سوريا بعد الأسد من منظور أميركي

مسؤولون سابقون: نحن لا نجيد هندسة المجتمعات أو بناء الدول... ومتخوفون من عودة «داعش»

TT

سوريا بعد الأسد من منظور أميركي

يرجح كثيرون أن يسحب ترمب القوات الأميركية من سوريا (أ.ب)
يرجح كثيرون أن يسحب ترمب القوات الأميركية من سوريا (أ.ب)

قوبل سقوط الرئيس السوري بشار الأسد بتصريحات أميركية مرحبة ومحذرة في الوقت نفسه. فهذه اللحظة التي انتظرها الأميركيون كثيراً وعملوا عليها من خلال تطويق الأسد ومحاصرته بالعقوبات والضغوطات الاقتصادية والسياسية، فاجأتهم بتطوراتها المتسارعة، وخاصة أنها حصلت على يد تنظيم مدرج على لوائح الإرهاب الأميركية، وهو «هيئة تحرير الشام»، وزعيمها أبو محمد الجولاني، المعروف اليوم بأحمد الشرع، والذي وضعت أميركا مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يتقدم بمعلومات عنه. بالمقابل، يقف الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب محذراً: «سوريا ليست معركة الولايات المتحدة، ولا يجب أن تتدخل فيها»، في موقف سلّط الضوء مجدداً على أسلوبه المختلف في إدارة الأزمات.

يستعرض «تقرير واشنطن»، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، كيفية تعامل إدارة بايدن مع الأمر الواقع في سوريا، وما إذا كانت سترفع «الهيئة» من لوائح الإرهاب، بالإضافة إلى توجهات إدارة ترمب المقبلة، وما إذا كان سينفذ وعوده السابقة بسحب القوات الأميركية من هناك.

سقوط صادم

فاجأ السقوط السريع لنظام الأسد الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

فاجأ سقوط الأسد السريع الكثيرين في واشنطن، كالسفير الأميركي لدى سوريا والإمارات ثيودور قطّوف الذي أعرب عن صدمته حيال مجريات الأحداث وتسارعها، مشيراً إلى أنه على الأرجح أن «هيئة تحرير الشام» لم تتوقع أيضاً أن تحقق هذا النوع من النجاح بهذه السرعة. ويعتبر قطّوف أن ما جرى أثبت «ضعف الأسد وعدم ولاء قواته العسكرية والأمنية».

من ناحيته، وصف السفير الأميركي السابق لدى البحرين ونائب المبعوث السابق للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش» ويليام روبوك، سقوط الأسد بـ«التحول الصادم والمثير للدهشة». واعتبر روبوك أن رفع الغطاء الإيراني والروسي عن الأسد تركه «مكشوفاً وضعيفاً جداً»، مشيراً إلى أن «هيئة تحرير الشام» بدأت بهذا الهجوم في البداية على أنه هجوم صغير في حلب، ثم حققت نجاحاً تلو الآخر. وأضاف: «حتى قبل يوم أو يومين من سقوط دمشق، كان البعض يعتقد أنه قد تمر أسابيع، لا بل شهور، على السيطرة عليها، غير أن الأمر حدث في يوم واحد فقط».

الأسد وبوتين في اجتماع بالكرملين يوم 24 يوليو 2024 (رويترز)

ويقول الكولونيل أنتوني شافر المسؤول الاستخباراتي السابق في وزارة الدفاع الأميركية ومستشار حملة ترمب السابقة، إن سبب الأحداث المتسارعة يعود إلى تحييد العنصرين الأساسيين في الدفاع عن الأسد، وهما «حزب الله» وروسيا؛ ما أدى إلى «بقاء جيش غير فعال وهزيل تحت إمرته انهار بسرعة فائقة». لكن شافر يسلّط الضوء في الوقت نفسه على الدور التركي، وتحديداً دور الرئيس رجب طيب إردوغان، مشيراً إلى أنه «رأى فرصة مع خسارة دعم روسيا وتراجع قوة (حزب الله) كوسيلة لاستعادة نفوذ تركيا». وأضاف: «السؤال الآن: ماذا نفعل حيال تركيا؟ فتركيا حليف في (الناتو)، لكنها غالباً ما تعمل باستقلالية ومن دون اعتبار للمصالح الأميركية. وبرأيي، هذا ما حصل هنا».

القوات الأميركية ومصير «قسد»

مقاتل من «قوات سوريا الديمقراطية» في مطار القامشلي يوم 9 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وهنا يشدد قطّوف على الدور الكبير الذي لعبته تركيا في الأحداث، مشيراً إلى وجود «همّين رئيسين لإردوغان» هما «أولاً عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم والذين يبلغ عددهم 3 ملايين لاجئ، وهذه مسألة سياسية محلية تشكل ضغطاً هائلاً على إردوغان. وثانياً بالطبع تزايد سلطة الأكراد في شرق سوريا لدرجة تقلقه، وهو الآن قادر على مواجهتهم».

ومع تزايد الحديث عن احتمال سحب ترمب القوات الأميركية البالغ عددها نحو 900 عنصر في شمال شرقي سوريا، يعرب قطّوف عن قلقه حيال مصير حلفاء الولايات المتحدة الأكراد، مضيفاً: «أخشى أننا سنتخلّى مرة أخرى عن حلفائنا الأكراد الذين تم التخلي عنهم مرات عديدة من قبل إدارات عديدة، من ضمنها إدارة هنري كيسنجر في سبعينات القرن الماضي».

ويشارك روبوك الذي عمل عن قرب مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في إدارة ترمب الأولى، هذا القلق، مشدداً على أنهم كانوا «شركاء قيّمين وتحملوا الكثير من الخسائر». وأضاف: «أنا قلق حيال توجه قرار الولايات المتحدة. أعتقد أن تركيا تقود الوضع حالياً، والولايات المتحدة تتمتع بعلاقة قريبة لكن صعبة مع تركيا من بعض النواحي، وأنا لست متأكداً أننا سنكون حازمين وأقوياء بما فيه الكفاية في إيصال رسالتنا إلى تركيا، ومفادها أننا نريد الحفاظ على أمان هذه القوة لكي تستمر بالقتال ضد (داعش) في شمالي شرقي سوريا». وأشار روبوك إلى أن «تركيا تملك نفوذاً كبيراً في الوقت الحالي، وهذا ما يضع الأكراد في موقف صعب». ويتحدث شافر عن المسألة الكردية فيصفها بـ«المعقدة جداً»، ويضيف: «ليس من العدل أن يتم استخدامهم كحليف رئيس وشريك قتال فعال، ثم يتم تجاهلهم مجدداً». لكن شافر الذي عمل مستشاراً لترمب يرجح أن الرئيس المنتخب سيعيد تقييم الدور الأميركي في سوريا، وسيعيد النظر في قواعد القوات الأميركية من حيث التكلفة، مشيراً إلى أنه سينظر كذلك في احتمال «تنفيذ المهمة من القاعدة الأميركية في أربيل وفي الأردن».

عودة «داعش»؟

مسلح من الفصائل يقف أمام الجامع الأموي في دمشق يوم 13 ديسمبر 2024 (رويترز)

ويحذر الكثيرون من أن سحب القوات الأميركية من شمال شرقي سوريا سيعني عودة تنظيم «داعش». ويتوقع روبوك الذي لعب دوراً أساسياً في مكافحة التنظيم في إدارة ترمب، أن «يعود التنظيم». ويضيف: «عندما يزول الضغط أعتقد أن الفوضى والاضطرابات في سوريا ستكون مثل الأكسجين لـ(داعش). إن (هيئة تحرير الشام) هي الخصم الآيديولوجي لـ(داعش)، لكن لا أراهم قادرين على مواجهة هذا التحدي في الأشهر المقبلة».

ويشكك روبوك في أن تتمكن «قوات سوريا الديمقراطية» من التصدي لـ«داعش» أو البقاء في حال انسحاب الولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة بقاء هذه القوات في عهد ترمب.

من ناحيته، يتحدث شافر عن تحدٍّ آخر يواجه الولايات المتحدة، وهو سجناء «داعش» في سوريا والذين يصل عددهم إلى قرابة 50 ألفاً، بحسب تقييم للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، فيقول: «سنضطر إلى مواجهة هذه القضية مباشرةً، وهو ما لم ترغب إدارة بايدن في التعامل معه. فهناك مشاكل متعلقة بالاحتجاز غير المحدود، والتي يجب أن نجد حلاً لها، وهي (مشاكل) مشابهة للنقاش المرتبط بـ(غوانتنامو)».

الجولاني ولوائح الإرهاب

الجولاني في صورة أرشيفية له في 28 يوليو 2016 عندما كان زعيماً لـ«جبهة النصرة» (أ.ف.ب)

وفي ظل تطورات الأحداث وسيطرة زعيم «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني، المعروف اليوم بأحمد الشرع، على المشهد، يدعو روبوك إلى رفع تصنيف «تحرير الشام» كمنظمة إرهابية أجنبية، وإلى رفع القيود الاقتصادية «القاسية جداً» على سوريا.

ويفسر هذه المقاربة قائلاً: «يجب أن نكون ملتزمين، وأن نحاول العمل مع حلفاء تعاونوا معنا في التحالف العالمي ضد (داعش)، وإشراك حلفائنا من الخليج؛ فهم لاعبون مهمون جداً ولديهم مصالح كبيرة في سوريا، وأعتقد أن الشعب والحكومة في سوريا لديهما مصلحة في بناء مجموعة أوسع من الأصدقاء بدلاً من الاعتماد على تركيا».

من ناحيته، يتوقع شافر «انقساماً في السياسة» فيما يتعلق بالتعاطي مع «الهيئة»، مشيراً إلى أن ترمب «سيحاول تحديد ما يجب القيام به لتشكيل تحالف، والقيام بما هو ضروري لإعادة الحوكمة إلى المنطقة»، محذراً: «إن لم نكن حذرين فسيعود تنظيم (داعش)، فهذا ما يحصل حالياً في أفغانستان». ويضيف شافر: «يجب أن نكون حذرين جداً عندما نساعد في إسقاط حكومة، قد تكون حكومة لا تعجبنا، لكن على الأقل هي تملك بعض السيطرة على الأراضي. فزعزعة الاستقرار هي الخطر الأكبر للاستقرار الإقليمي، ولكل من يعيش في هذه المناطق أيضاً».

ويتحدث شافر عن الجولاني، معرباً عن شكوكه في الصورة التي يعرضها حالياً، فيقول: «هناك تقارير صادرة حول هذا الرجل، هذا الإرهابي الذي يريد الانتقام من أعداء (هيئة تحرير الشام)، ومن ضمن ذلك قتل بعض الأشخاص. آمل أن أكون على خطأ، آمل أن يكون رجل الدولة الذي يظهره للجميع، لكن أعتقد أن الأمور ستكون أشبه بكاسترو في 1960-1961 حين ظن الجميع أنه سيكون الرجل المناسب، لكنه أصبح حاكماً توتاليتارياً».

ويغوص قطّوف في تفاصيل هذه المقاربة، فيقول عن أميركا وسياساتها: «نحن لا نجيد هندسة المجتمعات أو بناء الدول. إذا كان التاريخ الحديث قد علّمنا شيئاً، فيجب أن يكون هذا ما استنتجناه». ويستكمل قطّوف: «لا يمكننا فرض النتائج من خلال فوهة البندقية. يجب أن يكون لدينا قوة موثوقة عندما تصل إلى طاولة المفاوضات». وعن الجولاني يقول قطّوف: «عندما نتحدّث عن المتطرفين أو عن شخص في السلطة يقدم جانباً جيداً للعالم، نكتشف بعدها أنه شخص مختلف تماماً في الواقع. عموماً، من خلال تجربتي، فإن الثورات تميل إلى أن تأكل أبناءها، وغالباً ما يكون أكثر العناصر تشدداً لهذه الثورات هو الذي يصل إلى المسرح».


مقالات ذات صلة

ترمب يتباهى بـ«نجاح غير مسبوق»… وواشنطن في حالة تأهب قصوى

الولايات المتحدة​ صورة نشرها البيت الأبيض لترمب وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال متابعة «عملية الغضب الملحمي» ضد إيران (أ.ف.ب)

ترمب يتباهى بـ«نجاح غير مسبوق»… وواشنطن في حالة تأهب قصوى

رغم إشادة ترمب ووزارة الحرب الأميركية بما وصفاه بـ«النجاح الكبير» في الساعات الأولى من عملية «ملحمة الغضب»، فإن مقتل 3 جنود أميركيين أثار مخاوف في واشنطن.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية تصاعد الدخان خلف المباني بعد انفجار وقع في اليوم الثاني على التوالي من الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (إ.ب.أ) p-circle

إيران تتعهد بالانتقام بعد مقتل خامنئي وسط حرب متصاعدة

اتسعت رقعة المواجهة في ثاني أيام الحرب مع تأكيد طهران مقتل المرشد علي خامنئي، فيما واصلت القوات الأميركية والإسرائيلية تنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن - تل أبيب)
المشرق العربي صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب) p-circle

الإسرائيليون استخدموا وسائل قديمة ضد إيران... وفوجئوا من نجاحها

على الرغم من قيود الرقابة العسكرية، تتسرب للإعلام العبري معلومات عن طبيعة الهجوم على إيران، مع تركيز على نحو خاص على تفاجئ الطيارين بنجاح أسلوب الهجوم السابق.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية ترمب وهو يتابع مجريات عملية «ملحمة الغضب» ضد إيران مع مدير الـ«سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح السبت (أ.ب)

ترمب منفتح على «الحديث» مع الإيرانيين

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه منفتح على طلب القيادة الإيرانية بالحديث، مؤكّداً مقتل 48 قائداً في الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
المشرق العربي فلسطينيون يحتفلون فوق صاروخ إيراني سقط في رام الله أكتوبر 2024 (أ.ف.ب) p-circle

كيف تقيّم السلطة و«حماس» تأثير حرب إيران على مسار «خطة ترمب»؟

أعادت الضربات العسكرية الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران ترتيب أولويات العمل على أجندة المنطقة، وأخصها الملف الفلسطيني الذي كان ينتظر حراكاً وفق خطة الرئيس ترمب.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» ( غزة)

ترمب يتوعّد بالانتقام لقتلى الجيش الأميركي

TT

ترمب يتوعّد بالانتقام لقتلى الجيش الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بقبضته على سلم الطائرة الرئاسية المتجهة إلى واشنطن (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بقبضته على سلم الطائرة الرئاسية المتجهة إلى واشنطن (أ.ف.ب)

توعّد الرئيس دونالد ترمب بالانتقام لمقتل ثلاثة جنود أميركيين خلال الحرب على طهران داعيا الإيرانيين إلى الانتفاض، في حين نفّذت إيران الأحد ضربات دامية على إسرائيل ودول الخليج، ما تسبّب بسقوط قتلى وجرحى، بعد توعّدها بالثأر لمقتل المرشد علي خامنئي.

وقال ترمب في خطاب مصور «للأسف، من المرجح أن يكون هناك المزيد (من الخسائر البشرية) قبل أن ينتهي الأمر. لكن أميركا ستثأر لموتهم وستوجه الضربة الأقسى للإرهابيين الذين شنوا حربا، بشكل أساسي، ضد الحضارة».

كما دعا الإيرانيين إلى الانتفاض لإسقاط الجمهورية الإسلامية وقال «أميركا معكم»، فيما خيّر الحرس الثوري الإيراني مجددا بين الاستسلام أو «الموت المحتم»، بعدما أعلن الجيش الأميركي أنه دمر مقر قيادته.

ونفّذت إيران الأحد ضربات دامية على إسرائيل ودول الخلي، ما تسبّب بسقوط قتلى وجرحى. كما استهدفت مجددا العراق حيث نسب موالون لطهران الى الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات أخرى. وأعلن الجيش الأميركي مقتل ثلاثة عناصر منه.

في المقابل، تتواصل الضربات الأميركية والإسرائيلية على طهران ومناطق أخرى في إيران، فيما القصف الإيراني بالصواريخ والمسيّرات طال السعودية والإمارات والكويت وعُمان وقطر والبحرين والعراق وإسرائيل.

وطلب وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الذين اجتمعوا الأحد عبر الفيديو، من إيران وقف هجماتها على أراضيهم فورا، مؤكدين أن دولهم ستتخذ كل التدابير اللازمة لحماية نفسها بما فيها «خيار الردّ على العدوان». ووصفوا الضربات على الدول العربية في بيان بـ«الاعتداءات الإيرانية الآثمة»، مؤكدين «احتفاظ دول المجلس بحقها القانوني في الردّ».


روبيو وهيغسيث أمام الكونغرس الثلاثاء للدفاع عن العملية العسكرية على إيران

صورة أرشيفية من داخل مبنى الكونغرس الأميركي (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل مبنى الكونغرس الأميركي (رويترز)
TT

روبيو وهيغسيث أمام الكونغرس الثلاثاء للدفاع عن العملية العسكرية على إيران

صورة أرشيفية من داخل مبنى الكونغرس الأميركي (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل مبنى الكونغرس الأميركي (رويترز)

-سيمثل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، أمام الكونغرس الثلاثاء لإطلاع المشرعين على التقدم المحرز في العملية العسكرية ضد إيران، وفق ما أعلن البيت الأبيض الأحد.

وقال الناطق باسم البيت الأبيض ديلان جونسون، إن روبيو وهيغسيث ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس الأركان العامة الجنرال دان كاين، «سيقدمون إحاطة لأعضاء مجلسَي الكونغرس الثلاثاء» بشأن الهجوم على إيران.


ترمب يتباهى بـ«نجاح غير مسبوق»… وواشنطن في حالة تأهب قصوى

صورة نشرها البيت الأبيض لترمب وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال متابعة «عملية الغضب الملحمي» ضد إيران (أ.ف.ب)
صورة نشرها البيت الأبيض لترمب وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال متابعة «عملية الغضب الملحمي» ضد إيران (أ.ف.ب)
TT

ترمب يتباهى بـ«نجاح غير مسبوق»… وواشنطن في حالة تأهب قصوى

صورة نشرها البيت الأبيض لترمب وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال متابعة «عملية الغضب الملحمي» ضد إيران (أ.ف.ب)
صورة نشرها البيت الأبيض لترمب وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال متابعة «عملية الغضب الملحمي» ضد إيران (أ.ف.ب)

دافع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن العمليات العسكرية التي تنفذها بلاده في إيران، مؤكداً في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» أن الحملة تحقق «نجاحات كبيرة لم يكن أحد ليصدقها»، في إشارة إلى مقتل المرشد علي خامنئي والإطاحة بـ48 من القادة الإيرانيين «في ضربة واحدة».

ورغم إشادة ترمب ووزارة الحرب الأميركية بما وصفاه بـ«النجاح الكبير» في الساعات الأولى من عملية «ملحمة الغضب»، فإن مقتل 3 جنود أميركيين أثار تساؤلات داخل واشنطن بشأن مدة الانخراط العسكري الأميركي في المنطقة وأهدافه النهائية، كما انتقد الديمقراطيون «تجاوز ترمب صلاحيات الحرب»، بينما فاقم بيان مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بشأن رفع مستوى التأهب «إلى أقصى حد»، من المخاوف حيال احتمال تنفيذ طهران عمليات انتقامية داخل الولايات المتحدة.

حالة تأهب قصوى

في خطوة استباقية تحسباً لأي رد إيراني محتمل، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي رفع مستوى التأهب. وقال مديره كاش باتيل إن المكتب «يتابع الوضع في الخارج من كثب»، موضحاً أنه وجّه فرق مكافحة الإرهاب والاستخبارات إلى «البقاء في حالة تأهب قصوى، وتعبئة الموارد الأمنية اللازمة للتصدي لأي تهديدات محتملة وإحباطها».

وأكّد أن فرق العمل المشتركة لمكافحة الإرهاب تعمل على مدار الساعة لرصد أي تهديدات داخلية وتعطيلها.

وفي السياق نفسه، عززت الخدمة السرية الإجراءات الأمنية حول البيت الأبيض ومقار إقامة الرؤساء السابقين، كما كثفت شرطة نيويورك دورياتها حول أماكن العبادة والسفارات الأجنبية والمواقع الحساسة وأماكن التجمعات الكبيرة.

جدل «صلاحيات الحرب»

أثار تدخل ترمب العسكري ضد إيران من دون الحصول على موافقة الكونغرس جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً بشأن حدود صلاحيات الرئيس في إعلان الحرب. ويسعى مُشرّعون ديمقراطيون إلى عقد جلسات هذا الأسبوع لمناقشة تفعيل «قانون صلاحيات الحرب» الذي يقيد تحركات الرئيس العسكرية دون موافقة تشريعية.

صورة مركّبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وسلطت صحيفة «نيويورك تايمز» الضوء على غضب بعض أنصار ترمب، لا سيما في قاعدة «ماغا»، من انخراط الرئيس في حرب تسعى عملياً إلى تغيير النظام الإيراني. وأشارت إلى تناقض تصريحات ترمب السابقة التي هاجم فيها حربي العراق وأفغانستان، ووصفه سياسات تغيير الأنظمة «فشلاً ذريعاً»، مع موقفه الحالي.

ورأت الصحيفة أن نتيجة العملية ضد إيران التي وصفتها بـ«المغامرة الجيوسياسية» لن تعتمد فقط على مسار العمليات العسكرية، بل على ما سيليها. «فإذا نجح ترمب في إزاحة ما تبقى من الحكومة الإيرانية، فقد يمتلك إنجازاً سياسياً يقدمه لناخبيه. أما إذا أفضت التطورات إلى فوضى داخلية شبيهة بما حدث في ليبيا بعد عام 2011، أو إلى نظام أكثر عداءً لواشنطن، فستكون التداعيات مختلفة تماماً». كما أشارت إلى غياب معارضة إيرانية موحدة يمكن أن تتولى زمام الأمور؛ ما يضيف مزيداً من الغموض بشأن مآلات الحملة العسكرية.

تداعيات اقتصادية محتملة

حذر مشرّعون أميركيون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري من التأثيرات الاقتصادية للتدخل العسكري في إيران، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية الأميركية المتوقّعة في نوفمبر (تشرين الثاني). ويرجّح مراقبون ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 80 دولاراً للبرميل، في الوقت الذي قد تشهد «وول ستريت» اضطرابات عند افتتاح الأسواق، فضلاً عن تأثر حركة الشحن البحري مع تقارير حول إغلاق وارتفاع أسعار السلع عالمياً.

امرأة تحمل صورة للرئيس ترمب بينما يحتفل أفراد من الجالية الإيرانية بالضربات الأميركية ضد إيران في لوس أنجليس يوم 28 فبراير (أ.ف.ب)

من جهتها، لفتت «وول ستريت جورنال» إلى مخاوف تتعلق بمخزونات الترسانة الأميركية من الصواريخ الاعتراضية، واحتمال وقوع مزيد من الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية في المنطقة، فضلاً عن خطر اندلاع صراع داخلي في إيران قد يستدعي تدخلاً أوسع.

مخاطر التصعيد الإقليمي

حذرت مجلة «نيوزويك» من احتمال تفعيل إيران لوكلائها في لبنان والعراق واليمن، وفتح جبهات متعددة قد تستدرج قوى إقليمية أخرى. ورأت أن البنية الحاكمة في إيران، رغم صدمة مقتل خامنئي، قد لا تنهار بسهولة، نظراً لتوزع السلطة بين المؤسسات الدينية والحرس الثوري والأجهزة الأمنية، بل قد تلجأ إلى تشديد قبضتها وقمع الاحتجاجات بشكل أوسع.

صورة وزّعتها القيادة المركزية الأميركية للمدمّرة الصاروخية الموجهة «يو إس إس بولكلي» وهي تطلق صاروخ توماهوك يوم 28 فبراير (أ.ب)

أما مجلة «فورين أفيرز»، فاعتبرت أن المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً من عملية «مطرقة منتصف الليل» التي قادتها واشنطن في يونيو (حزيران) الماضي؛ إذ إن «ملحمة الغضب» فتحت مساراً تصعيدياً من دون هدف سياسي واضح أو خطة لخفض التصعيد. وأشارت إلى أن طهران لا تزال قادرة على إطلاق مئات الصواريخ واستهداف المصالح الأميركية وحلفائها، معتبرة أن الرهان على إسقاط النظام عبر الضربات الجوية وحدها لا يستند إلى نموذج تاريخي واضح.

دعوات لإنهاء المهمة

قال وزير الخارجية الأسبق مايك بومبيو إن مقتل القادة الإيرانيين أحدث «ارتباكاً واضحاً» داخل النظام، لكنّه حذر من التوقف عند هذا الحد، داعياً إلى «تعطيل النظام الإيراني بالكامل». وأضاف أن الخطر لا يزال قائماً ما دامت طهران قادرة على إطلاق صواريخ باليستية والتأثير في الملاحة في مضيق هرمز.

بدوره، رأى الجنرال المتقاعد كينيث ماكينزي، القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية، أن إيران «في أضعف حالاتها»، مشيراً إلى إمكانية العودة إلى المفاوضات، لكن «من موقع المنتصر». ودعا إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وفرض قيود صارمة على الصواريخ والوكلاء الإقليميين، واعتراف طهران بحق إسرائيل في الوجود، معتبراً أن الحملة الحالية قد تمهد لمسار سلام دائم إذا أُحسن استثمار نتائجها.