خفض إنتاج النفط... ضرر بالمصلحة الأميركية أم تدخل في شؤون «أوبك»؟

تقارير ومقالات في الصحافة الغربية انتقدت موقف البيت الأبيض من قرار «أوبك بلس» وأكدت أنه راعى مصالح الدول الأعضاء

تشكّل 23 دولة من منظمة «أوبك» ومن خارجها تحالف «أوبك بلس» الذي قرر خفض الإنتاج بمعدل مليوني برميل يومياً لشهر نوفمبر المقبل (رويترز)
تشكّل 23 دولة من منظمة «أوبك» ومن خارجها تحالف «أوبك بلس» الذي قرر خفض الإنتاج بمعدل مليوني برميل يومياً لشهر نوفمبر المقبل (رويترز)
TT

خفض إنتاج النفط... ضرر بالمصلحة الأميركية أم تدخل في شؤون «أوبك»؟

تشكّل 23 دولة من منظمة «أوبك» ومن خارجها تحالف «أوبك بلس» الذي قرر خفض الإنتاج بمعدل مليوني برميل يومياً لشهر نوفمبر المقبل (رويترز)
تشكّل 23 دولة من منظمة «أوبك» ومن خارجها تحالف «أوبك بلس» الذي قرر خفض الإنتاج بمعدل مليوني برميل يومياً لشهر نوفمبر المقبل (رويترز)

في بيان أعقب أول اجتماع حضوري منذ العام 2020 لوزراء النفط والطاقة لدول «أوبك بلس» في العاصمة النمساوية فيينا، الأربعاء 5 أكتوبر (تشرين الأول)، جاء فيه «سيكون تخفيض إجمالي الإنتاج بمقدار مليوني برميل يومياً، من مستويات الإنتاج المطلوبة في أغسطس (آب) 2022 بدءاً من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للدول المشاركة في منظمة (أوبك) والدول غير الأعضاء في (أوبك)».
وبعد كثير من النقاشات داخل «أوبك» و«أوبك بلس»، جاء قرار خفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يومياً حيث يعد أكبر خفض للإنتاج منذ جائحة (كوفيد - 19)، وأكدت المنظمة أن هذا القرار يأتي «في ضوء عدم اليقين الذي يحيط بآفاق الاقتصاد العالمي وسوق النفط، والحاجة إلى تعزيز التوجيه طويل المدى لسوق النفط».
وبدا لافتاً أن تحولاً قد طرأ في طريقة تناول البيت الأبيض لتقلبات أسواق الطاقة، وظهر ذلك في التخلي عن حالة التنديد المعتادة، حيث هاجم البيت الأبيض بشكل مزدوج منظمة «أوبك»، متعهداً بتخليص سوق الطاقة من سيطرتها، ووصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير، قرار خفض الإنتاج بأنه «يصطف مع روسيا»، كما هاجم في الوقت ذاته السعودية بنسق متصاعد، وصولاً إلى وعيد الرئيس الأميركي في حوار تلفزيوني مع محطة «CNN» بأن السعودية «ستواجه عواقب لما فعلته مع روسيا».
وكان وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، قد طالب في مناسبات سابقة بعدم النظر إلى قرارات «أوبك» و«أوبك بلس» من منظور سياسي، وقد فنّد الوزير النفطي السعودي بشكل واضح مزاعم بعض التقارير حول تنسيق بين السعودية وروسيا بمعزل عن دول تحالف «أوبك بلس»، من أجل خفض الإنتاج ورفع أسعار النفط، وجادل عدداً من الصحافيين الغربيين والأميركان في مؤتمر صحافي عاصف بُعيد اجتماع وزراء النفط والطاقة لدول «أوبك بلس» في العاصمة النمساوية فيينا الأربعاء الماضي.
ودافع مسؤولون سعوديّون مراراً وتكراراً عن استقلالية منظمة «أوبك»، ومجموعة «أوبك بلس»، وأن السعودية لا تستخدم النفط كسلاح، غير أن البيت الأبيض ومشرّعين أميركان، أصرّوا على مهاجمة القرار، بطريقة وصفها البعض بالتدخّل «الفج» في شؤون منظمة «أوبك» وإهانة بحق 23 دولة تشكّل تحالف «أوبك بلس» من خلال اختزال قرار المجموعة باتفاق يجمع السعودية وروسيا بمعزل عن بقية الدول، وذهب بعض المشرعين إلى عدّه موقفاً في الصراع الدائر بين روسيا من جهة وأوكرانيا والولايات المتحدة والغرب من جهة أخرى، رغم أن عدداً من دول «أوبك بلس»، كانت قد أعربت بشكل واضح مناهضتها لشنّ القوات الروسية هجوماً ضد أوكرانيا.
وأعاد بيانٌ صدر فجر الثلاثاء، عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السعودية، تأكيد رفض السعودية لتسييس هذا القرار، واعتباره قراراً اقتصادياً بحتاً، ويراعي توازن العرض والطلب ومصلحة المنتجين والمستهلكين، كما تم اتخاذه بناءً على التوافق الجماعي للدول الأعضاء، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن الاقتراح الذي طُرح خلال تشاور الحكومة السعودية مع نظيرتها الإدارة الأميركية، بتأجيل خفض الإنتاج لمدة شهر، سيكون له تبعات اقتصادية سلبية.
وربط الكثير من المختصين هذا المقترح بمُقترح سابق طُرح إبّان وجود الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن في منصب نائب رئيس الولايات المتحدة، حيث عُدَّ مقترحاً سياسياً لا يصب إلا في أهداف انتخابية داخلية، كما ذهب إلى ذلك التفسير وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير، تعليقاً على مواقف مشرعين أميركان، خلال حديث تلفزيوني أدلى به لمحطة «Fox» الأميركية.
كما كان لافتاً أن المطالبات الأميركية لمنظمة «أوبك» ومجموعة «أوبك بلس» سواءً بخفض الإنتاج أو زيادته، أو التحكم بالأسعار، كانت تأتي دائماً في مراحل مفصلية ترتبط باستحقاقات داخلية، كما هو الحال هذه المرة مع اقتراب الانتخابات النصفية لمجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين، وهو ما يتناقض مع مصالح المنتجين والمستهلكين في أسواق النفط، كما يهدد مستقبل منظمة «أوبك» التي تُصارع لتكون منظمة تقنية بعيدة عن التجاذبات السياسية، كما يعني بالضرورة تدخّلاً أميركياً في شؤون المنظمة والمجموعة التي ليست من أعضائها، ودلّل مختصّون لـ«الشرق الأوسط» على ذلك من خلال تقارير صادرة من «وول ستريت جورنال» بأن البيت الأبيض حاول الضغط على السعودية -المنتج الأكبر في «أوبك» و«أوبك بلس»- لثنيها عن قرار خفض الإنتاج، غير أن السعودية رفضت الرضوخ لهذه الضغوط ومضت في التزاماتها مع دول «أوبك بلس».
وشدد الخبير في استراتيجيات الطاقة نايف الدندني، على أن «أوبك بلس» لا تعمل لفائدة الاقتصادي الأميركي فقط، بل تعمل لصالح الاقتصاد العالمي وترعى مصالحها ومصالح المستهلكين، مؤكداً أن قرار مجموعة «أوبك بلس» بخفض الإنتاج للشهر القادم، كان «تقنياً واقتصادياً بحتاً» لأسباب من ضمنها «الاقتراب من الدخول في مرحلة الركود المدفوعة بقرارات الاحتياطي الفيدرالي زيادة نسبة الفائدة وبالتالي فإن قرار (أوبك بلس) كان استباقياً لمنع الدخول في دوامة منطقة الركود التي سينتج عنها زيادة كبيرة في العرض لا يمكن للأسواق استيعابها».
وأشار الدندني في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هنالك انفصالاً ما بين الأسواق يظهر من خلال «الشحّ في الطلب، فيما كل المعطيات تضغط على الأسواق بحيث لا تستجيب حتى لأساسيات نطاق العرض والطلب، بمعنى أن هنالك شحاً في إنتاج دول (أوبك بلس) ومع ذلك الأسعار تنزل إلى مستوى 48 دولاراً، فبالتالي هذا الانفصال أو عدم الاتصال ما بين الأسواق المادية وما بين أساسيات الأسواق يعزز الحجّة بأن قرار (أوبك بلس) خفْض الإنتاج كان قراراً اقتصادياً حتى تتم إعادة اتصال الأسواق بأساسيات الأسواق النفطية».
ويستذكر الدندني أنه في عام 2020 «خاضت السعودية نزالاً اقتصادياً نفطياً شرساً ضد روسيا، وكان ذلك دفاعاً عن مصالحها ودفاعاً عن استقرار الأسواق مطالبةً بأن تتحمل دول (أوبك بلس) مجتمعة، مسؤولية التوازن بين الأسواق»، مستطرداً أنه من غير المنطق الآن أن تُتهم السعودية بالاصطفاف مع روسيا لأنها خفضت الإنتاج في إطار مجموعة «أوبك بلس»، في حين أنها قبل عامين كانت في مواجهة شرسة معها دفاعاً عن مصالحها ومصالح الأسواق.
ويطالب الدندني بأن تكون طلبات الولايات المتحدة عقلانية وواقعية، قائلاً إنه «لا يمكن أن تطالب في وقت بزيادة الإنتاج، وتطالب في وقت آخر بتقليل الإنتاج كما حصل في 2020 عندما طُلب من السعودية عن طريق الولايات المتحدة أن تقّلل الإنتاج».
من جانبه انضم مبعوث البيت الأبيض السابق للشرق الأوسط جيسون غرينبلات، إلى الأصوات التي انتقدت موقف البيت الأبيض، وفي مقال رأي عبر موقع «CNN»، جادل غرينبلات بأن السعودية والإمارات «ليستا تابعتين للولايات المتحدة»، ورغم تصديقه على أن قرار خفض الإنتاج ليس من صالح بلاده، فإنه أورد أن «لهذه الدول أيضاً مصالحها واستراتيجياتها الوطنية».
وفي الإطار ذاته أشاد الخبير النفطي خافيير بلاس، بدول «أوبك بلس»، معتبراً أنها «تستطيع القيام بما يلزم لحماية مصالحها، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح حلفائها التقليديين، بمن فيهم الولايات المتحدة»، وطالب بلاس خلال مقاله المنشور في «بلومبرغ»، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، بالتنبّه إلى أنه «لأول مرة في التاريخ، لا يوجد لهذه القوى حليف واحد في (أوبك بلس)».
وأكد بلاس أن خيارات البيت الأبيض للرد على «الصفعة السعودية» ليست كثيرة، في ظل فترة يعاني خلالها الغرب من نقص المعروض النفطي، مضيفاً أن أي قرار عقوبات «لن يكون حكيماً نظراً لوزن السعودية كمنتج للنفط وكثالث أكبر مورد أجنبي للنفط للولايات المتحدة».
واتفقت إيرينا سلاف مع خافيير بلاس في أن «خيارات البيت الأبيض لمواجهة السعودية و(أوبك بلس)، محدودة»، وأشارت الكاتبة في شؤون النفط عبر مقالتها اليومية لصالح موقع «OIL PRICE» إلى أن الأهم من قرار خفض الإنتاج هو «اتخاذه على الرغم من محاولات واشنطن الكثيرة لتغيير رأي قادة (أوبك) لا سيما السعودية والإمارات».
ورغم الطابع الهجومي الذي ساد التناول الإعلامي الأميركي بشأن قرار مجموعة «أوبك بلس» خفْض إنتاج النفط للشهر القادم، فإن عدداً من الصحف والمواقع الأميركية طالعت متابعيها وقرّاءها بمقالات رأي وتقارير تحليليّة ناهضت تسييس قرار «أوبك بلس»، والهجوم الذي طال السعودية وروسيا أحياناً، والسعودية والإمارات أحياناً أخرى، والسعودية وحدها في الغالب، لتكشف من خلال ذلك عن انقسامات وتجاذبات داخلية يربطها البعض باقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، وانعكاس ذلك على قضايا ملحّة للداخل الأميركي، التي من أكثرها محوريّة قضية أسعار النفط ومشكلات الطاقة.


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أميركيون يساريو الميول يُقبلون على شراء الأسلحة في عهد ترمب

المدرّبة كلارا إليوت تعطي تعليماتها (أ.ف.ب)
المدرّبة كلارا إليوت تعطي تعليماتها (أ.ف.ب)
TT

أميركيون يساريو الميول يُقبلون على شراء الأسلحة في عهد ترمب

المدرّبة كلارا إليوت تعطي تعليماتها (أ.ف.ب)
المدرّبة كلارا إليوت تعطي تعليماتها (أ.ف.ب)

في منطقة حرجية قريبة من ريتشموند عاصمة ولاية فيرجينيا، يتردد صدى أصوات إطلاق النار، فالعديد من الأميركيين، ومن بينهم كولِن، يتدربون هناك على استخدام أسلحة نارية.

والسلاح شبه الرشاش الذي يحمله الرجل البالغ 38 عاماً هو أول سلاح يمتلكه في حياته.

وكولِن هو من بين العديد من الأميركيين ذوي الميول اليسارية الذين يقبلون على اقتناء الأسلحة بسبب مخاوفهم من إدارة الرئيس دونالد ترمب، في تحول عن المفاهيم السائدة حول ملكية الأسلحة النارية في الولايات المتحدة.

وقال كولِن طالباً عدم كشف اسمه الكامل حفاظاً على خصوصيته: «أشعر بتهديد من حكومتي أكثر بكثير مقارنة بالمواطنين من حولي». وأضاف أن مقتل رينيه غود، وأليكس بريتي في مينيابوليس، اللذين لقيا حتفهما برصاص عناصر فيدراليين خلال حملة واسعة ضد الهجرة في المدينة الواقعة في شمال الولايات المتحدة، كان بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس بالنسبة إليه.

وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لدينا جيش مُخوّل من الحكومة، أشبه بجيش خاص، يجوب الشوارع، ويعتدي على الناس، ويطلق النار عليهم. هذا يُخيفني أكثر بكثير من وقوع بعض الجرائم بين الأفراد».

المدربة تشرح لمتدربات طريقة ملء مخازن الرصاص الخاصة بالمسدسات (أ.ف.ب)

* نقاش السلاح

والنقاش حول الأسلحة في الولايات المتحدة مُعقد جداً، وله أبعاد سياسية عميقة.

ويُصوّر أنصار حق حمل السلاح، الذين يميلون عموماً إلى اليمين، القضية على أنها مسألة حرية شخصية، إذ يكفل الدستور الأميركي حق حمل السلاح.

ويميل الليبراليون إلى التشديد على فرض ضوابط أكثر صرامة على الأسلحة في بلد يشهد حوادث إطلاق نار جماعي.

لكن العديد من الديمقراطيين البارزين، ومن بينهم النائبة السابقة غابي غيفوردز -التي نجت من محاولة اغتيال- ونائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، أعلنوا بفخرٍ عن اقتنائهم أسلحة.

بعد أن اشترى السلاح، التحق كولِن وزوجته داني بدورة تدريبية تُقدمها كلارا إليوت، وهي مدربة معتمدة في استخدام المسدسات، تقول إن عملها «تضاعف» بعد انتخاب ترمب لولاية رئاسية ثانية في 2024.

وقد نفدت تذاكر معظم دوراتها التدريبية المصممة خصيصاً للنساء، والأقليات، لكنها مفتوحة للجميع.

وقالت إليوت، التي تحمل وشماً كبيراً على باطن ذراعها لشخصية الرسوم المتحركة «سنو وايت»، وهي تحمل رشاشاً: «كان ضغط العمل شديداً».

يشارك نحو 12 شخصاً في دورة إليوت التي تبدأ بشرح المبادئ الأساسية للرماية والسلامة قبل الانتقال إلى التدريب العملي في ميدان الرماية.

ومعظم الطلاب لم يستخدموا سلاحاً نارياً من قبل. ويقول كثيرون إن اهتمامهم بالدورة نابع من الأجواء السياسية الراهنة في الولايات المتحدة، بما في ذلك حملات مداهمة المهاجرين، وإلغاء سياسات التنوع، والإنصاف، والشمول، وتزايد الاستقطاب في المجتمع ككل.

قلق واستعداد

وقالت كاساندرا البالغة 28 عاماً والتي رفضت كغيرها من المشاركين في الدورة ذكر اسم عائلتها: «هناك كثير من الأمور المقلقة التي تحدث في الولايات المتحدة»، مضيفة: «لذا بدا من الجيد أن نكون على دراية، ومستعدين».

أما أكيمي -وهي من إحدى دول أميركا اللاتينية، وتبلغ 30 عاماً- فقالت إنها تخشى «عنف اليمين المتطرف»، ولا تثق في قدرة الشرطة على حمايتها».

إطلاق نار خلال التدريب (أ.ف.ب)

وأضافت: «كلما استطعت تجنب الاحتكاك بالشرطة، كان ذلك أفضل». وراحت تراقب بينما زملاؤها يطلقون النار على أهداف مرسومة على شكل مكعبات ثلج، في إشارة إلى وكالة الهجرة والجمارك (آيس).

وإليوت ليست الوحيدة التي ازدهرت أعمالها منذ حادثتي إطلاق النار القاتلتين في مينيابوليس.

ويقول «نادي الأسلحة الليبرالي»، وهو منظمة وطنية تُعرّف مهمتها بأنها «إيصال صوت الليبراليين والمعتدلين من مالكي الأسلحة»، إنه سجّل 3000 طلب جديد للتدريب على استخدام الأسلحة النارية في الشهرين الأول والثاني من عام 2026، أي أكثر مما سجّله في عام 2025 بكامله.

ويقول المدير التنفيذي إد غاردنر إن هذه الزيادة ليست نادرة بعد أحداث سياسية كبرى، أو أعمال عنف مروّعة كحوادث إطلاق النار الجماعي.

ولكن بخلاف الماضي، حين كان الاهتمام العام يأتي في الغالب من النساء، والأقليات، فإن الأعضاء الجدد اليوم «يشملون جميع الفئات»، الشباب، وكبار السن، من الريف، والحواضر.

ورأى ديفيد ياماني، أستاذ علم الاجتماع في جامعة ويك فوريست بولاية كارولاينا الشمالية، أن هذا التحوّل يكمن في دوافع الناس لشراء الأسلحة. وقال: «هناك قلق محدد بشأن نوع من الحكومات الاستبدادية، والسلطوية التي قد تحرم الناس من حقوقهم، أو تلهم أتباعها أن يحرموا الناس من حقوقهم».


الجيش الأميركي: 23 سفينة عادت إلى إيران منذ فرض الحصار

سفن شحن قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي: 23 سفينة عادت إلى إيران منذ فرض الحصار

سفن شحن قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز (رويترز)

أعلن الجيش ‌الأميركي ‌اليوم (​السبت)، أن ‌23 ⁠سفينة ​امتثلت لأوامر ⁠قواته ⁠بالعودة ‌إلى ‌إيران ​منذ ‌أن فرضت الولايات ‌المتحدة ‌حصاراً على ⁠الموانئ والمناطق ⁠الساحلية الإيرانية، حسب «رويترز».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أكد أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانئ الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيراً إلى أنه قد لا يمدِّد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

وبعد فتحه ليوم واحد، أعادت إيران إغلاق مضيق هرمز، وذلك في أعقاب تهديدات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، على موقع «إكس»، في وقت مبكر من صباح اليوم بأنه إذا استمر الحصار الأميركي، فإن «مضيق هرمز لن يظل مفتوحاً».


نتنياهو «مصدوم» من منشور ترمب بشأن لبنان... وتل أبيب تطلب توضيحات

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو «مصدوم» من منشور ترمب بشأن لبنان... وتل أبيب تطلب توضيحات

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

أثار منشور للرئيس الأميركي دونالد ترمب صدمة، وتساؤلات داخل الأوساط الإسرائيلية، ما دفع إسرائيل إلى طلب توضيح من البيت الأبيض بعدما أعلن أن إسرائيل «ممنوعة» من تنفيذ غارات جوية في لبنان.

وفق ما أفاد مصدر أميركي وآخر مطّلع على الملف موقع «أكسيوس»، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومستشاريه فوجئوا بمنشور ترمب، الذي بدا متعارضاً مع نص اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية يوم الخميس.

وأشار التقرير إلى أن ما تضمّنه منشور ترمب من إيحاء بأنه يصدر «أمراً» لإسرائيل لا خيار لها سوى الامتثال له، يُعد سابقة غير مألوفة في الإدارات الأميركية السابقة. كما أُفيد بأن نتنياهو نفسه أبدى صدمة وقلقاً شديدين فور علمه بالمنشور، وفق «أكسيوس».

اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان

وكان ترمب قد أعلن يوم الخميس أن إسرائيل ولبنان توصّلتا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام.

وبحسب الاتفاق، الذي عملت واشنطن على دفعه خلال الأيام السابقة، تحتفظ إسرائيل بحق تنفيذ عمليات عسكرية «دفاعاً عن النفس، في أي وقت، ضد هجمات مخططة، أو وشيكة، أو جارية».

ويُعد وقف إطلاق النار ملفاً شديد الحساسية سياسياً بالنسبة لنتنياهو، إذ شددت حكومته على أنها ليست مقيدة في حال اقتضت الحاجة ضرب «حزب الله»، وفق «أكسيوس».

لكن تجدر الإشارة إلى أنه رغم وقف إطلاق النار، لا يزال جنوب لبنان في مرمى الاستهداف الإسرائيلي اليوم (السبت). وأفيد بأن أصوات قصف مستمرة تُسمع في القطاع الأوسط ما دفع بالأهالي إلى مغادرة قراهم.

تصريحات اليوم التالي أكثر حدة

وفي اليوم التالي، استخدم ترمب لغة أكثر حدة، إذ كتب: «إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. إنها ممنوعة من ذلك من قبل الولايات المتحدة الأميركية. لقد اكتفى الجميع». ثم عاد ترمب وكرر موقفه في مقابلة مع «أكسيوس»، قائلاً إنه يريد وقف الضربات الإسرائيلية على لبنان: «يجب على إسرائيل أن تتوقف. لا يمكنها الاستمرار في تدمير المباني. لن أسمح بذلك».

وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد تقدم بالشكر لترمب والمملكة العربية السعودية للمساهمة في التوصل إلى الاتفاق، معلناً الانتقال إلى مرحلة «العمل على اتفاقات دائمة».

وأكد عون في خطاب وجّهه للبنانيين: «نحن اليومَ نفاوضُ عن أنفسِنا، ونقرّرُ عن أنفسِنا. لم نعدْ ورقةً في جيبِ أيٍ كان، ولا ساحةً لحروبِ أيٍ كان، ولن نعودَ أبداً. بل عدنا دولةً تملكُ وحدَها قرارَها، وترفعُه عالياً، وتجسّدُه فعلاً وقولاً، من أجلِ حياةِ شعبِها، وخيرِ أبنائِها لا غير».

وأضاف: «أنا مستعد للذهابِ حيثما كان لتحريرِ أرضي، وحمايةِ أهلي، وخلاصِ بلدي». وزاد: «أقول لكم بكل صراحة وثقة، هذه المفاوضات ليست ضعفاً، وليست تراجعاً، وليست تنازلاً، بل هي قرار نابع ‌من قوة إيماننا بحقنا، ومن ‌حرصنا على شعبنا».

ارتباك داخل الحكومة الإسرائيلية

ووفقاً لمصادر «أكسيوس»، علم نتنياهو وفريقه بتصريحات ترمب من وسائل الإعلام، ما أدى إلى حالة من الارتباك داخل الدوائر الإسرائيلية.

وبدأ مساعدون، من بينهم السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر، في التحرك السريع لفهم ما إذا كانت واشنطن قد غيّرت موقفها. كما طلبت إسرائيل من البيت الأبيض توضيحات، مؤكدة أن تصريحات ترمب تتعارض مع نص الاتفاق.

توضيح أميركي

وبعد طلب «أكسيوس» تعليقاً من البيت الأبيض، أوضح مسؤول أميركي أن تصريحات ترمب لا تعني تغييراً في الاتفاق.

وقال المسؤول: «اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل ينص بوضوح على أن إسرائيل لن تنفذ أي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، لكنه يحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس ضد هجمات مخططة، أو وشيكة، أو جارية».