إبراهيم نصر الله في خمسينية اغتيال غسان كنفاني يجول لبنان

نصف قرن على جريمة الغدر

الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله
الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله
TT

إبراهيم نصر الله في خمسينية اغتيال غسان كنفاني يجول لبنان

الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله
الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله

صباح السبت الثامن من يوليو (تموز) 1972 دوّى انفجار تردد صداه في منطقة الحازمية شمالي بيروت، أنهى حياة واحد من أكبر أدباء العرب في القرن العشرين، ومعه ابنة أخته لميس نجم (17 عاماً). فما كاد غسان كنفاني يدير المفتاح في سيارته الأوستن وتجلس لميس إلى جانبه حتى كانت العبوة التي وضعت تحت مقعده، بزنة ما يقارب 9 كيلوغرامات، قد حولت جسده إلى شظايا، تناثرت على أشجار الزيتون المحيطة بالمكان. كتب طلال سلمان: «إن جسد غسان عندما تشظى لم يصبح مزقاً بل بذاراً يُثمر». وها هي الأيام تثبت صحة العبارة.
فقد كانت لافتةً أعداد الحاضرين، وتلك الجموع الغفيرة التي أقبلت على اللقاءات الستة التي نظَّمتها مؤسسة غسان كنفاني بجولة قام بها الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله، لإحياء ذكرى مرور نصف قرن على اغتيال كنفاني. جمهور ملأ القاعات، وبه شغف وحماسة للحوار، فضوليٌّ وينتمي إلى مختلف الفئات العمرية. هي حالة أدبية وجدانية، ترافق طيف كنفاني، قليلاً ما تجتمع للقاء أدبي، فما بالك حين يتعلق الأمر بكاتب رحل قبل نصف قرن.
بدءاً من اللقاءين الأولين في مخيم «مار آلياس» و«دار النمر» في بيروت، مروراً بلقاءي صيدا ثم صور، ومن بعدهما طرابلس ومخيم البداوي في الشمال، في كل محطة كانت ثمة إضاءات جديدة من إبراهيم نصر الله ومشاركين إلى جانبه، على عبقرية غسان كنفاني الذي لم تتجاوز فترة إنتاجه الأدبي الـ16 عاماً، عمل خلالها في الصحافة وكتب الرواية والقصة القصيرة، والمسرح، والدراسات. رسم، وناضل، وكان قائداً سياساً، وناطقاً إعلامياً ذا وزن وهيبة، وترك إرثاً أدبياً يزداد أهمية كلما أمعنّا في إعادة قراءته وتشريحه.
في كل محطة من المحطات الست لنصر الله، كانت ثمة زاوية جديدة، تطل منها المداخلات على غسان الأديب والمثقف الفاعل، وعلى شخصيته بأبعادها الوطنية والإنسانية. في مخيم «مار آلياس» تحدث نصر الله عن كنفاني الذي كان له دور جوهري في تغيير مسار حياته الشخصية، يوم قرأ قصصه وهو شاب صغير وتأثر به. يومها فهم أن عليه أن يترك عمله كمدرس في السعودية، ويعود ليكون إلى جانب شعبه في مخيم الوحدات في الأردن. هذا ما غيّر مسار عمره كله: «كان، هذا الأمر بالنسبة لي كما سكة الحديد التي عليها وضعت قطار حياتي». ولم يبقَ أدب كنفاني عربياً، فحين تُرجم إلى ما يزيد على 16 لغة، كان لنصوصه تأثيرها في غير العرب، ولعبت دوراً في خدمة القضية الفلسطينية. «فالقضايا الكبرى بحاجة إلى مستويات عالية للتعبير عنها، وإذا لم نعبّر عن هذه القضايا في أدبنا بهذه المستويات العالية نظلم قضايانا ونهمشها»، كما قال نصر الله.

غسان كنفاني
في كل محطة لإبراهيم نصر الله، كان ثمة متحدثون يشاركونه المنصة. في مدينة صور الروائي والشاعر الفلسطيني مروان عبد العال تحدث عن الخامة الكنفانية الاستثنائية، وغسان الذي كان يعي أنه ليس هو جيل الثورة بل جيل التحضير لها. عمره الفني القصير وكل ما أبدعه من نصوص مدهشة، هي نصوص لم تكتمل، ومسيرة لم تكن رغم عبقريتها، قد أتمت نضوجها بعد. فهو لم يُنهِ كتابة رواياته، ولم ينقّح قصصه، لم يسمح له الوقت، لأنه كان لاجئاً، وكان مشغولاً، يجري ويناضل. عرف أن مسؤوليته هي التحضير لجيل لميس نجم التي اُغتيلت معه: «ليس أمامكم في اللحظات الحرجة غير الاتجـاه الذي يمضي بصلابة واستقامة وإلى الأمام».
كان لغسان كنفاني يوم قُتل غدراً بيد الموساد، في السادسة والثلاثين من عمره، 18 كتاباً، توزعت بين القصة والرواية والمسرحية، إلى جانب أعماله البحثية، ومقالاته الكثيرة. ويوم تشييعه اجتمع لجنازته في بيروت ما يزيد على 40 ألفاً. وروى د. خالد زيادة خلال اللقاء الذي عُقد في طرابلس بالتعاون مع «نادي قاف للقراءة»، أنه كان حاضراً الجنازة، وأنها كانت أشبه بمظاهرة ضخمة ضمت عشرات الآلاف، واستمرت لساعات. وذكّر زيادة بالمسيرة الصحافية لكنفاني، وأن كل نتاجه الأدبي كتبه في لبنان، وصدر بشكل أساسي عن «دار الطليعة»، وأن جلّه أُنجز في فترة قياسية بين عامي 1960 و1972، أي إنه خلال 12 عاماً كان قد كتب بكثافة منقطعة النظير، معيداً ذلك إلى إحساسه بضيق الوقت بسبب إصابته بالسكري الشديد.
ومع أن بعض مجموعات كنفاني القصصية مثل «موت سرير رقم 12»، و«أرض البرتقال الحزين»، و«عن الرجال والبنادق»، تحولت إلى كلاسيكيات شهيرة، غير أن مسرحية إذاعية كتبها من 10 حلقات هي «جسر إلى الأبد» لم تُذَع في حينه ولم تُنشر، وبقيت طي النسيان حتى عام 2013، حيث نُشرت، ومع ذلك لم تُقرأ على نطاق واسع. وبقي هذا العمل موضع أخذ ورد. ثمة من وجد المسرحية رمزية وشديدة العمق، وهناك من عدّها أقل مستوى من باقي أعمال كنفاني، وهناك من تساءل: لماذا لم تظهر فلسطين في النص، أو ربما هي موجودة وعلينا أن نبحث عنها؟ لهذا اختارها المخرج المسرحي جان رطل في مداخلته، شارحاً حكايتها وأبعادها.
المسرحية هي عن «فارس» الذي يسافر للبحث عن عمل لإعالة أمه ويتركها وحيدة. لكنَّ رسائله إليها بعد سفره لا تجد أي إجابات، فيعود بعد أشهر، يتحرى الوضع، فلا يجد والدته في المنزل. وفي الليل يظهر له شبح يتهمه بقتل أمه بسبب فعلته، وبأنه سيدفع الثمن، وسيموت بعد ستة أيام. وفيما يشبه تحققاً لما أبلغه به الشبح تصدمه سيارة تقودها «رجاء». لم يمت «فارس»، لكن علاقة غريبة تنعقد بينه وبين المرأة التي تصبح رجاءه في الحياة، بعد أن حاصره الموت. تكبر طاقات الفرج حين تعرف «رجاء» أن والدته تُوفيت قبل أن يغادر البلاد، بجلطة قلبية، وبالتالي فهو ليس قاتلاً كما يظن، وعليه أن يتوقف عن جلد الذات، وإعفاء نفسه من العقاب النفسي. «دليل واحد واضح كفيل بكسر الأوهام وإعادتنا إلى الحقيقة»، يعلق المخرج جان رطل كخلاصة لقراءته المسرحية المثيرة للجدل.
ولفتت د. غادة صبيح إلى أن غسان كنفاني قراءة نصوصه لا يمكن أن تمر عابرة. فقد قرأته في مقتبل العمر وشكّل وجدانها: «هناك ثوابت استطاع أن يزرعها في وجداني حول مفهوم الحق والعدل، الوطن والانتماء، الهوية والمقاومة... وفلسطين القضية البوصلة. غسان الذي لا يزال السؤال الذي طرحه (لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟) تتكررُ أصداؤه في نفوسنا أمام كل عملية هجرة غير شرعية ينتهي بها المطاف إلى الموت».
هذه الراهنية لأدب كنفاني، هي الفكرة التي ترددت في كل اللقاءات. نصوصه الطازجة، قدرته على ألا يكون مباشراً، رغم أنه كان من بين الكتاب الأكثر تماسّاً مع الأرض والنضال والعمليات الفدائية وألم الناس في المخيمات.
وأهدى نصر الله في طرابلس غسان كنفاني باقة من القصائد. هو الذي استوحاه، أديباً وبطلاً وإنساناً باحثاً عن الحق في الكثير من رواياته وقصائده. فقد كتب نصر الله في روايته «أعراس آمنة» ما يُغني عن شرح العلاقة الروحية بين هذين الأديبين الفلسطينيين اللذين فرّق بينهما الزمن، وجمعهما الهدف:
«قد لا تصدقينني يا آمنة، ولكن سأسألك سؤالاً واحداً: هل تعتقدين أن هذا العالم كان من الممكن أن يكون لو لم ينتزع هؤلاء الجميلون جمالَ العالم من بين فكي الموت؟ هل تعتقدين أن الموت كان يمكن أن يُبقي لنا أي شيء هنا لولاهم؟! غسان كان يفعل ذلك، ولأنه يُدرك تماماً أن الصّراع أكبر، انظري ماذا فعل، خلال ست وثلاثين سنة، ترك لنا كل هذا الجمال، لا بل أقل من هذه المدة، فحين أدرك أن خطى الموت تزداد اندفاعاً وراءه، كتب في أقل من ستة عشر عاماً كلّ ما كتب. أتعتقدين أنه كتبَ ما كتبَ لأنه يحبّ الكتابة فقط؟ لا، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك، ولو كان، لكان ثلاثة أرباع البشر كتّاباً يا آمنة. غسان كَتَبَ ما كتب لأنه يحبّ الحياة، يحبنا، ويحبني شخصياً!».


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي «مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

«مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

قتلت إسرائيل 3 فلسطينيين في الضفة الغربية، الخميس، بعد حصار منزل تحصنوا داخله في نابلس شمال الضفة الغربية، قالت إنهم يقفون خلف تنفيذ عملية في منطقة الأغوار بداية الشهر الماضي، قتل فيها 3 إسرائيليات، إضافة لقتل فتاة على حاجز عسكري قرب نابلس زعم أنها طعنت إسرائيلياً في المكان. وهاجم الجيش الإسرائيلي حارة الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس صباحاً، بعد أن تسلل «مستعربون» إلى المكان، تنكروا بزي نساء، وحاصروا منزلاً هناك، قبل أن تندلع اشتباكات عنيفة في المكان انتهت بإطلاق الجنود صواريخ محمولة تجاه المنزل، في تكتيك يُعرف باسم «طنجرة الضغط» لإجبار المتحصنين على الخروج، أو لضمان مقتلهم. وأعلنت وزارة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

في وقت اقتطعت فيه الحكومة الإسرائيلية، أموالاً إضافية من العوائد المالية الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، لصالح عوائل القتلى الإسرائيليين في عمليات فلسطينية، دفع الكنيست نحو مشروع جديد يتيح لهذه العائلات مقاضاة السلطة ورفع دعاوى في المحاكم الإسرائيلية؛ لتعويضهم من هذه الأموال. وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، الخميس، إن الكنيست صادق، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يسمح لعوائل القتلى الإسرائيليين جراء هجمات فلسطينية رفع دعاوى لتعويضهم من أموال «المقاصة» (العوائد الضريبية) الفلسطينية. ودعم أعضاء كنيست من الائتلاف الحكومي ومن المعارضة، كذلك، المشروع الذي يتهم السلطة بأنها تشجع «الإرهاب»؛

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

دخل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب وقصف بدباباته موقعاً في شرق مدينة غزة، أمس الثلاثاء، ردّاً على صواريخ أُطلقت صباحاً من القطاع بعد وفاة القيادي البارز في حركة «الجهاد» بالضفة الغربية، خضر عدنان؛ نتيجة إضرابه عن الطعام داخل سجن إسرائيلي.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

صمد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ، فجر الأربعاء، منهيا بذلك جولة قصف متبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية استمرت ليلة واحدة (أقل من 24 ساعة)، في «مخاطرة محسوبة» بدأتها الفصائل ردا على وفاة القيادي في «الجهاد الإسلامي» خضر عدنان في السجون الإسرائيلية يوم الثلاثاء، بعد إضراب استمر 87 يوما. وقالت مصادر فلسطينية في الفصائل لـ«الشرق الأوسط»، إن وساطة مصرية قطرية وعبر الأمم المتحدة نجحت في وضع حد لجولة القتال الحالية.

كفاح زبون (رام الله)

بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)
مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)
TT

بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)
مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)

قال مسؤول ملاحي يمني إن مواني البحر العربي قادرة على أن تكون مراكز لوجستية عالمية بما تمتلكه من ميزة تنافسية وإمكانيات متعددة تُؤهلها لاستقبال مختلف أنواع السفن التجارية، وفي مقدمتها سفن الحاويات والبضائع العامة، إلى جانب سفن البضائع السائبة والسائلة.

وأوضح الدكتور نبيل بن عيفان، القائم بأعمال مدير الشؤون البحرية بالمكلا (شرق اليمن)، في تصريحات خاصة، لـ«الشرق الأوسط»، أن ميناء المكلا يتميز بقدرته على استقبال جميع أنواع السفن، بما فيها التقليدية مثل السفن الخشبية المعروفة محلياً بـ«الزعائم»، مشيراً إلى أنه يُعد من أكثر المواني في العالم استقبالاً لهذا النوع من السفن.

مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)

ووصف بن عيفان التجربة السعودية في تطوير قطاع النقل البحري والمواني بأنها «ناجحة» على المستويين الإقليمي والعالمي، مُعرباً عن أمله في أن تستفيد المواني اليمنية، وفي مقدمتها ميناء المكلا، من هذه التجربة، إلى جانب الدعم السعودي السخي لمشاريع البنية التحتية في البلاد.

خريطة طريق

كان محسن العمري، وزير النقل اليمني، قد أعلن مؤخراً خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى مشاريع ملموسة، خصوصاً فيما يتعلق بمواني: «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، و«قنا» في شبوة، و«قرمة» في أرخبيل سقطرى، إلى جانب مشروع توسعة ميناء المكلا، الذي يُعد ركيزة أساسية في النشاط الملاحي اليمني.

وتعهّد العمري بالعمل على تحويل مواني البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية، بما يعزز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.

مقوّمات كبيرة

وأشار بن عيفان إلى أن ميناء قنا في محافظة شبوة يمتلك مقوّمات كبيرة تُؤهله ليكون ميناء تجارياً ناجحاً، خصوصاً من حيث موقعه الجغرافي، وأعماقه، ومساحته الخلفية (الظهير)، إضافة إلى سَعة الأرصفة والساحات.

وتطرّق بن عيفان إلى دراسةٍ سابقة أجراها حول ميناء عدن وأهميته الاستراتيجية، مبيناً أن الميناء يمتلك مقوّمات تنافسية عالمية، وفي حال استثمارها بالشكل الأمثل يمكن أن يصبح من أبرز مواني المنطقة وأكثرها تداولاً للبضائع.

الدكتور نبيل بن عيفان القائم بأعمال مدير الشؤون البحرية بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأضاف: «على سبيل المثال، فإن الموقع الجغرافي للميناء يربط بين الشرق والغرب، ولا تحتاج السفن لأكثر من 4 أميال بحرية لتغيير اتجاهها والوصول إلى محطة الإرشاد، كما أنه ميناء محميّ طبيعياً من الأمواج والرياح الموسمية الشمالية الشرقية والجنوبية الغربية، ما يمكّنه من العمل على مدار العام دون توقف، ويقع على بُعد 105 أميال بحرية فقط من مضيق باب المندب، الذي تَعبره نحو 21 ألف سفينة سنوياً».

استمرار القدرة التشغيلية

ووفق تقرير أعدّته الأمم المتحدة، وفقاً لبن عيفان، فإن ميناء عدن يحتاج إلى حزمة استثمارية للحفاظ على استمرارية قدرته التشغيلية الحالية، في ظل تراجع هذه القدرة نتيجة نقص أعمال الصيانة وضعف البنية التحتية ومحدودية القدرات المؤسسية. كما أشار التقرير إلى غياب خطط استثمارية طويلة الأمد، وعدم إدماج إدارة المخاطر بشكل منهجي في عمليات صنع القرار، فضلاً عن ضعف الوعي بجوانب الصحة والسلامة والبيئة.

كان الوزير العمري قد أكد الجاهزية التشغيلية لميناء عدن، مشدداً على تقديم جميع التسهيلات الممكنة للخطوط الملاحية الدولية، بما في ذلك إبرام اتفاقيات استراتيجية مع الجانب الصيني لاستئناف نشاط «الترانزيت» المتوقف منذ عام 2010.

6 محاور

واستعرض عيفان ستة محاور رئيسية لتطوير المواني اليمنية، وفي مقدمتها ميناء عدن، تشمل: تطوير البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتعزيز المنظومة الإدارية واللوجستية، وتنمية رأس المال البشري، وتحقيق متطلبات السلامة، والحفاظ على البيئة، إلى جانب ضرورة وجود منظومة قانونية متكاملة.

وأضاف: «لا يمكن إغفال دور القطاع الخاص في عملية التطوير، إذ يُعد إحدى الركائز الأساسية لنجاح تشغيل المواني، كما أثبتت التجارب أن إسناد تشغيلها إلى القطاع الخاص يسهم في رفع كفاءتها وتعزيز تنافسيتها».

أكد بن عيفان الرغبة في الاستفادة من التجربة السعودية بتطوير المواني (مؤسسة خليج عدن)

وفي حديثه عن الدور السعودي، أكد القائم بأعمال مدير الشؤون البحرية بالمكلا أن «هناك توجهاً مهماً لدى المملكة لدعم مشاريع البنية التحتية والاقتصادية في حضرموت بشكل خاص، واليمن بشكل عام، ونأمل أن تحظى المواني بنصيب وافر من هذا الدعم، انطلاقاً من اهتمامات المملكة وتجربتها الناجحة في هذا المجال».

وأضاف: «لمسنا هذا التوجه من خلال الزيارات واللقاءات التي عُقدت، إلى جانب السماح باستيراد سلع لم يكن مسموحاً بها سابقاً، فضلاً عن الاهتمام الإعلامي بنشاط المواني في اليمن، ومنها ميناء المكلا. ونأمل أن تُترجم هذه الجهود إلى توقيع مشاريع استثمارية في المواني الحالية والمستقبلية، ولا سيما مواني حضرموت في بروم والضبة، إلى جانب بقية المحافظات».

كما عبّر بن عيفان عن شكره للعمري، مُشيداً بالجهود التي يبذلها لتطوير الموانئ اليمنية، بما في ذلك مواني البحر العربي، وإعادة تشغيلها والاستفادة من مزاياها التنافسية، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني.


لقاء بعد عامين... أمٌّ غزّية تستعيد ابنتها بين وجع الفقدان وأمل النجاة

أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)
أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)
TT

لقاء بعد عامين... أمٌّ غزّية تستعيد ابنتها بين وجع الفقدان وأمل النجاة

أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)
أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)

في واحد من أكثر القصص إنسانيةً وسط أهوال الحرب، استعادت أمٌّ من قطاع غزة ابنتها التي أُجلِيَت رضيعةً إلى مصر قبل نحو عامين، بعد رحلة طويلة من القلق والانتظار. ويأتي هذا اللقاء ضمن عودة ثمانية أطفالٍ خُدّج أُجْلوا خلال الأسابيع الأولى من الحرب، بعد أن كانوا من بين أكثر من 30 رضيعاً في حالاتٍ حرجة داخل الحاضنات بمستشفى الشفاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

سندس الكرد، والدة الطفلة بيسان، وصفت مشاعرها لحظة الانتظار بأنها «ممزّقةً بين الخوف والفرح»، إذ خشيت ألا تتعرّف ابنتها إليها بعد هذا الغياب الطويل. وتروي أنها حاولت إخراج طفلتها من المستشفى خلال الاشتباكات، لكنها مُنعت بسبب وضعها الصحي الحرج، لتبدأ بعدها رحلة قاسية من الغموض، لم تعرف خلالها مصير ابنتها لأشهرٍ طويلة.

وتقول الأم: «عشت بين اليأس والأمل، أتابع الأخبار وأبحث في الصور، أحاول أن أشعر إن كانت تلك طفلتي أم لا». ولم تتلقَّ أي خبر مطمئن إلا بعد نحو عام، حين أُبلغت بأن بيسان على قيد الحياة وبصح جيدة في مستشفى ميداني بمصر، وقد تم التعرف إليها عبر سوار ورديّ وُضع لها عند الولادة. وتصف تلك اللحظة بأنها «حلم تحقق»، خصوصاً أنها كانت قد فقدت قبل ذلك طفلاً آخر ووالديها وشقيقها.

ويُعدّ لمّ شمل هؤلاء الأطفال مع عائلاتهم بارقة أمل نادرة في واقعٍ يهيمن عليه الدمار، ضمن مكاسب محدود رافقت هدنة غزة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. إلا أن هذه الهدنة لم تُنهِ حالة الغموض، حيث لا يزال مستقبل القطاع معلقاً بين الحرب والسلام.

ميدانياً، تسيطر القوات الإسرائيلية على نحو نصف قطاع غزة، فيما تُعزّز حركة «حماس» نفوذها في مناطق أخرى، وسط ظروف إنساني قاسية يعيشها السكان بين الأنقاض. كما يبقى ملف إعادة الإعمار مرتبطاً بشروط معقّدة، أبرزها نزع سلاح الحركة، دون مؤشرات واضح على تحقيق تقدّم.


مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
TT

مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)

في الوقت الذي كشفت فيه مصادر فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة الخطة التي قدمها «مجلس السلام» لنزع سلاح الفصائل من قطاع غزة، أقرَّت مصادر من حركة «حماس» بوجود «تباين» مع الدول الوسيطة بشأن تلك الخطة، ولكنها عدَّته «طبيعياً».

وأكدت المصادر الفلسطينية المطلعة على عمل «لجنة إدارة غزة» لـ«الشرق الأوسط» أن الدول الوسيطة في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة، كانت مطَّلعة بشكل كامل على خطة «مجلس السلام»، وذلك قبل تقديمها إلى «حماس» والفصائل.

مسلحون من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات وسط غزة (إ.ب.أ)

وكانت وثيقة نشرتها «رويترز» ووسائل إعلام أخرى، الأسبوع الماضي، قد أظهرت أن «مجلس السلام» الذي شكَّله الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدَّم خطة لـ«حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع ​غزة، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر.

وتحدد الخطة جدولاً زمنياً يبدأ بتولي اللجنة الوطنية لإدارة غزة مسؤولية الأمن في القطاع، وينتهي بانسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وحسب المصادر القريبة من «لجنة غزة»، فإن الدول الوسيطة الثلاث بالتعاون مع الولايات المتحدة، شاركت في صياغة الخطة المقدمة إلى «حماس»، وأدخلت تعديلات، ووضعت ملاحظات عليها خلال صياغتها، بهدف تطويرها.

وبعد تأكيدهم تسلُّم المقترح، الأسبوع الماضي، أبدى قياديون في «حماس» غضباً تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وذلك بعدما قدم إحاطة أمام مجلس الأمن، الأسبوع الماضي، شدد فيها على أنه «لن يتسنى بدء إعادة الإعمار إلا بعد توثيق مراحل نزع السلاح».

«دعم الوسطاء للخطة»

وقال مصدران من «حماس» في غزة، إنه لا علم لديهما بشأن مشاركة الوسطاء في صياغة مقترح نزع السلاح، ولكنهما رجحا في إفادات منفصلة اطلاعهم على تفاصيله قبل طرحه على «حماس». بينما قال مصدر قيادي في «حماس» خارج غزة، إنهم «لم يتلقوا إفادات واضحة بمشاركة الوسطاء في إعداد المقترح، ولكن بعض الصياغات ودعم المقترح من الوسطاء يشير إلى أن تلك الدول كانت على علم به».

وكشف المصدر القيادي أن «المقترح تمت مناقشته داخلياً، وبُحثت بعض بنوده مع الدول الوسيطة خلال لقاءات عقدت في مصر وتركيا، خلال الأيام الأخيرة»؛ مشيراً إلى أن «الموقف الفلسطيني الجماعي سيقدَّم في إطار رؤية واضحة تهدف لإدخال تعديلات على بعض البنود المهمة، بما يرفض بشكل قاطع ربط ملف تسليم السلاح بالتقدم في كافة الخطوات».

جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة يناير الماضي (الخارجية التركية)

وأكد المصدر «ضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها، في ظل أن الخطة الحالية تمنحها القدرة على المراوغة والضغط على (المقاومة) بأساليب مختلفة، لتحقيق هدفها الأساسي، وهو إبقاء غزة منطقة منزوعة السلاح، وإبقاء الأمن بيدها».

«التباين طبيعي»

ورداً على سؤال بشأن وجود خلاف في المواقف بين «حماس» والوسطاء، حول خطة نزع السلاح، أجمعت المصادر الثلاثة من الحركة على وجود «تباين»، وصفه أحدهم بـ«الطبيعي». وفسَّر المصدر القيادي ذلك بأنه من وجهة نظر «حماس» والفصائل فإن «ما يطرح لا يلبي المطالب الفلسطينية كاملة، ويفرض على الفصائل تسليم سلاحها دون مقابل حقيقي تقدمه إسرائيل».

واستشهد المصدر القيادي بأنه «في مفاوضات وقف إطلاق النار الأولى، كان هناك تجاوب لدى دول الوساطة مع مطالب الفصائل، ما دفعها والولايات المتحدة للتعامل بإيجابية مع ما طُرح، وهو ما تأمل فيه الفصائل مجدداً».

ويبدو أن حركة «حماس» ستواجه صعوبة في رفض الخطة، ولذلك ستلجأ لتقديم «تعديلات» عليها لتحقيق ما تعتبرها «مكاسب وطنية فلسطينية». غير أن إسرائيل ترفض ذلك بوضوح، وتلوِّح بالعودة للحرب.

وتنص الخطة على نزع السلاح بشكل كامل، الخفيف والثقيل، والفصائلي والعشائري والشخصي، ضمن خطة تهدف إلى قانون واحد، وسلاح واحد، وبما يضمن عدم مشاركة «حماس» في حكم القطاع مدنياً وأمنياً.

وكشف مصدر مصري، قبل أسبوع تقريباً، لـ«الشرق الأوسط»، أن وزارة الداخلية المصرية ستستقبل آلافاً من المرشحين للعمل في الشرطة الفلسطينية، التي ستعمل على حفظ الأمن في قطاع غزة، وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وسيخضعون لتدريبات على كل أنواع العمل الشرطي لمدة 6 أسابيع؛ مشيراً إلى أن عدداً آخر من المرشحين سيتوجه إلى الأردن لحضور برامج مشابهة.

وخصصت اللجنة الوطنية لإدارة غزة، في الآونة الأخيرة، رابطاً للتقدم لوظيفة أمنية في القوة الفلسطينية الجديدة. وقد سجَّل عشرات الآلاف فيه، رغم أن ما كانت تهدف إليه مؤقتاً اللجنة هو نحو 5 آلاف عنصر شرطي.

وتسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل، إلى أن تبدأ عملية إعادة الإعمار في غزة انطلاقاً من مدينة رفح جنوب القطاع، وهي المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، قبل أن يتم البدء فيها بمناطق سيطرة «حماس»، والتي تربط الخطة الجديدة إعمارها بتسليم السلاح. وترفض «حماس» باستمرار ربط إعادة الإعمار بملفات أخرى مثل تسليم السلاح.