مناكفات أميركية ـ روسية حول دور «الجنائية الدولية» في محاكمة سيف القذافي

المنقوش بحثت مع كريم خان تعزيز التعاون في قضايا حقوق الإنسان والمقابر الجماعية

سيف الإسلام القذافي لدى ترشحه للانتخابات الرئاسية نهاية 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي لدى ترشحه للانتخابات الرئاسية نهاية 2021 (مفوضية الانتخابات)
TT

مناكفات أميركية ـ روسية حول دور «الجنائية الدولية» في محاكمة سيف القذافي

سيف الإسلام القذافي لدى ترشحه للانتخابات الرئاسية نهاية 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي لدى ترشحه للانتخابات الرئاسية نهاية 2021 (مفوضية الانتخابات)

انعكست المناكفات السياسية بين روسيا وأميركا، في ليبيا، على قضية سيف الإسلام، نجل الرئيس الراحل معمر القذافي، بعد مطالبة الأخيرة للسلطات في البلاد بضرورة تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وعقد مجلس الأمن الدولي، جلسة مساء أول من أمس، قدم خلالها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، إحاطة للمرة الأولى من العاصمة الليبية طرابلس عن الأوضاع في البلاد، بعد محادثات ولقاءات عدة مع مسؤولين في السلطة وقيادات محلية.
ولا يزال سيف الإسلام القذافي يخضع لمذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية لاتهامه بـ«ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب» خلال اندلاع «الثورة» التي أطاحت بنظام والده في 17 فبراير (شباط) عام 2011.
وجددت الولايات المتحدة على لسان ريتشارد ميلز، نائب المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة في إحاطة لمجلس الأمن الدولي، مطالبة السلطات الليبية بضرورة تسليم سيف الإسلام القذافي، إلى المحكمة الدولية، وقال: «إن السلطات الليبية لم تتعاون في تقديم سيف القذافي ليخضع أمام المحكمة في لاهاي. يجب أن يحدث هذا في أقرب وقت ممكن».
وقال خالد الغويل، مستشار اتحاد القبائل الليبية للشؤون الخارجية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «حديث الأميركيين لم يعد يعوّل عليه، و(الدكتور) سيف الإسلام مستمر في عمله، وتنسيقه مع كل التيارات الليبية مع أجل الانتخابات الرئاسية».
ورأى الغويل أن «السياسيات الأميركية ضد الديمقراطية وضد حقوق الإنسان، كما أنها تعمل ضد الدول العربية».
وأضاف: «كل ما نسعى إليه هو العمل من أجل الشعب الليبي، ونحن مستمرون في ذلك بغضّ النظر عن التوجهات الأميركية».
ومنذ بروز توتر في العلاقات بين واشنطن وموسكو في التعاطي مع الأزمة الليبية، وأميركا تدعو سيف، إلى تبرئة ساحته أولاً أمام المحكمة الدولية، بينما يحظى بمساندة روسيا على قاعدة «ضرورة مشاركته في الحياة السياسية، كونه مواطناً ليبياً».
ورفض سياسيون ليبيون محسوبون على نظام القذافي، ما سمّوه «تدخل أميركا في شأن بلادهم»، لافتين إلى أن المحكمة الجنائية الدولية «لم تقدم أي اتهام ضد (الدكتور) سيف حتى الآن، إلى جانب أنها توقفت عن المطالبة باستدعائه».
كما استغرب أحد مشايخ قبيلة القذاذفة في حديث إلى «الشرق الأوسط” من «إصرار أميركا، وبريطانيا أيضاً على المطالبة الدائمة لسيف القذافي تسليم نفسه للمحكمة الجنائية»، ورأى أن «هاتين الدولتين أسهمتا في تدمير بلاده، والآن تريد فرض وصايا عليها في تجاوز لقضائها الوطني».
وسبق لكارولاين هرندل، السفيرة البريطانية لدى ليبيا، التلويح بالمحكمة الجنائية خلال تقدم سيف القذافي بأوراقه للترشح في الانتخابات الرئاسية التي تأجلت نهاية العام الماضي، وقالت: «يجب عليه (سيف القذافي) الاستعداد لمواجهة التهم الموجهة إليه من المحكمة»، وهو الأمر الذي رفضه حينها مسؤول حملته الانتخابية.
وحث ميلز، بحضور المدعي العام للمحكمة الجنائية عبر تقنية الفيديو، على ضرورة أن «يواجه كبار المسؤولين السابقين في نظام القذافي، مثل سيف، العدالة، وعلى المحكمة التحقيق في ذلك في أقرب وقت ممكن».
في سياق قريب، استقبلت وزيرة الخارجية بحكومة «الوحدة» المؤقتة نجلاء المنقوش صباح أمس، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، في مقر الوزارة بالعاصمة طرابلس، في لقاء هو الأول من نوعه بين خارجية ليبيا والمدعي العام.
وناقش الجانبان، وفقاً لوزارة الخارجية، تعزيز التعاون بين القضاء الليبي والمحكمة الجنائية ومكتب المدعي العام، في القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، وجرائم القتل، وقضية المقابر الجماعية في مدينة ترهونة.
ولفتت الوزارة إلى بحث «توفير الدعم الدولي الفني والتقني في المسائل الجنائية، وتطوير نطاق التعاون وآلياته، بالإضافة إلى إمكانية إقامة مؤتمر دولي في ليبيا بإشراف المحكمة الجنائية في ليبيا بأقرب وقت ممكن».
وأفصح خان، خلال إحاطته إلى مجلس الأمن، عن لقائه مع كثير من الضحايا في مدن بنغازي ودرنة وتاجوراء وترهونة، بالإضافة لمعاينته السجون التي احتُجز فيها مدنيون في ظروف وصفها بـ«البشعة»، هذا فضلاً عن إلقاء جثث بعض الأشخاص الذين قُتلوا «في المكبّات والمقابر الجماعية»، وفقاً له.
ولفت المدعي العام للمحكمة ضمن إحاطته إلى توثيق انتهاكات لحقوق الإنسان في ليبيا بالأدلة، وللمرة الأولى منذ 2011، وقال بالخصوص: «لقد جمعنا كثيراً من الأدلة بفضل الصور والشهود والتسجيلات في لاهاي وتونس ومناطق أخرى».
ولفت إلى ضرورة فتح تحقيق شامل في جرائم سابقة منذ عام 2011 وقعت في مدن مصراتة والزاوية والشرق وتاجوراء، وعمليات تهريب واتجار بالبشر، واحتجاز لمهاجرين.
وكشف خان، عمّا دار خلال اللقاء الذي جمعه (الثلاثاء) مع المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وقال: «كنت شديد الوضوح في لقائي مع حفتر، في بنغازي بشأن حصول المحكمة الجنائية على أدلة حول مزاعم انتهاكات ارتكبتها قوات تابعة للجيش»، وقلت له: «إننا سنركز عملنا في ليبيا على تدابير تؤدي إلى نتائج ملموسة، سواء كان الأمر يتعلق بقائد عسكري أو فرد مدني»، كما أوضحت أن «القيادات العسكرية مسؤولة عن منع الجرائم والمعاقبة عليها عندما تُرتكب».
ولمزيد من المناكفات، طالب جورجي كوزمن، نائب المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة، بسحب الملف الليبي من المحكمة الجنائية، ورأى أن مجلس الأمن يستمع مرتين سنوياً منذ 11 عاماً إلى تقارير تتعلق بالوضع في ليبيا «دون إحراز تقدم في هذه الاتجاه».
وبشأن التقرير الذي رفعه خان إلى المجلس بشأن ليبيا، استهجن المندوب الروسي، تعميم التقرير عليهم عشية الجلسة، وفسّر ذلك بأن «رفع التقارير إلى المجلس بات مجرد إجراء شكلي مزعج».
وسيف، المولود في 25 يونيو (حزيران) عام 1972 هو النجل الأكبر للقذافي من زوجته الثانية صفية فركاش البرعصي، وثاني أولاد العقيد الراحل التسعة، قبع في مدينة الزنتان بـ(غربي البلاد) عشر سنوات قبل ظهوره مجدداً وإعلان ترشحه لرئاسة ليبيا.


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

شهدت الحرب في السودان تطورات متسارعة على المسارين العسكري والإنساني، مع إعلان الجيش استعادة مدينة سودري الاستراتيجية في شمال كردفان، وتصاعد الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة وسقوط ضحايا مدنيين في الأبيض والمزروب، في وقت كشفت فيه الأمم المتحدة عن ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين إلى تشاد، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة لوزير الخارجية محيي الدين سالم في نيويورك، حيث حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من التداعيات المدمرة للحرب وخطر امتدادها إلى دول المنطقة.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان مساء الجمعة، إن قوات الجيش والقوات المتحالفة معها «حررت» مدينة سودري بعد معارك مع «قوات الدعم السريع»، قال إنها أوقعت في صفوفها خسائر في الأرواح والعتاد. ولم تعلق «قوات الدعم السريع» فوراً على إعلان الجيش، فيما أظهرت صور ومقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي عناصر من الجيش و«القوة المشتركة» يحتفلون داخل المدينة. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مجمل التطورات الميدانية أو حجم الخسائر التي أعلنها الجيش.

لاجئة سودانية من دارفور بجوار خيمة تابعة لمفوضية اللاجئين داخل مخيم في تشاد (رويترز)

وتكتسب سودري أهمية عسكرية بسبب موقعها على طرق تربط مناطق شمال كردفان بغرب الولاية ودارفور، كما أن السيطرة عليها تتيح للجيش توسيع نطاق انتشاره شمالاً وشمال غربي الأبيض، بعد سلسلة من العمليات التي حقق خلالها تقدماً في عدد من البلدات خلال الأسابيع الأخيرة.

وجاء التقدم في سودري بالتزامن مع تصاعد حرب المسيّرات. فقد تعرضت الأبيض، عاصمة شمال كردفان، الجمعة، لهجمات بطائرات مسيّرة، وقالت حكومة الولاية ولجنتها الأمنية إن مسيّرات تابعة لـ«الدعم السريع» استهدفت مركزاً لإيواء النازحين ومواقع مدنية وخدمية، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة نحو 20 آخرين.

ووفقاً لشهود، طالت الهجمات شمال ووسط الأبيض، بما في ذلك مركز لإيواء النازحين قرب مستشفى الشرطة ومحطة وقود وحافلة ركاب ومنزلاً في حي عرفات. ولم يصدر تعليق فوري من «الدعم السريع» على الاتهامات، فيما تداولت منصات مؤيدة لها أنباء قصف المدينة.

وفي الجهة المقابلة من خطوط القتال، اتهم تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المتحالف مع «الدعم السريع»، الجيش بتنفيذ ضربة بمسيّرة على المزروب، وقال إنها أسفرت عن مقتل تسعة مدنيين وإصابة 24 آخرين. ولم يؤكد الجيش تنفيذ الضربة، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مصدر المسيّرة أو حصيلة الضحايا.

موجة نزوح جديدة

وتزامنت التطورات العسكرية مع ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين عبر الحدود إلى تشاد. وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 400 سوداني يعبرون يومياً إلى شرق تشاد، بزيادة تصل إلى نحو 20 ضعفاً مقارنة بالمعدل المسجل خلال الأشهر القليلة الماضية.

ونقلت «رويترز» عن المنسق الإقليمي لشؤون اللاجئين مامادو ديان بالدي أن الوافدين الجدد تحدثوا عن فرارهم من القتال والقصف الجوي وهجمات الطائرات المسيّرة، وأن الموجة الجديدة تأتي خصوصاً من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ومنذ بداية العام، عبر أكثر من 55 ألف سوداني إلى تشاد، فيما يقترب عدد السودانيين الذين لجأوا إليها منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 من مليون شخص.

وتواجه الاستجابة الإنسانية بدورها أزمة تمويل حادة؛ إذ قالت المفوضية إنها حصلت على 18 في المائة فقط من مبلغ 1.6 مليار دولار تحتاج إليه للاستجابة الإقليمية، ما يهدد قدرتها على توفير الغذاء والمأوى ونقل اللاجئين إلى مناطق أكثر أمناً.

تحركات في نيويورك

وفي نيويورك، كثف وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم لقاءاته على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبحث مع مسؤولين دوليين وأمميين الحرب والوضع الإنساني ومسارات التسوية السياسية.

والتقى سالم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، وبحث الجانبان جهود وقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، فيما أكد رئيس المفوضية دعم الاتحاد الأفريقي لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه وعملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

كما أجرى وزير الخارجية مباحثات مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، ومسؤولين أمميين معنيين بالملف الإنساني.

وفي أبرز لقاءاته، اجتمع سالم بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أعرب، وفق البيان الرسمي للأمم المتحدة، عن «قلق عميق» إزاء استمرار النزاع وتأثيره المدمر على المدنيين، وحذر من خطر امتداد الحرب بصورة أكبر إلى المنطقة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال لقائه وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم في نيويورك الخميس (الأمم المتحدة)

وشدد غوتيريش على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، والحاجة الملحة إلى وقف الأعمال العدائية والدفع نحو عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

وقالت وكالة السودان للأنباء إن سالم أطلع الأمين العام على تطورات الأوضاع، وأكد استمرار تعاون الحكومة مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية وتقديم التسهيلات اللازمة لانسياب المساعدات.

ونقلت «سونا» كذلك عن غوتيريش إعرابه عن الأسف لعدم حصول رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة. لكن البيان الرسمي للأمم المتحدة عن اللقاء لم يتطرق إلى قضية التأشيرة، وركز على الحرب والوضع الإنساني ووقف الأعمال العدائية والمسار السياسي.


«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)
TT

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)

رسائل مصرية جديدة بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، متمسكاً بحق بلاده في «الدفاع عن أمنها المائي في ظل الإجراءات الأحادية».

وتأتي كلمة مدبولي بالمنبر الأممي، بعد تصريحات حادة من وزيري الري هاني سويلم والخارجية بدر عبد العاطي، ويراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ضمن تصعيد مصري يحمل مطالب واضحة بشأن أزمة السد، متوقعين «عدم إحياء المفاوضات بين البلدين في ظل الأزمات الداخلية الإثيوبية والعناد الإثيوبي».

وأكد الخبراء أن «القاهرة ستواصل شرح رؤيتها التي تكسبها مساحات أفريقية ودولية تدعم مواقفها ولو وصلت لحد الدفاع عن حقها في حماية الأمن المائي».

وجرت مفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً، وتقرر تجميدها لمدة 3 أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

وقال مدبولي، في كلمة، مساء الجمعة، أمام المنبر الأممي، إن الأمن المائي لبلاده «قضية وجودية لا تحتمل المساومة»، مؤكداً «أن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تكون مجالاً للتعاون لا للصراع، وأن الإرادة السياسية وحسن النوايا ضروريان للتكامل بين الأمن المائي والتنمية».

وشدد على عدم معارضة مصر لمساعي التنمية لدى الدول الأخرى، لكنها تدافع عن مبدأ «عادل» يقوم على عدم بناء بعض الأطراف تنميتها على إلحاق الضرر بالآخرين، داعياً إلى التعاون وحسن الجوار والتوصل إلى اتفاقيات ملزمة وفق القانون الدولي تحقق مصالح الجميع، بدلاً من السياسات الأحادية الطرف، وفرض الأمر الواقع.

وأكد مدبولي على «احتفاظ مصر بحقها المشروع والمكفول في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في حماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها».

وخلال مؤتمر صحافي أمام 80 مراسلاً أجنبياً، قبل نحو أسبوع لوزير الري المصري، أكد أن السد الإثيوبي «غير شرعي»، لافتاً إلى أن «كل الخيارات المشروعة تظل متاحه أمام الدولة المصرية»، مشدداً على أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل، ولن تقبل بأوهام التحكم والسيطرة في تدفقات المياه لدولتي المصب».

مصطفى مدبولي أكد أن الأمن المائي لمصر «قضية وجودية لا تحتمل المساومة» (مجلس الوزراء المصري)

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوّح وزير الخارجية المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

الخبير في الشؤون الأفريقية رمضان قرني يرى أن الموقف المصري بشأن ملف الأمن المائي و«سد النهضة» «شهد تحولاً حازماً خلال الفترة الأخيرة عبر تبنّي لهجة دبلوماسية وإعلامية صريحة كاشفة للسياسات الإثيوبية الأحادية».

وأكد أن كلمة مصر أمام الجمعية العام للأمم المتحدة «كانت حاسمة وصارمة في تأكيد ذلك والتمسك بحقها المشروع والمكفول دولياً للدفاع عن أمنها المائي بكل الطرق والوسائل المتاحة، سواء عبر الأدوات الدبلوماسية والقانونية، أو أدوات القوة الشاملة الأخرى بمفهومها الواسع في العلاقات الدولية».

وتشير الخبيرة في الشؤون الأفريقية أسماء الحسيني، إلى أن كلمة رئيس مجلس الوزراء «حملت رسائل حاسمة تؤكد على الموقف المصري الثابت والرافض لسياسة فرض الأمر الواقع الإثيوبية بشأن (سد النهضة)»، مشددة على أن حق مصر في الدفاع عن أمنها المائي «هو حق وجودي لا يقبل المساومة».

ولفتت إلى أن تصاعد اللهجة المصرية في المحافل الدولية «يعكس موقفاً حازماً ومبدئياً يفند الخطاب العدواني الإثيوبي المحاول للسيطرة على مياه النيل الأزرق»، ويؤكد أن «المخاوف المصرية والسودانية هي مواقف حقيقية وليست ادعاءات».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وعلى مدار نحو شهرين، وجهت مصر رسائلها لإثيوبيا، مقابل تصعيد من جانب أديس أبابا في منابرها الإعلامية ضد القاهرة، ووسط هذا التراشق أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين.

ويعتقد قرني أن «استمرار الوضع الراهن، هو السيناريو الأرجح مرحلياً مع استمرار تجديد مصر موقفها الثابت بعدم معارضة التنمية في إثيوبيا، شريطة الالتزام التام بقواعد القانون الدولي، والمواثيق التاريخية، والأطر التفاوضية المعتمدة».

ويرجع «عدم إمكانية إحياء المفاوضات بين مصر وإثيوبيا في ظل ما وصفه بتمسك أديس أبابا بالنهج الأحادي والخطاب العدائي، وكذلك مع تجدد الصراعات المسلحة في أقاليم أمهرة، وتيغراي، والعفر؛ ما يجعل ترتيب البيت الداخلي أولوية لدى صانع القرار الإثيوبي، وانشغال المجتمع الدولي بالأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط وغزة والحرب الروسية الأوكراني».

وتشير الحسيني إلى أن «مصر ستتبع في ظل عدم التجاوب الإثيوبي منهجاً سلمياً وقانونياً عبر التوجه للمؤسسات الدولية كمجلس الأمن، وتعزيز التعاون المباشر مع دول حوض النيل؛ ما يسهم على المدى الطويل في كسب تفهم المجتمع الدولي لمطالبها المشروعة أو اتخاذ ما يناسب للدفاع عن حقها في حماية الأمن المائي».


مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)

رفض مصدر مصري مطلع، السبت، محاولة زج قيادة الجيش الإثيوبي لمصر في الأزمة الجديدة التي تثار حالياً في تيغراي شمالي البلاد، بعد عودة المعارك قبل نحو أسبوع بين الجبهة المعارضة والحكومة الفيدرالية، غداة 4 سنوات من اتفاق سلام أنهى عامين من الحرب.

وتحدث رئيس الأركان العامة لـ«قوات الدفاع الوطني» الإثيوبية برهانو جولا، عن أن «قوى أجنبية تدعم التحالف المسلح الحديث لمحاولة زعزعة استقرار إثيوبيا وإضعافها»، مؤكداً أنه «لا تستطيع جبهة تيغراي والتحالف تحقيق أي شيء بمفردها، ما لم يتم دفعهما ودعمهما وإمدادهما من جانب السودان ومصر وقوى أخرى».

كما أكد في تصريحات نقلها إعلام إثيوبي، مساء الجمعة، أن إريتريا، تعمل كوسيط بين القوى الخارجية والجماعات المسلحة داخل إثيوبيا، مشيراً إلى أن جبهة تيغراي وإريتريا لا تستطيعان مواجهة الحكومة الفيدرالية بشكل مستقل.

واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك قبل أيام، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

من جهته، قال المصدر المصري المطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تلمِّح إليه إثيوبيا «ادعاءات لا تستحق الرد، والقاهرة غير معنية بهذه المهاترات». ودعا السلطات الإثيوبية إلى «معالجة أزماتها ومشكلاتها الداخلية بنفسها، بدلاً من محاولة تعليق فشلها الداخلي على الخارج».

وأشار المصدر إلى أن أزمة تيغراي «موضوع قديم ومكرر منذ سنوات، ولا يوجد أي داعٍ لإقحام اسم مصر فيه أو ربطها به»، مؤكدا أن مصر «تتتبع سياسة ثابتة وصارمة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول» الأخرى.

مسلحون سابقون في تيغراي خلال إعادة تأهيلهم ودمجهم من الحكومة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ما يؤكده المصدر المطلع، في إطار المعلومات، يؤكده الخبير الاستراتيجي والعسكري سمير راغب، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن المسؤول العسكري والتي زجّت باسم مصر في ملف الصراع المسلح الداخلي مع جبهة تحرير تيغراي، لا تعدو كونها جملة شرطية حمَّالة أوجه وافتراضات مجردة تهدف إلى ترحيل أزمات أديس أبابا الداخلية إلى أطراف خارجية.

وأوضح راغب أن حديث الجانب الإثيوبي عن اشتراط تلقي المعارضة المسلحة دعماً خارجياً لتحقيق مكاسب ميدانية، بُني على افتراضات جغرافية مجردة نظراً إلى كون الحدود الشمالية المفتوحة لإقليم تيغراي تقع باتجاه السودان وإريتريا.

وبالنسبة إلى مصر، شدد راغب على أنه «لو كانت مصر تسعى للتدخل في إثيوبيا للضغط في ملفات أخرى لكانت تدخلت في أثناء مواجهات عام 2020 حينما كان الصراع في أوجّه وقبل اكتمال مراحل بناء سد النهضة».

ولفت إلى أن الصراع المسلح القائم «هو احتراب أهلي وصراع سلطة وثروة قديم ناتج عن سوء إدارة الحكم ومحاولات تقويض النظام الفيدرالي وتحويل الدولة إلى نظام مركزي يُلغي حق تقرير المصير للأقاليم، وهو ما رفضته الأقاليم الإثيوبية وخاضت من أجله مواجهات ضد حكومة أديس أبابا دون أي تحريض أو طرف خارجي».

جانب من الأسلحة التي سلمتها في وقت سابق تيغراي لقوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ودعا الخبير العسكري إلى فصل أزمة إقليم تيغراي عن ملف «سد النهضة»، موضحاً أن «الإقليم والجبهة المعارضة فيه يبعدان كل البعد جغرافياً وسياسياً عن موقع سد النهضة الإثيوبي، ولا يوجد أي رابط ميداني أو استراتيجي بين العمليات العسكرية في الإقليم وبين ملف السد».

وخلص إلى التأكيد أن «محاولات أديس أبابا إقحام القاهرة في أزماتها الهيكلية تأتي للتغطية على عدم الالتزام» باستحقاقات اتفاق بريتوريا للسلام الموقَّع عام 2022، مشدداً على أن القاهرة «تقف على مسافة واحدة من استقرار دول الجوار كافة ولا تدعم أي فصائل أو تحركات مسلحة ضد أي دولة أفريقية».

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018، مما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.