لغز ألفريد نوبل... حزين وغامض وكاره للبشر فما سرّ ذلك؟

ما وراء الصورة الشائعة لرجل الديناميت و«مخترع» الجائزة الأشهر والأرفع في العالم (1-2)

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل
TT

لغز ألفريد نوبل... حزين وغامض وكاره للبشر فما سرّ ذلك؟

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل

استناداً إلى رسائل ألفريد نوبل الشخصية وكتاب ابنة شقيق نوبل: مارتا نوبل ـ أولينيكوف، وسوى ذلك من مصادر تناولت حياة ألفريد نوبل، ينقّب الكاتب والمترجم السويدي بينغت يانغفيلت فيما وراء الصورة الشائعة لألفريد لنوبل بحثاً عن المجهول والمحجوب في سيرة حياة رجل الديناميت و«مخترع» الجائزة الأشهر والأرفع في العالم، التي تحمل اسمه، هذه الجائزة، التي غدت بدورها نوعاً من ديناميت، يتجدد انفجاره كلّ عام، مخلفاً أصداءً لا تخفت بسهولة. المترجم
في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، يتم تذكير الناس في مختلف أنحاء العالم باسم ألفريد نوبل. ما من سويدي آخر يُداني صاحب جائزة نوبل شهرة وذِكراً، مع أن «اللغز» هو الاسم الذي يقترن غالباً بألفريد نوبل. وهذا يعود، في جزء منه، إلى شخصيته المعقدة والتضارب في عمله الذي جمع فيه، بين نشر الديناميت، والكفاح في سبيل السِّلم العالمي، وفي جزء آخر إلى حياته الخاصة، فهو لم يتزوج ولم يُبدِ أي رغبة في ذلك، خلاف ما كان في سن مبكرة، وبدلاً عن ذلك تبدّى مع السنين، كمفكر وحيد، مريض، كاره للبشر.
حقاً، كان يُنظر إلى ألفريد نوبل، كلغز، منذ وقت مبكر. وهو لم يكن مخترعاً بارعاً فحسب، بل كان أيضاً شاعراً وكاتباً مسرحياً ذا مستوى عالٍ، وإن كهاوٍ. تبدأ أشهر قصائده بعبارة «أنتِ تقولين أنني لغز...»، التي كتبها عندما كان في سن الثامنة عشرة، وهي موجَّهة إلى امرأة ترى أن شخصيته غامضة. القصيدة توجد في عدة نسخ بالإنكليزية، كما توجد في نسخة بالسويدية، مما يدل على أهميتها بالنسبة له. هنا السطور الاستهلالية للقصيدة:
أنتِ تسمّينني لغزاً، لديكِ حق
لأن الحياة ليست سوى لغز مستغلق
نتلمس طريقنا من المهد إلى اللحد
غير عارفين بما سيؤول إليه الغد،
نطارد السعادة، التي غالباً، ما تُخفق
ونشتّت الحزن بأمل يخيب دائماً.
مبكراً كانت رؤية الحياة من منظور رومانسي ـ انقباضي تتملك ألفريد نوبل، لذا يمكن النظر إلى تطور حالته باتجاه بُغض البشر والنظرة السوداوية في سن النضج على أنه عملية طبيعية، نوعاً ما، كتحصيل لنزعته، وهو ما كان مؤكَّداً. لكنْ ثمّة تفسير آخر أكثر رسوخاً لما يعانيه من اكتئاب سوداوي يزداد بمرور الوقت، وهو ما يمكن اكتشافه من خلال صيغة باللغة الروسية تضمّنتها رسالة بخط ألفريد نوبل، أُهملت سهواً أو تمّ تجاهلها في السابق، عن عمد. ولوضع الرسالة في سياقها، يجب أن نبدأ ببعض المعلومات الشخصية عن نشأة ألفريد نوبل في سانت بطرسبورغ.
وُلِد الفريد نوبل في ستوكهولم عام 1833، وكان الأصغر بين ثلاثة أشقاء. والده إيمانويل كان مخترعاً ومهندساً معمارياً، وفي الرابعة من عمر ألفريد، أُجبر على ترك ستوكهولم بسبب الديون الكبيرة المتراكمة عليه وتهديده من مصلحة جباية الديون. بعد عام قضاه في دوقية فنلندا الكبرى التابعة لروسيا، انتقل إلى سان بطرسبورغ، حيث صنع لنفسه اسماً خلال وقت قصير، كمخترع أسلحة. كان اختراعه الرئيسي هو اللغم البحري، الذي اشترته الحكومة الروسية عام 1842، وقد حصل نوبل، مقابل اختراعه هذا، على مبلغ كبير جداً لدرجة أنه تمكَّن من أن يرسل وراء عائلته التي بقيت في ستوكهولم: زوجته أندرييتا، وأبناؤه روبرت ولودفيغ وألفريد. في السنوات التالية أقام إيمانويل ورشة ميكانيكية ناجحة لصناعة معدّات للاستخدام العسكري والمدني، وخلال حرب القرم 1853 ـ 1855، تلقّى طلبات كبيرة، لدرجة أنه أصبح ثرياً. وعندما انتهت الحرب ونصّبت روسيا إمبراطوراً جديداً هو الإسكندر الثاني، قامت الحكومة بفسخ العقد مع الورشة وتمّت تصفيتها. في عام 1859، أُجبر إيمانويل نوبل على الهجرة مرة أخرى، عائداً إلى السويد، هذه المرة. ومن أجل إنقاذ الورشة، تم تكليف الأبناء الثلاثة الذين بقوا في سانت بطرسبورغ بهذه المهمة، على سبيل المحاولة، لكن الجهود فشلت، وفي عام 1861 أشهرت إفلاسها. في نفس العام، انتقل شقيقه الأكبر روبرت إلى هلسنكي؛ للزواج، وبعد عامين غادر ألفريد العاصمة الروسية وأقام في ستوكهولم. بقي لودفيغ في سانت بطرسبورغ، ليبدأ ورشة عمل ميكانيكية جديدة أصبحت في سبعينيات القرن التاسع عشر واحدة من أكثر ورشات العمل نجاحاً، في روسيا. بعد حوالي عشر سنوات، عاد روبرت إلى روسيا، حيث نشط في كل من معمل مكائن لودفيغ، وفي باكو أسس شركة نفط الإخوة نوبل، التي أضحت مع الوقت واحدة من الشركات الرائدة في مجال النفط. خلال هذه الفترة، تمكّن مخترع الديناميت ألفريد من تطوير أعماله في أوروبا والولايات المتحدة، وعاد إلى روسيا في زيارتين قصيرتين فقط، بين عامي 1871 و1883، على الرغم من مناشدة لودفيغ الحثيثة له على مر السنين للقدوم والزيارة. كان ألفريد يشير إما إلى اعتلال صحته، أو إلى عبء العمل أو كليهما، موضحاً الحالة. التوضيح كان مقبولاً، فقد كان في صحة سيئة ومنهمكاً بالعمل على مدار الساعة، لكن من الصعب التخلص من فكرة أن هذه لم تكن سوى ذرائع. بالنظر إلى أن ألفريد قد أمضى عشرين عاماً من حياته في سانت بطرسبورغ، بين سن العاشرة والثلاثين، فمن الغريب أنه لم يشعر بإغراء إعادة الاتصال بأصدقائه ومعارفه القدامى، إذ لو كانت الإرادة موجودة، لتمّ التغلب على مشاكل الصحة والعمل، بكل تأكيد.


إيمانويل نوبل والد ألفريد نوبل

في عام 1952 نشرت ابنة لودفيغ؛ مارتا نوبل ـ أولينيكوف، كتاباً بعنوان «لودفيغ نوبل وعمله»، طُبع في عدد محدود جداً من النسخ، وكان في متناول عائلة نوبل فقط. (أصبح متاحاً للعموم عام 1977)، تشير فيه إلى أن انعدام رغبة ألفريد في زيارة سانت بطرسبورغ يعود إلى حقيقة أنه «حمل منذ ستينيات القرن التاسع عشر بعض الذكريات المحرجة، من هناك، وهي على أية حال، يشوبها الغموض». ربما لم يكن التحفظ في الجملة الثانوية في المقتبس السابق، صحيحاً تماماً. فمن الجائز أن الكاتبة كانت تعرف جيداً ما كانت تدور حوله «ذكريات ألفريد المحرجة». على أية حال، كان ذلك سراً عائلياً مصوناً جيداً.
من بين الإخوة الثلاثة، كان ألفريد هو الوحيد الذي لم يتزوج، ولم يكن لديه أطفال. كان لروبرت أربعة أطفال، ولودفيغ البالغ 18 عاماً، كان قد تزوج مرتين. لقد أفضت حقيقة أن ألفريد لم يتزوج، ولم يكن له علاقات حميمة معروفة مع النساء، إلى تكهنات، ومع ذلك لم يكن هناك أي مؤشر على ميول جنسية غير سوية لديه. كان الشاب ألفريد مهتماً جداً بالمرأة، على سبيل المثال، كان يتودد إلى خطيبة روبرت بحماسة شديدة أدت إلى تصدع العلاقة بين الأخوين، وعند بلوغه السادسة والعشرين، شرع بأخذ دروس في اللغة الإنكليزية في سانت بطرسبورغ، على الرغم من تمكنه من اللغة بالفعل؛ إذ كان الهدف هو التواصل مع النساء. وقد أوضح لروبرت «كيف كان يحوز على إعجاب النساء؛ لتقدمه الكبير، وللمقاطع الشعرية التي يكتبها لهن». كان يعتقد أن الشعر سيساعده على «أن يحظى بفتاة ثرية وجميلة» و«يصبح الوحيد في العائلة الذي يجعله الزواج ثرياً».
وعندما كان ألفريد يزور سانت بطرسبورغ، عام 1871 اعتقدت زوجة روبرت أنه موجود هناك لمخاطبة «شعلته القديمة»، أياً كانت، وهو ما لم يحدث. ألفريد لم يخطب ولم يتزوج، في الوقت الذي كانت علاقاته النسائية المعروفة قليلة، وهي ذات طبيعة غير جسدية، وقد اتخذت بصورة رئيسية شكل المراسلات. وهذا ينطبق أيضاً على العلاقة الوحيدة المعروفة بـ«الذوق الإيروتيكي»، تلك الخاصة بصوفي هيس، الأصغر سناً، وهي نوع من علاقة بجماليون مطبوعة بطابع «الاهتمام المميز»، وفقاً لسيرة ألفريد التي أعدَّها إيريك بيرينغرين. وبالنسبة لفيلغوت شومان، الذي كرس جهداً كبيراً في كتابين؛ في محاولة لفهم الحياة الخاصة لـ«ألفريد»، كان من الواضح أن ألفريد «يعاني جوعاً عاطفياً، طوال حياته».كان الإخوة نوبل جميعهم كُتاب رسائل كباراً. ذكر ألفريد أنه يكتب ما بين 20 و40 رسالة يومياً، على الأقل بشكل دوري. كان إخوته على شاكلته، تقريباً، في المثابرة على كتابة الرسائل، وقد بلغ عددها بالآلاف وهي محفوظة في أرشيفات مختلفة. كانت المراسلات التجارية تتم باللغات الألمانية والروسية والفرنسية والإنكليزية، بينما الرسائل المتبادلة بين أفراد العائلة كانت باللغة السويدية. كل رسائل الإخوة الثلاثة كُتبت بلغة سليمة نحوياً، غنية ومعبرة، على الرغم من أن نصيبهم من التعليم الرسمي كان لبضع سنوات فقط قبل مجيئهم إلى روسيا، حيث أكملوا تعليمهم في البيت على يد مدرس خصوصي سويدي.

* بينغت يانغفيلت: (Bengt Jangfeldt (1948. كاتب ومترجم سويدي. أستاذ في معهد الدراسات السلافية في جامعة ستوكهولم. عُرف بالعديد من كتبه المهمة، إضافةً إلى نشاطه في الترجمة عن الروسية. من بين ما صدر له من عناوين، تأليفاً وترجمة: «إيمانويل نوبل وأولاده: العبقرية السويدية في روسيا القيصرية»، «نحن وهُم ـ عن روسيا كفكرة»، «اللغة هي الإله: ملاحظات حول جوزيف برودسكي». «أوسيب ماندلستام: الكلمة والثقافة»، «مع الحياة كمقامرة: حكاية فلاديمير ماياكوفسكي ووسطه»، وقد نال عن هذا الأخير، جائزة أوغست سترندبيري لسنة 2007، وهي من الجوائز الرفيعة في السويد، إضافة إلى جوائز دولية أُخرى.

*عن صحيفة «سفينسكا داغبلاديت» السويدية SvD، والموضوع يُنشر بإذن
خاص من الكاتب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
TT

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)

ضمن الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام حالياً في مصر للمرة الثالثة، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، ورعاية وزارة الثقافة المصرية، تنافس مسرحية «مرسل إلى»، التي نالت جائزة «المركز الأول» في المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية، وجائزة «أفضل تصميم ديكور» في المهرجان القومي للمسرح في دورته الـ18، على جائزة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي.

عرض «مرسل إلى» يطرح مفهوم «الحرب والسلام»، ويسلط الضوء على الصراع بين دولتي فرنسا وألمانيا، من خلال أحداث ذات أبعاد فلسفية، ومشاعر إنسانية دارت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، من منظور جندي فرنسي، يسترجع معاناته وأزماته وأسباب اندلاع الحرب.

وعن كواليس كتابة «مرسل إلى» واختياره ثيمة الطرح الإنساني، قال المؤلف طه زغلول إن أفكار النصوص بالنسبة له في البداية تكون عبارة عن أسئلة، يحتاج إلى مشاركتها مع غيره كي يجد لها إجابة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «السؤال في نص (مرسل إلى) انشغل به الناس خلال الفترة الماضية، وهو (هل سيتعرض العالم لحرب عالمية ثالثة؟)، ومن هنا كانت بداية كتابة نص (مرسل إلى)، الذي تحول بعد ذلك لمسرحية تتناول (الأزمات الإنسانية) التي تفرزها الحروب».

لقطة من العرض المسرحي «مرسل إلى» (مهرجان المسرح العربي)

وكشف زغلول، الذي كتب النص قبل 4 سنوات، أنه كان محظوظاً كون مخرج العرض هو محمد فرج، لافتاً إلى أن المشكلة التي تواجه جيله من المؤلفين، تتمثل في أن «أغلب المخرجين يهتمون بتقديم صورة معينة بغض النظر عن الأفكار المكتوبة، وأن المميز والمختلف في محمد فرج أنه قدم صورة مسرحية مذهلة بناءً على النص المسرحي المكتوب»، على حد تعبيره.

وأوضح زغلول أن «مرسل إلى» هو المشروع الثاني الذي جمعه بالمخرج محمد فرج بعد مسرحية «مائة وثلاثون قطعة»، التي عرضت العام الماضي، وحصلت على جوائز عدة، منوهاً بأن فريق العمل أقرب إلى فرقة مسرحية لأن غالبية العناصر مشتركة في العرضين، وفي مقدمتها مصمم الديكور محمد طلعت الذي كانت له بصمة واضحة شكلت إضافة للتجربة.

وعن أهم المراجع التي استعان بها في كتابة النص، قال زغلول: «استعنت ببعض مراجع عن الحربين العالميتين الأولى والثانية»، لافتاً إلى أن النص ليس تأريخاً لفترة زمنية أو لحدث معين، بل يناقش فكرة تأثير الحروب على الأفراد والناس العادية، وأن أغلب نصوصه تستند إلى وقائع تاريخية حقيقية.

ويؤكد زغلول أن الميزانية المحدودة، خصوصاً للعروض الخاصة، وعروض الجامعة، والثقافة الجماهيرية، تؤثر على مستوى العروض، موضحاً أنه كلما كانت الميزانية أكبر كانت مساحة الإبداع أكبر، لكن صناع مسرحية «مرسل إلى»، خصوصاً المخرج محمد فرج ومصمم الديكور محمد طلعت، استطاعوا استغلال الميزانية المحدودة بأفضل طريقة ممكنة.

تناول العرض المسرحي الحرب من منظور فلسفي (مهرجان المسرح العربي)

وعن اختياره «القضايا الإنسانية» لتسليط الضوء عليها في كتاباته، أكد زغلول أن الإنسان هو الإنسان في كل وقت وأرض، مخاوفه واحدة واحتياجاته واحدة، لذلك عندما اختار واقعة تاريخية حصلت قبل عشرات السنين «فإنني أرى أنها تلمس الواقع الذي نعيشه، كما أنني أتعمق في سرد الأفكار كي تصل للناس دون قيود»، حسب قوله.

وعن توقعه نيل جائزة من مهرجان «المسرح العربي» في دورته الـ16 التي تختتم فعالياتها الجمعة، أكد زغلول الذي حصد «المركز الأول» في مسابقة التأليف في الدورة الـ10 من المهرجان نفسه، أن الجوائز بشكل عام تعبّر عن وجهة نظر وذائقة لجنة التحكيم، لكن ما يشغله دائماً هو تقديم الكثير من الأعمال المميزة التي تدعو الناس للتفكير، وتشعرهم بالمتعة الفنية.

مسرحية «مرسل إلى»، لفرقة «بيت ثقافة السنبلاوين»، وإنتاج الإدارة العامة للمسرح، من تأليف طه زغلول، وإخراج محمد فرج، وشارك بها مجموعة كبيرة من الممثلين، من بينهم محمود الحسيني، وشموع وائل، وطلعت حسين، ومحمد صبح، وعاصم الجوهري، وأحمد علاء، وطارق المصري، ومحمد سليمان، ومحمد هاشم، وآية أشرف.


«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
TT

«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)

تحت شعار «عربياً هنا الفن»، المستوحى من كلمات الشاعر محمود درويش: «هذه لغتي، معجزتي، عصاي السحرية»، في احتفاءٍ باللغة العربية بوصفها قوة ثقافية حيّة تُشكّل التعبير الفني، يقيم معرض «فن القاهرة» دورته السابعة في المتحف المصري الكبير، بمشاركة أكثر من 700 عمل فني لنحو 300 فنان من 15 دولة، بينهم رموز للفن في الدول العربية، وكذلك فنانو المهجر.

ويحتفي المعرض هذا العام بالفنان جرجس لطفي، تقديراً لإسهاماته الراسخة في المشهد الفني المصري وتأثيره العميق في أجيال من الفنانين.

وضمن فعاليات النسخة السابعة، التي تُقام في الفترة من 22 إلى 26 يناير (كانون الثاني) الحالي، يقدّم «فن القاهرة» معرضاً متحفياً فردياً للفنانة إنجي أفلاطون، مستمداً من مقتنيات متحف الفن الحديث، ليُعيد تسليط الضوء على إرثها الفني، ويؤكد دور المجموعات المتحفية بوصفها أرشيفاً حيّاً في حوار مستمر مع الحاضر، وذلك بالتعاون بين «مبادرة فن القاهرة» ووزارة الثقافة المصرية، وفق بيان لمؤسس المعرض.

ويقول مؤسس ومدير «فن القاهرة»، محمد يونس، إن هذا المعرض هو الوحيد في مصر المكرّس حصرياً للفنان العربي، سواء كان مقيماً في العالم العربي أو في المهجر ويمثّل فنانين عرباً على الساحة الدولية.

«فن القاهرة» يتضمن أعمالاً لأجيال مختلفة (إدارة المعرض)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأعمال التي يتضمنها المعرض هي نتاج حكايات وتجارب وقضايا إنسانية تعبّر عن مشاعر الفنان العربي، من الفرح إلى القلق، أينما كان موقعه. كما تشهد هذه الدورة مشاركات من هولندا والنرويج عبر فنانين عرب، في تأكيد على حضور الفن العربي عالمياً».

وتشارك في المعرض صالات عرض فني من مصر تقدم أعمالاً لفنانين من أجيال مختلفة ومدارس فنية متنوعة، تتناول التاريخ الاجتماعي، والذاكرة السياسية، والتجريب المادي، واللغة البصرية المعاصرة. كما تشارك فيه «غاليريهات» من لبنان بأعمال تستكشف مفاهيم الهوية، واللغة، والاغتراب، والسرد الفني عبر أجيال ووسائط متعددة.

وكذلك تشارك صالات عرض من الأردن بأعمال تعكس ممارسات فنية تمزج بين التجريد والتشخيص والتجربة الإنسانية المعيشية في المشرق العربي. كما تشارك صالات من أبوظبي ودبي وهولندا والنرويج والبحرين.

وينظّم المعرض أنشطة ثقافية ضمن برنامج «حوار»، تتناول العلاقة بين الفن والجمهور وسوق الفن في الوطن العربي والدور المؤسسي في إبراز الفن العربي وتأكيد خصوصية هذا الفن وسماته المميزة.

ويشير يونس إلى أن «القاهرة هي الحاضنة الطبيعية لمعرض (فن القاهرة)، والأنشطة الثقافية المرافقة للمعرض، سواء للزوار أو المقتنين، تعكس حيوية المدينة وغناها الفني. من خلال متاحفها، وإرثها الثقافي، والفنانين والمعارض الموازية المقامة في أماكن تاريخية وقصور، يتجلّى تنوّع وثراء المشهد الفني العربي وقدرته على التواصل الحقيقي مع الجمهور».

معرض «فن القاهرة» شهد مشاركات واسعة في دوراته السابقة (إدارة المعرض)

وتُعدّ الدورة السابعة هي أولى الدورات التي تُقام في المتحف المصري الكبير بعد افتتاحه الرسمي، إذ كان قد احتضن من قبل ثلاث دورات للمعرض خلال فترة افتتاحه التجريبي. وحول خصوصية المتحف وملاءمته لاستضافة «فن القاهرة» يقول مؤسس ومدير المعرض: «يُعدّ المتحف المصري الكبير البيت الجدير لفن القاهرة، حيث استضاف ثلاث دورات قبل افتتاحه الرسمي. وتأتي النسخة السابعة متزامنة مع افتتاحه الرسمي، ليشكّل ذلك محطة مهمة واستثنائية».

ورأى يونس أن «الدخول إلى المتحف يضع الزائر في حالة فخر واعتزاز بتاريخ عظيم، ووجود فن القاهرة المعني بالمشهد الفني العربي المعاصر داخل هذا الصرح الثقافي العالمي، يؤكد دور القاهرة عربياً وعالمياً بوصفها مركزاً حضارياً وفنياً وثقافياً. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك بزخم أكبر، وحضور جماهيري أوسع، وتفاعل أعمق مع المعرض».


معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
TT

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

تُقدّم الفنانة تارا الخازن، في معرضها الفردي «بين الأنفاس»، صوراً عن لبنان الذي تراه حالة داخلية تتشكَّل بين شهيق وزفير. المعرض، المُقام في صالة «بلو روز» بمنطقة التباريس البيروتية حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، يُحاول التقاط اللحظة الفاصلة التي يُعلّق فيها الإنسان حياته مؤقّتاً كي يستمرّ. وبين الأعمال، تصبح الصورة وقفة ومحاولة فَهْم.

تعود فكرة المعرض إلى مسير طويل قطعته الفنانة عبر لبنان في ربيع 2023. كان الهدف الحركة نفسها. وفي يومياتها، تكتب عن الحاجة إلى الركض. إلى فكّ قبضة رغبات قديمة. إلى التقاط نَفَس كامل. هذا الدافع الشخصي تحوَّل إلى بنية عمل. فالكاميرا وسيلة نجاة، وحين تضيق الحياة، يُختصر العالم في إطار يُمكن احتماله.

صور تارا الخازن تبحث عن مساحة للفهم (الشرق الأوسط)

يبحث «بين الأنفاس» عن التفاصيل التي تمرّ عادة من دون انتباه. صورة «عيد ميلاد أمي» في تنورين مثلاً، التي تُسجّل احتفالاً عائلياً، تضعنا أمام علاقة مضطربة مع الزمن. فالاحتفال محاولة لتثبيت شيء يتفلّت. كأنّ الصورة تقول إنّ العائلة في بلد قَلِق تصبح شكلاً من أشكال الصمود الرمزي، فيحتفل أفرادها كي لا ينهاروا، ويخلقون مناسبة لإقناع أنفسهم بأنّ الاستمرارية لا تزال ممكنة.

في أعمال أخرى، تنتقل تارا الخازن من البشر إلى الأشياء من دون أن تغادر الفكرة الأساسية. في «طيور من سلك» بصيدا، نرى مجسّمات تشبه الطيران. الصورة لا تُحمَّل معنى مباشراً لتترك للمُشاهد أن يقرأ ثمن الحرّية حين تُصنَع من مواد قاسية. إنها صورة عن الرغبة والمخيّلة التي تحاول التعويض في بلد يُتقن اختراع رموز للانعتاق فيما الواقع يُضيِّق الخناق.

الشارع والسوق يحضران في المعرض على هيئة مساحات للعيش الممكن. في «شارع علي» و«سوق صيدا»، لا تُراقب الفنانة من الأعلى ولا تبحث عن غرابة مُفتعلة. الكاميرا قريبة ومتأنّية، تتبع الوجوه والحركات والازدحام والفوضى الممتدَّة. تُريد معنى آخر للمعرض أن يتكشّف، فيفهم زائره أنّ الحياة تُصاغ في هذا العادي المُتكرّر الذي يتطلَّب جهداً هائلاً للاستمرار، وليس فقط في اللحظات الاستثنائية.

الشارع يُصوَّر مثل إيقاع حياة يُعاد كلّ يوم (تارا الخازن)

تبلغ هذه المقاربة ذروتها في «أطفال عليا» من عكار. صورة لا تستدرج العاطفة بسهولة ولا تُقدّم الطفولة على أنها مساحة براءة مصقولة. الأطفال واقفون بين عالمَيْن. بين اللعب والوعي المُبكر، وبين الخفَّة والثقل. قوة الصورة في ما لا تقوله. في الأسئلة التي تتركها معلّقة حول ما يُحمَّل لهؤلاء الصغار من أدوار قبل أوانها. وحول الفارق بين ما يُفترض أن تكونه الطفولة وما يُفرَض عليها أن تكون.

ثم تأتي «اصطدمتُ بجدار» من اللقلوق بمثابة اعتراف بصري. هي لحظة داخلية أكثر من كونها صورة عن المكان. فالجدار نفسي، مما يجعلها صورة عن الوصول إلى حدّ ما، وربما التعب من الحركة نفسها. ومع ذلك لا تصرخ، فتترك الوجع مستتراً ومضبوطاً، كأنّ الفنانة تعي أنّ التعب لا يحتاج دائماً إلى إعلان كي يكون صريحاً.

يصبح النظر فعلاً بديلاً عن الكلام (تارا الخازن)

يتوسَّع المعرض أيضاً ليشمل فعل المُشاركة. تحويل الطابق العلوي إلى مساحة تصوير تُتيح للزائرين الجلوس أمام العدسة، ينقلهم من موقع المُشاهدة إلى موقع الظهور. ومع ذلك، لا تُعدّ الفكرة تفاعلية بالمعنى الشائع. إنها فكرية. فإذا كانت الصور قد بدأت على أنها وسيلة لتماسُك الفنانة، فهي تتحوَّل إلى مساحة مشتركة وأرشيف يتكوَّن أمام العيون ويؤكّد أنّ الضعف الإنساني جماعي.

تختبر الصورة قدرتها على الإمساك بما يتفلّت (الشرق الأوسط)

يأتي «بين الأنفاس» في لحظة مفصلية من تجربة تارا الخازن، حيث تتعامل مع الصورة على أنها مساحة اختبار. ليس البحث عن موضوع كبير هو ما يلفت في أعمالها، وإنما الإصرار على التفاصيل المُنفلتة، والإقرار بأنّ الرؤية نفسها عمل جارٍ وليس نتيجة نهائية. هذا التردُّد الإيجابي، إن صحَّ التعبير، يمنح الصور قيمتها. فهي لا تدَّعي السيطرة على الواقع وإنما تتركه في حالته الأولى بين الوضوح والالتباس.

القراءة القيّميّة لكامي حجّار لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة (الشرق الأوسط)

يُواكب التنسيق القيّمي للمتخصّصة في فنون الإعلام الجديد والممارسات المعاصرة، كامي حجّار، هذا المنحى من دون أن يطغى عليه. فالقراءة القيّميّة لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة ولا تدفعها إلى استعراض مفاهيمي. ثمة ثقة واضحة بالصورة وبقدرتها على الكلام من داخلها. وذلك يظهر في ترتيب الأعمال وفي فتح مساحة مُشاركة للجمهور.

قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف (الشرق الأوسط)

يقترح «بين الأنفاس» أن نمنح الصورة حقّها في أن تكون فعل تفكير. وهو اقتراح يكتسب أهميته اليوم لندرته في عصر يُطالِب الفنّ بأن يشرح نفسه سريعاً. فما يفعله هذا المعرض فعلياً هو أبعد من الدفاع عن البطء. إنه يُواجه فكرة باتت تحكُم علاقتنا بالصور كلّها، وليس بالفنّ وحده. فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى. والأهم أنه يتعامل مع الذاكرة على أنها شيء قيد التكوُّن. فالصور المُختارة، بين العائلة والشارع والأطفال والاصطدام بالجدار، تلتقط آليات العيش في لبنان عوض جَمْع حكاياته. وذلك يجعل المعرض أكثر من تجربة شخصية. إنه قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف، حتى صار التكيُّف بذاته سؤالاً.