روائح لندن تناديك: رمضان كريم وعيد مبارك سعيد

«شبيك لبيك» كل عطور الدنيا بين يديك

روائح لندن تناديك: رمضان كريم وعيد مبارك سعيد
TT

روائح لندن تناديك: رمضان كريم وعيد مبارك سعيد

روائح لندن تناديك: رمضان كريم وعيد مبارك سعيد

كل من يعيش في لندن بات يعرف أنه ما إن تبدأ بشائر رمضان حتى تبدأ العاصمة البريطانية تتزين من أجل عيون زبونها العربي تحديدا، صامة أذنها عن كل الضوضاء التي يثيرها بعضهم بسياراتهم الفارهة والموسيقى التي تنبعث منها نهارا ومساء. كل هذا لا يهم، فهو زبون كريم وسخي ويستحق المعاملة بالمثل من حيث الخدمات والتسهيلات التي تجعل إقامته ممتعة، ومعطرة بأغلى انواع العطرو وأجود انواع العود نظرا لمعرفتها بمدى حبه لها واقباله عليها والاستعدادات تبدأ منذ فترة. والطريف أنه حتى من لم يكن قد سمع من قبل عن شهر رمضان بات ضليعا في طقوسه، يرسل رسائل تهنئة بالمناسبة لمعارفه وزبائنه، كما يعرف ما تتطلبه الشعائر الدينية والتقاليد الاجتماعية من أزياء محتشمة وشموع معطرة تحل محل البخور وما شابه من أمور تؤدي إلى نفس النتيجة: زيادة المبيعات وتحريك البضاعة. ورغم أن فن الإغراء ليس جديدا على لندن، فإنها كثفت جهودها وسحرها في هذا العام لتعوض النقص الذي خلفه تراجع عدد الزبائن الروسيين بسبب الأحداث الأوكرانية وما نتج عنها من تراجع في الاقتصاد. وبما أن التوقعات تشير إلى أن ما لا يقل عن 50 ألف ضيف عربي سيحطون الرحال فيها بعد العيد مباشرة، فإن المنافسة للاستحواذ على اهتمامه، على أشدها بين المحلات الكبيرة، لا سيما في مناطقه المفضلة مثل «مايفير» و«نايتسبردج» و«أكسفورد ستريت» و«بوند ستريت» وما جاورها. وحسب «غلوبال بلو» الشركة المكلفة بإرجاع الضريبة على القيمة المضافة للسياح tva والتي تعطي فكرة واضحة عن اتجاه التسوق عند السياح وتطوره، فإن تدفق السياح العرب إلى لندن يعني انتعاش الفنادق والمطاعم وطبعا المحلات الكبيرة، بحكم أن هذا السائح يعشق التسوق ويعتبره جزءا من تجربته السياحية، إن لم تكن أهمها. وبالفعل أكدت الدراسات التي أجريت لحد الآن، بأن هذا الزائر يقضي نسبة كبيرة من وقته في المحلات الكبيرة مثل «هارودز»، و«سيلفريدجز»، و«هارفي نيكولز» و«ليبرتي» ويفضلها على «البوتيكات» الصغيرة باستثناء تلك التي تقع في «سلوان ستريت» بالقرب من كل من «هارودز» و«هارفي نيكولز»، والسبب أنها تذكره بالمجمعات الكبيرة التي تعود عليها في منطقته. وتشير نفس الدراسات بأن نسبة ما صرفه في هذا الوقت من العام الماضي ارتفعت بـ43 في المائة، وهي نسبة تجعله في أهمية السائح الصيني، إن لم نقل أكثر. واحدة من الدراسات التي أجرتها شركة «غلوبال بلو» أفادت بأن الزبون العربي يصرف ما يقارب الـ1432 جنيها إسترلينيا مقارنة بما يصرفه الزائر الأميركي، وهو 512 جنيها إسترلينيا فقط.
لهذا ليس غريبا أن يتوثب الكل لكي يكون في مستوى هذا الزبون، الذي يشهد الكل بأنه لا يقبل بالحلول الوسط ويريد راحته ومتعته أيا كان الثمن، مما يشجع كل المحلات أن تجهز نفسها لاستقباله وكأنها تحضر لعرس ضخم، يجب أن تتوفر فيه شتى أنواع التصاميم ومستحضرات العناية بالجمال وطبعا العطور. ولا تقتصر الاستعدادات على توفير المنتجات النادرة والفريدة فحسب، بل أيضا على ابتكار طرق جديدة لخدمته، بدءا من توفير التفصيل على المقاس إلى خلق مساحات حميمة بعيدا عن عيون الفضوليين تخاطب المحجبات، بل يذهب البعض إلى تجنيد فريق كبير من المساعدين والبائعات الذين يتكلمون اللغة العربية، بعد أن يخضعوا لدورات تدريبية مكثفة، على يد خبراء من الشرق الأوسط، استقدموا خصيصا لكي يشرحوا لهم بعض الأمور عن ثقافة هذا الزبون حتى يتم التعامل معه بطريقة لائقة. هناك أيضا تنظيم حفلات خاصة للتسوق تدعو فيها بعض المحلات زبائنها المهمين جدا، حيث تفتح لهم أبوابها في أوقات غير رسمية لكي يجولوا ويصولوا فيها بحرية مطلقة، وهلم جرا من الطرق التي يتقنها البريطانيون جيدا ويتفننون فيها.
فالملاحظ هنا أنه عندما يتعلق الأمر بتحقيق الربح والتجارة، يذوب كل شيء ويتبخر ويبقى الزبون دائما على حق، ما دام لا يبخل على نفسه بشيء في سبيل الحصول على كل ما هو فريد ومتميز. ففي هذه الحالة، لا يسع المحلات إلا أن تقول له «شبيك لبيك طلبك بين يديك». «هارفي نيكولز» مثلا طرحت له مجموعة من المنتجات الحصرية، نذكر منها حقيبة يد من مارك غروس مطلية بالذهب، من قيراط 18، ونظارات شمسية من ليندا فارو، يقدر سعرها بـ10 آلاف دولار أميركي، هذا عدا عن حقائب اليد والأحذية المصنوعة من جلود التماسيح أو الأفاعي وغيرها. فـ50 ألف زائر من الشرق الأوسط رقم لا يستهان به ويستحق هذا الجهد، خصوصا وأنه يقدره ويدفع ثمنه عن طيب خاطر.
محلات «هارودز» أكبر شاهد على هذا، فهي تتحول في موسم الصيف إلى بيتهم الثاني تقريبا، يمكنك أن تشم رائحة العود والورد حتى قبل أن تدخلها بعدة أمتار. فهم يغزونها غزوا معطرا وأنيقا، يزعج المتسوق الأجنبي ويثير غيظه النابع من حسده، في الوقت الذي يثلج فيه صدور المسؤولين في هذه المحلات، ويطرب آذانهم وهم يسمعون أصوات آلات الدفع لا تتوقف.
من الاستعدادات الكثيرة التي قامت بها تخصيص طابق بالكامل للعطور الثمينة، تتوخى الاختلاف عن تلك التي تطرحها شركات تجارية كبيرة، وموجهة أساسا لهذا الزبون. يصل سعر بعضها إلى أكثر من 143 ألف جنيه إسترليني، كما هو الحال بالنسبة لعطر «No1 Passant Guardant» للعطار كلايف كريستيان، إضافة إلى أخرى من غيرلان، وروجا داف، وشانيل، وديور، وكيليان، وهنري جاك، وكريد، وكلايف كريستيان، وكزيرجوف، وإكس نيهيلو، وانيك غوتال، وسيرج لوتان، وتوم فورد، وغيرها، إضافة إلى عطور من بيوت جواهر عريقة مثل فان كليف آند أربلز، وكارتييه، وبولغاري، وغيرها.
القاسم المشترك بين معظم هذه العطور هو العود الذي رغم أنه أصاب الغرب بالتخمة، بحكم أنه ليس جزءا من ثقافته ولا يتذوقه مثل الزبون الشرقي، لا يتوقف عن الظهور في كل موسم في عطر جديد، يحقق لصاحبه الربح الذي كان يحلم به. صحيح أن السوق تزدحم بعطور تقوم عليها، لكن سحرها يصل دائما إلى شغاف القلوب العربية التي ليس لها ولاء لواحد فقط، بل تريد تجربة كل جديد، وبالتالي أصبح مثل سهم كيوبيد عصري، يُعول عليه العطارون ويتنافسون في البحث عن كل ما ندر منه لعل سهمه يصيبهم بمكسب.

* منطقة الشرق الأوسط أكبر سوق للعطور
* أفادت شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» الشريك المعلوماتي الرسمي لمعرض «بيوتي وورلد» الذي تحتضنه منطقة الشرق الأوسط كل سنة، بأن العطور ساهمت بنسبة 19.6 في المائة من إجمالي سوق التجميل واللياقة البدنية في الشرق الأوسط وأفريقيا في عام 2014، حيث بلغ حجم التجزئة 5 مليارات دولار خلال العام. ومن المتوقع أن يدعم القطاع معدل نمو سنوي بنسبة 6.3 في المائة ليصل حجمه إلى 6.4 مليار دولار في 2018. وتعد المملكة العربية السعودية والإمارات أكبر سوقيْن في المنطقة، حيث بلغ حجم مبيعات العطور في الإمارات 401 مليون دولار في 2014، بنسبة 28 في المائة من إجمالي سوق التجميل والرعاية الشخصية في الدولة (1.4 مليار دولار) خلال العام. ومن المنتظر أن ينمو ذلك بنسبة 5 في المائة سنويا ليصل حجمه إلى 485.5 مليون دولار بنهاية 2018.
وفي سياق متصل أنفق المستهلكون السعوديون 1.4 مليار دولار على العطور في 2014 حسب إحصائيات EMI – بنسبة 31.6 في المائة من إجمالي سوق التجميل واللياقة البدنية في المملكة خلال العام (4.4 مليار دولار)، كما ينمو بنسبة 9.4 في المائة سنويا ليصل حجمه إلى 2 مليار دولار بحلول 2018.
ولعل هذا الاهتمام والنمو هما ما شجعا شركات أجنبية كبيرة على المشاركة في المعرض السنوي بدبي، وصل عددها هذا العام إلى 200 شركة عارضة، منهم «روبرت جروب»، من مدينة «جراس» الفرنسية – التي تشارك لأول مرة بعد أن افتتحت مكتبا لها في دبي في عام 2014، بهدف تطوير أعمالها في المنطقة والترويج لها، إضافة إلى شركات «لوزي فراجرانس كومبوندس» من سويسرا، «ناتور ميلانو» من إيطاليا، «لا فاكتوري» من فرنسا، «سالوس هولاند» من هولندا، «إبرشم» من إسبانيا، إلى جانب الشركات الإماراتية إمبر، لطافة، وصيفا. وهكذا، فإن صناع العطور لم يعودوا ينتظرون الزبون العربي للقدوم إليهم، بل يتوجهون إليه في كل المناسبات.

1 - في عام 2013 أطلقت تيري دي غانزبورغ عطرها «تيريفيك عود» الذي غير النظرة إلى العود، بالنسبة للأجانب على الأقل ممن كانوا يرونه مجرد عنصر قوي لم يتعودوا عليه. الفضل في هذا يعود إلى نغمات شرقية غامضة تدغدغ الحواس. هذا النجاح شجع تيري أن تجدده في عام 2015، وأن تطلق عليه اسم «تيريفيك عود إكستريم» مستندة على نفس المكونات التي أضافت إليها مواد خام أخرى طبيعية مثل الأخشاب الثمينة التي كان لها مفعول السحر لأنها أكسبته الكثير من الانتعاش الذي يبرر سعره: 320 جنيها إسترلينيا

2 - عندما أطلقت دار «دانهيل» البريطانية اسم «أيقونة دانهيل» dunhill ICON على أول عطر تصدره، فإنها لا بد وأنها كانت تأمل أن يكون له من اسمه نصيب ويتحول إلى أيقونة بالفعل. يستمد العطر إيحاءاته من السيارات السريعة والسباقات البريطانية القديمة. وسيتوفر لحد الآن في محلات «دانهيل» و«هارودز» فقط، لكنه يخاطب بقوة شابا يريد أن يدخل نادي دانهيل النخبوي من أوسع الأبواب، نظرا لسعره المعقول 90 جنيها إسترلينيا، كما يريد أن يستمتع بنغماته الرقيقة التي تتراقص على البرغموت الإيطالي وزهرة النيرولي مع نفحات من الفلفل الأسود والهيل والخزامى فضلا عن العود والجلد والفيتفر. ومع ذلك فإنه يبقى خفيفا وعصريا لكل المناسبات.

3 - كل ما يحمل اسم إيلي صعب يعبر عن مدى حبه للمرأة، ومجموعته الأخيرة من العطور المتخصصة لم تخرج عن هذه القاعدة. فهي مستمدة من عالم الـ«هوت كوتير» بسحرها وموادها الخام النادرة والثمينة، التي ستكون ضيفة في «هارودز» ابتداء من أول شهر أغسطس المقبل إلى جانب عطور كبار العطارين.. تعبق مجموعته La collection Des Essences بنكهة العود وبرومانسية تستحضر أسلوبه في التصميم عموما، وهو ما راعاه العطار فرنسيس كوركدجيان، مبدع المجموعة، مستعينا حينا بمزج الورد بالعود، أو الغاردينيا بالعنبر أو الباتشولي بخشب الصندل وهكذا.. تتكون المجموعة من أربعة عطور، كل واحد بسعر 165 جنيها إسترلينيا

4 - عطر «نمبر 1 إمبريال» من كلايف كريستيان صانع أغلى عطر شهدته محلات «هارودز» بمبلغ 143 ألف جنيه إسترليني. لكن هذا العطر أرخص بكثير بالمقارنة، حيث لا يتعدى 750 جنيها إسترلينيا

5 - كانت أنيك غوتال، حسب القصة المتداولة عنها، سيدة فرنسية تحب الورود وتحيط نفسها بها دائما، انطلاقا من قناعتها بأنها لا تحسن المزاج فحسب بل أيضا تحسن البشرة وتجملها. وتضيف نفس القصة أنها كانت تضيف دائما قطرات من زيوتها في حمامها اليومي كما في مشروب الشاي. لهذا كان من البديهي أن تطلق، وعلى مدى سنوات، عطورا تلعب فيها الورود أدوار البطولة المطلقة إلى الآن. فالموجة السائدة حاليا تتطلب تنويع المواد ومخاطبة أكبر سوق للعطور، ألا وهي الشرق الأوسط. وبما أنه ليس هناك لغة أقوى من العود والورود للوصول إلى هذا الزبون، فإنها ابتكرت مجموعة حصرية تتوفر في «هارودز» باسم LES ABSOLUS D’ANNICK GOUTAL تدور في فلك العود والعنبر والفانيلا، ويبلغ سعر كل واحد منها 166 جنيها إسترلينيا



الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.