عرض الكروز لـ2019... في ضيافة الكابتن كارل لاغرفيلد

«شانيل» تُبحر بسفينة «لابوزا» إلى أقصى حدود الابتكار والبذخ

لقطة من نهاية العرض تظهر فيها سفينة «لابوزا» الضخمة
لقطة من نهاية العرض تظهر فيها سفينة «لابوزا» الضخمة
TT

عرض الكروز لـ2019... في ضيافة الكابتن كارل لاغرفيلد

لقطة من نهاية العرض تظهر فيها سفينة «لابوزا» الضخمة
لقطة من نهاية العرض تظهر فيها سفينة «لابوزا» الضخمة

في الأسبوع الماضي، وعلى أصوات طائر النورس وأبواق سفينة «لابوزا» التي رست في «لوغران باليه»، أطلقت «شانيل» الإشارة بانطلاق موسم الـ«كروز». موسم يقوم على السفر والترحال ووجهات شمسها ساطعة، سماؤها صافية ومياهها لازوردية. قالت الدار إن نيتها الأولية كانت حمل 900 ضيف في رحلة بحرية مدتها 24 ساعة على متن سفينة كروز تتنقل بهم على طول شواطئ سانت تروبيه، لكنها لم تنجح في الحصول على سفينة تتمتع بكل المواصفات المطلوبة ومتوفرة قبل نهاية عام 2019، لهذا قررت بناء واحدة في «لوغران باليه».
وفاقت النتيجة ما كانت تتوقعه وما كانت تنويه بالأساس. «فهي أكثر رومانسية» حسب قول كارل لاغرفيلد، وأكثر عملية حسب الرئيس التنفيذي برونو بافلوفسكي. هذا الأخير أضاف أن «لوغران باليه» أصبح بالنسبة إلى «شانيل» بمثابة مسرح أو «استوديو سينمائي قابل لاستعمال كل المؤثرات التقنية التي تتطلبها الأعمال السينمائية». ولم ينسَ أن يشير إلى أنه أيضاً أضمن لأنه يقي من أي مفاجآت غير مرغوب فيها بسبب تقلبات الطقس والموج.
لم تكن النتيجة غريبة على الدار ولا على مصممها المخضرم، كارل لاغرفيلد. فقد تعودنا على قدرته العجيبة على ترويض المصاعب بخياله وقدراته على حد سواء. ففي العام الماضي واجه نفس المشكلة عندما أراد أن يرحل بضيوفه إلى اليونان ليقيم عرضه إما في معبد بارثينون بأثينا وإما في بوسيدون في سونيون. وعندما قوبل طلبه بالرفض من قبل السلطات اليونانية، حوّل أنظاره نحو باريس، وجنّد الخبراء والحرفيين لكي يستنسخوا له هذين المعبدين بدقة متناهية جعلت الحضور يشعرون أنهم انتقلوا فعلاً وفي ثانية إلى اليونان بمجرد أن وطئت أقدامهم المكان. نفس الشيء تكرر الأسبوع الماضي عندما بنى سفينة بطول 148 متراً استغرق بناؤها نحو شهرين. لم يبخل عليها بأي من التفاصيل التي تجعل الحضور يشعرون بواقعية الرحلة، بدءاً من المدخنة التي تعالَى منها دخان خفيف قبل بدء العرض بدقائق إلى صوت الحبال وهي تُسحب إلى أعلى ومنظر بيانو يتوسطها في الداخل ومسبح، وهلمّ جرا من التفاصيل الدقيقة.
فما يُحسب للدار الفرنسية أننا كلما اعتقدنا أنها لا يمكن أن تفاجئنا بالجديد، بعد أن تتفوق على نفسها في موسم ما، تفعل العكس وتبرهن أن نبعها لا ينضب.
على صوت بوق السفينة وصيحات طائر النورس المتعالية من بعيد، بدأ العرض. كان التويد حاضرا كذلك اللون الأبيض فيما تمت الاستعاضة عن الأسود بالأزرق. وطبعا كانت كوكو شانيل حاضرة. فالباخرة الضخمة التي توسطت «لوغران باليه» تحمل اسم «لابوزا»، بيتها في جنوب فرنسا والكثير من التصاميم تستحضر أسلوبها في تلك الفترة بما في ذلك حذاؤها من دون كعب. اللافت منذ الوهلة الأولى أن كارل لاغرفيلد الذي لا يميل في العادة إلى استعراض الجانب الرومانسي بداخله، حتى يخال المرء أنه لا يمتلكه أبدا، قلب المتعارف عليه في هذه التشكيلة، ونفخ فيها نفسا يعبق بالنوستالجيا والرومانسية. بل يمكن القول ببعض «الحلاوة» غير المعهودة، لأن المصمم الألماني الأصل كان مُضربا عنها. فالسفن بالنسبة له ترتبط بالفقد والمغادرة والوداعات الحزينة. لكنه يستثني بواخر الكروز لأنها تعني الانطلاق والمتعة والاستجمام.
لم يكتف بإيقاظ الجانب الرومانسي النائم بداخله طويلا فحسب بل لعب على المجازي والشاعري بشكل كبير من خلال سفينة «لابوزا»، التي أبقت عليها الدار راسية لمدة ثلاث أيام بعد العرض حتى تستقبل ضيوفا آخرين لم يُسعفهم الحظ لحضور العرض.
علاقة المصمم بالسفن ليست وليدة الساعة أو الحاجة لخلق ديكور جديد. فهي تعود إلى الطفولة حيث كان منظرها، وهي راسية أو مغادرة، يشده. لم يكن يُحبها بقدر ما كانت أصواتها وهي تبتعد أو تقترب من الميناء. «كان أول صوت أتذكر أني أحببته» حسب قوله. لكن رغم هذه الصورة النوستالجية، فإن المصمم بذكائه تعامل مع الأزياء والإكسسوارات من منظور عصري لا علاقة له بالماضي باستثناء لفتته إلى سنوات كوكو شانيل في دوفيل أو بيتها في جنوب فرنسا. فإذا أخذنا كل قطعة على حدة، نكتشف أن أساسها كلاسيكي، سواء تعلق الأمر بالتايورات أو بالبنطلونات الواسعة أو الفساتين أو حقائب اليد التي رافقت كل إطلالة تقريبا. مجموعة محدودة جدا جاءت بأشكال أكثر ابتكارا، لأنه وجهها لفتاة شابة تتكلم لغة الإنستغرام أكثر من اللغة الفرنسية.
تمايلت العارضات بكنزات بلون الكريم مزينة بأزرار بلون الذهبي، وبنطلونات واسعة تنسدل فوق أحذية باللون الأبيض، من دون كعوب لمزيد من الراحة. في المقابل كانت فساتين المساء والسهرة ناعمة من ناحية الخطوط، غنية من ناحية التطريزات. وطبعا لم يغب التايور المصنوع من التويد، إلا أنه جاء هذه المرة على شكل جاكيتات تجلس فوق الخصر، وتنورات قصيرة كان واضحا أنه أراد من خلالها مخاطبة الجيل الجديد من الزبونات. تم عرض ما لا يقل عن 80 قطعة كلها مرت بسرعة البرق بحيث لم تُخلف أدنى شعور بالتكرار أو الملل. تجدر الإشارة إلى أن الدار، وقبل العرض أخذت ضيوفها، فوجا فوجا، إلى مدرسة «لوساج» للتطريز. لم تكن الفكرة لتقضية الوقت أو التذكير بأنها تملك عدة ورشات متخصصة في مجالات لا تكتمل الموضة من دونها، بدءا من التطريز إلى القبعات والأحذية وغيرها، بل كانت تمهيدا للعرض المسائي. فهذه الورشات لم تنجح فقط في إنتاج تفاصيل أضفت على كل قطعة تميزا، بل ساهمت أيضا في إنتاج خامات مستوحاة من مواد بخفة الهواء ظهرت في مجموعة من الفساتين والقطع المنفصلة تلون أغلبها بدرجات من الأزرق. لم يواز خفتها سوى بعض الزخرفات التي أضيفت إلى قطع كانت هي الأخرى بنعومة الريش.
- تدوير الديكورات
> استجابة لمناداة حماة البيئة وكرد فعل على الهجمات التي تلقتها الدار في السابق على أساس بذخها في استعمال الأشجار وغيرها، تؤكد الدار أنها كانت ولا تزال تؤيد فكرة حماية البيئة.
هذا العام فتحت أبواب سفينة «لابوزا» لمدة ثلاثة أيام لضيوف لم يسعفهم الحظ لحضور العرض حتى يستمتعوا بها عن قُرب. بعدها ستُفككها لإعادة تدويرها.
كوكو وموضة «الكروز»
> في الثلاثينات من القرن الماضي ملأت كوكو شانيل ثغرة في السوق بعد أن انتبهت إلى أن المرأة تفتقد إلى أزياء أنيقة ومريحة تخصصها للإجازات المرفهة، إما على شواطئ دافئة أو يخوت فخمة. في عام 1939 أطلقت مجموعة من القطع المصنوعة من الجيرسيه في خطوة غير مسبوقة لأن هذا القماش كان يقتصر على الملابس الداخلية الرجالية فقط. بعدها بست سنوات عرضت أول مجموعة مخصصة للبحر والشمس على سواحل بياريتز والريفييرا الفرنسية. وعندما تسلم كارل لاغرفيلد مقاليد الدار في عام 1983 أحيا هذا التقليد ووسعه ليشمل ديكورات ضخمة والسفر إلى أماكن تدغدغ الخيال. فالأزياء تحقق الربح على المدى البعيد، أي عندما تُطرح في المحلات، والديكورات تحقق ضجة إعلامية لا تقل أهمية وتأثيرا بعد أن تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي بنهم وغزارة عبر الصور والتغريدات، وهو ما أصبح يُعتبر من الاستراتيجيات الترويجية اللازمة لمواكبة للعصر.
وسرعان ما انتبهت باقي بيوت الأزياء لتحذو حذوها. ففي شهر مايو (أيار) من كل عام تنطلق دورة جديدة من الموضة تحت اسم «الريزورت» أو الـ«كروز» لتأخذنا إلى أماكن لا نحلم بزيارتها. وكما تدل التسمية فهي تستحضر رحلات إلى منتجعات مشمسة وبعيدة تحتاج فيها المرأة إلى خزانة غنية ومتنوعة تُوفر لها الأناقة والراحة على حد سواء. من هذا المنظور أصبح من تحصيل الحاصل أن تأخذنا بيوت الأزياء ذات الإمكانات العالية تحديدا، إلى وجهات بعيدة مثل سيول بجنوب كوريا أو هافانا بكوبا أو ريو دي جانيرو أو شانغهاي أو «بالم سبرينغز» بالولايات المتحدة أو طوكيو. التكلفة لا تهم، رغم أن مصاريف كل الحضور تكون على الدار الداعية من الألف إلى الياء. والسبب أن ما تجنيه من وراء هذا الكرم لا يُقدر بثمن. فهي من جهة ترسخ مكانتها، بمعنى «بريستيجهت» على المستوى العالمي، ومن جهة ثانية أكد هذا الخط على مر السنوات أنه مُربح من الناحية التجارية. فهو يشكل نحو 70 في المائة من المبيعات إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه يبقى في المحلات مدة أطول مقارنة بالتشكيلات الموسمية الأخرى. وحسبما اعترف به برونو بافلوفسكي في أحد لقاءاته السابقة: «من بين الثماني تشكيلات التي نقدمها سنويا تأتي تشكيلة الـ(كروز) في المرتبة الأولى أو الثانية من حيث المبيعات». عندما قدمت «شانيل» عرضها في دبي مثلا، اعتبرت الخطوة شجاعة وذكية، ويقال إنها كلفت الدار نحو 1.7 مليون دولار أميركي، وهو ما برره الرئيس التنفيذي برونو بافلوفسكي حينها بالقول: إنه رغم أن العرض قد لا يستغرق أكثر من 20 دقيقة فإنه مهم لتسليط الضوء على الدار من دون منافسة بيوت أزياء أخرى. وغني عن القول: إن خط الريزورت ناجح في منطقة الشرق الأوسط، لأنه الأنسب لبيئته، من ناحية تصاميمه الأنيقة والعصرية وما تتميز به من خفة تناسب كل زمان ومكان.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الوجهات التي يقع عليها الاختيار لا تأتي اعتباطا، وغالبا ما تكون لها دوافعها، كافتتاح محل كبير فيها كما حصل عندما قدمت دار «لويس فويتون» عرضها في «بالم سبرينغ» تزامنا مع افتتاحها محلا رئيسيا في «روديو درايف»، أو التقرب إلى سوق مهم، كما الحال بالنسبة لدار «ديور» عندما قدمت عروضها في شانغهاي وطوكيو منذ بضع سنوات. في كلتا الحالتين كانت النتيجة سريعة تمثلت في زيادة مبيعاتها في هذه الأسواق.
- كل الطرق تؤدي إلى فرنسا
> هذا العام، كل الطرق تؤدي إلى فرنسا بالنظر إلى أن العديد من بيوت الأزياء قررت العرض فيها. فبينما توجهت «برادا» إلى نيويورك»، اختارت «غوتشي» التوجه إلى أرلز بالبروفانس، و«لويس فويتون» و«سانت بول دي فنس» أيضا بجنوب فرنسا، بينما وقع اختيار «ديور» على منطقة «شانتيللي» شمال باريس.


مقالات ذات صلة

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

يوميات الشرق عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

تكشف عالمة الأنثروبولوجيا الإيطالية جوليا مينسيتيري في كتاب جديد عن خفايا الظروف الصعبة التي يعيشها العاملون في قطاع الموضة.

«الشرق الأوسط» (باريس )
لمسات الموضة حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

تقول هاجر نبيل إنها تحاول في هذه المجموعة أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وكشف بعض أسرار التعلق بها.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
عالم الاعمال «لوريال» تعيد صياغة مفهوم الجمال برؤية هادفة في السعودية

«لوريال» تعيد صياغة مفهوم الجمال برؤية هادفة في السعودية

«لوريال» عزّزت حضورها في السعودية في قطاع الجمال بسلسلة قيمة تبلغ 853 مليون دولار.

لمسات الموضة تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج، ولا حتى في فرادة المكان والمعمار فحسب، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

جميلة حلفيشي (بيدمونت - ميلانو)
لمسات الموضة لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

أخذ شون ماكغير عذابات الراحل لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن مصدر للألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم

«الشرق الأوسط» (لندن)

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)
حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)
TT

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)
حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)

من التراث المصري العريق والمتنوع، استلهمت المصممة المصرية هاجر نبيل أحدث مجموعاتها في مجال الحُلي. مجموعة بعنوان «نبض كيميت» تبدو فيها مصر القديمة حاضرة في قلب القطعة نفسها؛ تجدها مرة في عين حورس، وتعثر عليها في زهرة اللوتس، أو في قلادة ملكية تستعيد أجواء عرش توت عنخ آمون، وهلمّ جرّاً.

ولا تتوقف الحكاية عند حدود المعابد والجداريات؛ ففي المجموعة أيضاً نلمح النخلة النوبية، والنجمة، والمولد الشعبي، وحتى صدى أغنيات أم كلثوم. وهكذا لا تبدو الهوية المصرية في المجموعة مرتبطة بزمن واحد؛ فهي تمتد من مصر القديمة إلى التراث النوبي والشعبي، وصولاً إلى ذاكرة الأغنية المصرية.

كل تفصيل ينبض بعبق التاريخ ويهمس بقصص ملكات عشن ليخلدن (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه التشكيلة الألوان الزاهية التي تميز الفن والمجوهرات المصرية القديمة، في حين يمنح التوازن الدقيق بين مختلف الخامات والأحجار الكريمة ذات الألوان الصادحة كل قطعة شخصية قوية وفريدة.

تقول هاجر نبيل إنها تحاول فيها أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وربما تحاول هنا أيضاً أن تفسر سر التعلق بها. وقد جعلت دراستها الأكاديمية لتاريخ الفن المصري القديم، وحصولها على الدكتوراه في هذا المجال، علاقتها بالرموز أكثر تعقيداً من مجرد الانبهار بأشكالها.

فالمصري القديم، في رؤيتها، لم يكن يترك تفصيلاً بلا معنى؛ فالعين، والزهرة، والطائر، والهندسة، واللون، لكل منها مكان في منظومة أكبر.

قطعة من عرش توت عنخ آمون الجزء العلوي مستوحى من قلادته الملكية (الشرق الأوسط)

ومن هنا جاءت مجموعة «نبض كيميت» محاولةً لإعادة كتابة تلك اللغة من خلال مفردات امرأة تعيش اليوم. تقول هاجر نبيل لـ«الشرق الأوسط»: «تنطلق مجموعتي من العمق الروحي والحضاري للتاريخ المصري، ومن تفاصيل الفن القديم، من دون نقل الرموز كما هي؛ حيث أعيدت كتابتها بلغة بصرية حديثة».

ومن بين القطع التي تستوقف العين، تصميم يستلهم عرش توت عنخ آمون وقلادته الملكية، يأتي كأنه ذاكرة بعيدة أُعيد ترتيبها؛ يستحضر الجزء العلوي منه القلادة الملكية، في حين تتوزع على بقية القطعة مفردات من الفن المصري القديم. ويستعيد العقيق الأحمر والأخضر، والصدف الأبيض، والمينا الملونة، شيئاً من بريق خزائن الملوك.

عين حورس

عين حورس تتحول إلى بروش صغير تحيط به تفاصيل هندسية وألوان من المينا الزرقاء (الشرق الأوسط)

وفي مكان آخر من المجموعة، تستقر «عين حورس»... العين التي عرفها المصري القديم رمزاً للحماية والشفاء واستعادة التوازن، تتحول هنا إلى بروش صغير، إلا أن كثافة الرمز تجعله يبدو أكبر من حجمه. في وسط التصميم تتربع العين، في حين يحيط بها إطار هندسي دقيق، وتتخلل التفاصيل ألوان المينا الزرقاء، ويمنح النحاس المطلي بالذهب عيار 21 القطعة بريقها، فيما يظل الرمز هو البطل الحقيقي.

ومن عالم الآلهة المصرية يأتي حورس، مستلهماً هيئته من أحد التوابيت الأثرية؛ إنه ذلك الصقر الذي ارتبط بالسماء والقوة والحماية، ويظهر في المجموعة بصورة تمنحها حضوراً ملكياً واضحاً، سيما أن المصممة تستخرج من الرمز إحساسه، ثم تضعه في تصميم معاصر.

اللوتس

قطعة تحتفي بجمال اللوتس الخالد وسحر البردي وقوة الرمز المصري القديم (الشرق الأوسط)

وفي تصميمات اللوتس تبدو الزهرة كأنها تستعيد شيئاً من علاقتها القديمة بالنيل، كما تستعيد في تفاصيلها أجواء الحُلي التي ارتبطت بالملكات في مصر القديمة.

وتعدّ هاجر نبيل قطع الحلي التي تأتي تحت هذا الاسم تذكيراً دائماً بقوة المرأة وجاذبيتها التي لا تقاوم: «ربما لا يوجد رمز مصري أكثر قدرة منها على عبور الزمن؛ هي زهرة ارتبطت بالتجدد والنقاء، وظلت حاضرة في الفن المصري القديم، ونراها تعود اليوم إلى الحُلي في تكوينات أكثر نعومة، وبجوارها يظهر البردي، فيما يضيف اللازورد والألوان الغنية عمقاً إلى التصميم».

النوبة

النخلة النوبية تتوسط سلسلة من النحاس المطلي بالذهب وتتزين بالصدف وأحجار الزركون (الشرق الأوسط)

ولا تنتهي مصر التي تعرفها هاجر نبيل عند حدود كيميت القديمة، فالنخلة النوبية تأخذ مكانها في سلسلة تزين العنق، وتظهر فيها النخلة مثبتة في الأرض، في حين تتجه النجمة إلى أعلى، في ثنائية بسيطة تقول كثيراً عن الإنسان الذي لا يتخلى عن حلمه.

وتأتي السلسلة من النحاس المطلي بالذهب عيار 21، وتتزين بالصدف الأبيض وأحجار الزركون، لتصبح الفكرة نفسها جزءاً من جمال التصميم.

أم كلثوم

أقراط منقوشة بكلمات من وحي أغنية لأم كلثوم (الشرق الأوسط)

ثم تصل هاجر نبيل إلى زمن أقرب، تستعيد فيه أم كلثوم في أغنيتها «قربك نعيم الروح» بكل ما تختزنه من إحساس القرب والدفء والفن الجميل. في هذه القطع يظهر الهلال والنجوم في التصميم، يضيئان ذكرى قديمة.

ومن بين أكثر القطع اقتراباً من الذاكرة الشعبية، يأتي الحلق المستوحى من «المراجيح» في المولد؛ حيث تتحول إلى خطوط انسيابية داخل تصميم حديث.

في كل تصميم تخاطب المصممة امرأة تعرف ماذا تريد، وتحب أن ترتدي قطعة لها شخصية، لا قطعة تُشبه عشرات القطع الأخرى.

تخاطب كل من يشدُّه سحر الحضارة المصرية وإرثها، لكن دائماً في صياغات معاصرة تنبض بالألوان.


مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
TT

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

سيبقى يوم 18 من شهر سبتمبر (أيلول) 2026 تاريخياً بالنسبة لدار «لورو بيانا». ففي هذا اليوم افتتحت مركزها الجديد في «غيمي» بمنطقة بيدمونت الإيطالية، على بعد 45 دقيقة تقريباً من وسط ميلانو. وهو مركز متخصص في صناعة الملابس المحبوكة يجمع كل عمليات الدار تحت سقف واحد، بدءاً من البحث والتطوير ووصولاً إلى المنتجات النهائية، مروراً بمساحة متخصصة للتدريب ونقل المهارات إلى الأجيال المقبلة.

أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري وتراعي مفهوم الاستدامة بشكل جدي (لورو بيانا)

حضر الافتتاح فريديريك أرنو، الرئيس التنفيذي، وبير لويجي لورو بيانا، نائب رئيس مجلس الإدارة وأحد أفراد الجيل السادس من عائلة لورو بيانا، إلى جانب أدولفو أورسو، وزير الشركات و«صنع في إيطاليا».

وكما قال أرنو، في كلمة الافتتاح فإن «مصنع غيمي ليس مجرد منشأة جديدة، بل يمثل محطة استراتيجية مهمة تجمع بين تطوير أساليب التصنيع ودعم خططنا للنمو وتطلعاتنا على المدى الطويل».

أهم ما في هذه الخطوة أنها تجمع بين الاستثمار الصناعي والحفاظ على الحرفة وتطويرها وتأتي في وقت أصبحت فيه مسألة الاستمرارية أكثر إلحاحاً في صناعة الرفاهية عموماً والموضة خصوصاً.

يعد المشروع أكبر استثمار صناعي في تاريخ لورو بيانا لكنه أيضاً استثمار في الخبرة (لورو بيانا)

ما تشعر به خلال الجولة التي دعت فيها الدار الإيطالية «الشرق الأوسط» لمشاركتها هذا الحدث، إلى جانب باقة من الشخصيات ووسائل الإعلام، هو أن صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج ولا حتى في فرادة المكان والمعمار وحدها، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

فالخيط يمكن الحصول عليه، والآلة يمكن تطويرها، والمبنى يمكن تصميمه، لكن معرفة كيفية التعامل مع مادة نادرة، وتحويلها إلى قطعة فخمة ومريحة، تحتاج إلى أشخاص وخبرة ووقت. فالحرفي لا يتعامل مع الخيط باعتباره مادة ثابتة، بل يفهم سلوكه ومدى مرونته خلال العمل. وتلك معرفة تتكون مع الوقت والممارسة، ولا يمكن اختصارها في مواصفات تقنية للآلة وحدها.

يتم اختبار الغرز والخيوط والبنية إلى جانب كل التفاصيل في كل مرحلة من الإنتاج (لورو بيانا)

من هذه الزاوية، يمثل المصنع الجديد استثماراً في المستقبل البشري بقدر ما هو استثمار في التصنيع. وهو وفق رؤية الدار البعيدة، محاولة لإبقاء الحرفة داخل المؤسسة، بتوثيقها وتعليمها، ثم نقلها إلى أشخاص قادرين على الإبقاء عليها لعقود، إن لم نقل قروناً.

استثمار في الحرفة

من الناحية الصناعية، يُمثِل المشروع أكبر استثمار لـ«لورو بيانا» حتى الآن. استغرق تطويره ثلاث سنوات، ويمتد على مساحة تزيد على 8 آلاف متر مربع. والهدف منه منذ البداية كان جمع المعرفة المتراكمة، والحرفية الإيطالية، والخبرة في التعامل مع المواد النادرة، ثم نقل هذه الخبرة إلى جيل جديد. في هذا السياق، يُوضِح أرنو، أن المركز سيضم خلال السنوات المقبلة نحو 300 شخص، في خطوة تعكس بحسبه «الاستثمار في الجيل التالي من الحرفيين والعاملين في هذا المجال». وأضاف: «غيمي لا يقدم نفسه بوصفه مجرد مصنع جديد، وإنَما يمثل محطة استراتيجية باعتباره جزءاً من الطريقة التي تريد الدار أن تبنى بها مستقبلها».

يتم إنتاج الجزء الأمامي والخلفي والأكمام والياقة والحواف بشكل منفصل ثم تبدأ مرحلة تجميع كل الأجزاء معاً (لورو بيانا)

كان من الممكن أن تُقوِي «لورو بيانا» حضورها وإيراداتها بزيادة عدد المتاجر أو طرح منتجات كثيرة، لكن الاستثمار هنا يتجه أولاً إلى ما تحتاجه للحفاظ على تميزها في عالم تشتد فيه المنافسة بين صناع الموضة، وذلك بخلق اكتفاء ذاتي في مهاراتها البشرية.

فالحرفيون هم من يُحوِلون الألياف النادرة إلى قطع نهائية، عبر عملية طويلة تجمع بين التكنولوجيا والحرفة، وبين الابتكار والتقاليد، وبين الدقة واللمسة الإنسانية. وتنسجم هذه الرؤية مع توجه فريديريك أرنو منذ توليه منصب الرئيس التنفيذي في يونيو (حزيران) 2025 خلفاً لدايمون برتراند، في تبنِي استراتيجية أوسع تستهدف نمواً مدروساً ومتدرِجاً.

المواد النادرة تحدد الإنتاج

ثم إن المواد التي تعتمد عليها الدار مثل صوف «Gift of Kings®» و«الفيكونا» لا تتوافر بكميات كبيرة أساساً، لهذا لا يمكن زيادة الإنتاج بسرعة.

تعتبر الألياف الطبيعية ونعومتها قوة بنت عليها الدار سمعتها عالمياً (لورو بيانا)

وكان برنار أرنو، الأب، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «إل في آم آش»، قد تحدث عن هذه المسألة خلال إعلان نتائج المجموعة لعام 2025، مشيراً إلى أن التحدي بالنسبة إلى «لورو بيانا» ليس تسريع النمو، وإنما الحفاظ على وتيرته ضمن حدود لا تؤثر في جودة المنتجات. وأضاف أن الدار لا تريد التوسع بسرعة كبيرة، بل إنها مستعدة للتدخل لكبح النمو عندما يصبح أسرع مما ينبغي، بهدف الحفاظ على مستوى الجودة الذي تقوم عليها العلامة.

هذه المقاربة تختلف عن نموذج التوسع السريع الذي يمكن أن تتبعه علامات الأزياء في قطاعات أخرى، هي أيضاً من الأفكار التي تظهر بوضوح خلال زيارة «غيمي». فما يبدو للوهلة الأولى استثماراً في مصنع لزيادة القدرة الإنتاجية، يتعلق في جانب أساسي منه بحماية الجودة والسيطرة على وتيرة النمو.

وصل أجزاء القطعة غرزة بغرزة عملية تحتاج إلى دقة ووقت عند التعامل مع خيوط رفيعة جداً (لورو بيانا)

ووفق ما تؤكد عليه الدار، فإن تحسين القدرة التصنيعية لا يعني بالضرورة إنتاج كميات ضخمة من كل منتج، وهو ما يرتبط بمفهوم الرفاهية التي تريد تسويقها للعالم. هذه الرفاهية يشعر بها المستهلك، ولا يلاحظها بسهولة، لأنها قد تكون مجرد غرزة محاكة بطريقة معينة، أو ملمس خيط فائق الدقة، أو طريقة التعامل مع الألياف الطبيعية أثناء تعرضها للحرارة والرطوبة. إضافة إلى ذلك، فإن بعض أنواع الصوف يتسم بألياف فائقة النعومة في علاقة حميمة بين المادة والتقنية. وخيط Royal Lightness أكبر مثال على ذلك.

فهو يجمع بين صوف ميرينو فائق النعومة وحرير Mulberry. وفيما يبلغ قطر ألياف الميرينو المستخدمة نحو 13.5 ميكرون، يبلغ سمك الحرير نحو 21 دينيراً، وهذا ما يجعل الخيط رفيعاً وناعماً للغاية، وفي الوقت ذاته، أكثر صعوبة في التعامل معه، إذ قد ينقطع بسهولة إذا لم يتم التحكم في عملية الحياكة بدرجة عالية من الدقة. وهنا تبرز أهمية تدريب الحرفيين، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

هذه الأهمية هي التي ساهمت في إطلاق الدار لأكاديمية الحرف في عام 2015، وتقع حالياً في مبنى أبيض بسقف أحمر كان في الماضي منزل حارس الموقع، قبل أن يخضع للترميم ويصبح جزءاً من المشروع الجديد.

كل شيء في المصنع من نوعية الخشب إلى النوافذ والإضاءة تأخذ بعين الاعتبار راحة الحرفي ومعايير الاستدامة (لورو بيانا)

في هذا المكان، يتم التدريب على عدد من المهارات الأساسية في صناعة الملابس المحبوكة، مثل برمجة تصنيع الملابس، وتجميع القطع، والتشطيب اليدوي، وإصلاح القطع، إلى جانب مسارات تدريب وتطوير أخرى. وتكتسب الأكاديمية أهميتها في أنها لا تنقل المعرفة من خلال تعليم نظري، وإنما من خلال الممارسة والعمل إلى جانب أصحاب الخبرة.

مكان يهتم بالطبيعة والإنسان

هذا ويحمل موقع «غيمي» تاريخاً صناعياً طويلاً. فقد كان فيما مضى مصنعاً للورق ثم تحوّل إلى مصنع للقطن لأكثر من مائة عام. وفي عام 1987، استحوذت عليه لورو بيانا واستخدمته لاحقاً لغزل الصوف الممشط، وإنتاج خيوط لصناعة الأقمشة والملابس المحبوكة. ومع المشروع الجديد، أعيد تطوير الموقع مع الحفاظ على بعض عناصر القديمة، مثل برج المياه التاريخي ومنزل حارس العقار السابق، الذي تحوَل اليوم إلى مقر لأكاديمية الحرف.

تجري Loro Piana أبحاثاً واختبارات على الخيوط قبل استخدامها لتحديد الطريقة الأنسب لإظهار خصائصها (لورو بيانا)

يراعي تصميم متطلبات شهادة «LEED Gold»، ويضم نظماً لاستعادة مياه الأمطار، وألواحاً للطاقة الشمسية الكهروضوئية، إلى جانب أنظمة متقدّمة لإدارة الطاقة.

ويُصبح بذلك أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري. حتى النباتات والأشجار التي غُرست فيه تراعي عدم حاجتها إلى سقي مستمر، وبالتالي لا تستنزف المياه.

بينما تُتيح الواجهات الزجاجية الممتدة على مساحات واسعة بدخول أكبر قدر ممكن من ضوء النهار إلى المبنى، ما يحدّ من الحاجة إلى الإضاءة الاصطناعية، في حين يقوم نظام إضاءة ذكي بتعديل مستوى الإضاءة تلقائياً وفقاً للظروف وعدد الموجودين في المكان.

تظهر هذه الفكرة في المساحات المفتوحة، والحدائق، والساحات.

من الصوف إلى القطعة النهائية

تمثّل مرحلة المعاينة النهائية للتأكد من كل التفاصيل مرحلة مهمة في صناعة كل منتج (لورو بيانا)

داخل المصنع، مركز عمليات التنفيذ والإنتاج، تبدأ رحلة الملابس المحبوكة من مرحلة البحث والتطوير، وكل تصميم يبتكره قسم التصميم يمر بعدة مراحل. من الرسوم الأولية وتجارب الحياكة، إلى تطوير العينة واختبارها قبل انتقالها إلى المرحلة التالية من الإنتاج. بعد ذلك تبدأ البرمجة والحياكة بتطوير الغرز وبناء القطع اعتماداً على نظم التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) المتخصصة. وتُعد مرحلة تجميع الملابس مجالاً يجمع هو الآخر بين التخصص والعمل اليدوي، لتأتي المرحلة الأخيرة ألا وهي غسل الملابس وكيّها، وهما خطوتان أساسيتان للوصول إلى النعومة المطلوبة والحفاظ على شكل القطعة وثباتها وأبعادها.

أهمية التكنولوجيا لا تُقلِل من أهمية عين الإنسان وحرفيته اليدوية (لورو بيانا)

في نهاية الجولة، يصعب النظر إلى «غيمي» باعتباره مجرد مصنع ضخم. فالمشروع الذي يضع الإنسان في قلب هذه العملية ينظر إلى المستقبل ويستبق عصراً جديداً لصناعة الرفاهية، يتعامل مع التكنولوجيا كونها وسيلة للتطور والتطوير، لكن من دون إلغاء الجانب الإنساني الذي يحتاج إلى يد تُدير التكنولوجيا. أما قلبها النابض، فيبقى أولاً وأخيراً في أليافها الطبيعية التي قال رئيسها التنفيذي السابق داميان برتراند في لقاء خاص مع الشرق الأوسط إنها هي التي تجعل من «لورو بيانا» دار أزياء مختلفة عن غيرها. فإلى جانب تصاميمها التي لا تتبع موجات الموضة الموسمية، تتوجه بصوفها النادر للعارفين وأصحاب الذوق الرفيع لنُدرته وطرق غزله.


بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
TT

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

كان قرار لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «كيرينغ»، بإعادة «ماكوين» للعرض في موطنها الأصلي بلندن، بعد غياب دام نحو 4 سنوات، قراراً موفقاً، أسعد عشاق الدار والمشرفين على أسبوع الموضة في لندن على حد سواء؛ ففي فوضى لندن، بكل ما فيها من تناقضات، شيء ينسجم تماماً مع روح الدار التي أسسها الراحل ألكسندر ماكوين، المعروف بـ«لي ماكوين». مديرها الإبداعي الحالي شون ماكغير عبَّر عن هذه العودة بأن المجموعة «احتفاء بقوة لندن التي لا تتوقف عن الإلهام وكسر المتعارف عليه»، مضيفاً أن «(ماكوين) دار وُلدت في لندن، وأن موقف المدينة من الابتكار الذي لا يُساوم وروحها المتمردة يقعان في صميمها».

لمسات الدار الإبداعية تظهر واضحة في التفاصيل الدقيقة (ماكوين)

وتأتي عودة «ماكوين» إلى لندن في وقت تشهد فيه الدار إعادة ترتيب على المستوى الإداري والتجاري؛ ففي يونيو (حزيران)، عُيّن جيانفرانكو داتيس رئيساً تنفيذياً، بعد أن شغل سابقاً منصباً قيادياً في برادا، وكُلّف بتحسين الأداء المالي للدار وتعزيز موقعها في السوق. كما يأتي في وقت تحتاج فيه لندن إلى دعم من كل أبنائها لكي تستعيد بريقها، وهو ما عبَّر عنه عمدة المدينة، صادق خان، بحضوره العرض، ولورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، بتصريحها بأن العرض جزء من مسعى أوسع لإعادة دور أزياء بريطانية المولد مثل «ماكوين» و«مالبيري» إلى برنامجها الرسمي.

ظهرت بدلات ماكوين بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية (ماكوين)

عرض يستحضر الجذور

قدمت «ماكوين» عرضها لربيع وصيف 2027، في القبو السفلي لكنيسة لينكولن إن، وهي قاعة تعود إلى القرن السابع عشر، تحمل أرضيتها الحجرية أسماء رجال استخبارات ومحامين ووعاظ رحلوا منذ زمن، ودُفنت عظامهم تحتها، بينما ارتفع سقف قوطي بأقبية على شكل نجوم، في مشهد لافت بجماله.

وبعد أن أخذ المدعوون أماكنهم على المقاعد الخشبية البسيطة، وانطلقت موسيقى فرقة «شارد فويسز»، بدأ العرض مستحضراً روح «لي ماكوين» العالقة بين الظلام والنور؛ فمن خلال مجموعته الجديدة، قدّم شون ماكغير رؤيته الخاصة لإرث ماكوين، مستلهماً حرية لندن وتناقضاتها، ومستعيداً، في الوقت نفسه، شيئاً من روح ألكسندر ماكوين نفسه. ويختصر المصمم هذه الرؤية بقوله: «الأمر كله يتعلق بتصادم الأشياء».

الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإبداع في دار ماكوين، كذلك اللون الأسود (ماكوين)

كان هذا أول عرض يقدمه شون ماكغير لـ«ماكوين» في لندن، منذ توليه قيادة الدار. وقد جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة، حيث حاول الجمع بين عالمين متباعدين في رؤيته لـ«ماكوين»: القداسة ذات الطابع الكلاسيكي الجديد، والجانب الأكثر انفلاتاً وارتباطاً بكسر التقاليد. واستند في الطرف الأول إلى لوحة «معمودية المسيح» لبييرو ديلا فرانشيسكا، التي أثارت اهتمامه بشدة عندما كان طالباً وصل حديثاً إلى لندن، بينما استمد الطرف الآخر من حفلات النوادي الليلية التي تقام في الأقبية تحت الأرض.

تم تفصيل البدلات بمعايير «سافيل رو» وهانتسمان التي تتعامل معها الدار منذ سنوات (ماكوين)

ظهرت بدلات «ماكوين» بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية، تحت تسريحات شعر ذات قمتين، استوحيت من مظهر كيث فلينت، الموسيقي البريطاني المعروف بشخصيته المسرحية الصاخبة وشعره الملون والمصفف بطريقة حادة وفريدة من نوعها. وضمت المجموعة 3 إطلالات رجالية صُممت خصيصاً بالتعاون مع هانتسمان في سافيل رو، الذي كان يتولى تفصيل ملابس لي ماكوين نفسه وتعاملت معه الدار تقليداً. استخدمت في هذه الإطلالات أقمشة صوف بريطانية تقليدية، مع أكتاف مبالغ في حجمها وخصور مرتفعة وضيقة، لتعيد تقاليد الخياطة البريطانية إلى جانب النسب الطويلة والممتدة التي اعتمدها ماكغير.

بدت تداخلات الألوان في فساتين زُيّنت بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة (ماكوين)

طال هذا التناقض الفساتين التي تم تصميمها بأسلوب كلاسيكي وفخم فقط ليكسر المصمم أناقتها بإضافة لمسات فوضوية تتأرجح بين الغرابة والجرأة. من بينها أحزمة صممها شون لين، أحد المتعاونين الأوائل مع «ماكوين»، وأشكال مشوهة من أقمشة مطاطية امتدت فوق صدور فساتين الساتان اللامع، إلى جانب كورسيهات مفتوحة من الخلف تتجاوز خط الكتفين.

طال التناقض فساتين كلاسيكية وفخمة تعمّد المصمم كسر أناقتها بلمسات فوضوية لم تؤثر في جمالها (ماكوين)

أما تداخلات الألوان فبدت كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة على العين. وكان من أبرز القطع فستان مكوّن من جماجم معدنية مترابطة، مطرزة يدوياً، بحيث بدت كل جمجمة مختلفة عن الأخرى.

وزُيّنت بعض القطع بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام، وكأن الريح حملتها وأسقطتها فوق البدلات والفساتين. ودفع استخدام الشبك والجلد المثقب والسراويل والتنانير الرياضية المحبوكة ذات الحواف الملونة المجموعة أكثر نحو أزياء حفلات الـ«رايف» الصاخبة. أما أقمشة الجاكار، فغُيّمت نقوشها وتداخلت طبقاتها وتشوّهت تفاصيلها إلى درجة بدت معها على حافة فقدان تماسكها.

ظهرت هذه التناقضات أيضاً في خامات من التول الشفاف بدرجات دخانية وأورغانزا عاكسة للضوء، إلى جانب لوحة ألوان مستوحاة من البورتريهات الدينية وتفاصيل زهرية دقيقة.

جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة (ماكوين(

وفي الجانب الأكثر رقة من المجموعة، ظهرت طبعات زهرية بألوان متوهجة على الأورغانزا، بينما امتدت تطريزات دقيقة ونقوش جاكار مستوحاة من الليل إلى أقمشة شفافة. وجاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الخفيفة. ويبدو مما قدمه ماكغير أنه يعرف أن الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإلهام والإبداع في دار «ماكوين». لكن الفرق بينه وبين لي ماكوين أنه يستعمل هذا الظلام لغاية فنية بينما كان المؤسس يعيشه سوداويته بشكل شخصي. ماكغير عبَّر عن ذلك قائلاً: «يمكنك أن تتحدث عن الأشياء المظلمة، ويمكنك أن تدخلها في عملك، لكن لا تدعها تدخل حياتك. عليك أن تستمتع بوقتك». كانت ترجمته لهذه الفكرة واضحة من خلال تحرَك المجموعة بين الظلال، بحثاً عن لحظة من النشوة.

جاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الشفافة (ماكوين)

وهذا ما يُحسب لشون ماكغير في هذه المجموعة، أنه لم يحاول ترويض جنون لي ماكوين بقدر ما أعاد ضبطه، محتفظاً بتوتره وحدّته من دون الوقوع في محاكاته. أخذ عذابات لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن الألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم.