جورجيت جبارة... ذكريات «الباليرينا» العربية الرائدة

عبرت بفنها خطوط التَماس إبان الحرب اللبنانية

مصممة وراقصة الباليه اللبنانية الفنانة جورجيت جبارة
مصممة وراقصة الباليه اللبنانية الفنانة جورجيت جبارة
TT

جورجيت جبارة... ذكريات «الباليرينا» العربية الرائدة

مصممة وراقصة الباليه اللبنانية الفنانة جورجيت جبارة
مصممة وراقصة الباليه اللبنانية الفنانة جورجيت جبارة

في وقتٍ كان فيه كل لبناني يغنّي على ليل قضيّته، جعلت جورجيت جبارة من الباليه الكلاسيكي قضيتها. عبرت به خطوط التماس وحواجز المسلّحين بين «شرقيّة» و«غربيّة»، من بيروت المسيّجة بالنيران إلى طرابلس شمالاً. بحذاء «الساتان» الزهري قطعت الأميال بين مدرسة زرعتها في شارع «الحمراء»، وأخرى في عاصمة الشمال، وما بينهما معهد الرقص الذي امتدّ على وسع أحلامها في قضاء كسروان.
عمر الباليرينا قصير كحياة فراشة، لكن جورجيت جبارة وهي فوق ثمانينها، ما زالت مسكونة بالرقص. صحيحٌ أن جسدها اعتزله منذ 35 عاماً، إلا إن روحها تنبض به. يزورها الباليه على هيئة ضحكة ملؤها الإيقاع أو لمعة لا تخمد في العينين.
لم تكسرها تلك السقطة التي تعرضت لها منذ 6 سنوات وأرغمتها على التوقّف عن التدريس، وإقفال «المدرسة اللبنانية للباليه» التي بنتها بـ«دم القلب»، على حد وصفها. «عالقليلة كسرت حالي أنا وعم علّم الرقص»، لا تقولها من باب مواساة النفس، بل بفخرِ مَن عاشت للباليه وضحّت بكل ما لديها من أجله.


جورجيت في أحد أدوارها (أرشيف الفنانة)

الباليرينا والمسلّح
لا فراغ في وقت السيدة التي بُني على كتفيها الطريّتَين مجد الرقص الكلاسيكي في لبنان والعالم العربي. تقرأ كثيراً، تمارس تمارين مستوحاة من الباليه تُلائم الجسد المصاب بكسور كثيرة، تحضّر الحلويات، وتكتب للأصدقاء وللتلميذات اللاتي تسمّيهنّ «بناتي». لم تُرزَق جورجيت جبارة بأطفال، لكن رصيدها في الأمومة ممتلئ بأجيال من الطلّاب الذين تَعاقبوا على مدارسها، ومنهم اليوم مَن يدرّس الباليه.
في انتظار طباعة كتابَين ألّفتهما باللغتين الإنجليزية والفرنسية، يرويان كثيراً عن سيرة حياتها، تنشط جبارة عضواً فخرياً في «الهيئة الدولية للمسرح» التابعة لمنظمة اليونيسكو. هي عائدة لتوّها من مؤتمر الهيئة السنوي، حيث أطلقت نداء «أسلحة أقلّ... ثقافة أكثر».
بينها وبين السلاح عداءٌ عمره من عمر الحرب اللبنانية. هي التي أقامت عروضها ومسرحياتها الراقصة تحت أزيز الرصاص ودوي القذائف، تذكر كيف وقفت سداً منيعاً أمام المسلّحين الآتين ليحتلّوا مدرستها في شارع «الحمراء» البيروتيّ. صرخ قائدهم في وجهها: «هيدا مش وقت رقص». أجابته: «وطّي صوتك». ثم تفاوضت معه مطوّلاً، إلى أن قُضي الأمر بأن منحت المسلّحين خطاً هاتفياً مَدّته من مدرستها إلى مركزهم. «آمنت بقضيّتي... شغفي بها كان عنيفاً»، تروي جورجيت جبارة. في عام 1982، عندما تمكّنوا من احتلال المدرسة وحوّلوها إلى مستوصف، استسلمت لفترة، «لكني عدت واسترددتها»؛ تقول بشراسة.


جبارة بعدسة الراقص المصري الفنان محمود رضا (أرشيف الفنانة)

رائدة أعمال من زمن آخر
لم تكن تلك المرة الأولى التي تنتفض فيها الفنانة اللبنانية لقضيتها وسط مجتمع ذكوري. لا تنسى موظف الدوائر الرسمية الذي لم يسمح لها بالتوقيع على أوراق تأسيس مدرستها والحصول على مرسوم إنشاء عام 1964 لمجرّد أنها أنثى. تخبر: «أغلق الملف في وجهي وطلب مني العودة برفقة رجل؛ أنا مَن جهّزت المدرسة بمفردي من دون مساعدة أحد».
تحدٍ من نوعٍ آخر أخذته على عاتقها، تَمثّل في تغيير نظرة المجتمعَين اللبناني والعربي إلى فن الباليه. تشرح جبارة: «عندما بدأت كان يُنظَر إلى الباليه على أنه تسلية أو أمر تافه. سعيت لرفعه إلى مرتبة الاحتراف والجدّية. كما أنني ليّنت مواقف الأهل الذين كانوا يمنعون بناتهم من المشاركة في العروض المسرحية الراقصة». أسست أول فرقة لبنانية للباليه الكلاسيكي، بالتزامن مع إدارتها الفروع الثلاثة لمدرستها، وتعليمها لفترة 18 عاماً في «معهد الفنون» بالجامعة اللبنانية.


جبارة في لوحة راقصة (أرشيف الفنانة)
أثبتت جورجيت جبارة نفسها رائدة أعمال في زمنٍ لم يكن فيه مفهوم ريادة الأعمال رائجاً بعد، خصوصاً بالنسبة إلى الإناث. «عندما قررتُ أن أفتح مدرسة باليه في ستينات القرن الماضي، كان والدي قد توفي. حاربت بمفردي وصممت على أن شيئاً لن يقف في وجه قراري»، هكذا تسترجع عزم البدايات؛ هي الآتية من منزلٍ حكمَه التفاهم والحوارات الصريحة والقرارات المشتركة بين الوالدَين وابنتَيهما... تعلّمت الاستقلالية والمساواة طفلة.
حتى يوم اعتزلت الرقص أمام الجمهور سنة 1988؛ اتخذت جورجيت جبارة القرار بمفردها ومن دون استشارة أحد. الآن وهي تستعيد الرقصة الأخيرة التي وضعت في نهايتها حذاء الباليه على طرف المسرح، وسلّمت الدفّة لإحدى تلميذاتها، تقول: «بعض القرارات صعب ومؤلم حتماً، لكني لم أرغب في تشويه الصورة الجميلة التي انطبعت في ذهن الناس عني. أصغيت إلى جسدي الذي كان قد بدأ يقول لي حينها إنه تعب. الجسد لا يكذب، وفي وقت من الأوقات شعرت بأن الحركة وقوة الإيقاع عندي تتغيّر، فكان لا بد من الاعتزال».

كانت بعدُ طالبة باليه في القاهرة، عندما حضرت عرضاً لأحد راقصيها العالميين المفضّلين. خرجت يومها مصدومة بآثار العمر والتعب على جسد الراقص وأدائه. ومنذ تلك اللحظة، وعدَت نفسها بألا تستنزف جسدها من أجل الأضواء.

صداقة العمر مع ناديا جمال
جورجيت جبارة التي لمعت نجمة في «بحيرة البجع» و«الأميرة النائمة» و«سندريللا»... وغيرها الكثير من الباليهات، تبقى الأقرب إلى قلبها رقصاتها المرافقة لقصائد الشعر العربي، من دون موسيقى. كانت تلك تجربة فريدة وطليعيّة جمعتها إلقاءً بالإعلامية ناهدة فضلي الدجاني على التلفزيون الأردني... «ثمة في الشعر العربي ما أوحى لي بالرقص. لقد خضنا معركة لإقناع إدارة المحطة آنذاك بلوحاتي الراقصة المرافقة للقصائد. نجحنا في النهاية». ومن أكثر النصوص التي أثّرت في جبارة فأدّتها بكل خلايا جسدها، قصيدتا «الباب» للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، و«شؤون صغيرة» للشاعر السوري نزار قباني.

من اللحظات التاريخية في مسيرة جورجيت جبارة، أداؤها أمام الرئيس المصري جمال عبد الناصر عندما كانت طالبة رقص في القاهرة حيث أمضت طفولتها. تذكر كيف تفاعل عبد الناصر مع العرض وصفّق لراقصي الباليه.
من تلك الحقبة المصرية، احتفظت الباليرينا بذكرى صداقتَين حملتهما في قلبها مدى العمر. «كنا ثلاثة أصدقاء في معهد الرقص، أنا ومحمود رضا وناديا جمال. هو منح مصر هويتها في الرقص الفولكلوري التقليدي، وأنا كرّست حياتي للباليه الكلاسيكي، أما ناديا فصارت أيقونة الرقص الشرقي»؛ تخبر جبارة. تنوّعت اتجاهاتهم، لكن صداقتهم بقيت واحدة، حتى رحيل ناديا ولاحقاً محمود.


جبارة تتوسط الصورة أمام الأهرام، خلال فترة دراستها في مصر (أرشيف الفنانة)

خلال سنواتها الأخيرة وحتى وفاتها عام 1990، علّمت ناديا جمال الرقص الشرقي في مدرسة جورجيت جبارة بمنطقة «ذوق مصبح» اللبنانية. تذكر جبارة تهافُت الطالبات على صفوفها قائلة: «كانت الطريق أمام المدرسة تقفل من زحمة السيارات في الأيام التي كانت تعطي خلالها ناديا صفها. كانت الطالبات ينتظرن بالدور من أجل المشاركة».
عندما تلفظ اسم ناديا جمال، تلوح الدموع تلقائياً؛ «كانت أكثر من صديقة. كانت شقيقتي التي تنادي أمي ماما»، تقول جورجيت جبارة. سخاء الدمع في عينَي الباليرينا الأبدية، كسخاء الضحك الطالع من قلبها.


مقالات ذات صلة

حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

شمال افريقيا حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

يحاكي التاريخ، ويتشح برداء الحداثة، يقف حي «مصر الجديدة» شامخاً في شرق العاصمة القاهرة، مفتخراً بأنه واحد من أرقى أحيائها. وُلد الحي على يد رجل الأعمال البلجيكي إدوارد لويس جوزيف إمبان الذي اشتهر بـ«البارون إمبان»، قبل 128 عاماً، حيث تم إنشاؤه عام 1905. وطوال هذه العقود احتضن زواره وسكانه من المصريين والأجانب، بين بناياته وشوارعه وميادينه التي لكل منها نكهته المميزة التي صنعت للحي سحره الخاص.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا «الأزهر» يؤكد رفضه القطعي لدعاوى «الديانة الإبراهيمية»

«الأزهر» يؤكد رفضه القطعي لدعاوى «الديانة الإبراهيمية»

أعلنت مشيخة الأزهر في القاهرة «رفضها القطعي لدعاوى (الديانة الإبراهيمية)». وأكدت دعمها لـ«التعاون» بين الأديان وليس دمجها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا القاهرة تستضيف النسخة الرابعة  من معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»

القاهرة تستضيف النسخة الرابعة من معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»

بمناسبة مرور 35 عاماً على تأسيس الأمير طلال بن عبد العزيز، المجلس العربي للطفولة والتنمية، يستضيف المجلس معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»، في نسخته الرابعة 2023 في مقرّه بالقاهرة. وقال الأمير عبد العزيز بن طلال بن عبد العزيز، رئيس المجلس، لـ«الشرق الأوسط»: «يتناول المعرض ملامح مسيرة مؤسسه الأمير طلال بن عبد العزيز، وعطاءاته للإنسانية ودوره في حفز الاهتمام بمختلف أبعاد قضايا الطفل العربي، ويسلط الضوء على أسباب إنشاء المجلس، وكذلك أسباب إنشاء المنظمات التنموية المختلفة التي دشّنها الأمير طلال، سواء كانت للمرأة أو للطفل، أو للتنمية المستدامة، أو الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، أو حتى فيما يتعلق ب

نادية عبد الحليم (القاهرة)
شمال افريقيا حريق دار مسنين في القاهرة يعيد أزمة «الحماية المدنية» للواجهة

حريق دار مسنين في القاهرة يعيد أزمة «الحماية المدنية» للواجهة

أعاد حريق دار مسنين في القاهرة الحديث عن «إجراءات الحماية المدنية».

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق من أعمال الفنانة مريم حتحوت بمعرضها الحالي (حتحوت)

لماذا ألهم الحمار تشكيليين مصريين؟

بألوان دافئة وخطوط معاصرة تقدم الفنانة مريم حتحوت رؤية فلسفية واجتماعية للحمار من خلال 30 لوحة في معرضها المقام حالياً بغاليري «ديمي» بالقاهرة، بعنوان «تنويعات على الحمار»، تتضمن جميع اللوحات معالجات بصرية تثير تعاطف المتلقي معه، وتجعله يشعر بالألفة تجاهه. وتُعَدُّ لوحات حتحوت في المعرض حلقة من سلسلة أعمال ومعارض وفعاليات تشكيلية مصرية كثيرة احتفت بهذا الحيوان على مدى سنوات طويلة، لم تقتصر على الفنانين الذين تصدوا لتناول الريف المصري؛ فالحمار لم يكن مجرد عنصر بارز من عناصر البيئة لمن أراد استلهامها في تجربته الإبداعية، إنما امتد تجسيده ليمثل جزءاً أساسياً في بعض الأعمال. وكان الفنان المصري الر

نادية عبد الحليم (القاهرة)

الجيش السوداني يصُدّ هجوماً في ولاية النيل الأزرق


جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يصُدّ هجوماً في ولاية النيل الأزرق


جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)

أعلنت سلطات محلية في إقليم النيل الأزرق أن الجيش السوداني تصدّى لهجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة الكيلي بمحلية الكُرمك، قرب الحدود مع إثيوبيا. وقالت محافظة الكرمك، شرق البلاد، إن القوة المهاجمة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، بينما أعلن الجيش تنفيذ هجوم استباقي جنوب الكيلي، قال إنه أسفر عن مقتل عناصر من «الدعم السريع» وتدمير 9 مركبات قتالية.

وفي تطور موازٍ، أعلن الجيش استعادة 11 منطقة في ولاية شمال كردفان عقب معارك مع «الدعم السريع»، بينها كجمر وشرشار والقليعات وأولاد حزمة ومناطق حول المزروب.


الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
TT

الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، ناتجة عن تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة من البلاد، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف الإنتاج، وسط مخاوف من انعكاس ضعف الموسم الحالي، على توفر الغذاء وأسعار سلعه خلال الموسم المقبل.

وبدأت تداعيات الأزمة تظهر بالفعل في بعض مناطق غرب السودان، مع تدهور المراعي ونفوق الماشية وارتفاع أسعار الحبوب، بينما تراوحت أسعار جوال الذرة؛ وهي الغذاء الرئيسي في معظم أنحاء السودان بين 500 و600 ألف جنيه للأردب، وفقاً لمعلومات ميدانية.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في أحدث تصريحاتها، إن الأمطار التراكمية خلال موسم يونيو (حزيران) - سبتمبر (أيلول)، جاءت دون المتوسط في معظم مناطق إنتاج المحاصيل، ما أثر في الإنبات ونمو المزروعات وأثار مخاوف بشأن إنتاج الحبوب في 2026.

مزارع سوداني يحرث أرضاً زراعية في ولاية القضارف بشرق البلاد وسط الجفاف (أ.ف.ب)

وقال رئيس «تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل» عابدين برقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن علامات تعثر الموسم كانت واضحة منذ بدايته، وإن عدداً كبيراً من المزارعين أحجموا عن الزراعة، قبل أن تشجع إحدى المنظمات بعضهم على اللحاق بالموسم، وتوفر لهم التمويل.

وأضاف: «العطش بدأ يظهر على المحاصيل، ونحمّل إدارة الري مسؤولية عدم تنظيف جميع الترع من الحشائش والطمي، ما أعاق تدفق المياه إلى الأراضي المزروعة».

وأضاف برقاوي أن المياه تصل إلى 6 مزارع من جملة 18 في المنطقة، وشح الأمطار فاقم المشكلة، مشيراً إلى أن نحو 50 في المائة من المساحة المزروعة بالذرة والفول والقطن، مهددة بالعطش، محذراً من أن يؤدي تلف المحاصيل إلى عجز المزارعين عن تسديد ديون تمويل الموسم.

النيل موجود والمياه لا تصل

في الولاية الشمالية، ترتبط أزمة الري بانقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل الطلمبات، وقال رئيس «اتحاد مزارعي دنقلا»، طه جعفر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن غير مستفيدين من النيل، لا في الزراعة، ولا مياه الشرب»، وأشار إلى أن «الكثيرين من المزارعين أحجموا هذا الموسم عن زراعة الفول والقمح لعدم توفر مياه الري بصورة كافية».

وصلت الشاحنات أخيراً إلى مخيم زمزم المنكوب بالمجاعة في شمال دارفور (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «ترعتا السليم وأرقو كانتا تمتلآن بالمياه في مثل هذا الوقت من العام، لكنهما أصبحتا جافتين الآن»، وتابع: «حتى أشجار النخيل التي عمرها عشرات السنين جفت».

مقابل ذلك، قال وزير الطاقة المعتصم إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إن توفير الكهرباء للمشاريع الزراعية تم وضعه ضمن أولويات الموسم، مؤكداً «تحسن الإمداد الكهربائي في الشمالية بالاعتماد على سد مروي والربط المصري والطاقة الشمسية».

مخاطر في سنار

في «مشروع البساطة» بولاية سنار جنوب البلاد، قال المزارع أيمن إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، إن انخفاض منسوب النيل الأزرق يزيد مخاطر الموسم، خصوصاً بالنسبة للمحاصيل النقدية مرتفعة التكلفة.

وأوضح أن نحو 10 آلاف فدان استهدفتها الزراعة، نبت منها نحو 7500 فدان اعتماداً على الأمطار، بينما بقي نحو 2500 فدان دون زراعة، وأضاف: «حتى 27 أغسطس (آب) الماضي، لم تكن طلمبات المشروع قد بدأت العمل بسبب انخفاض منسوب النيل الأزرق، مما زاد اعتماد المحاصيل على الأمطار».

دارفور وكردفان... الخطر يتسع

تبدو الأزمة أشد في أجزاء من غرب السودان، حيث يهدد نقص الأمطار، الزراعة والمراعي ومصادر مياه الحيوانات معاً. وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، عقب زيارة للسودان، إن دارفور لم تشهد مثل هذا الجفاف منذ عام 1984، محذراً من «تأثيره الخطير المحتمل على الزراعة ونتائج الموسم».

طفلة تظهر عليها أعراض سوء التغذية (متداولة)

وفي «جبل عيسى» بشمال دارفور، أعلنت غرفة الطوارئ في منصتها، عن نفوق أكثر من 420 رأساً من الضأن نتيجة شح الأمطار وانعدام المراعي ومصادر المياه.

وظهرت انعكاسات الأزمة في أسواق الحبوب؛ إذ تشير «فاو» إلى أن أسعار الذرة والدخن ارتفعت في يونيو الماضي بمعظم الأسواق التي ترصدها، وأصبحت في المتوسط تقارب 7 أضعاف مستوياتها قبل اندلاع الحرب في مارس (آذار) 2023.

وسجلت أسواق في دارفور وكردفان ارتفاعات أكبر مع تناقص المعروض وتعطل طرق التجارة، ووصل سعر جوال الدخن في أم كدادة بشمال دارفور إلى نحو 600 ألف جنيه في أغسطس، فيما تشير معلومات ميدانية إلى تداول جوال الذرة بنحو 500 - 600 ألف جنيه في معظم أسواق المحاصيل بالبلاد.

ولا ترتبط الزيادات في الأسعار بشح الأمطار وحده؛ إذ أسهمت الحرب وإغلاق الطرق وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وتراجع محصول العام الماضي، في الضغط على الأسعار.

وفي غرب كردفان، حذرت «غرفة طوارئ دار حمر»، من أزمة غذائية في مناطق: ود بندة، والنهود، وغبيش، وأبو زبد، والأضية، والخوي، في ظل شح الأمطار وتضرر الزراعة والحرب وصعوبة حركة السلع.

موسم متفاوت في جنوب كردفان

لكن الصورة ليست واحدة في جميع المناطق؛ إذ قال المزارع عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط»، إن الموسم يبدو مبشراً حتى الآن في شرق جنوب كردفان، خصوصاً في أبو جبيهة وكلوقي، حيث تمت زراعة القطن والسمسم.

أطفال نازحون في «مخيم زمزم» (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «الوضع يختلف في الدلنج وكادوقلي، حيث زرع بعض المواطنين أمام منازلهم، بينما تعثرت الزراعة في المشاريع الكبيرة بسبب الظروف الأمنية»، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج «منع كثيراً من المزارعين من الزراعة»، معرباً عن مخاوفه كذلك من ظهور آفات تهدد الذرة والسمسم.

موسم مقبل أكثر صعوبة

يثير ضعف الأمطار وتعثر الزراعة مخاوف من تراجع إنتاج الغذاء المحلي خلال الأشهر المقبلة، في بلد يعاني بالفعل أزمة جوع واسعة. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن «نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، بينهم نحو 5 ملايين في مستويات الطوارئ»، في وقت اضطر فيه البرنامج إلى تقديم حصص غذائية جزئية لبعض المستفيدين بسبب نقص التمويل.

كما حدد أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان تواجه خطر المجاعة في أسوأ سيناريو معقول إذا تصاعد القتال، وزاد النزوح وتعطل وصول الغذاء والمساعدات.

الحكومة: الإنتاج مطمئن

تقدم الحكومة تقييماً أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال وزير الزراعة والري عصمت قرشي لـ«الشرق الأوسط»: «السودان لن يجوع، كما يزعم بعض التقارير التي تصدر عن بعض المنظمات»، مؤكداً أن موقف الإنتاج الزراعي «مطمئن».

قارب مهجور جنح على ضفاف النيل الأزرق وقاع النهر المكشوف في الخرطوم (أ.ف.ب)

وأشار قرشي إلى معالجة مشكلات الري في مناطق «السوكي، وحلفا، ومشروع الجزيرة»، وقال إن المرحلة الأولى من تمويل الموسم بلغت 700 مليار جنيه، وإن المبيدات متوفرة بكميات تكفي 3 سنوات.

لكن نتيجة الموسم الحالي ستظل حاسمة بالنسبة للأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين ضعف الأمطار والحرب والنزوح وتعطل الأسواق، وسط ارتفاع أسعار الحبوب وتراجع قدرة ملايين السودانيين على شراء الغذاء.


الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)

تدخل أفريقيا مرحلةً جديدةً من التنافس الدولي على النفوذ، مع اتساع مساحة الحضور الصيني في القارة مقابل تراجع نسبي في الاهتمام الأميركي بها، ولا تكتفي بكين بتوسيع شراكاتها الاقتصادية، بل تدفع بالتعاون العسكري والأمني إلى واجهة علاقاتها بالقارة السمراء وكان أحدث هذه الجهود «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الرابع.

ذلك المنتدى الذي جمع، بحسب بكين، مسؤولين في مجال الدفاع وممثلين عسكريِّين من الاتحاد الأفريقي و41 دولة أفريقية، يؤكد بحسب خبراء، أن «ذلك التعاون الدفاعي متصاعد، وأن الصين تزيد نفوذها بالقارة على أساس التعاون المتبادل في ظلِّ مواجهة المخاطر العسكرية والأمنية المتزايدة بخلاف واشنطن التي تقوم شراكتها على الشروط والضغوط».

وفي كلمة رئيسية ألقاها خلال «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الذي عُقد في بكين، دعا وزير الدفاع الصيني دونغ جيون إلى بذل مزيد من الجهود لتعزيز التعاون في مجال الدفاع بين الصين وأفريقيا، بحسب ما نقلته وكالة أنباء «شينخوا» الصينية، مساء الخميس.

وشدَّد على أن «التعاون في مجال الأمن بين الصين وأفريقيا يعود بالنفع على الجانبين، ويسهم في الاستقرار العالمي»، داعياً إلى «تعاون طويل الأمد يقوم على المساواة والمنفعة المتبادلة».

وقال دونغ: «إن الجيش الصيني مستعدٌّ للعمل مع الدول الأفريقية لتعزيز التنسيق الاستراتيجي، وتحسين آليات التبادل الدفاعي الشاملة والمتعددة المستويات، وتعميق التعاون الإقليمي في مجال الأمن البحري، وتعزيز القدرات الدفاعية».

خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، يوضِّح لـ«الشرق الأوسط»،أن المنتدى «يمثل فرصةً كبيرةً لتعزيز التعاون الدفاعي بين بكين وأفريقيا، مع التنامي المتسارع للنفوذ والوجود الصيني داخل معظم دول القارة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتقديم نفسها شريكاً استراتيجياً بخلاف نهج واشنطن القائم على الشروط والضغوط، وهذا أحد أسباب التجاوب الأفريقي».

بعض الوزراء والمسؤولين الأفارقة المشاركين في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

وتعتقد الخبيرة في الشؤون الصينية تمارا برو، أن بكين «تعزز حضورها الاستراتيجي المتصاعد في القارة الأفريقية الغنية بالموارد اعتماداً على مبدأ المنفعة المتبادلة (رابح - رابح) لحماية الممرات لضمان تدفق هذه الموارد وحماية مصالحها الاستثمارية، ومن دون فرض شروط سياسية أو التدخل في الشؤون الداخلية للحكومات، بخلاف النهج الأميركي الذي يربط التعاون والمساعدات بملفات حقوق الإنسان وطبيعة أنظمة الحكم».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن دعوة وزير الدفاع الصيني «تتكامل مع خطة عمل منتدى التعاون الصيني - الأفريقي (2025 - 2027)، التي تشمل تقديم منح وعائدات عسكرية وتدريب الضباط الأفارقة في الصين، وتنفيذ تدريبات ودوريات بحرية مشتركة، وتقديم المساعدة في مجالات مكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، وتأمين خطوط الملاحة، وتسويق الأسلحة الصينية، وبناء شبكة أمنية طويلة الأمد لحماية المصالح الاقتصادية».

أيضاً يؤكد الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان لـ«الشرق الأوسط»، أن الدول الأفريقية «في حاجة فعلية إلى تعزيز قدراتها الذاتية في مجال الأمن والدفاع، وهذه الدعوة الصينية ستلاقي تجاوباً»، موضحاً أن «هذا التعاون لا يعني أن بكين تسعى إلى توسيع ما يسمى (النفوذ العسكري في أفريقيا)، أو طلب الاختيار بينها وبين واشنطن، أو توجيه التعاون ضد أي طرف ثالث، بل تسعى لاستقرار القارة؛ ما يصب في صالح بكين».

مشاركون أفارقة في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

ونقلت «شينخوا» عن الممثلين الأفارقة المشاركين في المنتدى، «تقديرهم للمساعدة والدعم اللذين تقدمهما الصين في مجالَي الدفاع والتنمية العسكرية»، مؤكدين أن «الدول الأفريقية مستعدة لمواصلة تعزيز التعاون مع الصين في مجالَي الدفاع والأمن، والإسهام في تنمية العلاقات بين أفريقيا والصين».

وكشفت «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، أن وزير الدفاع أحمد معلم فقي، شارك في هذا المنتدى، لافتة إلى أنه بحث مجالات التعاون في الدفاع والتدريب وبناء قدرات القوات المسلحة، إلى جانب الاستفادة من الدعم الدولي بما يتوافق مع الاحتياجات والأولويات الوطنية.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، التقى فقي، نظيره الصيني دونغ جون، في العاصمة بكين، في أول لقاء على المستوى الوزاري بين البلدين منذ نحو 4 عقود؛ لبحث تطوير التعاون الثنائي في مجالات الأمن والدفاع.

وهنا يعتقد يحيى تشو شيوان، أن الصومال «بوصفه دولة ذات سيادة، من حقه أن يختار شركاءه وفقاً لاحتياجاته في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن الوطني»، مؤكداً أنه «إذا عزَّزت الصين والصومال تعاونهما الدفاعي، فهذا طبيعي بين دولتين لهما سيادة،لكن التحدي الحقيقي أمام هذا التعاون في المستقبل هو كيف يمكن التعامل مع التهديدات الأمنية الآنية، وفي الوقت نفسه معالجة جذور الصراعات من خلال التنمية الاقتصادية».

هذا التجاوب الأفريقي الواسع، في ظلِّ التهديدات المتصاعدة بالقارة، يفتح بحسب تمارا برو، «آفاقاً للشراكة الدفاعية أمام الدول الأفريقية للاستفادة من التنافس الدولي بين واشنطن وبكين لتحسين شروطها التفاوضية، ونقل التكنولوجيا والخبرات العسكرية، وتطوير قدراتها الذاتية للحد من الاعتماد على القوات الأجنبية، لا سيما في مناطق مثل القرن الأفريقي؛ لمواجهة القرصنة وتأمين الموانئ».

في المقابل، تواجه هذه الشراكة تحديات جوهرية وفق برو «تتمثل في الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية التي تمارسها الولايات المتحدة للحد من التمدد العسكري الصيني في القارة بدعوى حماية الأمن القومي الأميركي».

ورغم هذه التحديات التي تأتي في ظلِّ تحركات إسرائيلية بالقارة، يرى حسين البحيري، أن «هناك فرصاً لأفريقيا لتزيد تجاوبها مع بكين، في ظلِّ التراجع الأميركي عن دعم بعثات حفظ السلام في الدول الأفريقية، أو خفض التمويلات في عدد من المجالات الإنسانية جراء الصراعات».