لغز ألفريد نوبل... حزين وغامض وكاره للبشر فما سرّ ذلك؟

ما وراء الصورة الشائعة لرجل الديناميت و«مخترع» الجائزة الأشهر والأرفع في العالم (1-2)

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل
TT

لغز ألفريد نوبل... حزين وغامض وكاره للبشر فما سرّ ذلك؟

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل

استناداً إلى رسائل ألفريد نوبل الشخصية وكتاب ابنة شقيق نوبل: مارتا نوبل ـ أولينيكوف، وسوى ذلك من مصادر تناولت حياة ألفريد نوبل، ينقّب الكاتب والمترجم السويدي بينغت يانغفيلت فيما وراء الصورة الشائعة لألفريد لنوبل بحثاً عن المجهول والمحجوب في سيرة حياة رجل الديناميت و«مخترع» الجائزة الأشهر والأرفع في العالم، التي تحمل اسمه، هذه الجائزة، التي غدت بدورها نوعاً من ديناميت، يتجدد انفجاره كلّ عام، مخلفاً أصداءً لا تخفت بسهولة. المترجم
في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، يتم تذكير الناس في مختلف أنحاء العالم باسم ألفريد نوبل. ما من سويدي آخر يُداني صاحب جائزة نوبل شهرة وذِكراً، مع أن «اللغز» هو الاسم الذي يقترن غالباً بألفريد نوبل. وهذا يعود، في جزء منه، إلى شخصيته المعقدة والتضارب في عمله الذي جمع فيه، بين نشر الديناميت، والكفاح في سبيل السِّلم العالمي، وفي جزء آخر إلى حياته الخاصة، فهو لم يتزوج ولم يُبدِ أي رغبة في ذلك، خلاف ما كان في سن مبكرة، وبدلاً عن ذلك تبدّى مع السنين، كمفكر وحيد، مريض، كاره للبشر.
حقاً، كان يُنظر إلى ألفريد نوبل، كلغز، منذ وقت مبكر. وهو لم يكن مخترعاً بارعاً فحسب، بل كان أيضاً شاعراً وكاتباً مسرحياً ذا مستوى عالٍ، وإن كهاوٍ. تبدأ أشهر قصائده بعبارة «أنتِ تقولين أنني لغز...»، التي كتبها عندما كان في سن الثامنة عشرة، وهي موجَّهة إلى امرأة ترى أن شخصيته غامضة. القصيدة توجد في عدة نسخ بالإنكليزية، كما توجد في نسخة بالسويدية، مما يدل على أهميتها بالنسبة له. هنا السطور الاستهلالية للقصيدة:
أنتِ تسمّينني لغزاً، لديكِ حق
لأن الحياة ليست سوى لغز مستغلق
نتلمس طريقنا من المهد إلى اللحد
غير عارفين بما سيؤول إليه الغد،
نطارد السعادة، التي غالباً، ما تُخفق
ونشتّت الحزن بأمل يخيب دائماً.
مبكراً كانت رؤية الحياة من منظور رومانسي ـ انقباضي تتملك ألفريد نوبل، لذا يمكن النظر إلى تطور حالته باتجاه بُغض البشر والنظرة السوداوية في سن النضج على أنه عملية طبيعية، نوعاً ما، كتحصيل لنزعته، وهو ما كان مؤكَّداً. لكنْ ثمّة تفسير آخر أكثر رسوخاً لما يعانيه من اكتئاب سوداوي يزداد بمرور الوقت، وهو ما يمكن اكتشافه من خلال صيغة باللغة الروسية تضمّنتها رسالة بخط ألفريد نوبل، أُهملت سهواً أو تمّ تجاهلها في السابق، عن عمد. ولوضع الرسالة في سياقها، يجب أن نبدأ ببعض المعلومات الشخصية عن نشأة ألفريد نوبل في سانت بطرسبورغ.
وُلِد الفريد نوبل في ستوكهولم عام 1833، وكان الأصغر بين ثلاثة أشقاء. والده إيمانويل كان مخترعاً ومهندساً معمارياً، وفي الرابعة من عمر ألفريد، أُجبر على ترك ستوكهولم بسبب الديون الكبيرة المتراكمة عليه وتهديده من مصلحة جباية الديون. بعد عام قضاه في دوقية فنلندا الكبرى التابعة لروسيا، انتقل إلى سان بطرسبورغ، حيث صنع لنفسه اسماً خلال وقت قصير، كمخترع أسلحة. كان اختراعه الرئيسي هو اللغم البحري، الذي اشترته الحكومة الروسية عام 1842، وقد حصل نوبل، مقابل اختراعه هذا، على مبلغ كبير جداً لدرجة أنه تمكَّن من أن يرسل وراء عائلته التي بقيت في ستوكهولم: زوجته أندرييتا، وأبناؤه روبرت ولودفيغ وألفريد. في السنوات التالية أقام إيمانويل ورشة ميكانيكية ناجحة لصناعة معدّات للاستخدام العسكري والمدني، وخلال حرب القرم 1853 ـ 1855، تلقّى طلبات كبيرة، لدرجة أنه أصبح ثرياً. وعندما انتهت الحرب ونصّبت روسيا إمبراطوراً جديداً هو الإسكندر الثاني، قامت الحكومة بفسخ العقد مع الورشة وتمّت تصفيتها. في عام 1859، أُجبر إيمانويل نوبل على الهجرة مرة أخرى، عائداً إلى السويد، هذه المرة. ومن أجل إنقاذ الورشة، تم تكليف الأبناء الثلاثة الذين بقوا في سانت بطرسبورغ بهذه المهمة، على سبيل المحاولة، لكن الجهود فشلت، وفي عام 1861 أشهرت إفلاسها. في نفس العام، انتقل شقيقه الأكبر روبرت إلى هلسنكي؛ للزواج، وبعد عامين غادر ألفريد العاصمة الروسية وأقام في ستوكهولم. بقي لودفيغ في سانت بطرسبورغ، ليبدأ ورشة عمل ميكانيكية جديدة أصبحت في سبعينيات القرن التاسع عشر واحدة من أكثر ورشات العمل نجاحاً، في روسيا. بعد حوالي عشر سنوات، عاد روبرت إلى روسيا، حيث نشط في كل من معمل مكائن لودفيغ، وفي باكو أسس شركة نفط الإخوة نوبل، التي أضحت مع الوقت واحدة من الشركات الرائدة في مجال النفط. خلال هذه الفترة، تمكّن مخترع الديناميت ألفريد من تطوير أعماله في أوروبا والولايات المتحدة، وعاد إلى روسيا في زيارتين قصيرتين فقط، بين عامي 1871 و1883، على الرغم من مناشدة لودفيغ الحثيثة له على مر السنين للقدوم والزيارة. كان ألفريد يشير إما إلى اعتلال صحته، أو إلى عبء العمل أو كليهما، موضحاً الحالة. التوضيح كان مقبولاً، فقد كان في صحة سيئة ومنهمكاً بالعمل على مدار الساعة، لكن من الصعب التخلص من فكرة أن هذه لم تكن سوى ذرائع. بالنظر إلى أن ألفريد قد أمضى عشرين عاماً من حياته في سانت بطرسبورغ، بين سن العاشرة والثلاثين، فمن الغريب أنه لم يشعر بإغراء إعادة الاتصال بأصدقائه ومعارفه القدامى، إذ لو كانت الإرادة موجودة، لتمّ التغلب على مشاكل الصحة والعمل، بكل تأكيد.


إيمانويل نوبل والد ألفريد نوبل

في عام 1952 نشرت ابنة لودفيغ؛ مارتا نوبل ـ أولينيكوف، كتاباً بعنوان «لودفيغ نوبل وعمله»، طُبع في عدد محدود جداً من النسخ، وكان في متناول عائلة نوبل فقط. (أصبح متاحاً للعموم عام 1977)، تشير فيه إلى أن انعدام رغبة ألفريد في زيارة سانت بطرسبورغ يعود إلى حقيقة أنه «حمل منذ ستينيات القرن التاسع عشر بعض الذكريات المحرجة، من هناك، وهي على أية حال، يشوبها الغموض». ربما لم يكن التحفظ في الجملة الثانوية في المقتبس السابق، صحيحاً تماماً. فمن الجائز أن الكاتبة كانت تعرف جيداً ما كانت تدور حوله «ذكريات ألفريد المحرجة». على أية حال، كان ذلك سراً عائلياً مصوناً جيداً.
من بين الإخوة الثلاثة، كان ألفريد هو الوحيد الذي لم يتزوج، ولم يكن لديه أطفال. كان لروبرت أربعة أطفال، ولودفيغ البالغ 18 عاماً، كان قد تزوج مرتين. لقد أفضت حقيقة أن ألفريد لم يتزوج، ولم يكن له علاقات حميمة معروفة مع النساء، إلى تكهنات، ومع ذلك لم يكن هناك أي مؤشر على ميول جنسية غير سوية لديه. كان الشاب ألفريد مهتماً جداً بالمرأة، على سبيل المثال، كان يتودد إلى خطيبة روبرت بحماسة شديدة أدت إلى تصدع العلاقة بين الأخوين، وعند بلوغه السادسة والعشرين، شرع بأخذ دروس في اللغة الإنكليزية في سانت بطرسبورغ، على الرغم من تمكنه من اللغة بالفعل؛ إذ كان الهدف هو التواصل مع النساء. وقد أوضح لروبرت «كيف كان يحوز على إعجاب النساء؛ لتقدمه الكبير، وللمقاطع الشعرية التي يكتبها لهن». كان يعتقد أن الشعر سيساعده على «أن يحظى بفتاة ثرية وجميلة» و«يصبح الوحيد في العائلة الذي يجعله الزواج ثرياً».
وعندما كان ألفريد يزور سانت بطرسبورغ، عام 1871 اعتقدت زوجة روبرت أنه موجود هناك لمخاطبة «شعلته القديمة»، أياً كانت، وهو ما لم يحدث. ألفريد لم يخطب ولم يتزوج، في الوقت الذي كانت علاقاته النسائية المعروفة قليلة، وهي ذات طبيعة غير جسدية، وقد اتخذت بصورة رئيسية شكل المراسلات. وهذا ينطبق أيضاً على العلاقة الوحيدة المعروفة بـ«الذوق الإيروتيكي»، تلك الخاصة بصوفي هيس، الأصغر سناً، وهي نوع من علاقة بجماليون مطبوعة بطابع «الاهتمام المميز»، وفقاً لسيرة ألفريد التي أعدَّها إيريك بيرينغرين. وبالنسبة لفيلغوت شومان، الذي كرس جهداً كبيراً في كتابين؛ في محاولة لفهم الحياة الخاصة لـ«ألفريد»، كان من الواضح أن ألفريد «يعاني جوعاً عاطفياً، طوال حياته».كان الإخوة نوبل جميعهم كُتاب رسائل كباراً. ذكر ألفريد أنه يكتب ما بين 20 و40 رسالة يومياً، على الأقل بشكل دوري. كان إخوته على شاكلته، تقريباً، في المثابرة على كتابة الرسائل، وقد بلغ عددها بالآلاف وهي محفوظة في أرشيفات مختلفة. كانت المراسلات التجارية تتم باللغات الألمانية والروسية والفرنسية والإنكليزية، بينما الرسائل المتبادلة بين أفراد العائلة كانت باللغة السويدية. كل رسائل الإخوة الثلاثة كُتبت بلغة سليمة نحوياً، غنية ومعبرة، على الرغم من أن نصيبهم من التعليم الرسمي كان لبضع سنوات فقط قبل مجيئهم إلى روسيا، حيث أكملوا تعليمهم في البيت على يد مدرس خصوصي سويدي.

* بينغت يانغفيلت: (Bengt Jangfeldt (1948. كاتب ومترجم سويدي. أستاذ في معهد الدراسات السلافية في جامعة ستوكهولم. عُرف بالعديد من كتبه المهمة، إضافةً إلى نشاطه في الترجمة عن الروسية. من بين ما صدر له من عناوين، تأليفاً وترجمة: «إيمانويل نوبل وأولاده: العبقرية السويدية في روسيا القيصرية»، «نحن وهُم ـ عن روسيا كفكرة»، «اللغة هي الإله: ملاحظات حول جوزيف برودسكي». «أوسيب ماندلستام: الكلمة والثقافة»، «مع الحياة كمقامرة: حكاية فلاديمير ماياكوفسكي ووسطه»، وقد نال عن هذا الأخير، جائزة أوغست سترندبيري لسنة 2007، وهي من الجوائز الرفيعة في السويد، إضافة إلى جوائز دولية أُخرى.

*عن صحيفة «سفينسكا داغبلاديت» السويدية SvD، والموضوع يُنشر بإذن
خاص من الكاتب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».