الأساس الكمي للعالم الحديث

لفيزياء الكم علاقة وثيقة بتفسير حركة الكواكب (أ.ف.ب)
لفيزياء الكم علاقة وثيقة بتفسير حركة الكواكب (أ.ف.ب)
TT

الأساس الكمي للعالم الحديث

لفيزياء الكم علاقة وثيقة بتفسير حركة الكواكب (أ.ف.ب)
لفيزياء الكم علاقة وثيقة بتفسير حركة الكواكب (أ.ف.ب)

«عفريت لابلاس» كائن فذ، تخيله عالم الرياضيات بيير - سيمون دو لابلاس، خلال نشوة انتصارات عقل عصر التنوير. قدرات هذا «الجن الكلاسيكي»، وليد ثورة نيوتن العلمية، تمكنه من معرفة مكان وسرعة كل مكونات الكون، ولذا يمكننه تحديد مسار الأشياء والتنبؤ بالمستقبل. أما جائزة نوبل في الفيزياء هذا العام فتتعلق بتجارب تدعم رؤية «حديثة» مغايرة، تعبر عن عالم خال من المسارات المحددة. عالم لا يمكن التنبؤ فيه بالمستقبل إلا احتمالياً.
هذا هو كون ميكانيكا الكم، النظرية التي باتت تكهناتها صادمة حتى بالنسبة لمن ساهموا في اكتشافها وتشكيلها. هكذا اعترض أينشتاين على خاصية الاحتماليات: «الإله لا يلعب النرد». حتى نيلز بوهر، الذي جادل أينشتاين في هذا الشأن، فكان له هذا التعليق: «إن لم تصدمك ميكانيكا الكم بعمق فإنك لم تفهمها بعد». بوهر كان يعرف ما يعني جيداً، فكان عميداً للمجموعة (المكونة في معظمها من علماء ألمان) التي ابتكرت التفسير الاحتمالي السائد لميكانيكا الكم، الذي أخذ اسم المدينة التي عمل فيها وجمع بها زملاءه للمداولة (كوبنهاغن).
الجدل الدائر منذ قرن الآن بخصوص الكم يتلخص في مدى تحديد النظرية لإمكانات «عفريت لابلاس»، الكائن الكلاسيكي الذي نتج عن نجاح ميكانيكا نيوتن الباهر في شرح مسارات كواكب المجموعة الشمسية. لكن إذا كان عالم الكم (في تفسير كوبنهاغن) لا يستضيف أي مسارات من الأصل، فلا يمكن مثلاً للإلكترونات أن تدور حول نواة الذرة كالكواكب حول الشمس؛ التصور الكمي للعالم على هذا المستوى يمحو تلك الفكرة، لأنه لا يمنح الإلكترون (أو أي جسيم آخر) مكاناً محدداً وسرعة محددة إلا عندما نرصده. ماذا يفعل إذن؟ كل ما نعرفه أنه يمكن أن يكون موجوداً في أي مكان (باحتمالات متفاوتة). فقط عندما نرصده يمكن تحديد موقعه بدقة (إذا كنا لا نريد معرفة سرعته). أما قبل الرصد (وبعده) فيتصرف وكأنه في كل الأماكن المحتملة في الوقت نفسه، في حالة «تراكب» بين حالات متداخلة ومتشابكة.
ولأن الأشياء ليست لها أماكن إلا عندما نصمم التجارب خصيصاً للكشف عنها، ولأن التجربة التي لا تجري لا يمكن أن تكون لها نتيجة محددة، فلا معنى في العالم الكمي لسؤال «أين الأشياء» بصفة عامة. وإذا انطبقت مثل هذه القيود على «كائن لابلاس»، فهذا معناه أن المتاح له سيكون محصوراً في حساب الاحتمالات وإجراء التجارب لمعرفة ما هو الاحتمال الذي سيتجسد فعلاً، متنازلاً هكذا عن إمكانية التنبؤ بمسار العالم رغم قدراته الحسابية الفائقة.
هذا ما دفع أينشتاين للإبداء برأيه الشهير المتعلق بالإله والزهر. بل إن هذه الرؤية، بتخليها عن الكون المنظم بقوانين حتمية، كانت صادمة بشكل جعل البعض يعتقد أنها نبعت عن عقل العلماء الألمان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، نتيجة الظروف الاجتماعية والثقافية العاصفة التي سادت جمهورية فايمار! من الإحباط الحاد الذي أعقب الهزيمة، والذي أتى بمناخ ثقافي معادٍ للعقلانية، بمنهجها التحليلي «البارد»، الذي تم اتهامه بفتيت العالم لشراذم فاقدة المعنى، وكبح روح الحياة بمنهج الحتمية السببية «الميت الجامد» (حسب تعبير أوسفالد سبينغلر المؤثر). ولأن هذا الماخ بات معادياً بالذات لعلم الفيزياء، باعتباره مجسداً لذروة النهج المكروه، تسرع فيزيائيو العالم الألماني، حسب هذا الرأي، في التخلص من قوانين الحتمية الكلاسيكية «الجامدة» في سبيل صد الهجوم على مهنتهم ومكانتهم.
حسب هذا الرأي (الذي ظهر عام 1971 في مقال مهم لبول فورمان)، فإن أساس التخلص من الحتمية في فيزياء الكم لم تفرضه التجربة المعملية إنما الظروف الاجتماعية. هذا خطأ فادح بالطبع إذا تعلق الأمر بمحتوى ميكانيكا الكم الرياضي، فالذي فرضه كان تفسير معطيات معملية (مثل أطياف الألوان المنبعثة من المواد عند احتراقها)، وليس الظروف الاجتماعية. بل من الحماقة اعتبار العلم الطبيعي الحديث كمنظومة اجتماعية يقوم من خلالها العلماء بفرض الحقائق عن العالم، كما اعتقد بعض مفكري ما سمي بما بعد الحداثة بعد فورمان: فرغم أنها نابعة عن عقول إنسانية تتلاقى في سياق إجماعي، ميكانيكا الكم ليست كالأساطير التقليدية؛ لأنه، بكل بساطة، لا يمكن على أساس الأخيرة بناء اللابتوب أو التابلت أو المحمول الذي سيقرأ البعض عليه هذا المقال.
لكن ماذا عن تفسير كوبنهاغن، الذي لا يعترف، من حيث المبدأ، بإمكانية معرفة أي شيء عن العالم الطبيعي غير التنبؤ احتمالياً بنتائج التجارب؟ هل تسرع مبتكروه في التخلص من عناصر الواقع المعروفة من حياتنا اليومية (ربما فعلاً لتأثرهم بمحيطهم الثقافي)؟ أينشتاين مثلاً كان رأيه أن ميكانيكا الكم نظرية ناجحة لكنها ليست كاملة؛ بمعنى أن هناك «حقيقة أعمق» تكمن خلف النجاحات، التي يمكن من ثم اشتقاقها من نظرية حتمية أدق، تعيد «عفريت لابلاس» بكامل قدراته السببية الكلاسيكية للعالم.
في هذا السياق حاول أينشتاين (مع بودولسكي وروزين) إيضاح مدى غرابة تنبؤات ميكانيكا الكم في إطار كوبنهاغن، وذلك بالإشارة لوجود حالات تبدو خلالها خاصيات الجسيمات المختلفة متشابكة ومترابطة بصرف النظر عن المسافات التي تفصلها؛ فمثل الإلكترون الذي «لا يعرف مكانه» إلا عند الرصد، لا تعرف هذه الجسيمات «هويتها»، وكأنها تتبادل الخواص بينها في حالة تراكب وتشابك لا تتلاشى إلا مع الرصد التجريبي.
لم يكن من السهل اختبار تلك الأفكار عملياً، لأنه يحتاج إلى تتبع جسيمات أولية منفردة. لكن مع تطور التكنولوجيا تمكن العلماء من تتبع تصرفات الجسيمات، ونتيجة التجارب أشارت إلى أن هناك فعلاً إمكانية لترابط «آني» بين الجسيمات، الذي يشرحه إطار كوبنهاغن بأن معرفتنا بحالة تلك الجسيمات - معرفتنا نحن، وليس «معرفة» الجسيمات لحالتها! - تأتي أصلاً متشابكة (لأن أينشتاين أشار بتحضيرها هكذا)، ولذا فإجراء التجربة على أحدها يجيب على كل الأسئلة التي يمكن الإجابة عنها بخصوصها في صفقة واحدة وآن واحد. هذا باختصار كان موضوع جائزة نوبل في الفيزياء هذا العام.
ذلك لا يعني بالضرورة غياب «الحقيقة الأعمق» التي أرادها أينشتاين. لكنه يشير إلى أن من خلال اللغة التي نستخدمها، النابعة من عالمنا اليومي «الكلاسيكي»، هذا هو كل ما يمكن أن تقوله لنا الطبيعة على المستوى الكمي عند سؤالها؛ لأن المفردات والمفاهيم التي نصف بها العالم ليست معرفة فيه إلا من خلال بحثنا عنها.
في إطار فلسفة كانط للمعرفة هذا معناه أننا لا نعرف «الشيء في ذاته»، ما نعرفه هو ما تمكننا أداتنا الذهنية والفكرية من رصده، الذي يمكن تنظيمه في نظريات يحاكي منطقها بنجاح علاقات الأشياء في العالم الطبيعي. هذا النجاح هو ما يميز المنظومة العلمية عن الأسطورة، وليس بالضرورة التعمق في معنى محتوى الوجود. في الوقت نفسه، فقابلية تلك المنظومة للتطور في ظل المستجدات، لضمان استمرار النجاح، تحرك آفاقها نحو الاتساع المستمر، ومعه يأتي الإطار الحضاري الذي ينبذ المفاهيم الساذجة عن العالم ومعرفتنا له ومكاننا فيه.
ومع اتساع التصور تأتي إمكانية استخدام ما فهماه من مساءلة الكون في سبيل إثراء حياتنا اليومية. جائزة نوبل هذا العام لم تكرم التقدم في المعضلات النظرية المتعلقة بميكانيكا الكم فحسب، إنما كذلك إفساح المجال للطفرات المتلاحقة المتصلة بتطبيقات تكنولوجية مهمة؛ كالمتبلورة في مجال الحاسبات الكمية، الذي ينذر بثورة هائلة في تكنولوجيا المعلومات، والذي تمول الأبحاث فيه شركات عملاقة، من «إي بي إم» إلى «بي إم دابليو»، وحكومات كثيرة، من إسرائيل إلى أستراليا.
في عالمنا العربي ما زال هناك التباس في فهم العلاقة بين البحث في أساسيات المعرفة والتطبيق التقني. الطريق إلى تطبيقات كالحاسبات الكمية، إذا اكتمل، سيكون قد تطرق لأسئلة تتعلق بطبيعة معرفتنا للعالم، ومعناها وحدودها وآفاقها. أسئلة تتطلب المساهمة في سؤالها والإجابة عليها إطاراً فكرياً يعترف أولاً بقيمة البحث فيها، وليس طغيان رؤية نفعية قاصرة لا تأخذ أساسيات المعرفة جدياً. بل وتقر، متخطية دروس التاريخ ومتجاهلة أدلة العصر، بإمكانية التألق في التطبيقات دون استيعاب الأساسيات، فتخسر الاثنين معاً.

* كاتب مصري


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


اتهام أممي لـ«الدعم السريع» بالإبادة الجماعية في الفاشر

النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

اتهام أممي لـ«الدعم السريع» بالإبادة الجماعية في الفاشر

النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)

نددت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، أمس، بوقوع «أعمال إبادة جماعية» في مدينة الفاشر السودانية التي شهدت فظائع كثيرة منذ سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وخلصت البعثة التابعة للأمم المتحدة في تقرير، إلى أن «نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من النمط المنهجي الذي تتبعه (قوات الدعم السريع)» في هذه المدينة الواقعة في إقليم دارفور غرب السودان.

وتزامناً مع ذلك، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عقوبات على ثلاثة من قادة «الدعم السريع» بسبب انتهاكاتهم في الفاشر. وقالت الوزارة إن هؤلاء الأفراد متورطون في حصار الفاشر الذي استمر 18 شهراً قبل سيطرتهم على المدينة.


الحكم على نائب تونسي بالسجن ثمانية أشهر لانتقاده الرئيس قيس سعيّد

الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)
TT

الحكم على نائب تونسي بالسجن ثمانية أشهر لانتقاده الرئيس قيس سعيّد

الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)

أصدرت محكمة تونسية الخميس حكما بالسجن ثمانية أشهر على النائب في البرلمان أحمد سعيداني لانتقاده الرئيس قيس سعيّد على وسائل التواصل الاجتماعي عقب الفيضانات الأخيرة في البلاد، وفق ما أفادت وسائل إعلام محلية.

وأوقف سعيداني في وقت سابق من هذا الشهر بعد نشره على «فيسبوك» منشورا علّق فيه على اجتماع سعيّد بوزيرين إثر هطول أمطار استثنائية نجمت عنها سيول ألحقت أضرارا في البنى التحتية في أنحاء مختلفة من تونس «الرئيس قرر توسيع اختصاصه رسميا إلى الطرقات والمواسير على ما يبدو اللقب الجديد سيكون القائد الاعلى للصرف الصحي وتصريف مياه الامطار».

وقال محامي سعيداني، حسام الدين بن عطية، لوكالة الصحافة الفرنسية إن موكله يُحاكم بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات الذي يعاقب بالسجن مدة تتراوح بين سنة واحدة وسنتين وبغرامة بمئة إلى ألف دينار (نحو 300 يورو) «كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات».

وقُتل خمسة أشخاص على الأقل ولا يزال آخرون مفقودين بعدما شهدت تونس الشهر الماضي أمطارا قياسية منذ أكثر من 70 عاما.


إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)

في حي الحتانة داخل أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم، افترش حسن بشير وجيرانه بساطاً وضعوا عليه أطباقاً من الطعام عند غروب الشمس، ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان المبارك منذ بدء الحرب قبل نحو 3 سنوات.

عاد بشير (53 عاماً) إلى السودان قبل بضعة أشهر بعد أن هُجّر منه بسبب الحرب. ويعبّر عن فرحته باستعادة تقليد توقّف جراء الحرب المشتعلة في البلاد بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

يقول بشير، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم أكن هنا في رمضان الماضي، ولكنني كنت موجوداً خلال رمضان الذي سبقه حين كانت الحرب مشتعلة».

ويضيف: «اليوم ذهبت إلى سوق أم درمان لشراء الحاجيات (لإعداد الطعام)... بعد ما شاهدته خلال الحرب، لم أكن أتوقع أن تعود الأمور إلى طبيعتها بهذه الصورة».

في اليوم الأول من شهر الصوم المبارك، يتشارك بشير إفطاره مع رجال من أكثر من 10 أسر يرتدون «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة، وتتوزّع بينهم أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ»، وهو مشروب يصنعه السودانيون في رمضان المبارك من دقيق الذرة.

وتمزّق المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، وانتشار المجاعة في بعض المناطق، وتدمير المدن والبنية التحتية.

توزعت أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ» بالإفطار الجماعي في أم درمان (أ.ف.ب)

وكانت الخرطوم، التي تشمل مناطق أم درمان وبحري، مركزاً للحرب طيلة عامين، وعاد إليها الهدوء منذ سيطر عليها الجيش في مارس (آذار) الماضي؛ مما فتح الباب أمام عودة بطيئة للحياة وسط المباني المهدمة وأطلال الحرب.

ويقول عبد القادر عمر، الذي كان يعمل في التجارة، إنه عاد إلى منزله في أم درمان بعدما نزح 3 مرات إلى ولايات سنار والنيل الأبيض والجزيرة وفقد عمله في سوق أم درمان.

ويضيف: «لم يكن هنا أكثر من أسرتين خلال رمضان الماضي. اليوم؛ نحن 13 أسرة تتناول طعام الإفطار معاً، وهذا في شارع واحد فقط داخل الحي».

وينتشر الخروج إلى الشارع للإفطار الجماعي أمام المنازل في جميع مناطق السودان، إذ تأتي كل أسرة بطعامها ويجلس الجيران معاً على بساط يتشاركونه كما يتشاركون الطعام والشراب.

غير أن عمر يُذكّر بأنه «صحيح السلع متوافرة، لكن الأسعار مقابل الدخل تجعل الوضع صعباً». ويؤكد بشير كذلك ارتفاع الأسعار، إلا إن «السودانيين يساعد بعضهم بعضاً عن طريق التكايا (المطابخ العامة) وغيرها».

وأدت الحرب إلى تدهور الوضع الاقتصادي الذي كان هشّا بالفعل، مع معدّلات تضخّم تجاوزت نسبة مائة في المائة.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً؛ إذ انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب، إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

الوضع اختلف

في السوق المركزية بالخرطوم، يعرض الباعة الخضراوات والفواكه في أكياس صغيرة؛ إذ لا تستطيع الأسر تحمّل تكلفة الكميات الكبيرة.

ويقول محمد، أحد الباعة في سوق الخرطوم المركزية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر؛ المؤن والعمالة والنقل».

رغم ذلك، فإن عمر لا يخفي سعادته بالعودة إلى منزله بعد أن «هجرناه مدة طويلة. ولكن حين عدنا وجدنا المكان آمناً والناس عادوا إلى بيوتهم».

أما عثمان الجندي، وهو صحافي، فلم يغادر أم درمان طيلة فترة الحرب. ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوضع اختلف تماماً مقارنة برمضان عام 2025». ويضيف: «شارعنا هذا كانت فيه أسرتان فقط، والآن هنا 16 عائلة».

ارتدى السودانيون المشاركون بالإفطار الجماعي في أم درمان «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة (أ.ف.ب)

ويتذكر نميري الشيخ طه أنه في الأعوام السابقة في أم درمان «كنا نجلس متوجسين؛ قد يأتينا رصاص طائش أو تقع دانة (طلقة مدفع) حتى داخل المنازل. لقد أصابت المدفعية منزل جيراننا».

على مسافة نحو 400 كيلومتر جنوب غربي الخرطوم، لا تزال مدن كردفان تشهد معارك دامية، ويكثَّف القصف بالطائرات المسيّرة التي يقتل بعضها العشرات في هجوم واحد. ومع ذلك، فإن السودانيين افترشوا الأرض أمام منازلهم لتناول الإفطار معاً.

ويقول أحمد بلة، الذي يسكن حي البترول في الأبيّض؛ عاصمة شمال كردفان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف: «نحن 17 أسرة اعتدنا تناول الإفطار معاً في رمضان الكريم، واليوم لم يتخلّف أحد منّا رغم الأوضاع الأمنية وهجمات المسيّرات من وقت لآخر».

وتحاول «قوات الدعم السريع» إعادة تطويق الأبيض منذ كسر الجيش حصاراً طويلاً عليها في فبراير (شباط) 2025.

ويتنازع الطرفان، في معارك ضارية بشمال كردفان، السيطرةَ على محور رئيسي لطرق الإمداد الحيوية بين شرق البلاد وغربها يمرّ بالأُبيّض.

في جنوب كردفان، حيث يستمر القصف العنيف، أعلنت أداة «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، التي تضم حكومات ووكالات دولية، المجاعة في العاصمة كادوقلي التي كانت تحاصرها «قوات الدعم السريع» حتى بداية الشهر الحالي، وحذّرت من ظروف مشابهة في الدلنج بالولاية ذاتها.

ويواجه أكثر من 21 مليون شخص، أي نحو نصف عدد سكان السودان، مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق الأمم المتحدة.