أفلام عربية تتمنى وغربية تنتظر توقعات متساوية

«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة (5)

«رحلة يوسف» (سوريا)
«رحلة يوسف» (سوريا)
TT

أفلام عربية تتمنى وغربية تنتظر توقعات متساوية

«رحلة يوسف» (سوريا)
«رحلة يوسف» (سوريا)

‫كما كان متوقعاً، أحدثت الدورة الرابعة والأربعون التي تخطو خطواتها صوب حفل الاختتام اليوم (22 الحالي) الاهتمام الشعبي الكبير الذي توخّته وربما أكثر منه. ‬
الصالات في معظم العروض كانت ممتلئة. الاهتمام بالمخرجين والحوارات معهم بعد عرض أفلامهم كانت، حسب مخرجين عديدين، ثرية والأسئلة جادة وتعكس حباً للسينما وللأفلام. وإدارياً، أحدثت إدارة حسين فهمي تغييراً أوقف هدر الأوقات وفوضى المواعيد وبعض المشاكل السابقة التي كانت تتكرر من عام لآخر.
في لقاء آخر مع رئيس المهرجان تم قبل يومين سألته عما أراد تغييره عندما تسلم مهامه، فأجاب بأن الاهتمام الأول كان توجيه المهرجان للجمهور، «الجمهور كان شاغلي الأول، والإدارات السابقة كانت معنية بذلك، لكني أعتقد أننا خطونا صوب تطوير هذا الرغبة عبر توسيع رقعة العروض في القاهرة بحيث لا يعد لزاماً على هاوي السينما أو المُشاهد عموماً اجتياز مسافات طويلة لكي يأتي إلى دار الأوبرا».

فيلم «السد» (السودان)

هذا كان معمولاً به سابقاً بالطبع، لكن ربما على نطاق أضيق مما هو عليه الآن. سألته عما إذا كانت لديه شروط لقبول المنصب عندما اختارته وزارة الثقافة له «أبداً. هو طلب واحد فقط: رفع الميزانية إلى ما يمكن معه تمكين المهرجان من الإيفاء بمصاريفه وعلى نحو كامل».
• الميزانية الممنوحة من قِبل الوزارة هي 40 مليون جنيه مصري (قرابة مليونَي دولار). صحيح؟
- صحيح. لكن الاعتماد كذلك كان على المساهمين والرعاة. هنا ارتفع عدد الرعاة واستعادوا الثقة والرغبة في المساعدة على استكمال الميزانية أو توفير الإمكانيات المطلوبة.
- لماذا انتقد البعض اختيارك لإدارة المهرجان؟
‫• ‬بصراحة لا أدري ولا يهمني كثيراً ما قيل في هذا الصدد. العمل هو الذي علينا في النهاية الحكم له أو عليه. لكن النقد لم يتوقف فقط عند مرحلة ما قبل بداية المهرجان. استمر ومستمر (يضحك).
يحكي حسين فهمي في هذا المجال عن مخرجة (لم يسمّها) هاجمت اختياره متسائلة «هوا ما فيش حد تاني بمصر غير حسين فهمي؟»، ثم قابلته وكررت اعتراضها. يضحك ويكرر، أن النقد المسبق مشكلة تؤذي أصحابها، ويضيف «لكن تسلمت تهاني كثيرة، وهذا كان تأكيداً لي على أن على هذا المهرجان أن ينجز كل ما يعد به. لكن في الحالتين النتيجة هي التي تعكس الواقع وليس أي شيء آخر».
كيف كنا
على صعيد الأفلام، ومع ختام لجنة التحكيم التي تترأسها المخرجة اليابانية ناوومي كواسي (اختيار ذكي آخر) وتضم ستّة سينمائيين آخرين، بينهم مديرة التصوير نانسي عبد الفتاح، والممثلة الهندية سوارا شهاسكار، والموسيقار راجح داود، والمخرج المكسيكي خواكين دل باسو، ارتفعت التوقعات.
الأفلام المختارة، كانت بمعظمها تستحق هذا الاختيار والمتنافسون العرب (أربعة) وفّروا أفلامهم تبعاً لاختيارات أسلوبية أو درامية متباينة.

من «جزيرة الغفران» (تونس)

من تونس عرض المخرج ذو الباع الطويل رضا الباهي فيلمه الجديد «جزيرة الغفران» الذي يتحدث عن ذكريات بطله الصبي في زمن ساده التعايش بين الأديان، وردد، إنه الفيلم الأقرب إليه في هذه المرحلة التي «يحاول فيها البعض فرض واقع متطرّف جديد». وأضاف «هو فيلم عن مرحلة مثالية ناضجة يذكّر الفيلم بها ويدعو لإعادتها».
من السودان (أو تحت عَلَم السودان، علماً بأن التمويل جاء بقاع أوروبية وعربية مختلفة) شاهدنا «السد» العمل الأول للبناني علي شرّي. يتردد أن إنتاجه تطلّب خمس سنوات من العمل. يُثير ذلك - عند مشاهدة الفيلم - بعض التعجب؛ كون الميزانية لا يمكن أن تكون تجاوزت 800 ألف دولار أو نحوها.
يرصد المخرج مجموعة من العمّال في الصحراء السودانية يصنعون الطوب من الطمي بالقرب من سد على نهر النيل. منطقة بعيدة ومعزولة من دون توفير سبب لاختيار ذلك المكان ولا السبب وراء ركوب ماهر دراجته النارية إلى موقع بعيد آخر بنى فيه (كما يبدو) صرحاً من التراب والطين، ونراه يؤمه لكي يرممه بمزيد من الطين... بعد حين، تمطر السماء بغزارة فيتفتت الطين المضاف، ثم يهوي الصرح وتجرفه المياه. هل لم يفكر ماهر باحتمال حدوث ذلك؟ المَشاهد التي يتألّف منها الفيلم موحية، وحسناً فعل المخرج بتحديد الحوار وعدم بناء أي موقف عليه. لكن هذا ليس كافياً لابتداع فيلم وجداني يستخدم الرمز أو سواه.
يضعنا الفيلم، بمشاهده الطويلة أمام حالات تريد أن تفصح عن حالات. لكن القليل يصل والغالبية تبقى حالات غير مفسّرة حتى ولو لم يكن الغرض تفسيرها على نحو تقليدي. لماذا قتل ماهر الكلب الذي كان يطعمه؟ لماذا مشهد الحريق الكبير قبل نهاية الفيلم؟ وما هو سر الأصوات التي تخرج من الأرض غير مفهومة؟ لا بد أن هناك تفسيراً لكل شيء، لكن اختيار المَشاهد لا يؤدي إليها فتبقى غامضة. تصوير جيد من باسم فيّاض وإنتاج يبقى في نطاق المحدود من الإمكانيات المادية التي تصنع في النهاية عملاً تجريبياً لافتاً أثر منه ناجحاً.
حكاية عَلَم
باسم فلسطين (مع تمويل خارجي شبه كامل) تم تقديم «عَلَم» لفراس خوري. دراما تطفو فيها العاطفة فوق الوقائع على الرغم من النية الحسنة التي تحرّك خطابه.
يختار المخرج فراس خوري، أو ربما آخرون، عدم ترجمة كلمة «علم» للغة الأجنبية، بل إبقاء الاسم الأجنبي كما أعلاه. اختيار يشي بأن «عَلَـم» يتمحور حول الراية التي يدعو إليها الفيلم وما ترمز إليه. هناك، فوق مدرسة تقع (على الأرجح) في القدس المحتلّة (نرى المسجد الأقصى في الخلفية في مشهد واحد) علم إسرائيلي يرفرف فوق السطح. تامر (محمود بكري) ورفاقه يخططون لاستبدال العلم فلسطيني بالعلم الإسرائيلي. «المهمّة عليها أن تبقى سريّة خوفاً من العواقب».
العَلَم بالطبع هو رمز، لكن الحكاية لا تعدو في نهايتها جمع ما بين الموضوع السياسي (القضية والهوية) ومتابعة بيئة شبابية مراهقة موزّعة بين عواطف مختلفة مع علاقة عاطفية تنمو (بتمهّل جيد) بين تامر وميساء (سيرين خاص). يلقي المخرج نظرة عارفة على تلك البيئة والعالم المحدود بين المدرسة والبيت. بين الأستاذ هنا والأب هناك. في أحد المشاهد يخرج معظم التلامذة من الصف تضامناً مع أحدهم حين احتج أن الأستاذ يدرّس تاريخ الاحتلال الإسرائيلي من خلال منهج الاحتلال. ما بعد ذلك، يبدأ تطوير الخطّة ثم الاشتراك في مظاهرة يُقتل فيها أحدهم. تامر نفسه يُضرب. طعم الهزيمة مر. الاحتلال قوي. المناهضة ضعيفة وينتهي الفيلم بلا قرار ذاتي لتامر. هل سينخرط في الرفض أو سيعود إلى موقعه. يمر معظم الفيلم في حوارات بين تامر وأصحابه كاشفة لشخصيات كل منهم، لكن ليس هناك لا من إدارة ولا من معالجة فنيّتان. مشاهد المظاهرات تهدف لرفع مستوى الحماس ما يحيل الفيلم إلى عمل عاطفي آخر مع نهاية هامدة، تلك التي نرى فيها تامر وهو لا يزال بلا قرار والبحث عن هوية حقيقية لنفسه كفلسطيني يمضي بشعور من العبث.
تكرار
في آفاق السينما العربية، وهي مسابقة خاصة بالأفلام العربية، تم عرض الفيلم السوري «رحلة يوسف» وسط احتفاء جماهيري كبير. الجمهور يحب أفلام جود سعيد كما برهن مرّات من قبل، وبدأ المخرج منتشياً من هذه العاطفة التي أحيط بها.
نقدياً، وعند هذا الناقد ربما أكثر من سواه، لا يُضيف الفيلم الكثير لأفلام المخرج السابقة مثل «نجمة الصبح» و«مسافرو الحرب». هي المشاكل ذاتها والشخصيات نفسها والحرب ووقائعها ونتائجها التي لا تتغير.
في «رحلة يوسف» (له عنوان آخر هو «المنسيون») نتعرّف على دافن الموتى يوسف (أيمن زيدان) في مشهد أوّل بديع التصميم. كاميرة وائل عز الدين من موقع بعيد ليوسف وهو عائد إلى القرية الصغيرة التي يعيش فيها. ولاحقاً ما يدير المخرج ومدير تصويره مشاهد جميلة في طبيعتها القاحلة تذكّرنا بإرث من أفلام آسيوية (تركية وإيرانية على الأخص) من حيث التعامل مع المكان وسمائه وثلوجه.
ندلف من هنا إلى حكاية عن البيئة التي يعيش فيها يوسف وحفيده الواقع في حب فتاة يريدها لنفسه أحد «الشبّيحة». القرار المتّخذ هو هروب زياد بمن يحب وبعض عائلتها إلى خيام تشرف عليها منظمّة الصليب الأحمر. لكن هناك تجد العائلة مشاكل جديدة تزداد خطورة عندما يصل من يبحث عن زياد وحبيبته اللذان تزوّجا في تلك الخيام. قصّة حب أخرى بين يوسف وامرأة في مثل سنّه تتكلل بالنجاح ثم تتخللها ذات المصاعب الناتجة من خطورة التوابع والأشرار الذين يقفون ضد حياة هادئة ومزدهرة في تلك الأجواء الصعبة من سوريا اليوم.
شاهدنا هذا النوع من الرحيل والتجاذب حول المرأة التي يرغب فيها أكثر من طرف كل طرف يمثّل اتجاهاً سياسياً معادياً للآخر. شاهدناه في «انتظار الخريف» و«مسافرو الحرب». ليس هناك من فوارق تُذكر على صعيد الدراما التي على الحكايات أن توفّرها ولا على صعيد الشخصيات ومشاربها وتوجهاتها ولا كذلك على صعيد الدعوة لحل إنساني يوحّد ولا يفرّق. ومن تابع أفلام جود سعيد يدرك أن الشخصيات التي يقدّمها كثيرة والخط الأساسي للحكاية سريعاً ما يتفرّع إلى أحداث ذات صياغات متشابهة.
نوايا متوقعة
بالعودة إلى أفلام المسابقة الرئيسية فإن التوقعات متساوية.
هناك من يرغب في أن يرى الفيلم المصري «19 ب» لأحمد عبد الله يخرج فائزاً. لكن قسماً كبيراً من هذا التمنّي عاطفي بطبيعة الحال. الفيلم ذاته، كشأن أفلام المخرج السابقة، يلج مسافة طويلة من حسن العمل والإتقان لكنه لا يحقق، في النهاية ما يلزم.
«السد» و«العلم» يمرّان بطموحات، الأول لفيلم وجداني والآخر لفيلم ذي قضية من دون توقف كثير عند متطلّبات نجاح أي من هذين الوضعين.
الغالب أن نيّة لجنة التحكيم ستتجه إلى اختيار فيلم أجنبي والأكثر استحقاقاً، عند هذا الناقد، «أشياء لم تُقل» للمقدونية إليانورا ڤينينوڤا (يؤازره هذا الاختيار كونه من إخراج امرأة) و«لا أريد أن أستحيل غباراً» للمكسيكي إيڤان لوينبيرغ و»قصّة الحطّاب» للفنلندي ميكو ميليلاهتي.
بين العروض في هذه المسابقة «رجل» لمخرج ياباني من الجيل الجديد هو كي إتشيكاوا. حكاية بسيطة، لكن سردها متعثر على أي حال حول رسّام تفتح القلّة التي تعرّفت عليه تحقيقا لمعرفة ماهيّته. المشاهد في مجملها آسرة لكن التنفيذ متردد في توزيع اهتمامات الفيلم وأسبابه.
كونه يابانياً لن يؤثر على قرار لجنة التحكيم التي تقودها المخرجة كواسي، لكن الإجماع على الفيلم الأول الذي سيفوز بالهرم الذهبي هو المسيرة الشاقة التي تواجه لجنات التحكيم في مهرجانات شتّى.


مقالات ذات صلة

حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

شمال افريقيا حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

يحاكي التاريخ، ويتشح برداء الحداثة، يقف حي «مصر الجديدة» شامخاً في شرق العاصمة القاهرة، مفتخراً بأنه واحد من أرقى أحيائها. وُلد الحي على يد رجل الأعمال البلجيكي إدوارد لويس جوزيف إمبان الذي اشتهر بـ«البارون إمبان»، قبل 128 عاماً، حيث تم إنشاؤه عام 1905. وطوال هذه العقود احتضن زواره وسكانه من المصريين والأجانب، بين بناياته وشوارعه وميادينه التي لكل منها نكهته المميزة التي صنعت للحي سحره الخاص.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا «الأزهر» يؤكد رفضه القطعي لدعاوى «الديانة الإبراهيمية»

«الأزهر» يؤكد رفضه القطعي لدعاوى «الديانة الإبراهيمية»

أعلنت مشيخة الأزهر في القاهرة «رفضها القطعي لدعاوى (الديانة الإبراهيمية)». وأكدت دعمها لـ«التعاون» بين الأديان وليس دمجها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جورجيت جبارة... ذكريات «الباليرينا» العربية الرائدة

جورجيت جبارة... ذكريات «الباليرينا» العربية الرائدة

في وقتٍ كان فيه كل لبناني يغنّي على ليل قضيّته، جعلت جورجيت جبارة من الباليه الكلاسيكي قضيتها. عبرت به خطوط التماس وحواجز المسلّحين بين «شرقيّة» و«غربيّة»، من بيروت المسيّجة بالنيران إلى طرابلس شمالاً. بحذاء «الساتان» الزهري قطعت الأميال بين مدرسة زرعتها في شارع «الحمراء»، وأخرى في عاصمة الشمال، وما بينهما معهد الرقص الذي امتدّ على وسع أحلامها في قضاء كسروان. عمر الباليرينا قصير كحياة فراشة، لكن جورجيت جبارة وهي فوق ثمانينها، ما زالت مسكونة بالرقص. صحيحٌ أن جسدها اعتزله منذ 35 عاماً، إلا إن روحها تنبض به.

كريستين حبيب (بيروت)
شمال افريقيا القاهرة تستضيف النسخة الرابعة  من معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»

القاهرة تستضيف النسخة الرابعة من معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»

بمناسبة مرور 35 عاماً على تأسيس الأمير طلال بن عبد العزيز، المجلس العربي للطفولة والتنمية، يستضيف المجلس معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»، في نسخته الرابعة 2023 في مقرّه بالقاهرة. وقال الأمير عبد العزيز بن طلال بن عبد العزيز، رئيس المجلس، لـ«الشرق الأوسط»: «يتناول المعرض ملامح مسيرة مؤسسه الأمير طلال بن عبد العزيز، وعطاءاته للإنسانية ودوره في حفز الاهتمام بمختلف أبعاد قضايا الطفل العربي، ويسلط الضوء على أسباب إنشاء المجلس، وكذلك أسباب إنشاء المنظمات التنموية المختلفة التي دشّنها الأمير طلال، سواء كانت للمرأة أو للطفل، أو للتنمية المستدامة، أو الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، أو حتى فيما يتعلق ب

نادية عبد الحليم (القاهرة)
شمال افريقيا حريق دار مسنين في القاهرة يعيد أزمة «الحماية المدنية» للواجهة

حريق دار مسنين في القاهرة يعيد أزمة «الحماية المدنية» للواجهة

أعاد حريق دار مسنين في القاهرة الحديث عن «إجراءات الحماية المدنية».

منى أبو النصر (القاهرة)

مخاوف من تأثر قطاع الدواء في مصر بسبب «الحرب الإيرانية»

مخاوف من تأثر صادرات الدواء المصرية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية (ميناء سفاجا)
مخاوف من تأثر صادرات الدواء المصرية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية (ميناء سفاجا)
TT

مخاوف من تأثر قطاع الدواء في مصر بسبب «الحرب الإيرانية»

مخاوف من تأثر صادرات الدواء المصرية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية (ميناء سفاجا)
مخاوف من تأثر صادرات الدواء المصرية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية (ميناء سفاجا)

تزداد مخاوف قطاع الدواء المصري من تداعيات «الحرب الإيرانية» بعد أن حقَّق نمواً في الصادرات خلال العام الماضي، إلى جانب طفرة حققتها الشركات المصرية مع قرب وصولها إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي محلياً.

وتتمثَّل المشكلة القائمة حالياً في الاعتماد في التصنيع على مواد خام مستوردة من الخارج قد تكون هناك صعوبات في توفيرها مع أزمة سلاسل الإمداد العالمية.

وحقَّقت صادرات الدواء المصري نمواً ملحوظاً عام 2025 بنسبة بلغت 20 في المائة، ووصلت قيمتها إلى 1.3 مليار دولار إلى 147 دولة، وفقاً لإحصاءات «مركز المعلومات» التابع لمجلس الوزراء المصري، مدفوعة بزيادة الطلب في عدد من الأسواق الإقليمية والدولية، إلى جانب التوسُّع في الطاقة الإنتاجية وتحسين جودة المنتجات.

ومنذ بدء الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، عقدت وزارة الصحة اجتماعات مع هيئة الدواء المصرية؛ بهدف «متابعة المخزون الاستراتيجي الآمن للدواء، والبدائل المستدامة لسلاسل الإمداد، خصوصاً أدوية الطوارئ والأمراض المزمنة؛ لضمان عدم انقطاع الدواء عن أي مريض».

وبحسب تصريحات إعلامية لرئيس هيئة الدواء، علي الغمري، استوردت الشركات المحلية نحو 55 في المائة من الخامات الدوائية المطلوبة للعام الحالي، مشيراً إلى أن 80 في المائة من المواد الفعالة في السوق تغطي أكثر من 3 أشهر من الإنتاج، و18 في المائة تغطي شهرين، بينما لا تقل تغطية أي مادة عن شهر، مما يعكس قوة واستقرار الإمدادات الدوائية خلال عام 2026.

في حين أشار رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية المصري، علي عوف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الشركات المحلية لديها مخزون من المواد الخام ومواد التعبئة تكفي لـ6 أشهر، إلى جانب أدوية موجودة في الصيدليات ولدى الموزعين تكفي لـ4 أشهر.

وأوضح أن التبعات السلبية على الشركات المصرية ستكون أكبر فيما يتعلق بتكاليف تصنيع الدواء، مضيفاً: «في حال استمرَّت الحرب 3 أشهر فإن هناك زيادة متوقعة بنسبة 30 في المائة في تكاليف التصنيع».

ويرى عوف أن المؤثر الأكبر على الصناعة المصرية يتمثَّل في حدوث اضطرابات بمضيق باب المندب إذا ما جرى استهداف السفن التجارية، ما سيدفعها للاتجاه نحو طريق رأس الرجاء الصالح، ومن ثم زيادة في تكلفة الشحن قد تصل إلى 300 في المائة.

وكانت الحكومة المصرية تستهدف وصول الصادرات إلى 3 مليارات دولار سنوياً بحلول 2030.

وتشير إحصاءات «مركز المعلومات» إلى أن الأسواق الأفريقية، خصوصاً السودان والنيجر وتشاد، وكذلك السوق الأوروبية، خصوصاً إسبانيا وألمانيا، تعد أبرز أسواق التصدير المصرية.

رئيس هيئة الدواء يشارك في ملتقى استخدامات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأدوية بجنوب أفريقيا (الصفحة الرسمية لهيئة الدواء)

ويشير عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية ومستشار غرفة صناعة الدواء، محمد البهي، إلى أن ما يمر به العالم الآن «ظرف قهري» تتأثر به جميع الصناعات بما فيها الدواء، والتي قد تكون أمام خسائر مضاعفة بوصفها الصناعة الوحيدة التي يجري تسعيرها جبرياً ولا يستطيع المُصنِّع أن يتخذ فيها قرارات بزيادة الأسعار لمجابهة زيادة تكاليف الإنتاج.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن شركات الدواء المصرية تصدِّر العقاقير سعر البيع نفسه في السوق المحلية، وأرجع ذلك إلى ما وصفه بـ«عُرف سائد في الدول المستوردة»، مشيراً إلى أن استقرار أوضاع الاقتصاد المصري والعملة المحلية أحدث انتعاشة العام الماضي، لكن هناك مخاوف الآن بحدوث ارتدادات سلبية؛ بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويسلط البهي الضوء أيضاً على تأثر صناعة الدواء سلباً في مصر؛ بسبب اضطراب حركة الملاحة وعبور السفن التجارية في مضيق هرمز، الذي تأتي منه المواد الخام الواردة من دول شرقي آسيا، وهي الأرخص سعراً وتعتمد عليها المصانع المصرية؛ ما يضطر السفن لسلك مسارات أخرى مما قد يرفع تكلفة الشحن لما يتجاوز قيمة البضائع ذاتها.

لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن «المصانع لم تتأثر لحظياً بتداعيات الحرب الحالية»؛ بسبب وجود خامات تكفي أشهراً عدة، لكن مع تراجع سعر الجنيه وصعود الدولار وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الشحن فإن الصناعة ستتأثر سلباً وستكون بحاجة إلى تحريك الأسعار، والذي عدّه «حماية للمريض قبل أن يكون حماية لشركات الدواء بما يضمن توفير الدواء المحلي في الأسواق».

وإلى جانب تداعيات الحرب، فإنَّ شركات الدواء المصرية طالبت مراراً بتذليل العقبات التنظيمية أمام الشركات المصدِّرة، وتطوير منظومة العمل الرقابي وفقاً للمعايير الدولية المعتمدة، بما يسهم في تعزيز ثقة الأسواق الخارجية في جودة وأمان وفاعلية الدواء المصري، في حين يطالب البعض بتوطين صناعة الدواء بشكل كامل مع استيراد 90 في المائة من المواد الخام المستخدمة من الخارج، وفقاً لما ذكره «المركز المصري للحق في الدواء» في تقرير سابق.

وقُدِّر حجم مبيعات الأدوية في مصر بأكثر من 290 مليار جنيه (نحو 5.5 مليار دولار) بنهاية العام الماضي، مقابل 215 مليار جنيه في 2024، بنمو 35 في المائة. وتُحقِّق الشركات المصرية 91 في المائة من الاكتفاء الذاتي المحلي، وفقاً لهيئة الدواء المصرية.


البرهان يؤكد أن لا ارتباط بين الجيش و«الإخوان»... ويتعهد بمواصلة القتال

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني في صورة تعود إلى 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني في صورة تعود إلى 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)
TT

البرهان يؤكد أن لا ارتباط بين الجيش و«الإخوان»... ويتعهد بمواصلة القتال

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني في صورة تعود إلى 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني في صورة تعود إلى 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)

في حين أعلن الجيش السوداني التصدي لهجمات متزامنة شنتها «قوات الدعم السريع» على جبهات القتال في دارفور وكردفان، شدد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مجدداً على عدم وجود أي علاقة تربط الجيش بجماعة «الإخوان المسلمين» و«حزب المؤتمر الوطني» المنحل.

وقال البرهان في كلمة ألقاها مساء الاثنين، عقب إفطار جماعي بمنزل زعيم أهلي بولاية نهر النيل: «لا بنعرف إخوان مسلمين، ولا مؤتمر وطني، ولا شيوعيين... بنعرف الشعب السوداني». وفُسِّر حديثه على أنه رد غير مباشر على مقطع فيديو مُسرب لقيادي إسلامي بارز، يتحدث عن علاقة البرهان بـ«الحركة الإسلامية» داخل الجيش.

ونفى قائد الجيش مراراً صحة أحاديث ترددت عن سيطرة الإسلاميين على القرار في الدولة والجيش.

وأكد البرهان، في كلمته، مواصلة القتال، وعدم عقد أي هدنة مع «قوات الدعم السريع» إلى حين القضاء على «التمرد»، على حد قوله، مضيفاً: «ليس لدينا هدنة أو وقف إطلاق نار أو مصالحة معهم... وأي شخص تعاون معهم لن نقبل به».

تجدد المواجهات

ميدانياً، تجدَّدت المعارك البرية العنيفة بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» وحلفائها من جهة أخرى، في عدة محاور.

وأعلن الجيش في بيان صحافي، الثلاثاء، التصدي لهجمات متزامنة شنتها «الدعم السريع» على عدة جبهات قتالية، خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، مؤكداً أنه كبدها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وقال المتحدث الرسمي باسم الجيش، عاصم عوض، إن قوات الجيش و«القوة المشتركة» تمكنت من التصدي لهجوم واسع شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة الطينة شمال غربي دارفور؛ مشيراً إلى تدمير 35 عربة قتالية، والاستيلاء على 49 عربة قتالية أخرى، وإيقاع عشرات القتلى في صفوف القوات المهاجمة.

وأضاف في بيان: «كما تمكنت قواتنا من صد هجوم على مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، وألحقت بــ(قوات الدعم السريع) خسائر فادحة؛ حيث تم تدمير 5 مركبات قتالية، وتسلُّم 4 منها سليمة، إلى جانب الاستيلاء على عدد من الدراجات النارية وأجهزة الاتصال».

وقال عوض إن قوات الجيش «خاضت معارك بطولية» في مدينة بارا بشمال كردفان، وأعادت تموضعها خارج المدينة حسب تقديراتها الميدانية، بعد أن كبدت «الدعم السريع» خسائر كبيرة.

واستطرد قائلاً إن الدفاعات الأرضية للجيش أسقطت في الوقت نفسه طائرة مُسيَّرة استراتيجية، كانت تحلق في سماء مدينة الأبيض عاصمة الإقليم.

وأكد المتحدث باسم الجيش أن القوات المسلحة السودانية «ماضية بعزم وثبات حتى القضاء على (الدعم السريع) وأعوانها وبسط الأمن والاستقرار في ربوع البلاد».

«هجوم من عدة محاور»

كانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت، الاثنين، استعادة السيطرة على مدينة بارا الاستراتيجية بولاية شمال كردفان، والاستيلاء على بلدة كرنوي بولاية شمال دارفور، في حين بثت عناصر موالية لها مقاطع فيديو من داخل بلدة الطينة الحدودية مع تشاد.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يُحيي حشداً خلال تجمع في ولاية نهر النيل بالسودان عام 2019 (أ.ب)

وقال شهود عيان ومصادر عسكرية إن «الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، شنَّتا، الاثنين، هجوماً برياً من عدة محاور، بتغطية من المُسيَّرات والقصف المدفعي على الدلنج، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين العسكريين والمدنيين.

وتسعى «قوات الدعم السريع» للاستيلاء على الدلنج والبلدات المحيطة للتقدم باتجاه كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، بهدف السيطرة على كامل الولاية وجبال النوبة.

ودارت اشتباكات عنيفة، الاثنين، بين «القوة المشتركة» و«قوات الدعم السريع» في منطقة كرنوي؛ وأعلنت «الدعم» بسط سيطرتها الكاملة على البلدة، وقالت في بيان على «تلغرام» إن هذه الخطوة «تمثل تقدماً مهماً في مسار العمليات الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار في ولاية شمال دارفور».

وأكدت في البيان التزامها بحماية المدنيين في كرنوي والمناطق المجاورة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، والمساهمة في استعادة الخدمات الأساسية.

وخلال الأشهر الماضية، استولت قوات تحالف «تأسيس» الموالية لـ«الدعم السريع» على عشرات البلدات في شمال دارفور على الحدود المشتركة بين تشاد والسودان، منتزعة السيطرة عليها من «القوة المشتركة» المتحالفة مع الجيش السوداني الذي يخوض حرباً مع «قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023.

لجنة التفكيك

من جهة ثانية، أعلنت لجنة إزالة التمكين واجتثاث نظام ‏الرئيس ‏المعزول عمر ‏البشير استئناف أعمالها، وتعهدت في بيان، الثلاثاء، بمواصلة تتبع شبكات تنظيم «الإخوان المسلمين» المالية والتنظيمية، واتخاذ الإجراءات في مواجهتها.

سودانيون يتلقون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وقالت اللجنة إنها ستكشف عن كل المنظمات والهيئات التي تتخذها تلك «المنظومة الإرهابية» أذرعاً لها أو واجهات، وعن أسماء قياداتها والمسؤولين عنها.

وتكونت «لجنة تفكيك نظام 30 يونيو (حزيران) واسترداد الأموال وإزالة التمكين» بموجب الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية في البلاد في 2019. وجُمِّد عملها عقب إطاحة الحكومة المدنية الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في 2021.


ولاية جنوب غرب الصومال تقطع العلاقات مع الحكومة الاتحادية في مقديشو

عَلَم الصومال منكساً حداداً على وفيات جائحة كورونا في سفارة الصومال ببكين 4 أبريل 2020 (رويترز)
عَلَم الصومال منكساً حداداً على وفيات جائحة كورونا في سفارة الصومال ببكين 4 أبريل 2020 (رويترز)
TT

ولاية جنوب غرب الصومال تقطع العلاقات مع الحكومة الاتحادية في مقديشو

عَلَم الصومال منكساً حداداً على وفيات جائحة كورونا في سفارة الصومال ببكين 4 أبريل 2020 (رويترز)
عَلَم الصومال منكساً حداداً على وفيات جائحة كورونا في سفارة الصومال ببكين 4 أبريل 2020 (رويترز)

قالت ولاية جنوب غرب الصومال، الثلاثاء، إنها ستُعلق كل أشكال التعاون والعلاقات مع حكومة مقديشو، في أحدث مؤشر على التوتر الذي يشهده النظام الاتحادي في البلد الواقع بالقرن الأفريقي.

واتهم مسؤولون من الولاية، في مؤتمر صحافي، الحكومة الاتحادية بتسليح ميليشيات ومحاولة الإطاحة برئيس الولاية عبد العزيز حسن محمد، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وتؤدي الخلافات على التعديلات الدستورية والانتخابات وتوازن القوى بين مقديشو والإدارات المحلية إلى تكرار حدوث انقسامات سياسية بالصومال.

وذكرت إدارة جنوب غرب الصومال أن العلاقات مع مقديشو تدهورت بعد أن فرضت الحكومة الاتحادية تعديلات دستورية عارضها بعض قادة الولاية.

وقالت شركات سفر، لوكالة «رويترز»، الثلاثاء، إن الرحلات الجوية التجارية بين مقديشو وبيدوة، العاصمة الإدارية للولاية، توقفت. واستمرت الرحلات الجوية الإنسانية بما يشمل تلك الخاصة بعمليات الأمم المتحدة.

وتقع بيدوة على بُعد نحو 245 كيلومتراً شمال غربي مقديشو، وهي مدينة حساسة من الناحيتين السياسية والعسكرية؛ لأنها تستضيف قوات اتحادية وقوات أمن وعمليات إنسانية دولية في منطقة تعاني الجفاف والصراع والنزوح.

والعلاقات متوترة أيضاً بين حكومة مقديشو وولايات أخرى. وأعلنت أرض الصومال استقلالها في عام 1991، وخرجت عن سيطرة مقديشو منذ فترة طويلة.

وقالت إدارة إقليم بونتلاند شبه المستقل، في مارس (آذار) 2024، إنها لن تعترف بعد الآن بالحكومة الاتحادية لحين الموافقة على التعديلات الدستورية محل الخلاف، في استفتاء وطني.

وعلّقت ولاية جوبالاند شبه المستقلة علاقاتها مع مقديشو، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بسبب خلاف على الانتخابات المحلية.