فنانون عرب يتحدثون لـ «الشرق الأوسط»عن يومياتهم بعد «ندرة الفرص»

سميرة أحمد وحسن يوسف ومادلين طبر من بينهم

الرئيس الفرنسي لدى زيارته فيروز (رئاسة فرنسا)
الرئيس الفرنسي لدى زيارته فيروز (رئاسة فرنسا)
TT

فنانون عرب يتحدثون لـ «الشرق الأوسط»عن يومياتهم بعد «ندرة الفرص»

الرئيس الفرنسي لدى زيارته فيروز (رئاسة فرنسا)
الرئيس الفرنسي لدى زيارته فيروز (رئاسة فرنسا)

مع ندرة الفرص، وهامشية الأدوار، والتقدم في السن، وعدم الاهتمام بكتابة سيناريوهات جديدة تضمن وجودهم بشكل «مناسب» في الأفلام والمسلسلات، يغيب كبار الفنانين العرب عن المشهد الفني الراهن. وبينما يفضل بعضهم البقاء في منازلهم انتظاراً للفرص النادرة المحتملة، والقبول بأدوار هامشية، أو الظهور ضيوف شرف تحت وطأة «الاحتياج المادي»، فإن آخرين لا يتباكون على زمن جميل ولّى، بعد انحسار البطولات، وخفوت الأضواء، ويعيشون بشكل جديد، يمارسون هواياتهم المفضلة، ويهتمون بعائلاتهم بعد سنوات من الانشغال، وهم سعداء وفخورون بما حققوه خلال مسيرتهم «الذهبية»، وبأعمالهم التي ما زال يتابعها الجمهور بشغف كبير لدى إعادة عرضها على الفضائيات العربية المتنوعة.

حسن يوسف مع زوجته شمس البارودي (حساب ابنه على «فيسبوك»)

وتباينت آراء بعض كبار الفنانين العرب تجاه «تغيرات الزمن» و«لعبة الأيام»؛ إذ تحدث بعضهم إلى «الشرق الأوسط» عن الجوانب الإنسانية من حياتهم، وروتينهم اليومي حالياً، مؤكدين أن الأيام لم تهزمهم رغم المعاناة الراهنة وتقلص الفرص، لا سيما أنهم يواجهون «سُنة الحياة» بتصالح لافت مع النفس، و«رضا استثنائي» لا يراه الجمهور.

هيثم عبد الرزاق

النجم المصري الكبير عادل إمام، الذي قدم أكثر من 150 عملاً فنياً طوال مسيرته، لم يظهر درامياً على الشاشات عقب آخر مسلسلاته «فلانتينو» الذي قدمه قبل عامين، مما جعله عرضة لشائعات المرض والوفاة، لكن الفنان الكبير الذي احتفل بعيد ميلاده الـ82 في شهر مايو (أيار) الماضي، اختار البقاء طويلاً وسط عائلته من الأولاد والأحفاد والأصدقاء، الذين يتصل بهم ويدعوهم لزيارته ويقضي معهم أوقاتاً مبهجة، يتحدث فيها عن الفن ويشاهد أحدث الأفلام عبر المنصات، ويتابع بحماس مباريات كأس العالم، حسبما كشف بعض أصدقائه وأقاربه في تصريحات لوسائل إعلام مصرية.

التقرب إلى الله
رغم سنوات عمره التي ناهزت التسعين عاماً، وقدرته على مواصلة عطائه وتقديم أدوار جديدة، فإن الفنان الكبير رشوان توفيق، رفض المشاركة في 3 أعمال رمضانية جديدة عُرضت عليه أخيراً، مبرراً ذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «رفضتها لأنها أدوار هامشية، ليست لها قيمة، ولن أستمتع بها كممثل، أنا لا أبحث عن الظهور فحسب، ولن أتحدث عن الأجور الضعيفة التي تُمنح للفنانين الكبار راهناً؛ لأننا كافحنا بأجور بسيطة جداً على مدى 60 عاماً، لكننا كنا سعداء بها؛ لأنها كانت تتيح لنا أدواراً جيدة».
ويضيف توفيق بنبرة مفعمة بالشجن: «ربنا ما يحوجنا لقبول أي عمل. الحمد لله على ستر ربنا، فلماذا أهين نفسي؟! الكتّاب لا يهتمون بأدوار الكبار، أشاهد أفلاماً لنجوم في عمري يؤدون أدوار البطولة، مثل أنتوني هوبكنز في فيلم (الأب)، الذي حصل به على جائزة (الأوسكار)، وأدى شخصية رجل مصاب بألزهايمر، نحن لا نطالب بالبطولة، لكن على الأقل نتطلع لأدوار مؤثرة في السياق الدرامي»، مشيراً إلى أنه يقضي أغلب وقته في بيته، ويتقرب فيه إلى الله، بقراءة كتابه الكريم وأداء الصلوات، والتواصل مع الزملاء والأصدقاء.
وعلى الرغم من وجود حساب باسمه على موقع «فيسبوك»، فإن الفنان الكبير رشوان توفيق، أكد أنه لا علاقة له بمواقع التواصل، وأن الشيء الذي يتقنه هو «الرد على مكالمات الموبايل فقط».

سميرة مع ابنتها جليلة (الشرق الأوسط)

انتظار
الفنانة سميرة أحمد، التي يقع بيتها في مواجهة «نادي الجزيرة الرياضي» وسط القاهرة، تحرص على الذهاب إلى النادي برفقة ابنتها الوحيدة جليلة، لممارسة رياضة المشي ومقابلة أصدقائها، وكما تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أستمتع بوقتي بين القراءة ومتابعة الأخبار والذهاب إلى النادي، وأحافظ على لياقتي كأنني سأصور عملاً غداً، وأتمسك بمسلسل (بالحب هنعدي) الذي أعتز به ولن أتنازل عنه، رغم تعطل إنتاجه، فأنا لن أقبل بغيره، فهو عمل متكامل كتبه يوسف معاطي، ويتناول قضايا اجتماعية مهمة»، مؤكدة: «وحشني جمهوري. والناس تسألني أين أنت».

الفنانة اللبنانية مادلين طبر (الشرق الأوسط)

كتابة مذكرات
أما الفنان المصري الكبير حسن يوسف، أحد أبرز نجوم النصف الثاني من القرن الماضي، فإنه ينشغل بكتابة مذكراته الفنية التي ينوي إصدارها تحت عنوان «50 عاماً من الفن»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أستجدِ العمل من أحد طوال مسيرتي، كانت الأعمال تتوالى عليّ من دون أي جهد مني، لا أومن باعتزال الفنان، ولكل مرحلة عمرية جمالها، في هذه المرحلة لا أقبل التضحية بتاريخي الفني في أعمال لا تليق بي، أرفضها دون تردد، وحالياً لا أريد سوى الصحة والسكينة التي أجدها في كنف عائلتي مع زوجتي شمس وأولادي، فهذا هو الأهم الآن، أريد أن أسعد أسرتي لآخر يوم في حياتي، وليس لي أطماع في الدنيا، فأنا رجل زاهد».

ترقب
وتترقب الفنانة عفاف شعيب تقديم مسلسل ديني جديد، حسبما تؤكد لـ«الشرق الأوسط» قائلة: «لديّ مسلسل ديني (أهل الوفاء بالبيعة) للمؤلف الراحل فؤاد رضا، وهو عمل رائع رحل مؤلفه وأوصاني به، وأنا حالياً أبحث عن جهة إنتاجية له، لكنني أستمتع بقضاء وقتي في بيتي، أقرأ القرآن وأصلي وأسبّح، وألتقي إخوتي وأولادهم».
وتعرب شعيب التي شاركت في بطولة نحو 150 عملاً فنياً، من بينها «الشهد والدموع»، عن انزعاجها من «وجود عدد لافت من الأسماء الفنية الكبيرة من دون عمل يليق بهم».

الشتاء في الساحل
الفنان أسامة عباس الذي شارك أخيراً في مسلسل «المتهمة» بعد غياب طويل عن الأعمال الفنية، رفض المشاركة في أعمال اعتبرها «ضعيفة»، ويؤكد لـ«الشرق الأوسط»: «ليس لديّ وقت فراغ، بل أقضي وقتي في قراءة ما فاتني من كتب تضمها مكتبتي في كل المجالات التي تثير اهتمامي، ولديّ بيت في الساحل الشمالي أستمتع بقضاء فصل الشتاء به، حيث يكون أجمل كثيراً بعيداً عن زحام الصيف، خصوصاً أنني أحب الأجواء الباردة»، على حد تعبيره.

التدريس الجامعي
وعراقياً، يرتبط الفنان هيثم عبد الرزاق، حالياً، بتصوير أعمال مسرحية وتلفزيونية، لكنه يؤكد معاناته من مستوى الشخصيات المكتوبة في الأعمال الفنية، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «نادراً ما أجد كتّاباً يكتبون شخصيات ترقى لمستوى المقدرة الفنية على الأداء والموهبة الفنية لدى الممثلين الكبار؛ لذلك أرفض كثيراً الشخصيات التي تُعرض عليّ بسبب القصور في رسمها، هذه مشكلة كبيرة نواجهها». ويضيف: «على مدى تاريخي الفني ربما يكون هناك 3 أو 4 شخصيات على الأكثر جاءت بمستوى طموحي، لكن انشغالي بالتدريس الجامعي إلى جانب التمثيل، يستحوذ على أغلب وقتي، كما أن الإنتاج السينمائي في العراق يظل محدوداً».

كتابة القصص
من جهتها، تشعر الفنانة اللبنانية مادلين طبر، بالرضا والتصالح تجاه عملها وحياتها الراهنة، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «أنا راضية جداً؛ لأننا اشتغلنا كثيراً، كنت أعمل في عام واحد عدة مسلسلات؛ ففي عام 2005 شاركت في مسلسلات (زيزينيا)، و(مشوار امرأة)، و(أصحاب المقام الرفيع)، و(محمود المصري)، وهناك أجيال جديدة لا بد أن نتيح لها الفرص». وتؤكد: «أنا متصالحة وسعيدة بحياتي ونصيبي، هذه الإيجابية التي أعيش بها تنطبع في نفسيتي وحياتي، فلماذا أنكد على نفسي؟! بالطبع لا أنوي الابتعاد عن الساحة الفنية، لكن عُرضت عليّ مسلسلات (سخيفة) رفضتها، وأصور فيلماً مع النجم الكبير محمد هنيدي»، لافتة إلى أنها سعيدة بكل ما تقوم به راهناً؛ فهي تقرأ وتكتب قصصاً قصيرة جداً، نشرت بعضاً منها في أحد المواقع الإلكترونية، وقررت تجميعها في كتاب، كما تقضي وقتها ما بين حضور معارض الفن التشكيلي التي تستهويها، والندوات الأدبية والفنية، وتلقي دروساً في اللغة الفرنسية. وتابعت: «حياتي مليئة بكل ما هو إيجابي، وإلا سنمرض إذا فكرنا خلاف ذلك، فأنا أجد متعة في ممارسة أشياء بعيدة عن التمثيل، إذا جاء بما يرضيني أسعد به، وإذا لم يأتِ لا أحزن، كان لديّ شركة إنتاج وتوزيع مسلسلات أجنبية وأوقفتها، وقد أضطر أحياناً لقبول أعمال أقل مما أنشده».

بريق مستمر
شكوى الكثير من الفنانين بعدم التقدير لتقدم السن، وفتح الأبواب للوجوه الجديدة، لا تنطبق على حالة بعض كبار الفنانين في العالم العربي؛ فالفنان حسين فهمي نجح في كسر قواعد غياب الممثلين الكبار، فهو لا يزال يحتفظ بمشاركاته الفنية وتألقه، ولم يشغله في أي وقت فكرة الغياب، على حد تعبيره في تصريحات سابقة، وبقي قادراً على الاحتفاظ ببريقه، وعلى اختيار ما يروق له من أعمال تحفظ تاريخه نجماً سينمائياً، حتى لو كان الظهور أقل مما كان عليه في سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وبعد مرور أكثر من 20 عاماً على توليه رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي، عاد مجدداً لرئاسته في الدورة الـ44 التي قادها بخبرته الكبيرة وحضوره الواثق، وفق متابعين.
ولبنانياً، على الرغم من اختيار المطربة اللبنانية الكبيرة فيروز، الابتعاد عن الأضواء منذ سنوات، فإن جمهورها اللبناني والعربي احتفى قبل أيام بعيد ميلادها الـ87، معتبرين إياها «أيقونة لبنان وشمسه التي لا تغيب»، فصوتها حاضر دائماً عبر الإذاعات والشاشات العربية رغم صدور آخر ألبوماتها قبل 5 سنوات، كما كان آخر ظهور لها في الحفلات الغنائية منذ نحو 11 عاماً في مدينة جونية على الساحل الكسرواني في لبنان، واختارت «جارة القمر» الابتعاد عن الأضواء لرعاية ابنها هلي الرحباني، من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقد أثّر فيها كثيراً مثلما أثّر فيها وفاة ابنتها ليال عام 1987 وهي في الـ29 عاماً، وكانت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمنزلها في سبتمبر (أيلول) 2020 باعتبارها رمزاً وطنياً للبنان، أفضل تعبير لمكانتها الكبيرة عربياً وعالمياً؛ إذ قلّدها وسام «جوقة الشرف»، وهو أعلى وسام فرنسي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».