لغز ألفريد نوبل... حزين وغامض وكاره للبشر فما سرّ ذلك؟

ما وراء الصورة الشائعة لرجل الديناميت و«مخترع» الجائزة الأشهر والأرفع في العالم (1-2)

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل
TT

لغز ألفريد نوبل... حزين وغامض وكاره للبشر فما سرّ ذلك؟

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل

استناداً إلى رسائل ألفريد نوبل الشخصية وكتاب ابنة شقيق نوبل: مارتا نوبل ـ أولينيكوف، وسوى ذلك من مصادر تناولت حياة ألفريد نوبل، ينقّب الكاتب والمترجم السويدي بينغت يانغفيلت فيما وراء الصورة الشائعة لألفريد لنوبل بحثاً عن المجهول والمحجوب في سيرة حياة رجل الديناميت و«مخترع» الجائزة الأشهر والأرفع في العالم، التي تحمل اسمه، هذه الجائزة، التي غدت بدورها نوعاً من ديناميت، يتجدد انفجاره كلّ عام، مخلفاً أصداءً لا تخفت بسهولة. المترجم
في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، يتم تذكير الناس في مختلف أنحاء العالم باسم ألفريد نوبل. ما من سويدي آخر يُداني صاحب جائزة نوبل شهرة وذِكراً، مع أن «اللغز» هو الاسم الذي يقترن غالباً بألفريد نوبل. وهذا يعود، في جزء منه، إلى شخصيته المعقدة والتضارب في عمله الذي جمع فيه، بين نشر الديناميت، والكفاح في سبيل السِّلم العالمي، وفي جزء آخر إلى حياته الخاصة، فهو لم يتزوج ولم يُبدِ أي رغبة في ذلك، خلاف ما كان في سن مبكرة، وبدلاً عن ذلك تبدّى مع السنين، كمفكر وحيد، مريض، كاره للبشر.
حقاً، كان يُنظر إلى ألفريد نوبل، كلغز، منذ وقت مبكر. وهو لم يكن مخترعاً بارعاً فحسب، بل كان أيضاً شاعراً وكاتباً مسرحياً ذا مستوى عالٍ، وإن كهاوٍ. تبدأ أشهر قصائده بعبارة «أنتِ تقولين أنني لغز...»، التي كتبها عندما كان في سن الثامنة عشرة، وهي موجَّهة إلى امرأة ترى أن شخصيته غامضة. القصيدة توجد في عدة نسخ بالإنكليزية، كما توجد في نسخة بالسويدية، مما يدل على أهميتها بالنسبة له. هنا السطور الاستهلالية للقصيدة:
أنتِ تسمّينني لغزاً، لديكِ حق
لأن الحياة ليست سوى لغز مستغلق
نتلمس طريقنا من المهد إلى اللحد
غير عارفين بما سيؤول إليه الغد،
نطارد السعادة، التي غالباً، ما تُخفق
ونشتّت الحزن بأمل يخيب دائماً.
مبكراً كانت رؤية الحياة من منظور رومانسي ـ انقباضي تتملك ألفريد نوبل، لذا يمكن النظر إلى تطور حالته باتجاه بُغض البشر والنظرة السوداوية في سن النضج على أنه عملية طبيعية، نوعاً ما، كتحصيل لنزعته، وهو ما كان مؤكَّداً. لكنْ ثمّة تفسير آخر أكثر رسوخاً لما يعانيه من اكتئاب سوداوي يزداد بمرور الوقت، وهو ما يمكن اكتشافه من خلال صيغة باللغة الروسية تضمّنتها رسالة بخط ألفريد نوبل، أُهملت سهواً أو تمّ تجاهلها في السابق، عن عمد. ولوضع الرسالة في سياقها، يجب أن نبدأ ببعض المعلومات الشخصية عن نشأة ألفريد نوبل في سانت بطرسبورغ.
وُلِد الفريد نوبل في ستوكهولم عام 1833، وكان الأصغر بين ثلاثة أشقاء. والده إيمانويل كان مخترعاً ومهندساً معمارياً، وفي الرابعة من عمر ألفريد، أُجبر على ترك ستوكهولم بسبب الديون الكبيرة المتراكمة عليه وتهديده من مصلحة جباية الديون. بعد عام قضاه في دوقية فنلندا الكبرى التابعة لروسيا، انتقل إلى سان بطرسبورغ، حيث صنع لنفسه اسماً خلال وقت قصير، كمخترع أسلحة. كان اختراعه الرئيسي هو اللغم البحري، الذي اشترته الحكومة الروسية عام 1842، وقد حصل نوبل، مقابل اختراعه هذا، على مبلغ كبير جداً لدرجة أنه تمكَّن من أن يرسل وراء عائلته التي بقيت في ستوكهولم: زوجته أندرييتا، وأبناؤه روبرت ولودفيغ وألفريد. في السنوات التالية أقام إيمانويل ورشة ميكانيكية ناجحة لصناعة معدّات للاستخدام العسكري والمدني، وخلال حرب القرم 1853 ـ 1855، تلقّى طلبات كبيرة، لدرجة أنه أصبح ثرياً. وعندما انتهت الحرب ونصّبت روسيا إمبراطوراً جديداً هو الإسكندر الثاني، قامت الحكومة بفسخ العقد مع الورشة وتمّت تصفيتها. في عام 1859، أُجبر إيمانويل نوبل على الهجرة مرة أخرى، عائداً إلى السويد، هذه المرة. ومن أجل إنقاذ الورشة، تم تكليف الأبناء الثلاثة الذين بقوا في سانت بطرسبورغ بهذه المهمة، على سبيل المحاولة، لكن الجهود فشلت، وفي عام 1861 أشهرت إفلاسها. في نفس العام، انتقل شقيقه الأكبر روبرت إلى هلسنكي؛ للزواج، وبعد عامين غادر ألفريد العاصمة الروسية وأقام في ستوكهولم. بقي لودفيغ في سانت بطرسبورغ، ليبدأ ورشة عمل ميكانيكية جديدة أصبحت في سبعينيات القرن التاسع عشر واحدة من أكثر ورشات العمل نجاحاً، في روسيا. بعد حوالي عشر سنوات، عاد روبرت إلى روسيا، حيث نشط في كل من معمل مكائن لودفيغ، وفي باكو أسس شركة نفط الإخوة نوبل، التي أضحت مع الوقت واحدة من الشركات الرائدة في مجال النفط. خلال هذه الفترة، تمكّن مخترع الديناميت ألفريد من تطوير أعماله في أوروبا والولايات المتحدة، وعاد إلى روسيا في زيارتين قصيرتين فقط، بين عامي 1871 و1883، على الرغم من مناشدة لودفيغ الحثيثة له على مر السنين للقدوم والزيارة. كان ألفريد يشير إما إلى اعتلال صحته، أو إلى عبء العمل أو كليهما، موضحاً الحالة. التوضيح كان مقبولاً، فقد كان في صحة سيئة ومنهمكاً بالعمل على مدار الساعة، لكن من الصعب التخلص من فكرة أن هذه لم تكن سوى ذرائع. بالنظر إلى أن ألفريد قد أمضى عشرين عاماً من حياته في سانت بطرسبورغ، بين سن العاشرة والثلاثين، فمن الغريب أنه لم يشعر بإغراء إعادة الاتصال بأصدقائه ومعارفه القدامى، إذ لو كانت الإرادة موجودة، لتمّ التغلب على مشاكل الصحة والعمل، بكل تأكيد.


إيمانويل نوبل والد ألفريد نوبل

في عام 1952 نشرت ابنة لودفيغ؛ مارتا نوبل ـ أولينيكوف، كتاباً بعنوان «لودفيغ نوبل وعمله»، طُبع في عدد محدود جداً من النسخ، وكان في متناول عائلة نوبل فقط. (أصبح متاحاً للعموم عام 1977)، تشير فيه إلى أن انعدام رغبة ألفريد في زيارة سانت بطرسبورغ يعود إلى حقيقة أنه «حمل منذ ستينيات القرن التاسع عشر بعض الذكريات المحرجة، من هناك، وهي على أية حال، يشوبها الغموض». ربما لم يكن التحفظ في الجملة الثانوية في المقتبس السابق، صحيحاً تماماً. فمن الجائز أن الكاتبة كانت تعرف جيداً ما كانت تدور حوله «ذكريات ألفريد المحرجة». على أية حال، كان ذلك سراً عائلياً مصوناً جيداً.
من بين الإخوة الثلاثة، كان ألفريد هو الوحيد الذي لم يتزوج، ولم يكن لديه أطفال. كان لروبرت أربعة أطفال، ولودفيغ البالغ 18 عاماً، كان قد تزوج مرتين. لقد أفضت حقيقة أن ألفريد لم يتزوج، ولم يكن له علاقات حميمة معروفة مع النساء، إلى تكهنات، ومع ذلك لم يكن هناك أي مؤشر على ميول جنسية غير سوية لديه. كان الشاب ألفريد مهتماً جداً بالمرأة، على سبيل المثال، كان يتودد إلى خطيبة روبرت بحماسة شديدة أدت إلى تصدع العلاقة بين الأخوين، وعند بلوغه السادسة والعشرين، شرع بأخذ دروس في اللغة الإنكليزية في سانت بطرسبورغ، على الرغم من تمكنه من اللغة بالفعل؛ إذ كان الهدف هو التواصل مع النساء. وقد أوضح لروبرت «كيف كان يحوز على إعجاب النساء؛ لتقدمه الكبير، وللمقاطع الشعرية التي يكتبها لهن». كان يعتقد أن الشعر سيساعده على «أن يحظى بفتاة ثرية وجميلة» و«يصبح الوحيد في العائلة الذي يجعله الزواج ثرياً».
وعندما كان ألفريد يزور سانت بطرسبورغ، عام 1871 اعتقدت زوجة روبرت أنه موجود هناك لمخاطبة «شعلته القديمة»، أياً كانت، وهو ما لم يحدث. ألفريد لم يخطب ولم يتزوج، في الوقت الذي كانت علاقاته النسائية المعروفة قليلة، وهي ذات طبيعة غير جسدية، وقد اتخذت بصورة رئيسية شكل المراسلات. وهذا ينطبق أيضاً على العلاقة الوحيدة المعروفة بـ«الذوق الإيروتيكي»، تلك الخاصة بصوفي هيس، الأصغر سناً، وهي نوع من علاقة بجماليون مطبوعة بطابع «الاهتمام المميز»، وفقاً لسيرة ألفريد التي أعدَّها إيريك بيرينغرين. وبالنسبة لفيلغوت شومان، الذي كرس جهداً كبيراً في كتابين؛ في محاولة لفهم الحياة الخاصة لـ«ألفريد»، كان من الواضح أن ألفريد «يعاني جوعاً عاطفياً، طوال حياته».كان الإخوة نوبل جميعهم كُتاب رسائل كباراً. ذكر ألفريد أنه يكتب ما بين 20 و40 رسالة يومياً، على الأقل بشكل دوري. كان إخوته على شاكلته، تقريباً، في المثابرة على كتابة الرسائل، وقد بلغ عددها بالآلاف وهي محفوظة في أرشيفات مختلفة. كانت المراسلات التجارية تتم باللغات الألمانية والروسية والفرنسية والإنكليزية، بينما الرسائل المتبادلة بين أفراد العائلة كانت باللغة السويدية. كل رسائل الإخوة الثلاثة كُتبت بلغة سليمة نحوياً، غنية ومعبرة، على الرغم من أن نصيبهم من التعليم الرسمي كان لبضع سنوات فقط قبل مجيئهم إلى روسيا، حيث أكملوا تعليمهم في البيت على يد مدرس خصوصي سويدي.

* بينغت يانغفيلت: (Bengt Jangfeldt (1948. كاتب ومترجم سويدي. أستاذ في معهد الدراسات السلافية في جامعة ستوكهولم. عُرف بالعديد من كتبه المهمة، إضافةً إلى نشاطه في الترجمة عن الروسية. من بين ما صدر له من عناوين، تأليفاً وترجمة: «إيمانويل نوبل وأولاده: العبقرية السويدية في روسيا القيصرية»، «نحن وهُم ـ عن روسيا كفكرة»، «اللغة هي الإله: ملاحظات حول جوزيف برودسكي». «أوسيب ماندلستام: الكلمة والثقافة»، «مع الحياة كمقامرة: حكاية فلاديمير ماياكوفسكي ووسطه»، وقد نال عن هذا الأخير، جائزة أوغست سترندبيري لسنة 2007، وهي من الجوائز الرفيعة في السويد، إضافة إلى جوائز دولية أُخرى.

*عن صحيفة «سفينسكا داغبلاديت» السويدية SvD، والموضوع يُنشر بإذن
خاص من الكاتب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».