عبير نعمة لـ «الشرق الأوسط» : الموسيقى شغفي وهويتي... إنها أنا

تغني بالمصرية في ألبومها الجديد «بصراحة»

الفنانة اللبنانية عبير نعمة (المصدر: عبير نعمة)
الفنانة اللبنانية عبير نعمة (المصدر: عبير نعمة)
TT

عبير نعمة لـ «الشرق الأوسط» : الموسيقى شغفي وهويتي... إنها أنا

الفنانة اللبنانية عبير نعمة (المصدر: عبير نعمة)
الفنانة اللبنانية عبير نعمة (المصدر: عبير نعمة)

مجبولة بالموسيقى وبنوتاتها منذ أن أبصرت النور. شغوفة بالغناء إلى حد ارتباطها بهذا المسار طيلة حياتها. الفنانة الشاملة عبير نعمة ولعها بالموسيقى انبثق عنه مع الوقت تعمق بليغ، إلى حد تمتعها بتراكمات ثقافية، دفعتها إلى ابتكار هوية غنائية خاصة بها.
أخيراً، أطلقت نعمة ألبومها الجديد «بصراحة» الذي لونته بباقة أغانٍ تشبهها وتترجم نظرتها الفنية. وهو الثالث من نوعه مع شركة «يونيفرسال ميوزك مينا». تعاونت في الألبوم مع عدد من الشعراء والملحنين، بينهم نبيل خوري وسليمان دميان ووسام كيروز وغسان مطر وجرمانوس جرمانوس وإيلي نعمة وغيرهم. ومن بين هذه الأغاني «قصتنا»، و«صوت»، و«شو بعمل» و«الميلاد الجايي» وغيرها. وتطالعنا في عملها الجديد ولأول مرة بأغنية مصرية «اعمل ناسيني» من كلمات أمير طعيمة، وألحان إيهاب عبد الوهاب، وتوزيع سليمان دميان.


ملصق ألبوم بصراحة

وعن سبب إقدامها على هذه الخطوة توضح نعمة لـ«الشرق الأوسط»: «كان لا بد من تقديمي أغنية بالمصرية، لأن اللهجات هي مفتاح التواصل مع الشعوب على اختلافها. وفكرت أنه علي أن أؤدي هذا اللون كي أخاطب المصريين بلهجتهم عندما ألتقي بهم. فمنذ صغري كنت أغني المصرية. العمل جميل غلفته سلاسة التعاون مع طعيمة وعبد الواحد وسليمان دميان. ولن أذيع سراً إذا قلت إن هذه التجربة سأكررها في ألبوماتي المقبلة».
تهتم نعمة بالكلمة في خياراتها لأغانيها، وفي رأيها أن النص كما اللحن يلعبان دوراً أساسياً وبارزاً في أي عمل تقدمه. «إذا كانت الأغنية لحنها رائع وكلامها ليس معبراً بحيث لا يلامسني، تسقط الأغنية برأي. ولذلك كل أغنية أقدمها أحرص على أن تحاكي مستمعها تماماً مثلي. فيكون موضوعها يمثل مرحلة من حياتي أو تجربة خضتها أو بمثابة قصة تخاطب الناس بلسان حالهم».
تطرح نعمة في «بصراحة» موضوعات مختلفة بينها رومانسية وأخرى اجتماعية بحيث تحمل كل منها رسالة تعبر من خلالها إلى أذن وقلب مستمعها معاً. فهي بمثابة لوحات رسم تشكيلية تتلون بشعر وموسيقى يأخذانك إلى عالم الفرح والسكينة. ويأتي أداء نعمة ليستكمل بثقله ونبرته الأنيقة هذه اللوحات بحيث يتفاعل معها سامعها تلقائياً، فيحلق في فضاء ملهم رسمته له نعمة على طريقتها. فكيف تستعد لأداء أغانيها كي تخرج بهذه الصورة؟ ترد: «عندما تلفتني أغنية معينة أحاول أن أغنيها لوحدي كل الوقت لأقف على مدى تناغمها مع صوتي. فبذلك أعرف إلى أي حد تناسبني لا سيما في الحفلات المباشرة. يهمني كثيراً الانطباع الذي تتركه على الآخر ليس فقط من خلال تسجيل صوتي، بل أيضاً في أي اتصال مباشر أحرزه مع الجمهور».
تتعثر أحياناً نعمة في عملية تسجيل أغانيها، لأنها لا تكون دائماً جاهزة لدخول الأستوديو. «أحياناً إذا كنت لا أشعر بالراحة يخونني صوتي، ولذلك علي أن أكون مستعدة على أفضل وجه ومرتاحة بكل ما للكلمة من معنى. ومرات كثيرة أضطر لسبب أو لآخر أن أتجاوز حالة معينة وأُنفذ أغنية رغم كل شيء. فعملية تسجيل الأغاني ليست بالأمر السهل بتاتاً إذ تحتاج إلى عناصر مختلفة كي تنجح».
تردد نعمة باستمرار بأنها في خياراتها لأغانيها تضع عنواناً عريضاً لها ألا وهو أن تليق بالناس الذين يستمعون إليها، فلا تمر مرور الكرام، بل تتوافق وأذواقهم وتلامسهم على مدى تنوعهم واختلافهم. وتتابع: «الهدف الأساسي هو تقديم مادة حلوة يلونها خليط من المشاعر فيواكب أي ألبوم أطلقه. هو بمثابة مخاض ومراحل عديدة يمر بها على أن يحمل دائماً الفرح والفن الأصيل. وهنا لا بد من أن أنوه بالفريق الذي يتعاون معي، من ملحن وشاعر ومهندس صوت وغيرهم. فعملية تنفيذ ألبوم هي بمثابة ورشة عمل هدفها تقديم الأفضل».
لجأت نعمة في ألبومها «بصراحة» إلى تقديم أغنية «قصتنا» في نسختين مختلفتين؛ واحدة ذات إيقاع سريع، وثانية تأخذ منحى أبطأ وأكثر سلاسة. وتفسر ذلك قائلة: «يعود إلى إعجابي منذ البداية بالنسخة المبطأة. فموزعها الموسيقي أليكس كان له رأي آخر، لذا اعتمدنا النسختين. فمن جهتي رغبت بترك مساحة أكبر لوقع الكلام، ليُعبر عن موضوع الأغنية بشكل واضح».
لن تكتفي نعمة في التلوين بأداء اللهجة المصرية فقط، فهي تخطط لمقاربة لهجات عربية أخرى كالخليجية. وتوضح: «قريباً جداً سأبدأ بسماع ألحانٍ خليجية وبينها العراقية. فمن الضروري على أي فنان اعتماد التنويع مع الحفاظ على هويته الفنية التي يتميز بها. فاللهجات لا تمحي الهوية بل تثريها. وهذا التواصل عبرها مع الناس من بلدان مختلفة يقربهم أكثر من الفنان ومن الأغنية معاً، فيستوعبونها ويفهمونها بشكل أسهل».
تتابع نعمة الساحة الفنية وأحياناً تلفتها بعض الأعمال. فأي أغنية أعجبتها أخيراً؟ ترد: «أحببت كثيراً أغنية ناصيف زيتون (بالأحلام)، التي كتبها ولحنها نبيل خوري، وقد تعاونت معه في أغنية (بصراحة) و(بلا منحس). كما أنني معجبة بأغاني الفنانة أصالة. فكل واحدة من أغنياتها تملك مزاجاً يلفتني. وهي من الفنانات اللاتي أحب دندة أعمالهن».
كيف تقيم عبير نعمة تغيرات الموسيقى وتطورها بشكل سريع؟، تقول: «في رأيي إن التغيرات التي تشهدها الموسيقى في عالمنا هي أسرع من أن نستوعبها. فالتحديات كبيرة بالتأكيد تجاه تقديم الموسيقى التي تشبهنا في ظل شعورنا بالغرابة عامة. فيومياً ننام ونستيقظ على موضة جديدة بكل المجالات، وليس في الفن فقط. ونحقق تقدماً ملموساً في حياتنا يطال مجالات مختلفة من خلال سرعة الاكتشافات لا سيما التكنولوجيا. أما بالنسبة للموسيقى فهناك دائماً أعمال جميلة تلفتنا وفي المقابل هناك أخرى لا أستطيع استيعابها. لا شك أن ثمة نوعاً من الهبوط والتراجع في مطارح كثيرة، وهو ما يؤلف صراعاً بين الأصالة والغرابة كما أي شيء آخر في حياتنا».
تشارك نعمة في مهرجان «بيروت ترنم» كعادتها في كل عام، فتحيي حفلة غنائية بمناسبة أعياد الميلاد في وسط بيروت في 4 الحالي. وتتمسك بهذه المهرجانات لأنها صارت بمثابة تقليد تتبعه. فهو يسهم بتسليط الضوء على بيروت الثقافة والفن ويضع المدينة على الخريطة العالمية الفنية. وتضيف: «إنه بارقة أمل تصب في إبراز جمال بيروتنا ووجهها الحقيقي. ونؤكد من خلاله أن الألم لا يمحي الأمل، وأن صوت الموسيقى يرتفع على أي صوت آخر».
من الأغاني التي يتضمنها ألبومها الجديد «الميلاد الجايي» التي تقدمها عملاً غنائياً وليس ترنيمة ميلادية. فلقد اعتادت المشاركة في هذه المناسبة كل عام على طريقتها لتضمها إلى حفلاتها الموسيقية المباشرة. وتعلق: «إنها تتضمن قصة حب جميلة من وحي الميلاد، وهي من ألحان وكلمات وسام كيروز وتوزيع مارك أبو نعوم».
وتحيي نعمة أيضاً، مجموعة من الحفلات في بلدان غربية وعربية. ومن بينها في 11 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، على مسرح البوزار في مدينة بروكسل البلجيكية، وأخرى في 21 منه على مسرح المجاز في إمارة الشارقة التي ترافقها بها الأوركسترا الوطنية العربية.
وعما تعنيه لها الموسيقى: «إنها ليست مهنتي فحسب، بل شغفي وهويتي واللغة التي أستطيع أن أعبر من خلالها عن مشاعري. إنها حلمي الأول والأكبر وأنا مصرة على الاستمرار بالغناء، لأنه مرتبط بوجودي في الحياة. الموسيقى هي أنا».


مقالات ذات صلة

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما، طريقة موحدة لتأليف موسيقاه المتنوعة، وهي البحث في تفاصيل الموضوعات التي يتصدى لها، للخروج بثيمات موسيقية مميزة. ويعتز خرما بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، التي تم افتتاحها في القاهرة أخيراً، حيث عُزفت مقطوعاته الموسيقية في حفل افتتاح البطولة. وكشف خرما تفاصيل تأليف مقطوعاته الموسيقية التي عُزفت في بطولة العالم للجمباز، إلى جانب الموسيقى التصويرية لفيلم «يوم 13»، الذي يجري عرضه حالياً في دور العرض المصرية. وقال خرما إنه يشعر بـ«الفخر» لاختياره لتمثيل مصر بتقديم موسيقى حفل افتتاح بطولة العالم للجمباز التي تشارك فيها 40 دولة من قارات

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

تعتزم شركة تسجيلات بريطانية إصدار حفل تتويج ملك بريطانيا، الملك تشارلز الشهر المقبل، في صورة ألبوم، لتصبح المرة الأولى التي يتاح فيها تسجيلٌ لهذه المراسم التاريخية للجمهور في أنحاء العالم، وفقاً لوكالة «رويترز». وقالت شركة التسجيلات «ديكا ريكوردز»، في بيان اليوم (الجمعة)، إنها ستسجل المراسم المقرر إقامتها يوم السادس من مايو (أيار) في كنيسة وستمنستر، وأيضاً المقطوعات الموسيقية التي ستسبق التتويج، تحت عنوان «الألبوم الرسمي للتتويج»، وسيكون الألبوم متاحاً للبث على الإنترنت والتحميل في اليوم نفسه. وستصدر نسخة من الألبوم في الأسواق يوم 15 مايو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

تُطرح للبيع في مزاد يقام في لندن خلال سبتمبر (أيلول) المقبل نحو 1500 قطعة عائدة إلى مغني فرقة «كوين» البريطانية الراحل فريدي ميركوري، من بينها أزياء ارتداها خلال حفلاته ومخطوطات لنصوص أغنيات، وكذلك لوحات لماتيس وبيكاسو، كما أعلنت دار «سوذبيز» اليوم الأربعاء. وستقام قبل المزاد معارض لأبرز هذه القطع في نيويورك ولوس أنجليس وهونغ كونغ في يونيو (حزيران)، ثم في لندن من 4 أغسطس (آب) إلى 5 سبتمبر (أيلول). ومن بين القطع التي يشملها المزاد تاج مستوحى من ذلك الذي يضعه ملوك بريطانيا في احتفالات تتويجهم، ورداء من الفرو الصناعي والمخمل الأحمر. وارتبطت هاتان القطعتان بصورة الفنان البريطاني الذي حقق شعبية واس

«الشرق الأوسط» (لندن)

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


العداءة لوكيدي تطمح في تكرار فوزها بماراثون بوسطن

شارون لوكيدي (رويترز)
شارون لوكيدي (رويترز)
TT

العداءة لوكيدي تطمح في تكرار فوزها بماراثون بوسطن

شارون لوكيدي (رويترز)
شارون لوكيدي (رويترز)

تسعى شارون لوكيدي إلى أن تصبح أول بطلة لماراثون بوسطن مرتين متتاليتين يوم الاثنين المقبل، إذ تصر العداءة الكينية على أن ضغوط الحفاظ على اللقب لن تغير من أسلوب تعاملها مع السباق.

وتحدثت العداءة المولودة في كينيا، التي حطمت الرقم القياسي للسيدات في ماراثون بوسطن العام الماضي بزمن قدره 2:17:22 ساعة متجاوزة الرقم السابق الذي سجلته الإثيوبية بوزونيش ديبا عام 2014 بفارق دقيقتين و37 ثانية، خلال حدث ترويجي أمس الجمعة.

وقالت لوكيدي: «في كل مرة تخوض فيها سباق ماراثون، تعتقد أنه سيكون أسهل لكن الواقع أنه لا يصبح كذلك أبداً».

وفي ردها على سؤال بشأن ضغوط الدفاع عن لقبها، قالت الفائزة بماراثون نيويورك 2022: «إنه سباق مختلف دائماً. مجموعة مختلفة من العداءات، ونوع مختلف من التنافس. لذلك أتعامل معه بوصفه سباقاً جديداً».

وعلى الجانب الذهني، قالت إن التصور أصبح أداة رئيسية. وأضافت: «تدربت جيداً، وبذلت كل ما في وسعي وأنا متحمسة. إنه سباق مفتوح، لا يمكن أن تدري ما سيحدث، لكنني أضع نفسي في قلب المنافسة وأتمنى الأفضل».

وبالنسبة للمشاركين في السباق، قدمت العداءة (32 عاماً) نصائح مباشرة حول استراتيجية السباق: «أبدأ الركض بانضباط مع الحفاظ على سرعتي»، أما عن التوتر الذي يتصاعد في الأيام التي تسبق السباق، فقد أعادت لوكيدي صياغتها ببساطة قائلة: «إنه شعور جيد لأنه يخبركِ بأنكِ جاهزة».