عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

من بياريتز إلى نيويورك... رسائل الموضة تتشكل برؤى جديدة

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
TT

عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

انتهت عروض «الكروز» لعام 2027 منذ أكثر من أسبوع، ولا تزال أصداؤها تتردد في أوساط الموضة. السبب؟ تزامنها مع نقاشات وأخبار تفيد بتعافي بعض بيوت الأزياء الكبيرة، مثل «شانيل»، من الأزمة التي عصفت بصناعة الموضة والرفاهية عموماً، واستمرار معاناة بعضها الآخر، مثل «غوتشي»، وسط محاولات لاستعادة التوازن.

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

يذكر أن عروض «الكروز» ذات أهمية كبيرة لهذه الدور؛ لأنها الأطول بقاء في المتاجر، والأكثر قدرة على مخاطبة مختلف المواسم والفصول، مما يجعلها الأعلى ربحية. من هذا المنطلق، من الطبيعي ألا تبخل بيوت الأزياء الكبيرة عليها بأي جهد أو تكلفة؛ إذ حوّلتها فرصةً لا تُفوّت لـ«تدليل» زبوناتها عبر اصطحابهن إلى وجهات بعيدة ومثيرة تتيح لهن فرصة الانغماس في عالم كل دار، ومن ثم توطيد علاقتها بهن.

إطلالة من عرض «ديور» بمتحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (رويترز)

الأماكن ودلالاتها

في العقود الأخيرة تحوّلت عروض هذا الخط إلى ما يشبه استعراضات متنقلة، تُختار لها أعلى الوجهات إبهاراً ورمزية. فالأماكن هنا لا تقل أهمية عن الأزياء نفسها، بوصفها وسيلة لإيصال الرسائل الإبداعية وتحقيق أهدافها التجارية على حد سواء. لذلك؛ لا يكون اختيارها عشوائياً أو لمجرد البحث عن أشعة الشمس ودفئها، بل تحمل كل مدينة دلالاتها الخاصة المرتبطة بهوية الدار ورؤيتها في تلك المرحلة.

وتكتسب المرحلة حالياً أهمية استثنائية في ظل ما تشهده صناعة الموضة العالمية من تحوّلات، وتصاعد الضغوط على العلامات الكبرى لإيجاد توازن بين الإبداع والربحية. من هنا، تتحول كل وجهة إلى أداة سرد بصري متكاملة، وهو ما أكدته العروض الأخيرة، بكشفها عن الخيط المشترك بينها جميعاً، الذي يتمثل في توظيف المكان مرآةً لهوية الدار؛ سواء أكانت راسخة أم في طور التشكل.

فستان مبتكر من مجموعة «شانيل» (إ.ب.أ)

في حين اختارت «شانيل» بلدة بياريتز المرتبطة تاريخياً بغابرييل شانيل نفسها؛ لتأكيد صورة الرفاهية في المنتجعات الفرنسية والعودة إلى الجذور تحت قيادة ماثيو بلازي، فقد اتجهت «ديور» إلى لوس أنجليس؛ المدينة التي تختصر ثقافة الشهرة وصناعة الصورة والحلم الأميركي، في عرض عكس العلاقة المتنامية بين الموضة وثقافة المشاهير في «هوليوود»، إلى جانب الأسلوب التجريبي الذي يسعى جوناثان سوندز لترسيخه داخل الدار.

من عرض «ديور» الذي احتضنه متحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (رويترز)

أقيم هذا العرض في متحف «لاكما» ضمن مشهد سينمائي متكامل ضم سيارات «كاديلاك» وسينوغرافيا مستوحاة من عالم السيارات الأميركية في خمسينات القرن الماضي. كانت فيه لمسة من دراما «هوليوود» الكلاسيكية، وإشارة إلى العلاقة التاريخية الطويلة بين «ديور» وصناعة السينما.

«غوتشي» وثقافة الاستهلاك

أما «غوتشي» فبدلاً من اختيار موقع شاعري أو تاريخي، فقد ذهبت مباشرة إلى ميدان «تايمز سكوير» في نيويورك. لا قصور ولا مناظر حالمة... فقط شاشات عملاقة وإعلانات تجارية وفوضى حضرية تجسد ثقافة الاستهلاك الحديثة في أوضح صورها. والمفارقة أن المدينة شهدت في الفترة نفسها تقريباً، افتتاح متجر ضخم لـ«برايمارك»؛ إحدى أبرز العلامات الشعبية المتهمة بتكريس مفهوم الموضة السريعة.

فهم ديمنا ثقافة الاستهلاك وترجمها بالاستعانة بالمؤثرات والنجوم وفتيات المجتمع مثل باريس هيلتون (أ.ف.ب)

تحت هذا المفهوم، يبدو ديمنا، المديرُ الإبداعي الجديد للدار، كأنه يبعث برسالة مفادها بأن «غوتشي» تحت إدارته لا تبحث عن الرومانسية والنخبوية بقدر ما تبحث عن التأثير الجماهيري الواسع وتحقيق الربح الذي يراوغها منذ سنوات.

فاختيار نيويورك، وتحديداً «تايمز سكوير»، لم يكن مجرد بحث عن موقع صاخب يلفت الانتباه، بل جاء محمّلاً بدلالات رمزية وتجارية تنسجم مع رؤية ديمنا، المعروف بإثارته الجدل من خلال تناوله ثقافة الاستهلاك بأسلوب شبه فلسفي، يجمع بين التهكم والسخرية.

غير أن مقاربته في هذا العرض بدت مختلفة... فهو يُدرك تماماً ما تعانيه «غوتشي» من تراجع في المبيعات، كما يعرف أن مهمته الأساسية تتلخّص في إعادتها إلى الواجهة بوصفها أهم جوهرة في تاج مجموعة «كيرينغ». والنتيجة أن العرض كان أشبه بإعلان عن هذه الرغبة في استعادة موقعها ظاهرةً شعبية عالمية.

سيندي كروفورد وفستان يجمع الكلاسيكية بالمعاصرة في عرض «غوتشي» (رويترز)

كانت نيويورك، بثقافتها الصاخبة وإيقاعها السريع وهوسها بالنجاح والمال، الوجهة المثالية لرؤية ديمنا، الذي لا يبدو معنياً فيها بترسيخ مفهوم الفخامة الهادئة. فهو يتوجه هنا إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة التي تضم أثرياء جدداً لا يرفضون الشعارات البارزة والقطع اللافتة، من دون أن ينحرف تماماً عن إرث «غوتشي» القائم على الحرفية الإيطالية والذوق الأرستقراطي.

عاد ديمنا إلى إرث توم فورد في كثير من الإطلالات (رويترز)

ما فعله أنه أخذ هذا الإرث وأغرقه في فوضى بصرية صاخبة؛ ألواناً ونقوشات. ففي يوم العرض، أضاءت الشاشات الرقمية العملاقة «تايمز سكوير»، لتكرس ذلك التقاطع الذي يجسد هوس أميركا بالاستهلاك والتسويق. امتلأت هذه الشاشات بمنتجات بتوقيع «غوتشي»؛ من الشوكولاته والمياه إلى الحيوانات الأليفة، ومن السيارات حتى أدوية لإطالة العمر... في مشهد بدا كأنه تجسيد لحلم تجاري مكتمل الأركان، تدعمه شعارات جذابة وصور آسرة مهدت لعرض لم يكتف فيه المصمم بعارضات الأزياء الشهيرات، بل استعان أيضاً بمشاهير الـ«سوشيال ميديا» وفتيات المجتمع المخملي، مثل باريس هيلتون، ونجوم السينما والرياضة مثل توم برايدي.

لاعب الكرة السابق توم برايدي في عرض «غوتشي» (رويترز)

فالصورة الثقافية الراهنة بالنسبة إلى ديمنا تشمل كل هؤلاء، إلى جانب شريحة الأثرياء الجدد المهووسين بالموضة والسلع الفاخرة.

من هذا المنطلق، أطلقت الدار على العرض عنوان «غوتشي كور» في إشارة، وفق شرحها، إلى جوهرها الإيطالي، وإلى «تنوع مدينة نيويورك». أما كيف ترجم ديمنا هذا القول فنياً، فكان عبر خزانة ترتكز على قطع أساسية تحمل هوية الدار الإيطالية بالخط العريض، لكن بنكهة تجارية بحتة.

فمثل معظم بيوت الأزياء العالمية، تعيش «غوتشي» مرحلة من القلق والتذبذب الاقتصادي نتيجة تراجع المبيعات وخفوت الزخم الذي رافق طفرة ما بعد الجائحة. هذا إلى جانب فتور حماس المتسوقين بعد الارتفاعات الحادة في الأسعار من دون ابتكارات فنية موازية تبررها.

من عرض «ديور» الذي احتضنه متحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (أ.ف.ب)

لذلك راهنت «غوتشي»، مثل «شانيل» و«ديور»، على مصممين شباب لتحفيز مبيعاتها واستعادة بريقها، وهو ما يُفسِر ميل هؤلاء المصممين؛ من ماثيو بلازي في «شانيل»، إلى جوناثان آندرسون في «ديور»، وديمنا في «غوتشي»، إلى الماضي، أو بالأحرى إلى الفترات التي شهدت فيها البيوت التي تسلموا زمامها، عصراً ذهبياً. هذا العصر بالنسبة إلى جوناثان يرتبط بجون غاليانو، وبالنسبة إلى ديمنا بإرث توم فورد... لذلك؛ فقد افتُتح العرض ببدلات مفصلة بإحكام وفساتين مفعمة بالأنوثة، في إشارة واضحة إلى ما قدمه فورد في منتصف التسعينات من القرن الماضي.

لغة البيع الجديدة

غير أن ديمنا لا يستطيع البقاء طويلاً داخل حدود المضمون. كما لا يستطيع كبح جماح نزعاته الفنية، والتالي كان من المتوقع أن يعيد تفكيك هذه الرموز بأسلوبه الساخر معبراً عن موقفه من البورجوازية، من خلال عودته إلى الأشكال المستوحاة من الحياة اليومية والواقع الاستهلاكي المعاصر.

ويبقى السؤال المطروح حالياً: هل سيتمكن من بيع فكرة «غوتشي» بوصفها علامة ديمقراطية للجميع لا للنخبة فقط؟ هذا ما يأمله ويسعى لتحقيقه، وعبّر عنه بوضوح في هذه التشكيلة.

في المقابل، بدا جوناثان آندرسون أكثر انشغالاً بالتجريب والبحث؛ إذ حملت مجموعته كل بصماته المألوفة، من التفصيل الدقيق والأحجام النحتية والخطوط الانسيابية غير المكتملة، إلى الإشارات الثقافية والفنية المتعددة. والنتيجة أن العرض جاء مشبعاً بالأفكار والصور، لكن من دون حسم واضح في الرؤية؛ وهذا مما يجعل تجربته مختلفة كأنه لا يزال في رحلة بحث عن موقعه في الدار.

إطلالة تحتفي بكوكو شانيل التي افتتحت معملاً خاصاً بالـ«هوت كوتور» في بياريتز الفرنسية عام 1915 (إ.ب.أ)

وبين ديمنا وآندرسون، يقف ماثيو بلازي أعلى توازناً وثقة؛ إذ نجح منذ وصوله إلى الدار في تحديث صورتها من دون إحداث قطيعة مع ماضيها، أو إشعار زبوناتها الوفيات بأن هويتها تتعرض للتفكيك. هذه الرؤية المتوازنة انعكست إيجابا على مبيعاتها، بدليل أنها الأفضل حظاً من حيث الأداء والنتائج، وفق مؤشر «ليست» الذي صنّفها «أوسعَ العلامات رواجاً وشعبية». فمنذ التحاقه بها، ارتفعت إيراداتها بنسبة اثنين في المائة العام الماضي لتصل إلى 19.3 مليار دولار، في وقت سجل فيه قسم الأزياء والمنتجات الجلدية لدى مجموعة «إل في آم آش» المالكة «لوي فويتون» و«ديور» تراجعاً بنسبة اثنين في المائة، فيما انخفضت مبيعات مجموعة «كرينغ» المالكة «غوتشي» بنسبة 10 في المائة.

إطلالة تحتفي بكوكو شانيل التي افتتحت معملاً خاصاً بالـ«هوت كوتور» في بياريتز الفرنسية عام 1915 (إ.ب.أ)

ووفق مذكرة حديثة صادرة عن «مورغان ستانلي»، فقد نجحت «شانيل» في تحقيق نمو لافت هذا العام، وإذا استمرت على هذه الوتيرة، فإنها يمكن أن تكون من كبرى دور الأزياء حظاً. عرضها الأخير في بياريتز أكد أن لمسة ماثيو بلازي من ذهب؛ إذ التقط فيه خيوطاً قديمة صاغها بأسلوب معاصر تصعب مقاومة سحره.

وهكذا تبدو عروض «الكروز» اليوم أكثر من مجرد أزياء موسمية أو عروض في أماكن بعيدة... ولعام 2027، كانت مساحة تختبر فيها كل دار هويتها، وقدرتها على إقناع عالم متغير بأن الفخامة لا تزال حلماً للمتلقي وفناً بالنسبة إلى صناعها.


مقالات ذات صلة

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

لمسات الموضة بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

قطعة واحدة مصوغة بشكل لافت وحجم كبير يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.