من أجل اكتشاف «مناطق القوة» في السرد العربي الحديث

من أجل اكتشاف «مناطق القوة» في السرد العربي الحديث

الخميس - 2 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 27 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [ 16039]

صدر حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للترجمة والنشر والتوزيع ببغداد الجزء الثاني من كتاب الدكتورة نادية هناوي «علم السرد ما بعد الكلاسيكي» بعنوان «السرد غير الواقعي» وبواقع أربعمائة وأربع عشرة صفحة. وكان الجزء الأول من الكتاب قد اهتم بما قدَّمه منظّرو السرد غير الطبيعي من كشوفات وتصورات تجديدية، أما الجزء الثاني فاختص بالبحث فيما كانت الدكتورة هناوي قد مضت في اختباره منذ سنوات في تجربتها البحثية حتى اختمر مشروعاً نقدياً خاصاً بها، رسمت أبعاده وخططت له في شكل نظرية في السرد العربي، تتمثل في «السرد غير الواقعي» كأطروحة سعت فيها إلى التحرر من موالاة المدرسة الفرنسية مع عدم الانحياز إلى المدرسة الانجلو أميركية.
وتؤكد المؤلفة، أن السرد غير الواقعي ليس هو السرد الخيالي الذي يطلق على مرويات الأزمان الغابرة، ولا هو مضاد أو معارض للسرد الواقعي أياً كانت صورته الواقعية، بل هو سرد يعاد إنتاجه على وفق راهنية الواقع وفي الوقت نفسه التحرر منها عبر المكوث خارجها والانشداد إلى مجاهيل الواقع. إنه سرد الواقع اللاواقعي الذي فيه للكاتب كل الحق في أن يسلك أي مسلك من مسالك التخييل وينتهج أي صورة من صور الواقعية صانعاً عالماً سردياً يوصف بأنه غير واقعي.
وترى المؤلفة في أطروحتها عن السرد غير الواقعي، أن مفردة «الواقعي» تعني كل فاعل له وجود مادي أو حضور عياني حقيقي غير خيالي، أما مفردة «غير الواقعي» فتعني كل ما هو خيالي لا قدرة له على ما يختص به الواقعي، ومع ذلك يتركز الفعل السردي عليه ويكون له منظور محدد مما نجده في سردنا العربي قديماً وحديثاً. ومما ذهبت إليه أيضاً، أن السرد علم دائم التبدل مثل سائر العلوم الإنسانية الأخرى. وإذا كان هذا العلم قد خضع قبل عقود للنظر البنيوي وما بعد البنيوي، فإن راهنية هذا العلم تجعله مستمراً في البحث عن نظريات يتلافى بها ما لحقه من نقص مفاهيمي وقصور اصطلاحي. وكل علم جديد لا بد من أن يضيف إلى سابقه ما ليس فيه، والهدف تطوير حركة العلم باتجاهات جديدة ومغايرة... ومن دونها لا يكون سوى الركود والتراجع مهما كانت أبعاد العلم رحبة وفرضياته دقيقة وسياقاته قابلة لأن تستمر طويلاً.
وتجد هناوي في «السرد غير الواقعي» دليلاً من الدلائل التي تكشف عما في العقل الروائي والقصصي العربي من احترام لتقاليد أسلافه السردية التي أرضيتها في الأساس غير واقعية ومنها اغتنى الأوروبيون وبنوا عليها نهضتهم الأدبية الحديثة. وإذا كان مؤرخو الأدب القصصي قد شطبوا على تلك التقاليد الأصلية واتخذوا من تقاليد السرد الغربي، وأغلبها واقعية، معايير للريادة فإنهم بذلك قد قللوا من أهمية اللاواقعية وعدّوا الواقعية هي الأساس. وتؤكد المؤلفة، أنه على الرغم من هذا اللهاث نحو الواقعية في القصص والروايات العربية على سعته، فإنه لم يمسك بعشر هذا الواقع في متغيراته ومخبوءاته ليظل كثير من تفاصيله وأسراره مخبّأ، لا يمكن بلوغه إلا باللاواقعية مما كان السرد العربي القديم قد تحلى به وتمرس فيه.
أما الغاية من وراء وضع نظرية «السرد غير الواقعي» فهي اكتشاف ما في سردنا العربي الحديث منه والقديم من مناطق قوة ومكامن غنى، تفتح أمام النقد العربي المعاصر مسارات جديدة في الوصف والتحليل والتأويل المحايث واللامحايث، وبالشكل الذي يعطي لنقدنا العربي هويته العلمية التي بها يساهم في تطوير النقد العالمي وإغنائه بالجديد والنافع من خلال الوقوف على أهم تقاليد السرد العربي واكتشاف ما يختفي في داخله من منظورات ومفاهيم غاب كثير منها عن أعين النقاد بسبب عدم مبالاتهم بالمعاينة في أهميتها الأبستمولوجية وما يمكن أن يستخلص منها من قيم واعتبارات.
هذا، واشتمل الكتاب في جزئه الثاني على فصول أربعة؛ اهتم الفصل الأول بتقعيد مفاهيم الواقع واللاواقع والخيالية والإدراك الواعي ودواعي اللاواقعي، وجاء الفصل الثاني مخصوصاً بتحديد بروتوكولات السرد غير الواقعي وبمباحث أربعة، اتبعه الفصل الثالث بكشف إشكاليات السرد غير الواقعي وبمباحث أربعة أيضاً، وتناول الفصل الرابع قضايا السرد غير الواقعي من قبيل العواطف واللامحاكاة والطفولة والمناورة والأتوبوغرافية والبيئية، وغيرها. وكشفت المؤلفة عن أن للكتاب جزءاً ثالثاً قيد الطبع.


كتب

اختيارات المحرر

فيديو