رندا شعث: نقطة انطلاقي في التصوير بدأت من شباك غرفتي بالبيت

تروي فصولاً من سيرتها الذاتية في «جبل الرمل»

رندا شعث: نقطة انطلاقي في التصوير بدأت من شباك غرفتي بالبيت
TT

رندا شعث: نقطة انطلاقي في التصوير بدأت من شباك غرفتي بالبيت

رندا شعث: نقطة انطلاقي في التصوير بدأت من شباك غرفتي بالبيت

تكتسب السيرة الذاتية للمصورة الصحافية رندا شعث أهمية خاصة؛ كون صاحبتها عذَّبتها طول حياتها أسئلة الهوية؛ فهي مصرية الأم، فلسطينية الأب، أميركية المولد، لبنانية الجدَّين. إضافة لذلك، عاشت خبرات وتجارب مهمة على المستويين؛ المهني، بوصفها مصورة مستقلة، والإنساني؛ باعتبارها شخصاً يسعى للتصالح مع نفسه.
تروي المؤلفة في سيرتها التي حملت عنوان «جبل الرمل»، وصدرت عن دار «الكرمة» بالقاهرة، كيف وُلدت في الولايات المتحدة وسط عاصفة ثلجية حيث كان يحضّر والدها السياسي الفلسطيني نبيل شعث رسالة الدكتوراه هناك، وحين بدأت أمارات الولادة، لم يستطع إزالة الثلوج عن سيارته أو التحرك في أي اتجاه بأي وسيلة مواصلات، وأخيراً اضطر إلى طلب الشرطة لتوصيل زوجته إلى المستشفى. كانت الأم فقدت ماءها كله، واضطروا إلى سحب الطفلة «رندا» بالملاقط، ما أدى إلى التواء بسيط في عمودها الفقري سبب لها أوجاعاً في الظهر بقيت معها إلى اليوم.
عاد والدها من أميركا في منتصف الستينات حاملاً معه شهادة دكتوراه في الاقتصاد، وطفلة في الثالثة والنصف من العمر، تفهم العربية ولا تتحدثها، لكن لها مكانة الحفيدة الأولى في العائلتين: المصرية والفلسطينية.
تروي المؤلفة طرفاً من ذكريات الطفولة؛ حين انتقلت الأسرة من الإسكندرية إلى القاهرة، وأقامت في حي جاردن سيتي الراقي.
وحول ملابسات الانتقال المفاجئ لبيروت، تروي المؤلفة كيف تم انتخاب والدها رئيساً لاتحاد الطلبة العرب، وقت دراسته في أميركا، وهناك انضم إلى حركة «فتح». وفي مرحلة لاحقة تعرَّف على ياسر عرفات، بعد هزيمة 1967 و«فقدانه الأمل في تحقيق وعود بيان 30 مارس (آذار)، واقتناعه بأن تحرير فلسطين قد لا يمر بالعواصم العربية أولاً». قرر الأب بعدها أن يبدأ حياة جديدة؛ فقدم استقالته من «المعهد القومي للإدارة العليا»، وترك مصر، وانضم إلى «منظمة التحرير الفلسطينية».كانت رندا في السادسة حين انتقلت العائلة للسكن في لبنان، وإن بقيت تقضي الإجازات الصيفية في الإسكندرية.
وحول بداية نشاطها السياسي، تروي المؤلفة هذه الواقعة التي حدثت لاحقاً في مصر:
«في القاهرة تُعقد لجان مناصرة للشعبين الفلسطيني واللبناني؛ فأنغمس مع مجموعات مختلفة محاوِلةً أن أكون مواطنة مفيدة، أساعد يومياً في توزيع أوراق تحث المواطنين على مقاطعة البضائع الأميركية.
مجموعتنا مكوَّنة من خمس بنات. طبخنا الغراء لأول مرة في حياتنا لنثبِّت الملصقات في حارة بمصر القديمة. أعجب لفقر المنطقة؛ دكانها الوحيد بالكاد يبيع الجبن القريش والشاي (السايب)، أعجب أكثر للذكر الوحيد الذي ظهر فجأة مع المجموعة آمراً متسلطاً مع أنه لم يشارك في التحضير. في مرة أخرى سأهتم بتنسيق مؤتمر شعبي في السيدة زينب يتضمن تعليق لافتات وترتيب كراسي وتوزيع كتيبات، والأهم شرح الأخبار للأهالي. بعد يوم طويل مرهق عرضت صديقة توصيل ما تيسر من المشاركين في سيارتها (الفولكس) الصغيرة إلى بيوتهم. ركب ستة أشخاص بأعجوبة. كنت الأولى في ترتيب الوصول؛ السيدة زينب لا تبعد كثيرا عن جاردن سيتي. حين توقفت صديقتي أمام العمارة صاح أحد الأصدقاء الراكبين مستنكراً: إيه ده ساكنة في جاردن سيتي؟ برجوازية يعني؟ ولأول مرة تسعفني سرعة البديهة: أيوه برجوازية عندي تطلعات بروليتارية!».
وعن البدايات الأولى في علاقتها بفن التصوير كهواية ثم مهنة، تذكر أن نقطة الانطلاق تمثلت في شباك غرفتها في بيت العائلة بجاردن سيتي، حيث اكتشفت الأسطح من حولها التي تقطنها عائلات بسيطة، كل سطح يحمل قصصاً وسيراً لحياة بإيقاعات مختلفة: «هنا عائلات يقف أفرادها طابوراً في الصباح أمام دورة المياه الوحيدة، وهنا سطح مقسوم إلى مساحتين؛ جهة لعائلات النوبة وأخرى للعائلات التي أتت من الدلتا. هناك سطح مزين بنباتات كثيرة صار حديقة، وسطح آخر يعود عائله ساعة المغيب يفرش ملاءة على الأرض ويتناول طعامه مع سرب حمام يعود من أرجاء المدينة». كان الحمام يؤنس وحدتها، تتخيله يزور الأميرة الأسيرة في البرج العالي!
بعدها بزمن واتتها الشجاعة على أن تحمل الكاميرا، وتذهب مستكشفة أسطح جاردن سيتي وقصص ساكنيها. وجدت في التصوير ملاذاً أقرب إلى طبيعتها للتعبير عن مشاعرها ورؤيتها. أهداها والدها «كاميرتها» الأولى وهي في الثامنة، في بداية العطلة الصيفية. حجز للأسرة الصغيرة أسبوعاً في جزيرة «رودس»، قبل قضاء باقي أشهر الصيف في الإسكندرية، وكان هو يحمل دائماً كاميراً يسجل بها رحلاتهم وأعياد ميلادهم. حين أصرَّت بعد انتهاء الثانوية على أن تدرس التصوير. أقنعها بأن تكوين خلفية ثقافية وتاريخية مهم للمصوِّر، بل أهم من تعلُّم التقنيات. كان والدها بليغاً ومقنعاً في حديثه، وكانت تجد صعوبة في مجاراته. لكنه بعد انتهاء دراستها للتاريخ والعلوم السياسية، تكفل بسفرها لتكمل دراساتها العليا في الإعلام المرئي بالولايات المتحدة. وحين عادت، وفي بداية عملها مصوِّرة، كان يسعد بأن يرافقها في رحلات التصوير... يقود السيارة ويتوقف في المكان الذي تحدده، وتنتظره. وعن مشاعرها وانفعالاتها في أول مرة تزور فيها فلسطين، تروي كيف أنها لحظة وصولها لأرض الأجداد، وتحديداً رام الله، اتصلت لتطمئن والدها في القاهرة. كان في شدة الانفعال، وبدأ في البكاء: «لازم تروحي بيتنا في يافا! صوري لي بيتنا في يافا!». لم يصدق الوالد من قبل أنها سوف تنجح في الوصول إلى هناك، لكنها لم تتردد، وخططت للأمر بعناية، وساعدها جواز السفر الأميركي الذي تحمله في تذليل كثير من الصعوبات. بدأ يصف لها بيته، والطريق إليه بالتفصيل. كان قد ترك يافا ولم يبلغ الحادية عشر!
«يا أهالي رام الله ممنوع التجول... ممنوع التجول... كل مَن يخالف القانون يُعاقَب بشدة».
على وقع هذا التحذير، استيقظت فجر أول أيامها في رام الله: «بقيت في البيت، نشرتُ الغسيل، ونظفت الغرفتين والواجهة. قضيت بقية النهار تحت الشمس. في المساء بدأت احتفالات ذكرى إقامة دولة فلسطين التي أعلنها ياسر عرفات في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 1988. سكان المدينة كلهم في الشرفات وفوق الأسطح، صفير وزغاريد تنطلق في الظلام، تليها سيارات الجيش تحوم في الشوارع عبثاً للبحث عن مصدر الصوت. بعد مرورهم يعود الصفير، فيطلقون الرصاص في الهواء للتخويف والتشويش.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.