محمد مصطفى القباج... تاريخ من التنوير الفكري والسياسي

سيرة ذاتية على شكل سؤال وجواب خلال سلسلة مقالات

محمد مصطفى القباج
محمد مصطفى القباج
TT

محمد مصطفى القباج... تاريخ من التنوير الفكري والسياسي

محمد مصطفى القباج
محمد مصطفى القباج

استمتعت كثيراً بقراءة الكتاب الأخير للدكتور محمد مصطفى القباج؛ وذلك لعدة أسباب: أولها أني أحب كتب الذكريات أو المذكرات وألتهمها التهاماً. وثانيها هو أنه يتحدث عن الفترة العربية المعاصرة بكل شؤونها وشجونها الفكرية والدينية والسياسية. وثالثها هو أنه يتحدث عن قضايا ثقافية معينة كنت أنا أيضاً شاهداً عليها ولو من بعيد وبشكل ثانوي. وأقصد بها تلك المتعلقة بتأسيس المجلس القومي للثقافة العربية في باريس أولاً ثم في الرباط لاحقاً. وكان ذلك بدعم من الإخوان الليبيين وعلى رأسهم عمر الحامدي. وقد ضم المركز في عضويته بعض المثقفين السوريين الذين أتيح لي أن أتعرف عليهم لأول مرة ليس في سوريا ذاتها وإنما في باريس من أمثال إلياس مرقص، ومحيي الدين صبحي، وجورج طرابيشي، ولا أنسى رياض أبو ملحم.
عم يتحدث هذا الكتاب الصادر حديثاً عن دار أبي رقراق في حلة جمالية أنيقة تلفت النظر؟ أولاً ما هو عنوانه؟ العنوان الكامل هو التالي: «عم يتحدثون؟ سيرة ذاتية - عن أعلام الفكر - أبحاث ورؤى - قراءات». ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو السيرة الذاتية التي تحتل النصف الأول من الكتاب. وقد زاد من متعتها وتشويقها أنها معروضة على هيئة سؤال وجواب من خلال سلسلة مقابلات أجراها معه الكاتب والصحافي رشيد عفيف. ومعلوم أن كتب المقالات المشكلة من سؤال وجواب ممتعة جداً ولا تمل سواء بالفرنسية أم العربية. أعترف بأنني وجدت صعوبة في ترك الكتاب مرغماً حتى صبيحة اليوم التالي بعد أن كان قد شغلني حتى منتصف الليل أو أكثر. وعندئذ نعست وتعبت عيناي عن جد فاضطررت إلى ترك الكتاب مرغماً على أمل أن ألقاه صبيحة اليوم التالي فأكمله وأجهز عليه. وهدا ما حصل. كان السؤال الأول الذي طرحه عليه رشيد عفيف هو التالي: أين ومتى رأى مصطفى القباج النور؟ وكان جواب المؤلف على النحو التالي: ازددت سنة 1940، هذه الكلمة وحدها «ازددت» تعجبني عند إخواننا المغاربة وتكاد تميتني من الضحك في ذات الوقت. نحن المشارقة نقول: «وُلدت» سنة كذا، أما هم فيقولون: «ازددت» سنة كذا. وهذا التنوع في التعبير عن شيء واحد يمثل غنى وثروة للغة العربية ولا يزعجني على الإطلاق. ولكن الشيء المهم ليس هنا، بل الشيء المهم هو أنه من أصل مراكشي وأن أمه أنجبته في الرباط عندما كانت العائلة متجهة في طريقها إلى فاس؛ ولذلك يقول هذه العبارة الجميلة: «امتزجت في ذاتي ثلاثة أتربة: تراب مراكش ونخيلها، ومياه محيط الرياض، وروحانيات فاس». ومعلوم أن فاس العريقة هي العاصمة الدينية والروحية للمغرب. ولكن المعلوم أيضاً هو أن مراكش التي لا تقل عراقة كانت عاصمة الإمبراطورية المغربية الشاسعة الواسعة أيام المرابطين والموحدين. وبالتالي فهي ذات أمجاد خالدة أيضاً. جميلة هي المقاطع التي يتحدث فيها الدكتور القباج عن طفولته الأولى وتربيته الدينية والوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي في مدينة فاس. وأعتقد أنها ستبقى وثيقة تاريخية للأجيال القادمة، وأنها ثمينة جداً، ولكن سأقفز على كل ذلك بسرعة لكي أصل إلى إشكالية عامة تخص الحرية الفكرية في العالم العربي أو بالأحرى انعدام الحرية الفكرية. وأكبر مثال لذلك هو أن «المركز القومي للثقافة العربية» لم يجد سقفاً عربياً واحداً يؤويه فاضطر إلى الهجرة إلى فرنسا. نعم لقد كانت باريس هي أول عاصمة تحتضن المركز القومي للثقافة العربية! ولكن أليست باريس هي عاصمة الثقافة العالمية وليس فقط العربية منذ عصر الأنوار وحتى اليوم؟ حتى نيويورك لا تستطيع أن تنافسها على هذا اللقب. على أي حال المسألة الأساسية ليست هنا فقط. القضية المركزية التي ينبغي أن تشغل اهتمامنا بعد الاطلاع على الكلام الهام للدكتور القباج هي التالية: لماذا كانت الرباط هي العاصمة الثانية للمركز القومي للثقافة العربية وليست القاهرة أو بيروت مثلاً؟ هل يمكن أن يكون النظام الملكي أكثر تقبلاً للحرية الفكرية في العالم العربي من الأنظمة المدعوة جمهورية بل وحداثية؟! هل يمكن أن يتسع صدره لها أكثر من سواه؟ والجواب: نعم يمكن. كل الأنظمة القومجية المؤدلجة ذات الحزب الواحد والجريدة الواحدة فقدت مصداقيتها وتهاوت على عروشها وبقيت الأنظمة الملكية ذات الشرعية التاريخية التي تصعب زعزعتها. هذه حقيقة. كل هذا الصراخ والزعيق والنعيق الغوغائي الديماغوجي الذي هيمن على العالم العربي منذ الخمسينات وحتى الأمد القريب تبخر أو سقط واندثر. في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح. لقد قبل الحسن الثاني أن يستقبلهم بكل حفاوة في القصر الملكي بمراكش ويرحب بهم وبالمركز القومي للثقافة العربية، بل وحاضر فيهم لمدة ثلاثة أرباع الساعة عن «الحرية الفكرية وحرية الصحافة وحرية التعبير داخل المجتمع وعن الاختيارات الديمقراطية». بل وقال لهم هذه العبارة الجميلة: «أنا مرتاح لهذه المبادرة الطيبة التي أعادت الثقة بيني وبين أعلام الفكر في المشرق العربي». هذا الكلام لا يقوله إلا شخص مثقف يعرف معنى الفكر وأعلام الفكر. هذا الكلام الذكي المستنير لا يمكن أن يقوله شخص جاهل كصدام حسين مضاد لكل ثقافة وفكر هذا على فرض أنه يعرف معنى ذلك أصلاً. ولا يمكن أن يقوله شخص جاهل آخر أعمته الآيديولوجيا: عنيت معمر القذافي.
نقول ذلك رغم أن النظام الليبي كان هو ممول هذا المشروع الكبير من خلال الأستاذ عمر الحامدي. هل من قبيل المصادفة أن يكون صدام والقذافي قد انتهيا نهاية مروعة ومتشابهة؟ حتى أولادهما دفعوا الثمن الباهظ. أحياناً أطرح على نفسي هذا السؤال... وحدها الأنظمة الملكية غير المؤدلجة تماماً تستطيع أن تحتضن المركز القومي للثقافة العربية ولكن ليس الأنظمة الثورية القومية الاشتراكية! لماذا تزدهر مراكز الترجمة والبحوث في السعودية والإمارات والبحرين؟ هل من قبيل المصادفة؟ هل كانت ستزدهر لولا وجود نظام ملكي مستقر وحكم رشيد؟ ولهذا السبب كان مقره الثاني هو الرباط بعد باريس. أخيراً عادت مراكز الثقافة العربية إلى بيتها وعرينها. وقد أسهم محمد مصطفى القباج مساهمة فعالة في تحقيق هذا الهدف النبيل والضروري. لنتفق على الأمور هنا: الشيء الذي قتل الثقافة العربية والفكر العربي والحياة العربية ذاتها هو الأدلجة العمياء والشعارات الغوغائية التي هيمنت على المشرق العربي. أما آن الأوان لكي نتنفس الصعداء ولكي تحل الثقافة الإبستمولوجية محل الثقافة الآيديولوجية؟ أما آن الأوان لكي نفهم أن الفكر العلمي الإبستمولوجي الحر هو المنقذ والمحرر والمخلص للعرب والمسلمين ككل. أقصد بالإبستمولوجيا هنا فلسفة العلوم والفكر العميق غير المشروط مسبقاً بمسلمات دوغمائية: أي دينية أصولية أو قومية شوفينية. ما سقط مؤخراً ليس الإسلام ولا العروبة، معاذ الله، بل ما سقط مؤخراً هو الفهم الظلامي المتعصب للإسلام، والفهم الشوفيني العنصري للقومية العربية؛ ولذلك نقول: المستقبل هو للإسلام المستنير العظيم وللقومية العربية ذات النزعة الإنسانية والحضارية. ما معنى قومية عربية تحتقر إخواننا الكرد في المشرق أو إخواننا الأمازيغ في المغرب أو حتى تنفي وجودهم مجرد وجود؟ هل لها مستقبل؟ مستحيل. وما معنى إسلام طائفي تكفيري؟ هل له مستقبل في عصر التسامح والعولمة الكونية؟ مستحيل. لمحت في كتاب الدكتور القباج إشارات عديدة على هذا التوجه الفلسفي الإيجابي ذي النزعة الإنسانية الطيبة والعميقة. هناك صفحات عديدة هامة تنضح بهذا التوجه المعرفي الحر الذي قد يفتح لنا طريق المستقبل؛ ولذلك فإذا ما تأسس المركز القومي للثقافة العربية يوماً ما فسوف يأخذ كل هذه المعطيات والحيثيات - والانهيارات! - والمستجدات بعين الاعتبار.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

العيد في السعودية... فرائحية سنوية بطعم الماضي ونكهة حضارية

الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)
الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)
TT

العيد في السعودية... فرائحية سنوية بطعم الماضي ونكهة حضارية

الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)
الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)

حافظ السعوديون على العادات التي كانت سائدة في الماضي بخصوص الاحتفاء بعيد الفطر، وما زالت الصورة التي رسمها الآباء والأجداد حاضرة في المشهد، ولا تكاد تختلف عن الماضي القريب باستثناء بعض الأمور الشكلية، بما تمليه المستجدات الحضارية. كما يحرص المقيمون في البلاد من المسلمين على الاحتفال بهذه المناسبة السنوية وفق عاداتهم وتقاليدهم في بلدانهم، أو مشاركة السكان في احتفالاتهم بهذه المناسبة السنوية، علماً بأن السعودية تحتضن مقيمين من نحو 100 جنسية مختلفة.

زكاة الفطر

ويستعد السكان لهذه المناسبة قبل أيام من حلول عيد الفطر، من خلال تجهيز «زكاة الفطر»، وهي شعيرة يستحب استخراجها قبل حلول العيد بيوم أو يومين، ويتم ذلك بشرائها مباشرة من محال بيع المواد الغذائية أو الباعة الجائلين، الذين ينتشرون في الأسواق أو على الطرقات ويفترشون الأرض أمام أكياس معبأة من الحبوب من قوت البلد بمقياس الصاع النبوي، الذي كان لا يتعدى القمح والزبيب، ولكن في العصر الحالي دخل الأرز كقوت وحيد لاستخراج الزكاة، التي يتم منحها لمستحقيها مناولة أو عن طريق منصة «إحسان» الحكومية.

أب يلتقط صورة لطفل العيد الماضي (تصوير: سعد الدوسري)

موائد العيد

ويحرص بعض السكان على إحياء المظاهر الاحتفالية من خلال موائد العيد بمشاركة جميع سكان الحي، وتتمثل هذه المظاهر في تخصيص أماكن بالقرب من المساجد أو الأراضي الفضاء ونصب الخيام داخلها وفرشها بالسجاد ليبدأ سكان الأحياء بُعيد الصلاة بالتجمع في هذه الأماكن وتبادل التهنئة بالعيد، ثم تناول القهوة والتمر وحلاوة العيد، بعدها يتم إحضار الوجبات من المنازل أو المطابخ، التي لا تتعدى الكبسة السعودية والأكلات الشعبية الأخرى المصنوعة من القمح المحلي، وأبرزها الجريش والمرقوق والمطازيز، علماً بأن ربات البيوت يحرصن على التنسيق بينهن فيما يتعلق بهذه الأطباق لتحقيق التنوع في مائدة العيد وعدم طغيان طبق على آخر.

«الحوامة» من مظاهر العيد القديمة (تصوير: تركي العقيلي)

العيدية

ويمثل العيد لدى الأطفال مناسبة خاصة ينتظرونها لجمع ما يستطيعون من «عيديات»، لصرفها بعد ذلك في متاجر الألعاب وغيرها، في الوقت الذي تتصدر فيه أطباق الشوكولاته طاولات المجالس خلال استقبال الضيوف، بينما تحرص كثير من ربات البيوت على إعداد حلويات تقليدية، مثل الكعك، لتقديمها كذلك للزوار خلال المعايدة، في حين يفضل بعض سكان المدن العودة إلى منزل الأسرة في أول أيام العيد؛ للمشاركة في زيارات منزلية جماعية وفي التجمعات الاحتفالية بالساحات العامة، خصوصاً في المساء.

أطفال يجمعون الحلوى في يوم العيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)

وفي الوقت الذي اختفت فيه بعض مظاهر العيد القديمة عادت هذه الأجواء التي تسبق يوم عيد الفطر المبارك بيوم أو يومين للظهور مجدداً في بعض المدن والقرى بعد أن اختفت منذ خمسة عقود والمتمثلة في المناسبة الفرحية المعروفة باسم العيدية، التي تحمل أسماء مختلفة في مناطق السعودية، منها «الحوامة» أو «الخبازة» أو «الحقاقة» أو «القرقيعان» في المنطقة الشرقية ودول الخليج.

الاحتفالات قديماً

يشار إلى أن المظاهر الاحتفالية لعيدية رمضان قديماً كانت تتمثل في قيام الأطفال بطرق الأبواب صباح آخر يوم من أيام رمضان وطلب العيدية التي كانت لا تتعدى البيض المسلوق أو القمح المشوي مع سنابله والمعروف باسم «السهو»، ثم تطور الأمر إلى تقديم المكسرات والحلوى، خصوصاً القريض وحب القرع وحب الشمام، وحلّت محلها هدايا كألعاب الأطفال أو أجهزة الجوال أو النقود.


ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)

أمام زحام أحد محال بيع التسالي (المَقلة)، بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، وفي حين تتراص أجولة الترمس الحلو والمُر بكثرة، وتتطاير روائح تحميص الفول السوداني من آلاته، وقفت المصرية زينب عبد الله تنتقي حبوبها وبعض القطع من الشوكولاته وأصناف الحلوى، المعروضة بكميات كبيرة أمام المحل.

وقالت الستينية، في حين يزن البائع لها 3 أكياس بلاستيكية، قامت بتعبئتها بالحبوب والحلوى: «العيد يعني البسكويت والكعك، وبجواره طبق العيد المكوّن من الترمس والسوداني والحلوى، فلا يوجد بيت مصري يخلو من هذه التسالي، فهي التي تُكمل فرحة العيد ولمّة العائلات».

وبينما يخبرها البائع أن سعر الكيس الواحد بقيمة 500 جنيه (الدولار يساوي 52.29 جنيه مصري)، أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا العام الأسعار مرتفعة مقارنة بالأعوام الماضية، ولكن لا بد من شراء التسالي والحلوى، فهي عادة موسمية، أقوم بتوصيلها لبناتي المتزوجات وأطفالهن قبل العيد لإدخال الفرحة عليهن، لكن الأسعار المرتفعة حوَّلت فرحة استقبال العيد إلى عبء اقتصادي إضافي».

الفول السوداني شهد ارتفاعاً في أسعاره قبل حلول عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ويحتفل المصريون بعيد الفطر مثل غيرهم من الشعوب بعدد من التقاليد والعادات المتوارثة منذ عقود طويلة، ولعل من أهم مفرداتها بعد البسكويت والكعك تقديم ضيافة العيد عبر أطباق المسليات، التي تضم الترمس والحمص والفول السوداني، وأصناف الحلوى التقليدية، من قطع الشوكولاته والملبس والبنبون والنوغا والملبن والطوفي المحشو بالكريمة والشوكولاته وجوز الهند، والتي لا تكتمل مائدة العيد إلا بها.

وينتشر بيع تلك الأصناف قبل حلول العيد في العديد من المحال والأسواق، سواء المتخصصة في بيع الحلوى الشرقية والغربية، أو المتخصصة في بيع التسالي والمحمصات، وكذلك متاجر البقالة والمراكز التجارية، والتي تجد جميعها زحاماً للشراء.

وبعد أن رحلت الأم زينب بأكياسها، أخبرنا البائع محمد ربيع، أن سعر كيلو الفول السوداني هذا العام بين 100 و150 جنيهاً، وكيلو الحمص بين 60 و120 جنيهاً حسب الحجم، والترمس المُر 50 جنيهاً، والترمس الحلو 70 جنيهاً، أما أصناف الشوكولاته فتبدأ من 160 جنيهاً للكيلو.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ارتفاع الأسعار فإن معدلات الإقبال كبيرة مثل كل عام في هذا التوقيت، لكن الاختلاف أن كثيراً من الزبائن اتجهوا إلى تقليل الكميات، والشراء بالغرام وليس بالكيلو كما هو معتاد، حتى لا يحملوا أنفسهم عبئاً مادياً إضافياً».

ارتفاع أسعار تسالي العيد في مصر (الشرق الأوسط)

وحول أسباب ارتفاع الأسعار بأسواق «تسالي العيد»، يوضح محمد عرفة العطار، عضو شعبة العطارة بالغرفة التجارية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حزمة من العوامل الاقتصادية تضافرت لتؤدي لهذه الزيادة، يأتي على رأسها تذبذب سعر الصرف الذي ألقى بظلاله على تكلفة السلع المستوردة، كما لا يمكننا إغفال تأثير التوتر الإقليمي والحرب على إيران على اضطراب حركة النقل الدولية ورفع أسعار النفط عالمياً».

ويستطرد: «أما محلياً، فقد تأثرت حركة النقل مع ارتفاع أسعار الغاز والسولار، ما رفع تكلفة الشحن الداخلي إلى الأسواق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سعر البيع النهائي للمستهلك».

ورفعت الحكومة المصرية، الثلاثاء، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرةً إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي».

ورغم ذلك، يشير عضو شعبة العطارة إلى أنه على عكس التوقعات التي قد تُشير إلى تراجع القوة الشرائية، لاحظنا أن معدلات الاستهلاك هذا العام مرتفعة مقارنة بالسنة الماضية، فالمواطن المصري متمسك بطقوسه الاحتفالية مهما كانت الظروف، مبيناً أن تسالي العيد التقليدية تجد إقبالاً وبقوة، وتحتفظ بمكانتها على مائدة العيد، والسر هنا يكمن في تفاوت الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع المصري، وذلك رغم المنافسة من المنتجات الجاهزة، مثل المكسرات والمُقرمشات التي فرضت نفسها، وأصبحت لها شريحة واسعة من المستهلكين.

الحلوى الملونة تزين واجهات المتاجر المصرية وأرففها في عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ومع بدء العد التنازلي لاستقبال عيد الفطر، تُضيء أوراق الحلوى الملونة واجهات المتاجر وأرففها، ما يبعث على البهجة، إلا أن الأسعار المرتفعة هذا العام انتقصت من هذه الصورة.

داخل أحد متاجر بيع الحلوى والبونبون بالقاهرة، وقف الأربعيني ياسر محمد، الذي يعمل موظفاً إدارياً في إحدى شركات الأدوية، حائراً ومتجولاً بعينيه بين أصناف الشوكولاته المعروضة، في حين يشير طفلاه إلى الأنواع المحببة لهما، والتي يرغبان في شرائها.

ويفسر محمد سبب حيرته، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أقل سعر 200 جنيه للكيلو، وهو سعر مرتفع للغاية. حضرت للبحث عن أنواع اقتصادية، ولكنها لم تعجب أطفالي؛ لذا سأقتصر على شراء كمية قليلة ترضية لهما، والاكتفاء بها مع كعك العيد الذي أعدته زوجتي في المنزل؛ حيث أحاول توفيق الميزانية بشراء كميات أقل».

أصناف الحلوى وتسالي العيد تنتشر في العديد من المحال والأسواق (الشرق الأوسط)

في حين يشير صاحب المتجر، محمود مصطفى، إلى أن الإقبال كبير رغم ارتفاع أسعار المنتجات، لأن الناس تعدّ التسالي ركناً أساسياً على مائدة العيد، فهي «تفتح النفس وتكمل الفرحة»، كما أنها مناسبة للزيارات والهدايا.

ويُضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الغالبية تميل إلى أنواع الحلوى الشعبية، أو الكاندي الملون بنكهاته المختلفة، الذي يجذب الأطفال وسعره مناسب، وأمام ارتفاع الأسعار حاولنا عرض أكبر تشكيلة من الأنواع المختلفة المستوردة والمحلية، بما يناسب كل الميزانيات، ويلبي كل الرغبات».

Your Premium trial has ended


رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)
TT

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

في لحظة غير متوقعة، تحوّل مطعم «الهوّت بوت» إلى مسرح مليء بالضحك والدهشة، عندما بدأ روبوت الخدمة في الرقص والتحرك من تلقاء نفسه.

تفاجأ الموظفون، وتجمّع الزبائن وهم يضحكون ويصورون المشهد، بينما يحاول البعض تهدئة الوضع دون جدوى.

وأوضح أحد مستخدمي الإنترنت أن الروبوت خرج عن السيطرة، ورفض التوقف عن الرقص، ما خلق جواً كوميدياً حياً داخل المطعم.

ويبدو أن هذا الموقف، رغم فوضويته، يسلّط الضوء على الجانب الطريف وغير المتوقع للتكنولوجيا في حياتنا اليومية، ليذكّرنا بأن الروبوتات، رغم ذكائها، قد تضفي لمسات من الفكاهة والدهشة على روتيننا المعتاد، وتحوّل لحظات عادية إلى ذكرى لا تُنسى.