياتنا.

تقول مخرجة الفيلم ريما داس لـ«الشرق الأوسط» إن «ليس بطلاً» يمثل بالنسبة لها امتداداً لمسار فني تنشغل فيه دائماً بالطفولة بوصفها مساحة صدق خالص، مشيرة إلى أن فكرة الفيلم انطلقت من تساؤل بسيط لكنه عميق، وهو ماذا لو لم تكن البطولة مرتبطة بالإنجازات الكبرى أو التحولات الصاخبة؟ وماذا لو كانت البطولة في القدرة على البقاء، والتحمل؟

وأوضحت أن شخصية «ميفان» لم تُكتب على أنها بطل تقليدي، بل هي شخصية طفل يعيش ارتباكه بالكامل، من دون أن يملك أدوات تحليل مشاعره، بل يختبرها كما هي، بعفوية وتناقض، لافتة إلى أن اسم الفيلم «ليس بطلاً» يحمل موقفاً فكرياً واضحاً مرتبطاً بـ«مقاومة لفكرة الانتصار الدائم».

مخرجة الفيلم خلال حديثها في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأشارت إلى أنها لم تكن مهتمة بتقديم قصة نضج تقوم على التغلب أو الفوز، بل على التعلم البطيء، وعلى تقبل الفشل والانتظار والارتباك باعتباره جزءاً طبيعياً من النمو، لافتة إلى أن أكثر أشكال الشجاعة التي تلمسها في الحياة اليومية هي تلك الهادئة، التي لا تُعلن نفسها، بل تظهر في تفاصيل صغيرة متمثلة في الإصغاء، والصبر.

وعن اختيارها السرد من منظور طفل في الحادية عشرة، أوضحت أن الأطفال يرون العالم بلا فلاتر جاهزة، كما أنهم قادرون على احتضان التناقضات من دون الحاجة إلى تبريرها، مشيرة إلى أن «ميفان» لا يحلل مشاعره، بل يعيشها، وهو ما منح الفيلم مساحة لمراقبة علاقات معقدة من دون إصدار أحكام، عبر هذا المنظور الطفولي الذي سمح بأن يظهر الانتماء بوصفه تجربة تُكتسب تدريجياً، وليس مفهوماً يُشرح أو يتم فرضه.

قدم الفيلم جانباً إنسانياً (مهرجان برلين)

وتطرقت إلى حضور التكنولوجيا في الفيلم، مؤكدة أنها لم تكن تسعى إلى إدانتها، بل إلى مراقبة ما يحدث حين يلتقي إيقاع السرعة الرقمية بسكون القرية، مشيرة إلى أن الأطفال اليوم يتعرضون لضغط الضوضاء، والآراء المتدفقة، والمقارنات المستمرة، والمكافآت الفورية، حتى لو لم يدركوا أثر ذلك بشكل واعٍ.

وأوضحت أن الفيلم يحاول عكس هذه الحالة، وطرح سؤال حول ما نفقده وما نكسبه حين يتغير إيقاع الزمن من حولنا، لافتة إلى أن تجربتها في العمل مع الأطفال تغيّرت عبر السنوات، فبعدما كان الأطفال ينصتون إليها باعتبارها المخرجة التي تقود المشهد في تجاربها السابقة، أصبحت اليوم تشعر بأنها مطالبة بالإنصات إليهم أكثر، لأن عالمهم تغيّر، وأصواتهم باتت تحمل وعياً مختلفاً.


ميرفت أمين: لن أكتب مذكراتي وحياتي تخصني وحدي

الفنانة المصرية ميرفت أمين (الشرق الأوسط)

ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)
الفنانة المصرية ميرفت أمين (الشرق الأوسط) ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)
TT

ميرفت أمين: لن أكتب مذكراتي وحياتي تخصني وحدي

الفنانة المصرية ميرفت أمين (الشرق الأوسط)

ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)
الفنانة المصرية ميرفت أمين (الشرق الأوسط) ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)

قالت الفنانة المصرية ميرفت أمين إنها تحمست للعمل في مسلسل «كلهم بيحبوا مودي» لكونه يعتمد على الكوميديا بعد أن حدثها عنه بطل المسلسل الفنان ياسر جلال وأصر على مشاركتها له في المسلسل، مؤكدة في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «شخصية (همت) التي تؤديها تعكس مواقف كوميدية مع نجل شقيقها متعدد العلاقات».

وتؤكد ميرفت أنها «تحب الكوميديا وترى أنها الأنسب لشهر رمضان»، وتلفت إلى أنها «قدمت أفلاماً مع نجوم الكوميديا الكبار مثل عادل إمام وسمير غانم وكانت لا تملك نفسها من الضحك أثناء التصوير، ودافعت أمين عن ياسر جلال بعد تعرضه لهجوم «سوشيالي» قائلة إنه ممثل ومن حقه أن يجرب نفسه في أدوار جديدة، كما نفت كتابة مذكراتها، مؤكدة أنها لن تكتبها.

ميرفت أمين مع ياسر جلال في كواليس تصوير المسلسل (حساب ياسر جلال على فيسبوك)

وتقول عن مشاركتها في مسلسل «كلهم بيحبوا مودي»: «ياسر جلال هو من تواصل معي وقال لي إن الدور دمه خفيف، فتحمست للمشاركة في عمل كوميدي يكون وقعه خفيفاً على الناس في رمضان».

وترى أن الجمهور يحب الكوميديا والأعمال الخفيفة في رمضان: «القضايا والمشكلات الاجتماعية تكون ملائمة لعرضها خارج رمضان كما أن عرض نحو 25 مسلسلاً خلال الشهر يُعدّ كثيراً، وهناك مسلسلات عدة تتعرض لظلم في العرض الرمضاني؛ لأنه لا تتم مشاهدتها بشكل جيد».

ورغم مشوارها الفني الطويل، فإن النجمة المصرية تؤكد أن مساحة الدور لا تعنيها: «لا أقيس الدور بالمتر، المهم يكون له وقع جيد لدى الناس ويسعدون به ويشعرون أنني قدمت عملاً جديداً ومختلفاً، لا سيما وأنني قدمت مختلف الشخصيات في أفلام ومسلسلات؛ لذلك أُدرك تماماً صعوبة شيئين، الأول أن أجد دوراً جديداً بسهولة، والآخر أن أُعيد تقديم دور سبق وقدمته؛ لذا أتمسك بأي عمل يكون به شيء مختلف وهو ما وجدته في (كلهم بيحبوا مودي)».

ياسر جلال هو من أقنعها بالعمل (حساب ياسر جلال علي فيسبوك)

وتشير إلى أن فكرة العمل هي أول شيء يجذبها؛ «لأنها الأساس الذي تدور حوله الأحداث، وما دام الموضوع جيداً وهناك مخرج ماهر فلا بد أن يكون الممثلون في أفضل حالاتهم».

وحول تعرض ياسر جلال لهجوم «سوشيالي» لكونه نائباً بمجلس الشيوخ وأن هذا المسلسل لا يليق به، تقول: «لا أتابع (السوشيال ميديا)، لكن ياسر تم اختياره عضواً بمجلس الشيوخ بصفته فناناً، ومن حقه بصفته ممثلاً أن يجرب نفسه في مختلف الأدوار».

نجوم الكوميديا

وترى الفنانة الكبيرة في التمثيل متنفساً لها؛ إذ يسعدها وقوفها أمام الكاميرا في عمل جديد وناجح، كما تشعر بالراحة النفسية حين يعجب الناس بأدوارها.

وقدمت ميرفت أمين أفلاماً كوميدية مع سمير غانم وعادل إمام، على غرار «البعض يذهب للمأذون مرتين»، «العيال الطيبين»، «البحث عن فضيحة»، «واحدة بواحدة»، «مرجان أحمد مرجان» وتقول عن ذلك: «شاركت في مجموعة كبيرة من الأفلام الكوميدية، وأرى أن أداء هذا اللون وحتى كتابته ليس سهلاً، فهناك شعرة بين الإضحاك و(الاستظراف) في الأداء، ويعتمد نجاحه على الكتابة والمخرج معاً».

وتؤكد أن عادل إمام وسمير غانم أكثر فنانين يضحكانها، وتروي أنه أثناء تصوير فيلم «حماتي بتحبني» كان يجمعها مشهد مع سمير غانم فكانت كلما نظرت لوجه سمير غانم لا تتمالك نفسها من الضحك، وفي كل مرة كانت تعيد فيها المشهد يتكرر الأمر حتى تمكن المخرج من تصويره بعد إعادات كثيرة، مشيرة إلى أن سمير غانم كان يتمتع بـ«كاريزما» و«دمه خفيف» في كل حالاته.

ويُضحكها من الأجيال الأحدث هشام ماجد، ومصطفى غريب، ومصطفى أبو سريع وانتصار وتصفها بأنها «كوميديانة فظيعة» و«شديدة الإقناع» في الأدوار الجادة. كما تُبدي سعادتها بعودة عبلة كامل وظهورها في إعلان رمضاني، متمنية أن تعود للتمثيل مجدداً لأنها تتمتع بتلقائية كبيرة في الأداء.

في رمضان الماضي كان لميرفت أمين حضور بالإعلانات، حين ظهرت مع الفنان حسين فهمي، وتكشف عن أنها ترددت طويلاً تجاه المشاركة بإعلانات، قائلة: «وافقت بعد إلحاح كبير وشجعني حسين فهمي، علاوة على أن فكرة الإعلان كانت رائعة من حيث الشكل الفني والقصة التي بدت مثل فيلم قصير».

وترى أمين أن مسلسلات الـ15 حلقة أحدثت تغييراً وجعلت الدراما أكثر تكثيفاً وأنها خفيفة على الممثلين والمشاهدين معاً، كما أكدت أنها تحب مشاهدة أعمال منة شلبي وتراها ممثلة بارعة في اختياراتها، وإلهام شاهين حين تقدم عملاً يكون مختلفاً، ويسرا بأعمالها المهمة.

ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)

لا تشاهد ميرفت أمين أفلامها إلا إذا عُرضت أمامها بالصدفة، لكنها تعتز بها كثيراً وتحب بشكل خاص أفلام «زوجة رجل مهم»، «الأراجوز»، «الحفيد»، «حافية على جسر الذهب»، حيث كان الإنتاج السينمائي أكثر غزارة، وكما تقول «كنت أنتهي من فيلم لأبدأ في آخر، ولم يكن التلفزيون بهذه السطوة؛ فقد سحب كثيراً من السينما».

اعتذار عن التكريمات

واعتذرت أمين مؤخراً عن تكريم سينمائي مهم، مؤكدة أن تكريمها يأتي من الناس الذين يبدون سعادتهم بمشاهدة أعمالها، لكن التكريم الوحيد الذي رحبت به حين كان مع عدد من نجوم الرومانسية بمهرجان القاهرة السينمائي خلال رئاسة الفنان حسين فهمي الأولى للمهرجان، وشهد حضورها مع كل من أحمد مظهر، ومريم فخر الدين، ولبنى عبد العزيز، ونجلاء فتحي ومحمود ياسين.

وأغلقت ميرفت أمين بابها بعد رحيل أعز صديقاتها الفنانات شويكار، ورجاء الجداوي ودلال عبد العزيز؛ فقد كُنّ بالنسبة لها «عشرة العمر»، وتعرضت لصدمة لرحيلهن المتتابع، لكنها تجد سلوى كبيرة في تواصلها الدائم مع بناتهن، مؤكدة أنهن مثل ابنتها الوحيدة منة الله.

ورغم تلقيها عروضاً كثيرة لكتابة مذكراتها، فإن ميرفت أمين ترفض هذا المبدأ تماماً، وتؤكد قائلة: لن أكتب مذكراتي، بالنسبة لأعمالي الفنية فقد تحدثت عنها طويلاً في الصحافة والبرامج التلفزيونية وقت تصويرها، أما حياتي فهي مسألة تخصني أنا فقط».


«المسحراتي» المصري يتحول إلى فلكلور بعد افتقاده مهمته الأساسية

المسحراتي في شوارع مغاغة بالمنيا (الشرق الأوسط)
المسحراتي في شوارع مغاغة بالمنيا (الشرق الأوسط)
TT

«المسحراتي» المصري يتحول إلى فلكلور بعد افتقاده مهمته الأساسية

المسحراتي في شوارع مغاغة بالمنيا (الشرق الأوسط)
المسحراتي في شوارع مغاغة بالمنيا (الشرق الأوسط)

في مفارقة لافتة، يدور الفنان سيد رجب الذي يقوم بشخصية «رمضان» المسحراتي في شوارع الحي الذي يسكن فيه بمسلسل «رمضان كريم». يدق على الطبلة وينادي بصوت عالٍ «اصح يا نايم وحد الدايم»، لكنه في الحقيقة يمشي في شارع صاخب مزدحم بالأصوات والأشخاص. هو هنا لا يوقظ النائمين بقدر ما يجمع حوله سكان الشارع الساهرين.

المظهر المميز الذي أصبح يحرص عليه بعض ممن يمارسون مهنة «المسحراتي» في مصر بارتداء ملابس براقة تلفت الأنظار، جعل أيضاً الأطفال في كل مكان يتوجهون إليه يتابعونه ويسيرون وراءه فيما يشبه المواكب الاحتفالية، وهناك على الجانب الآخر حافظ البعض من قارعي الطبول الرمضانية على وجودهم التقليدي، وبين هذا وذاك ظل «المسحراتي» في شهر رمضان يمثل نوعاً من النوستالجيا لدى كثير من الذين عاصروه قديماً، وهو يسير في الشوارع بطبلته التراثية ينبه النائمين لموعد «السحور».

المسحراتي يجوب شوارع في القاهرة (الشرق الأوسط)

في الفترة الأخيرة شهدت بعض شوارع مصر ظاهرة المسحراتي المضيء، نعم هم شباب يرتدون ملابس فسفورية أو مضيئة، يعزفون على آلات نحاسية بمصاحبة ضاربي الطبول، لكن الحصول على مثل هذه الآلات يحتاج لأموال كثيرة وفق قول أحمد عوض (مسحراتي - أربعيني بمنطقة الهرم)، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه لا يحتاج إلى أكثر من دراجته وطبلته القديمة، يجهزهما مع قدوم شهر رمضان، ويتفرغ تماماً من عمله في تجارة الخضر، والفاكهة، يجوب بطبلته المعدنية الأحياء القريبة وينادي على السكان، كلٌّ باسمه.

عوض واحد من بين كثيرين يرون أن مهنة المسحراتي لا أجر لها، وأن جزاءه عند الله، يخرج في بعض الأحيان بصحبة بناته الثلاث الصغيرات، للاحتفال ليس أكثر، يمر على جيرانه وأحبابه، يغني أغانيه نفسها، وينادي، وهم يجودون بما يمكن أن يفيض عن حاجتهم، هو لا يسأل أحداً، لكنه يفرح حين يرى المحبة والفرحة في عيون الناس، وهم يستقبلونه وقد يعطونه بعض الحلوى أو المأكولات.

عمل المسحراتي كمهنة مؤقتة بات يمثل طقساً خاصاً في حد ذاته، أما دوره في تنبيه الصائمين للقيام وتناول السحور فلم يعد، كما يقول «ياسر المسحراتي»، كما كان في الماضي، حيث سيطرت أدوات التنبيه الحديثة وصارت قادرة على القيام بالمهمة، فضلاً عن مسلسلات وبرامج القنوات الفضائية التي تستمر على مدار الساعة ولا تسمح لكثير من أفراد الأسر والعائلات بالنوم.

المسحراتي في مسلسل «رمضان كريم» (يوتيوب)

«ياسر المسحراتي» حسبما يفضل مناداته، مهنته الأصلية كي الملابس، مثل معظم أفراد عائلته، يتجاوز عمره الثلاثين عاماً بقليل، وقد ورث عن عمه استقبال شهر رمضان بما يحب من أعمال: «عادة التجول في شوارع المدينة ودق الطبلة».

يحب ياسر ما يقوم به لارتباطه بشهر رمضان، هو يعرف أن لا أحد ينام في ليالي الشهر الكريم لما بها من روحانيات. يستشعرها وهو يسير في شوارع مدينته مغاغة بالمنيا (جنوب مصر) ويضيف: «أعرف أن معظم أهل المدينة يسهرون لمتابعة التلفزيون، لكنني في الحقيقة لا أقصد تنبيه الكبار، تجولي في الشوارع هدفه السعادة والبهجة التي أحرص دائماً على أن أراها في أعين الأطفال».

ولا تقتصر مهنة المسحراتي على الرجال فقط، بل هناك بعض النساء اللواتي تنافسهم في أعمالهم، ومن هؤلاء سعدية محمود، التي تجاوز عمرها الستين، وتتجول في منطقة العمرانية: «يعرفني سكان الحي منذ أن كنت أشارك زوجي الراحل قبل سنوات في مسيراته الليلية، أعرف شوارع العمرانية وبيوتها، وسكانها، وهم يعرفونني، وأنتظر رمضان لأخرج في لياليه وأبارك للناس فرحة ساعاته، وأدعو لهم بأن يتقبل الله صيامهم، أدق أبواب البعض، وهم يرحبون بي، ولا أعود بيد فارغة من خيراتهم أبداً». وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المسحراتي مهنة رمضانية يتوارثها البعض (الشرق الأوسط)

ورثت سعدية عمل المسحراتي عن أبيها وجدها، وما زالت الطبلة التي كانا يستعملانها في يدها تجوب بها الطريق، طبلة تشبه إلى حد بعيد الطبق، مكسوة بنوع من الجلد القوي.

منذ صباها وهي تحب أن تصطحب أباها، وعندما كبرت تزوجت رجلاً يعشق المهنة، يتجهز كل موسم بطبلته وجلبابه، ظلت تصاحبه في ليالي رمضان، حتى رحل، وصارت تتحرك بمفردها في شوارع العمرانية وتتذكر أيامها معه، لكن أكثر ما يسعدها هو «فرحة الأطفال بها، ونظراتهم التي تمتلئ بالحب والبراءة»، حسب تعبيرها.

وفي منطقة المنيب يتجول مسعود فضل، «ستيني»، بين شوارعها التي يعرفها جيداً، يعمل في الأصل بأحد أفران الخبز البلدي، لكنه حين يهل رمضان، تكون ساعات عمله خلال النهار، لذا تصير لديه أوقات فراغ غير قليلة يستغلها في أحب عمل يرى فيه فضلاً وخيراً كثيراً، حين يشارك في تذكير البعض بالسحور، يحب فضل - وفق قوله - «الخروج بطبلته ومعه ابنه الشاب، يتجول بين شوارع المنيب ذات الإضاءة الخافتة، وهو لا يبحث أو يطلب عطايا أو الحصول على فائدة، لكنه يفرح بمشاركة الناس ساعات رمضان المباركة».