من التبيين إلى التبليغ: الكتابة في الفن المعاصر

تجلَّت في التشكيل بالحرف وأعمال التركيب والغرافيتي

يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة   القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب
يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب
TT

من التبيين إلى التبليغ: الكتابة في الفن المعاصر

يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة   القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب
يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب

مثلت الكتابة أداة للتبليغ في أعمال الفن المعاصر، بينما شكلت الكتلة البصرية قالباً للتبيين، وإعمال الفكر في بنية القول من حروف وكلمات وجمل، وهو الاختيار الذي تجلى على نحو بارز في صيغ التجهيز وفي اللوحة المعاصرة المرتكزة أساساً على الموازنة بين الصباغة والكولاج وإدماج الجاهز على مختلف الحوامل وأشكال السند، وأيضاً في فن الشارع الذي سكنه هاجس التبليغ بالموازاة مع مقاصد التبيين، للتأثير في أكبر شريحة من الجمهور.
ويمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة أهمها متصل بأعمال التركيب القائمة على وضع الحرف والكلمة بوصفها علامات قادمة من مرجعيات شتى في بؤرة العمل، ومستوى ثانٍ خاص بفن اللوحة، حيث يشكل السند بديلاً للصفحة في تمثل المكتوب، وتوزيع تشخصاته، وثالث متعلق بنزعة فن الشارع من جداريات و«غرافيتي» أساساً، إلى إبلاغ رسائل فكرية وسياسية وعقائدية، بنفس تهكمي تارة، واحتجاجي تارة أخرى ونقدي دائماً.
هكذا نجد عدداً كبيراً من أعمال النحت والتجهيز تخترقها الحروف المتشظية والمفردات أو حتى المقاطع، على سطحها أو في عمقها، أو أن هيكل العمل في بنيته الكلية ينهض على طبقات وافدة من إعادة تخطيط المفردة، وتحويلها من رسم مخطوط قابل للاستيعاب، إلى جذع ناقص موزع وفي وضع مرتبك، لا يحيل على معنى محدد، ففي عمل لسيزار بالداتشيني، يحمل عنوان: «سيزار»، يلوح من مستطيل معدني بطبقات وحواف منثنية الكلمة الدالة على المشروب الغازي «طونيك» على خلفية صفراء، ومن واجهة أخرى تفاصيل من علامة «كوكا كولا»، على سطح مكتنف بالتشوهات الزنكية المضغوطة، يتعلق الأمر بسدادات زجاجات المشروبات الغازية، المكتسحة للفضاءات العمومية، تبدو الكتلة في وضع تداخل عضوي ولوني متماهياً ومتوحداً، يفضي إلى إنتاج مكعب متداخل، تنثني حوافه وتنكمش صيغها اللونية في العمق الفضي للمعدن. ثمة إيحاء بانتهاء الصلاحية والتلاشي للشيء وللحرف المطبوع على حدٍ سواء، وانغمارهما معاً في لعبة إعادة التكوين، فالقول في النهاية ليس إلا إعادة تدوير للحروف والكلمات والجمل منتهية الصلاحية في استعمالها الظرفي، على نحو مستمر.
وفي منحوتات وتجهيزات أخرى متباينة الأحجام والصيغ، قدت من المعدن أو من الورق، تطفر المفردات في الغالب على نحو ناقص أو مثلوم أو متشظٍ، لتقول ما انقطع وفصل من منبته وتستثير السؤال عن تكوينها الجديد، أي خروجها من الاستعمال إلى التعبير الفني، في إحدى تلك المنحوتات، بعنوان «ريكار» لباداتشيني يبرز حرفا الراء والدال الأصفران يعلوهما مثلث - هرم باللون نفسه على خلفية زرقاء محفوفة بالأحمر المتضائل في عمق انثناءات الزنك في واجهة المستطيل الواقف. المشاهد لا يميز إلا أنها نثار علامة بائدة لهيكل سابق، بيد أنها باتت كتلة لا تنطوي إلا على مادتها الخارجية، فتتجلى الكتابة بوصفها جزءاً من الكتلة (الجسد) ومكوناً لهويته، قد تنمحي بشكل تدريجي، بيد أنها تصمد طويلاً وتحتفظ بأثرها الظاهر؛ التبيين هنا لا ينهض بغير ما تضمين للعلامة: لحرفي الراء والدال، أو «طونيك» و«كوكا كولا» في العمل السابق، ولا تهم دلالتهما الأصلية المنسوخة، وإنما ما قد توحيان به من معانٍ طارئة في اجتهادات التفسير بصدد الأصلي والزائف، أو الحقيقي والكاذب. هل الهيكل المعدني في وضعه الأول هو الأصل أم كتلته الجديدة؟ هو سؤال غير مكتوب، بيد أنه نافذ من صميم العمل القائم على الكتابة بالأثر المرئي. في تعبير لموريس مرلوبونتي: «لا وجود لمظهر دون إظهار وكل مظهر هو نسخة لإظهار»، أي أن الكتلة المرئية مرهونة بما تجليه، وبما تنطق به، وليس بطبيعتها الخرساء المقيمة، والمنطوق أو «الإظهار» مشروط بفعالية مخيلة التلقي.
ولعل أشكال وأساليب اللوحة المعاصرة في اجتبائها للمكتوب، سيما في التجارب الفنية العربية المعاصرة قمينة بإظهار مستوى مختلف من جدلية التبيين والتبليغ، ذلك المتعلق بالتبيين عبر الحروفيات، وبإدماج الكلمات والجمل والمقاطع، حيث يعاد تنظيم الصلة بين المعنى والعلامة المرئية على السند، فلا يضحى البعد الأفقي القائم على التبليغ هو القاعدة وإنما تبيين كتلة الحرف في تشخصاتها البصرية العمودية الماضية إلى جوهرها المطلق، ذلك ما أسماه شاكر حسن آل سعيد بالبعد الواحد للحرف، الذي لا يتجلى في التداولي - الكتابي، خارج التعبير الفني للوحات، إلا في الفعل التلقائي لعمل اليد غير المدربة ولا المنظمة، والتي يعكس تخطيطها إحساساً بالدوال، بقدر ما تجسد الحروف المرقومة حالة وعي بها، تمثل صورة مستقلة عن القصد التبليغي للمعنى، في تعبير للفنان العراقي يقول: «إني أحب أن أكتب الحرف في لوحاتي بطريقة الأطفال وطلاب المدارس وأنصاف المثقفين، أكثر من أن أكتبه بطريقة ماكينة الطباعة، أو الخطاط».
في عمل لشاكر حسن آل سعيد عمل عنوان: «خطوط على جدار»، برز الحرف في وضع برزخي بين الخفاء والتجلي، صيرورة ترتقي من عمق شبحي إلى تسطير، على خلفية تتدرج في مقامات اللون البنّي من القاعدة الداكنة إلى الأعلى الفاتح، مع تنويع في الحواف والعمق لمستويات القتامة، ثمة في البؤرة كلمتان لا تبينان، نصفهما معتم والنصف الآخر ظاهر، فيقع المشاهد أمام احتمالات: «هو الله»، أو«و الله»، أو«و له»، أو غيرها من إمكانات التهجية، بيد أن المهيمن في الكلمة الأولى هو «الواو» العاتي الماضي إلى مستقره كحركة محورية في التفاصيل، من لمسة الفرشاة السوداء في الوسط يساراً التي تترقرق من أسفلها دموع الحبر، والسطح المبقع بما يشبه نقاطاً لحروف ممحوة، وأرضية خضبها الحبر المسفوح.
والظاهر أن القصد من كل ذلك هو وضع «الواو» خارج سياق استعماله، أو وظيفته في التركيب، بما هو أداة انتقال، وعطف ومصاحبة أو قسم، إلى صفته باعتباره حركة لليد تخط ما يشبه نواة زوبعة على أديم، وهو الوضع الذي يجعل من تهجي لفظ الجلالة خارج الشك مهما ضمرت بدايته واختصرت إلى مجرد لام وهاء، إذ الحال يقتضي النظر إلى المآل بما هو حصيلة حتمية دالة لا تحتاج إلى تبيين. فاللوحة في هذا المنظور أشبه ما تكون بالجدار، ومحتواها ينظر إلى خربشات العابرين المجهولين، الناقصة والمعتمة والعشوائية، إذ لا يكون القصد منها تبليغ معنى، وإنما تشكيل صورة وتكدير بياض وتخليد أثر، وما بين تفاصيل ذلك رصدٌ لإيقاع التلاشي والانمحاء، حيث لا يبقى المكتوب دالاً بمعناه وإنما بمبناه المرئي والمحسوس، والمنذور للفناء.
وفي مستوى مغاير لجدل التبيين والتبليغ بين المكتوب والبصري في أعمال الفن المعاصر يتعلق الأمر بنزعة «فن الشارع» من جداريات و«غرافيتي»، إلى دمج التشكيل الحروفي باستراتيجيات التلطيخ الاحتجاجي، حيث يفقد القول معناه المباشر إلى ظاهره التشويشي للمكتوب على السند المملوك للغير. إن الكتابة في مرامي التصوير هنا، تشكل جزءاً من مرامي عنف التبيين، وفي هذا السياق تحديداً يمكن أن نرى أعمال الغرافيتي، التلقائية، والمؤقتة، بوصفها النموذج النقيض، في حيز الكتابة بالبصري، لمفهوم الأسلوب الاستشرافي المتصل بالمنحوتات والتجهيزات المثبتة في الفناءات المدينية، بقصد البقاء والخلود. إنه فن المظاهرات والانتفاضات والاحتجاج، وهو فن اللحظة، الذي يبقى مقترناً بها، ويتحول لشاهد أو ذكرى، إن لم يتم محوه أو طلاؤه باعتباره تجسيداً لزيغ تعبيري، مقترن بوعي فناني الشارع (المعلومين والمجهولين)، ممن يسكن وعيهم وخيالهم الرغبة في تمثيل الغائبين وإسماع صوتهم للسلطة وإزعاجها، وذلك بجعل المكتوب يقول ويحجب في آن، ويرمي لصدم المشاهد برغبته في خدش الصفاء الصباغي وتلويثه. حيث لا يمكن النظر لأعمال الغرافيتي المتمركزة حول أفكار العدل والحق والثورة والحرية بوصفها كيانات جمالية مجردة، وإلا لما كان ثمة تاريخ للجداريات بهذا الرصيد الممتد، منذ الأسطوريات القديمة إلى العقائديات السياسية الحديثة والمعاصرة، حيث يبدو المكتوب مدمجاً في رغبة تخليد الأثر المرئي الصاعق والحاد.
في جدار عمومي بمدينة «براغ» يحمل عنوان: «جون لينون وول»، تتراكب طبقات الألوان على نحو عشوائي، الأخضر والأصفر والأبيض والأسود والبني والبنفسجي والأزرق عبر خطوط ودوائر وعلامات تجارية ودينية وجنسية ولغوية، مفردات وجمل وأحرف متشظية، تقول وتحجب وتطمس بعضها، في لعبة ناسخ ومنسوخ بصري، يتجلى القول كذريعة للاسترسال في التلوين والصباغة ومضاعفة طبقات الصباغة على سند إسمنتي ثابت، لا يبدو الاحتجاج ولا النقد محركاً ما كتب، وإنما توجيه رسائل ناقصة لمن يهمهم الأمر، من أشخاص حقيقيين أو متخيلين، وتخليد القول بما هو شهادة عبور من أمام اللوحة الجماعية. ففي أحيان عديدة تتحول جداريات «الغرافيتي» إلى ذاكرة للعبور، وتقاطع المسارات والأقوال واللغات والرموز، ذاكرة للأثر الذي يركب مع تواتر الزمن معالم لوحة من دون موضوع ولا قصد ولا تخطيط، قصاراها التبيين بالإشارة وتخطي وضوح القول. وكسر سلطة المتحف والرواق اللذين يحتضنان، ما وسمه بعض النقاد المنحازين للفن المعاصر بـ«المصطنع والموغل في التعقيد، بوصفه فن المثقفين».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

أنغام تتألَّق في جدة... إطلالة جديدة وتفاعل جماهيري واسع

أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)
أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)
TT

أنغام تتألَّق في جدة... إطلالة جديدة وتفاعل جماهيري واسع

أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)
أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)

خطفت المطربة المصرية أنغام الأضواء بإطلالة جديدة خلال حفلها الذي أُقيم مساء الخميس في مدينة جدة بالسعودية ضمن حفلات موسم عيد الفطر، وقدّمت خلال الحفل عدداً من أغنياتها الشهيرة والجديدة، وسط تفاعل جماهيري، فضلاً عن الإشادات التي حظيت بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدَّر اسم أنغام «الأكثر تداولاً» على محرّك البحث «غوغل» في مصر، الجمعة، مع أخبار ومقاطع وصور من حفلها على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» بجدة، وتفاعل الجمهور خصوصاً مع أحدث أغنياتها «مش قادرة» التي طرحتها بالتزامن مع حفلات عيد الفطر، وحقَّقت مشاهدات تجاوزت 8 ملايين مشاهدة على المنصات المختلفة خلال يومين من طرحها، وحين قدَّمتها على المسرح حظيت بإعجاب وتفاعل. وغنّت أيضاً أغنيات «وين تروح»، و«قلبك»، و«ياريتك فاهمني»، وغيرها.

وحظي الحفل بتعليقات متنوّعة أشادت بأداء أنغام وإحساسها في الغناء، وأبرزت بعض الصفحات المؤتمر الصحافي الذي تحدَّثت فيه الفنانة لهذه المناسبة.

وأكدت سعادتها وحرصها على الغناء في جدة، مؤكدة أن جمهور جدة يمنحها طاقة مختلفة لتقديم أغنياتها بطريقة مميزة.

وتحدَّثت أنغام عن كلمات أغنياتها، مستبعدة الاعتماد بالضرورة على تجاربها الشخصية، لافتة إلى أنها اعتادت أن تعيش كلمات هذه الأغنيات وتتفاعل معها بإحساسها، وعن هذا الإحساس تقول إنه من الصعب وصفه، ولكنه حالة تعيشها.

أنغام في إطلالة جديدة (صفحتها في «فيسبوك»)

وقال الناقد الموسيقي المصري محمود فوزي السيد إنّ «حفلات أنغام في جدة والرياض أصبحت أشبه بعلامة مميزة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الحفلات عادة ما تصاحبها أوركسترا موسيقية ضخمة وتقام في أجواء مبهرة».

وأشار إلى أن «الحالة والأجواء في حفلات أنغام مميزة جداً، والأهم هو التفاعل الجماهيري معها، فتشعر دائماً بأنها تغني وسط أشخاص يحبّونها ويردّدون معها أغنياتها بودّ ومحبّة كبيرَيْن».

ولفت إلى أن الحضور الطاغي لأنغام وقدرتها على جذب تفاعل الجمهور بأسلوبها وطريقتها، من خلال إحساسها والحالة الطربية التي تُقدّمها، يضمن لحفلاتها النجاح دائماً.

وأنغام من الأصوات الطربية المميّزة في مصر، وقد أصدرت ألبومات عدّة منذ ثمانينات القرن الماضي، من بينها «في الركن البعيد الهادي»، و«ببساطة كده»، و«إلا أنا»، و«وحدانية»، و«عمري معاك»، و«أحلام بريئة»، وأحدث ألبوماتها الغنائية صدر قبل عامين بعنوان «تيجي نسيب».

أنغام خلال الحفل (إم بي سي مصر)

وعدَّ الناقد الموسيقي المصري أنّ «حب الجمهور من أكثر المظاهر البارزة في حفلات أنغام بجدة، فالحالة الخاصة جعلت حفلاتها من الأنجح، لذلك يحرص (موسم الرياض) عادة على تنظيم أكثر من حفل لها، وهو أمر يحمل كثيراً من التقدير للفنّ المصري ولصوت أنغام خصوصاً».


«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
TT

«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)

لكل زمنٍ وجيل «هاري بوتر» خاصتُه. وإذا كان الساحر الصغير قد انطبع في ذاكرة جيل الألفيّة على هيئة الممثل دانييل رادكليف، فإنّ الجيلَين «زد» و«ألفا» سيتعرّفان عليه مع نجمٍ جديد هو دومينيك ماكلوغلين. ففي عصر منصات البث، كان لا بدّ من ولادة ثالثة لواحد من أكثر الشخصيات شهرةً وجماهيريةً في عالم الأدب والسينما والترفيه.

يعود بطل روايات جي كي رولينغ وسلسلة أفلام «هاري بوتر»، من خلال مسلسل يُعرض على منصة «HBO»، ويستغرق إنتاجه 10 أعوام في 7 مواسم قابلة للتجديد.

ماذا نعرف عن الموسم 1 من «هاري بوتر»؟

قبل يومين، نشرت منصة «HBO» الإعلان الترويجي الأول للموسم الافتتاحي بعنوان «هاري بوتر وحجر الفيلسوف». ووفق المقتطفات المصوّرة، فإنّ الجزء الأول وفيّ لكتاب المؤلّفة جي كي رولينغ.

ويركّز الفيديو على الشخصيات الرئيسية الثلاث؛ أي هاري وصديقَيه «رون ويزلي» و«هيرميون غرانجر». يُظهرهم الفيلم وهم يتعارفون على متن القطار المتّجه بهم إلى «مدرسة هوجورتس للسحر والشعوذة». الأطفال الثلاثة في الـ11 من عمرهم، ويستعدّون لخوض عامهم الدراسي الأول في تلك المدرسة، حيث سيواجهون معاً عودة «لورد فولدمورت»، قاتل والدَي هاري عندما كان الأخير رضيعاً.

كما يعطي الإعلان الترويجي لمحة عن الحياة التعيسة التي كان يعيشها هاري اليتيم، تحت وصاية عمّه «فيرنون» وعمّته «بيتونيا». من بين اللقطات اللافتة كذلك، اللقاء الأول بين الساحر الصغير و«هاغريد» العملاق (الممثل نيك فروست).

الممثل البريطاني نيك فروست بشخصية «هاغريد» العملاق (HBO)

متى وأين يُعرَض المسلسل؟

ينطلق عرض مسلسل «هاري بوتر» عالمياً، في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2026، على كلٍ من «HBO» و«HBO Max». ومن الواضح أنّ اختيار هذا التاريخ لم يأتِ عبثاً، إذ إنّ فترة أعياد الميلاد ورأس السنة تشهد ارتفاعاً في نسبة المشاهدة على منصات البثّ، نظراً لإجازات نهاية العام.

يتألّف الموسم الأول من 8 حلقات تدور معظم أحداثها في مدرسة هوجورتس للسحر، على أن يكون المشاهدون على موعدٍ مع مزيد من المواسم، بما أنّ العمل التلفزيوني المنتظَر مخلصٌ لروايات رولينغ وعددُها 7. ووفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، فإنّه من المرتقب أن يغوص المسلسل في تفاصيل أكثر من الأفلام.

يدور معظم أحداث الموسم الأول في مدرسة هوجورتس للسحر (HBO)

فريق «هاري بوتر» أو «التريو الذهبي»

استغرق البحث عن الأبطال الثلاثة الصغار؛ «هاري بوتر» و«رون ويزلي» و«هيرميون غرانجر»، 8 أشهر. ففي سبتمبر (أيلول) 2024، أُطلقت دعوة عامة للمشاركة في تجارب أداء لأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 9 و11 عاماً. تقدّم 32 ألف طفل ليقع الاختيار في مايو (أيار) 2025، على كلٍ من دومينيك ماكلوكلين، وألاستير ستاوت، وأرابيلا ستانتون.

ينضمّ إلى الأطفال الثلاثة، الذين سمّتهم منصة «HBO»: «التريو الذهبي»، فريق كبير من الممثلين المخضرمين والجدد.

أما التصوير فقد انطلق وسط تكتّم شديد بلندن في يوليو (تموز) الماضي، وقد وقّع الممثلون جميعهم عقوداً تُلزمهم الارتباط بالمشروع لفترة 10 أعوام، وهي المدة التي سيستغرقها تصوير 7 مواسم على الأقل من المسلسل.

أطلقت منصة «HBO» على أبطال المسلسل «التريو الذهبي» (منصة «HBO»)

من هو «هاري بوتر» الجديد؟

من بين آلاف الأطفال، اختير الممثل الاسكوتلندي دومينيك ماكلوكلين، ليكون الوجه الجديد لهاري بوتر. وقبل خوضه هذه التجربة، ظهر ماكلوكلين في فيلم «Grow» البريطاني عام 2025. وبسبب اختياره لأداء شخصية الساحر الصغير، اضطرّ الممثل الطفل إلى مغادرة مدرسته والتسجيل في مدرسة أخرى تؤمّن له التدريس في أوقات الفراغ من التصوير.

في حوار مع شبكة «بي بي سي» البريطانية، سُئل ماكلوكلين عن شعوره بعد التحوّل إلى «هاري بوتر»، فأجاب أنّ الأمر أشبَه بالحلم. «أنا من أشدّ المعجبين بسلسلة (هاري بوتر) وسعيد للغاية بأداء هذا الدور»، قال النجم الصاعد.

دومينيك ماكلوكلين البطل الجديد لسلسلة «هاري بوتر» (HBO)

ما رأي «هاري بوتر» القديم؟

رغم تحوّله إلى نجمٍ سنة 2001 مع انطلاق مجموعة أفلام «هاري بوتر»، فإن الممثل دانييل رادكليف لم يكن يوماً راضياً عن أدائه في تلك الشخصية. وانطلاقاً من هذا الموقف الذي لم يتردّد في التعبير عنه مراراً عبر الإعلام، أعلن رادكليف أن ماكلوكلين سيكون أكثر ملاءمةً للدور ممّا كان هو عليه. وأضاف الممثل البريطاني: «أنا متأكّد من أنّ دومينيك سيكون أفضل منّي». وقد ذهب رادكليف إلى حدّ كتابة رسالة إلى خلَفِه، متمنياً له أن يقضي وقتاً رائعاً في المغامرة التي يخوض.

الممثل دانييل رادكليف عام 2000 خلال تصوير فيلم «هاري بوتر» (رويترز)

أين جي كي رولينغ من المشروع؟

الأمّ الروحيّة لـ«هاري بوتر» وصانعة الشخصية، الكاتبة البريطانية جي كي رولينغ، منخرطة في مشروع المسلسل بوصفها أحد المنتجين المنفّذين. أما كتابةً، فهي تركت مهمّة السيناريو والإشراف العام لفرنشيسكا غاردينر، وقد أبدت رولينغ رضاها عن نص المسلسل. وينضمّ إلى غاردينر المخرج مارك مايلود، وهما سبق أن تعاونا في مسلسل «Succession»، أحد أبرز الإنتاجات في تاريخ التلفزيون.

الكاتبة البريطانية جي كي رولينغ مبتكرة سلسلة روايات «هاري بوتر» (رويترز)

كم ستبلغ ميزانية مسلسل «هاري بوتر»؟

بوصفه مشروعاً أدبيّاً وسينمائياً، كان «هاري بوتر» بمثابة دجاجة تبيضُ ذهباً، وهو أحد أكثر المشاريع ربحاً في تاريخ صناعة الترفيه. لم يقتصر الأمر على الروايات التي تُرجمت إلى أكثر من 80 لغة، ولا على الأفلام، وهي رابع أعلى سلسلة سينمائية تحقيقاً للإيرادات على الإطلاق؛ بل تحوّل الساحر الصغير إلى ظاهرةٍ اقتصادية من خلال المتاجر والملاهي الخاصة به حول العالم.

لذلك، فإنه من غير المنطقي أن تبخل «HBO» وشريكتُها «وارنر» على مشروع المسلسل. ووفق بيان صادر عن الشركة، يشكّل المسلسل متعدد المواسم «أضخم حدث بثّ في تاريخ (HBO Max) وربما في تاريخ منصات البث بشكلٍ عام».

مسلسل «هاري بوتر»... أغلى إنتاج تلفزيوني على الإطلاق (إنستغرام)

وفق شبكة «سي إن إن»، فإنّ ميزانية الحلقة الواحدة من مسلسل «هاري بوتر» تبلغ 100 مليون دولار. وإذا صحّ ذلك، فسيتجاوز هذا المبلغ بأشواط تكلفة سلسلة الأفلام الأصلية بأكملها، والتي أنفقت عليها شركة «وارنر» ما يُقدّر بـ1.2 مليار دولار، ليتحوّل المسلسل بذلك إلى أغلى إنتاج تلفزيوني على الإطلاق.


في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.