«رحلات الموت» هروب جماعي من لبنان نحو «الحلم الأوروبي»... أو «قعر البحر»

«الشرق الأوسط» ترصد عمليات الهجرة غير الشرعية من البداية

عناصر من «الهلال الأحمر السوري» يبحثون عن جثث ضحايا القارب الذي غرق قبالة شاطئ طرطوس في سبتمبر الماضي (رويترز)
عناصر من «الهلال الأحمر السوري» يبحثون عن جثث ضحايا القارب الذي غرق قبالة شاطئ طرطوس في سبتمبر الماضي (رويترز)
TT

«رحلات الموت» هروب جماعي من لبنان نحو «الحلم الأوروبي»... أو «قعر البحر»

عناصر من «الهلال الأحمر السوري» يبحثون عن جثث ضحايا القارب الذي غرق قبالة شاطئ طرطوس في سبتمبر الماضي (رويترز)
عناصر من «الهلال الأحمر السوري» يبحثون عن جثث ضحايا القارب الذي غرق قبالة شاطئ طرطوس في سبتمبر الماضي (رويترز)

في العامين الماضيين، بدأ لبنان يتحول إلى نقطة «تسرب» للمهاجرين إلى أوروبا، أكثر من 85 رحلة في العام الحالي وحده تم تسجيلها. يقول مصدر أمني لبناني إن عمليات تهريب البشر كانت موجودة قبل الأزمة، لكنها كانت محصورة ومحدودة، وتتركز غالباً في تهريب البشر عبر الحدود إلى لبنان، أما الآن فالأمور تتفلت بشكل كبير.
آلاف المهاجرين من لبنان وسوريا ومن الفلسطينيين في البلدين يرمون بأنفسهم حرفياً في البحر في مقامرة هدفها الوصول إلى أوروبا حيث الحلم بحياة أفضل. نجح ركاب 38 مركباً العام الماضي في الوصول إلى أوروبا، وفشل ركاب 46 رحلة، فيما كانت الكارثة بغرق قاربين بمئات من الهاربين من شظف العيش في بلادهم، وحملتهم معها إلى قعر البحر، فلفظ بعضهم أمواتاً، واحتفظ بغيرهم.
في غرفة المتابعة الخاصة بملاحقة مهربي البشر التي أنشأها الجيش اللبناني، ثمة عناصر أمن يلاحقون أدق التفاصيل، ويجمعون إفادات المهربين والهاربين، لرسم صورة متكاملة لعمليات التهريب التي تنشط بلا هوادة من الشاطئ اللبناني.
الصورة التي يرسمها مصدر أمني لبناني التقته «الشرق الأوسط»، كما في شهادات العديد من ركاب الرحلات الفاشلة وأقاربهم، تظهر يأس الناس الذين يلقون بأنفسهم وبأطفالهم في رحلة محفوفة بالمخاطر، كما تظهر جشع المهربين الذين يخاطرون بحياة هؤلاء من أجل حفنة من الدولارات جمعها الركاب ببيع آخر ما يملكون للصعود على متن رحلة يكون الموت غرقاً أحد خياراتها.
تتجه رحلات المهاجرين كلها إلى إيطاليا، بوابة الاتحاد الأوروبي للهاربين من المنطقة.
- لماذا إيطاليا وليس قبرص الأقرب أو اليونان؟
يقول المصدر: «صحيح أن الطريق إلى إيطاليا أطول وأصعب وأخطر، مقارنة بقبرص القريبة والتي يمكن رؤيتها بالعين المجردة من لبنان، أو باليونان التي لا تبعد كثيراً عن قبرص، لكن لقبرص اتفاقية لمنع تهريب البشر مع لبنان، وبالتالي، فهي تعيد كل المهاجرين إلى لبنان، حتى الذين تنقذهم أحياناً في البحر، أو تعترضهم بحيرتها بالقرب من مياهها الإقليمية. أما اليونان، فهي تتعامل بشراسة مع زوارق المهاجرين، لكن في إيطاليا يجري العكس تماماً. فالإيطاليون يساعدون المهاجرين ويؤمنون لهم الخدمات الأساسية من طعام وغذاء وعلاج، بمجرد دخولهم مياههم الإقليمية، كما أن إيطاليا لا تحتجز المهاجرين، بل تسمح لهم بالتجول في أراضيها، ومنها إلى بقية أراضي الاتحاد الأوروبي بانتظار صدور قرارات المحاكم».

عمال إنقاذ على أحد المراكب مقابل الشاطئ السوري (أ.ف.ب)

حتى في إيطاليا يختار المهربون الأماكن التي ينزلون فيها، فهم يختارون «رأس الجزمة»، التي تشبهها خريطة إيطاليا، ويتجنبون المناطق الأبعد «فتضاريسها صعبة وسكانها متوحشون» كما قال أحد الموقوفين في التحقيقات مع الأجهزة اللبنانية.
تستغرق الطريق إلى إيطاليا ما بين 8 و10 أيام، تبعاً لحال الطقس، كما أنها قد تطول أحياناً، بسبب اضطرار الزورق للمناورة بعيداً عن الدوريات القبرصية واليونانية أو بسبب أحوال الطقس، أو الأعطال، فيضطر الزورق للوقوف في مكانه لأيام أحياناً.
عندما يصل الزورق إلى المياه الإقليمية، يقوم القبطان الذي يستعين بأجهزة «جي بي إس» وهواتف الأقمار الاصطناعية، بطلب النجدة من خفر السواحل الإيطالي، ومع تلقيه الاستجابة، يبدأ مباشرة بإغراق القارب، لمنع أي دليل قد يؤدي لإثبات بلد المنشأ والجهة التي انطلق منها، ويقفز الجميع في البحر بانتظار الدوريات الإيطالية التي تجمع المهاجرين وتنقلهم إلى أماكن تجمع خاصة. في إيطاليا يرفض المهاجرون إعطاء أي أوراق ثبوتية، فيعطيهم الجانب الإيطالي خياراً من اثنين: الأول تقديم طلب لجوء إلى إيطاليا ودخول النظام الخاص بالهجرة ويتم أخذ بصماته، أو يعطى مهلة لمغادرة الأراضي الإيطالية، وهو الخيار المفضل لدى أكثر من ثلاثة أرباع المهاجرين، الذين يكونون على تواصل مع أقارب أو معارف لهم في دول أوروبية أخرى يذهبون إليها ويستقرون بمساعدة من هؤلاء، سواء المساعدة المدفوعة أو مساعدة الأقارب.
- سيناريو التهريب
أماكن التهريب من شاطئ طرابلس حتى العبدة عند الحدود السورية، هذا ملعب المهربين، المنطقة واسعة وصعب ضبطها أمنياً.
يبدأ سيناريو التهريب مع «السمسار» الذي يقوم بجمع المسافرين والاتفاق معهم على تفاصيل الرحلة والدفع الذي يتم على مراحل، أولها دفعة مقدمة، وآخرها دفعة يتلقاها المهرب في لبنان عبر أقارب أو أشخاص موثوقين من المهاجر والمهرب بعد ضمان وصوله إلى أوروبا.
يدفع الراكب ما بين 4 إلى 5 آلاف دولار، لكن يتم اعتماد تسعيرة خاصة للعائلات والمجموعات. غالباً ما يتم بيع مسكن أو ذهب أو عقار، في رحلة مقامرة، إذا انتهت بالفشل، يكون قد خسر كل أمل له. ويتم عمل تخفيضات على سفر الأطفال، ما فاقم من عددهم. ويروي الركاب أن ما يدفعونه قد يتضمن مبيت ليلة أو أكثر في ببنين بانتظار الانطلاق، وقد تكون الإقامة هذه مدفوعة من جيوبهم. وهو ما فتح باب رزق إضافياً لأهالي ببنين حيث يتوافد الركاب من مناطق لبنانية، كما يتم تهريبهم من المدن السورية. وهكذا أصبح ثمة تعاون بين المهربين البريين الذين يأتون بالركاب من سوريا، والمهربين البحريين الذين ينقلونهم إلى أوروبا. وتؤكد روان المانع قريبة الضحية مصطفى مستو، أن ابن عمتها تمت غوايته وإقناعه بالسفر من قبل صديق له تبين أنه قريب المهرب الرئيسي بلال نديم ديب، وقد دفع في المقابل خمسة آلاف دولار عن كل شخص، فيما دفع عن أولاده الثلاثة خمسة آلاف أخرى، وهي جميعها ديون، لم يكن يملك منها فلساً واحداً.
في هذه الأثناء، يكون المهرب قد أنجز عملية شراء المركب المخصص للصيد، وسعره يتراوح ما بين 35 إلى 50 ألف دولار. أما القارب الأخير الذي غرق قبالة طرطوس فقد اشتراه المهرب بـ36 ألف دولار. يتم نقل الملكية إلى أحد المسافرين غالباً، والذي ينال بموجب الاتفاق سعراً تفضيلياً، أو عدداً من الركاب الإضافيين يتقاضى هو منهم أموالاً، فصاحب المركب هو من سيتعرض غالباً للملاحقة القضائية في لبنان بعد انكشاف أمر الرحلة، وبهذا يكون المهرب «خارج الصورة».
يخرج القارب بشكل قانوني من الميناء الخاص بالصيادين، أوراق ثبوتية شرعية وهوية سائقه، ويتعرض للتفتيش من قبل الأجهزة الأمنية، فلا يجدون ما يوحي بالهجرة، لا ركاب ولا كميات كبيرة من الوقود ولا أغذية زائدة على الحد ولا سترات نجاة.
هذه المعدات كلها يتم تحميلها لاحقاً. الوقود ومعدات الإنقاذ والأغذية يتم تخزينها في منازل قريبة من الشاطئ، ينال أصحابها أموالاً من المهربين لقاء «استضافتها»، أما الركاب، فيتم تجميعهم في قوارب صغيرة من مناطق متفرقة من الشاطئ، بهدف عدم لفت الأنظار. غالباً لا يحمل هؤلاء أي أمتعة، فقط بضعة أكياس أو حقائب ظهر، كأي متنزه آخر.
عند الوصول إلى القارب، غالباً ما تبدأ المفاجآت. تفيض الأعداد عن المتوقع. القارب يتسع لعشرين شخصاً، يتم الاتفاق على تعبئته بـ50، لكن عند الوصول يرتفع العدد إلى ما هو أكثر بكثير، كحال القارب الأخير الذي غرق قبالة طرطوس السورية حيث وصل العدد إلى أكثر من 125 شخصاً. في القارب قبطان ومساعده، وميكانيكي ومسعف، وكل من هؤلاء «يمون» بإحضار مرافقين له من أفراد عائلته. فالقارب وكل من فيه لا ينوون العودة إلى لبنان، وهؤلاء ليسوا تجاراً، بل زبائن أيضاً، والدليل على ذلك غرق أفراد عائلة قبطان «قارب الموت» الذي غرق قبالة طرابلس اللبنانية في أبريل (نيسان) الماضي حيث قضى أفراد عائلة القبطان الفلسطيني أسامة الحسن معه.
وتؤدي الحمولة الزائدة إلى زيادة عامل الخطر، وعندما يتدخل الطقس العاصف، تحدث الكارثة. فقارب مماثل لا يمكن أن يسير بسرعة تفوق الميلين في الساعة، وكلما زادت حمولته زادت عوامل الخطر، التي لا يحب المهربون حسابها، سواء لنقص خبرة القبطان ومساعديه، أو لجشع المهربين.
يحاول الجيش اللبناني والقوى الأمنية مكافحة الظاهرة ما أمكن، رغم قلة العديد والعتاد، يكشف المصدر الأمني عن ضبط 46 عملية تهريب في العام 2022، مقابل 38 عملية نجح أصحابها بها، فيما سجل غرق مركبين، وإنقاذ مركب واحد تعطل في عرض البحر، علماً بأن آخر مركب تعرض للعطل مرتين في البحر قبل غرقه.
الهاربون متشابهون. القبطان يشبه الركاب بالهدف، ويمتاز عنهم بالتسهيلات والنفوذ الذي يحصل عليه من خلال مساعديه المسلحين غالباً. أما المهربون فهم قصة أخرى.
يقول المصدر الأمني إن السلطات اللبنانية حددت إلى حد كبير الشبكات التي تعمل في التهريب وتحاول تفكيكها قدر الإمكان. ولا ينكر المصدر ما آلت إليه حال بلدة ببنين الشمالية التي يقول المصدر إن أهلها من الملمين بالبحر عادة، فالصيد كان التجارة الرائدة فيها، لكن في الآونة الأخيرة بدأت الأمور تأخذ منحى آخر. عائلات بأكملها تمارس التهريب والهرب. فشقيق الموقوف بلال ديب المتهم بترؤس إحدى الشبكات كان قد غادر على إحدى هذه القوارب مع عائلته، وهو مقيم حالياً في أوروبا.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

سوريا تشهد تسريعاً في مسار عملية «العدالة الانتقالية»

الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل  (حساب الهيئة)
الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل (حساب الهيئة)
TT

سوريا تشهد تسريعاً في مسار عملية «العدالة الانتقالية»

الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل  (حساب الهيئة)
الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل (حساب الهيئة)

قال عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا المحامي رديف مصطفى إن وضع قوائم بأسماء المرتبطين بالنظام البائد ليس إقصاءً أو تعميم أحكام.

وتابع، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الهدف منها بناء قاعدة بيانات دقيقة ومنظمة، مع مراعاة «مبدأ عدم إدراج أي اسم دون أساس قانوني مثبت»، موضحاً أن هذه «البيانات» ستستخدم «كأداة مساندة في إعداد الملفات القانونية ضمن مسار شامل للعدالة الانتقالية».

وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية قد شاركت، الأحد والأربعاء، في جلسة عمل ثلاثية مع وزارتي العدل والداخلية، حضرها رئيس الهيئة العميد عبد الباسط عبد اللطيف ووزير الداخلية أنس خطاب ووزير العدل مظهر الويس، بهدف وضع منهجية متكاملة لإعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بالنظام البائد وبحث آليات حصر الأسماء وتدقيقها وفق معايير قانونية دقيقة تضمن موثوقية المعلومات وقابليتها للاعتماد القضائي، بالإضافة إلى بحث الأطر القانونية والإجرائية اللازمة لتنظيم قواعد البيانات وإعداد الملفات والتقارير القانونية، بما يمهّد لاتخاذ الإجراءات القضائية وفق الأصول المعتمدة.

وهدفت الجلسة إلى وضع منهجية متكاملة لإعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بالنظام البائد، حيث تم بحث آليات حصر الأسماء وتدقيقها وفق معايير قانونية دقيقة تضمن موثوقية المعلومات وقابليتها للاعتماد القضائي.

وفي بيان صادر عن الهيئة بعد الجلسة، أكدت أن دورها هو الدفع «نحو بناء منظومة عدالة متكاملة، وتعزيز التنسيق بين الجهات الوطنية بما يخدم مسار العدالة الانتقالية ويرسّخ سيادة القانون».

وقال عضو لجنة المحاسبة والمساءلة في الهيئة المحامي رديف مصطفى، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماع الثلاثي «جاء في إطار تطوير أدوات مؤسسية تدعم مسار العدالة الانتقالية وترسّخ سيادة القانون». لافتاً إلى أنه «يتم العمل على تطوير منهجية قانونية واضحة تستند إلى معايير دقيقة، تشمل التحقق من المعلومات عبر مصادر موثوقة، والتقاطع بين الأدلة والوثائق، مع مراعاة مبدأ عدم إدراج أي اسم دون أساس قانوني مثبت».

وشدد على أن هذه القوائم (البيانات) ستستخدم «كأداة مساندة في إعداد الملفات القانونية، ودعم عمل الجهات القضائية المختصة، إلى جانب دورها في تنظيم عملية التوثيق وتحليل الأنماط المرتبطة بالانتهاكات، ضمن مسار شامل للعدالة الانتقالية».

وأكد مصطفى أن العمل في هذا الاتجاه «بدأ بالفعل على مستوى إعداد الأطر المنهجية والتنسيق بين الجهات المعنية، وسيتم الانتقال تدريجياً إلى مراحل التنفيذ وفق خطة عمل مدروسة تضمن الدقة والموثوقية»، مع التأكيد على أن هذا المسار «يتم وفق مقاربة قانونية ومؤسسية، توازن بين تحقيق العدالة، وحماية الحقوق، وضمان عدم التسرع أو التعميم».

رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» مع الأهالي في دير الزور بعد تسلم المبنى الخاص (حساب الهيئة)

من جانبه، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، الاثنين، أن «هناك مستجدات مهمة قريبة في ملف العدالة الانتقالية». وكتب البابا، في منشور على حسابه في «فيسبوك»: «يُخطئ المخلوع ومجرموه الفارّون من وجه العدالة إن ظنّوا أنّهم بمنأى عن المساءلة، أو أنّ جرائمهم قد طواها النسيان، فالدولة السورية ماضية بعزم لا يلين في مواصلة العمل ليلاً ونهاراً لتقديمهم إلى القضاء المختص»، لافتاً إلى أن الهدف هو إجراء محاكمات عادلة تُنصف الضحايا وتعيد الحقوق إلى أصحابها. وقال: «قريباً سيتم الإعلان عن مستجدات مهمة في ملف العدالة الانتقالية»، وإن هذه الخطوات تأتي ثمرة تنسيق مشترك بين وزارتي الداخلية والعدل، والهيئة العامة للعدالة الانتقالية.

وتشهد هيئة العدالة الانتقالية تسريعاً في نشاطها من حيث توسيع حضورها في المحافظات السورية، حيث استلمت، الأحد، مبنى فرعها في محافظة دير الزور، ليكون الفرع الثاني لها بعد فرع حمص.

وقالت الهيئة، في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، إن افتتاح الفروع في المحافظات يشكّل خطوة أساسية نحو بناء مسار وطني متكامل للعدالة الانتقالية، قائم على القرب من المواطنين وتعزيز الثقة.

جلسة لـ«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في اللاذقية (حساب الهيئة)

وبدأت الهيئة، الأسبوع الماضي، تنظيم سلسلة جديدة من اللقاءات في المحافظات، بهدف تعزيز الشراكة مع مختلف الفعاليات، شملت عقد جلسات في حلب واللاذقية ودير الزور بمشاركة واسعة من الفعاليات الرسمية والمجتمعية، وأعضاء مجلس الشعب، وحقوقيين، ومديري مناطق، وقيادات أمنية، وممثلين عن المجتمع المدني في المحافظات الثلاث.

وناقشت الجلسات التحديات التي تواجه عمل الهيئة وأدوات العمل في التعامل مع الملفات الحساسة، وموقع هذا المسار في المرحلة الحالية. كما طرح الحضور تساؤلات حول مصير القضايا العالقة وآليات التوثيق، في حوار مباشر يعزز الفهم المشترك لدور الهيئة وآليات عملها.

رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» عبد الباسط عبد اللطيف (سانا)

يشار إلى أن الآلية الدولية المحايدة المعنية بالمساعدة في التحقيق في أخطر الجرائم في سوريا، التابعة للأمم المتحدة، اعتبرت في 15 أبريل (نيسان) الحالي، أن الانتقال السياسي في البلاد أتاح فرصاً جديدة وفريدة للمساءلة بما في ذلك عبر الحوار المباشر مع المؤسسات السورية والهيئات الوطنية المكرسة لتحقيق العدالة الانتقالية.

كما أكدت في تقريرها خلال اجتماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنها حققت تقدماً ملموساً في النهوض بالعدالة الشاملة في سوريا، رغم القيود الكبيرة والمستمرة المتعلقة بالموارد.

وشكلت السلطات السورية قبل نحو العام، الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، برئاسة العميد عبد الباسط عبد اللطيف، بهدف محاسبة كل من ارتكب الجرائم بحق السوريين في عهد النظام السابق. وتواجه الهيئة تحديات كبيرة ومعقدة في مسار عملها وسط انتقادات شعبية تتعلق بتأخر تحقيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر لمئات الآلاف من ضحايا الحرب.


مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)
طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)
TT

مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)
طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)

شنّت إسرائيل، الاثنين، هجوماً بمسيّرة في جنوب لبنان، على الرغم من وقف إطلاق النار المعلن لمدة 10 أيام بين الدولة العبرية و«حزب الله»، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية.

وأوردت الوكالة أن «مسيّرة معادية استهدفت محيط مجرى نهر الليطاني في بلدة قعقعية الجسر»، من دون الإشارة إلى أي أضرار.

وكانت إسرائيل قد أعلنت أنها ستستخدم «كامل قوتها» للتصدي «لأي تهديد»، بالرغم من الهدنة.


أميركا وإيران تواصلان ممارسة ضغوطهما على العراق

من اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)
من اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)
TT

أميركا وإيران تواصلان ممارسة ضغوطهما على العراق

من اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)
من اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)

واصلت الولايات المتحدة وإيران ممارسة ضغوطهما على العراق في ظل الحرب بينهما؛ إذ اتهمت واشنطن جهات مرتبطة بحكومة بغداد بـ«توفير دعم مالي وعملياتي لميليشيات إيران»، بينما أثنت طهران على «مقاومة الشعب العراقي وصموده».

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك (أ.ف.ب)

وفي حين تترقب بغداد وصول المبعوث الأميركي توم براك بأي لحظة، طبقاً لعديد الأخبار المتداولة، خرج قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني غداة زيارته إلى بغداد ليقول إن زيارته هدفت إلى «إبلاغ تقدير نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشكرها للشعب العراقي على تعاطفهم، وكذلك إلى المرجعية الدينية والمسؤولين في العراق». وأضاف في تصريح نقلته وكالات الأنباء الإيرانية، الاثنين: «إن تشكيل الحكومة حق لأهلها، والعراق أكبر من أن يتدخل الآخرون، خصوصاً المجرمين المعادين للإنسانية، في شؤونه. إن اختيار رئيس الوزراء يتم حصراً، وفق القرار العراقي».

قائد «فيلق القدس» الإيراني إسماعيل قاآني (د.ب.أ)

وترشح الفصائل الموالية لإيران وقوى «الإطار التنسيقي» رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي ليترأس الحكومة الجديدة، وسط رفض أميركي لعودة المالكي إلى هذا المنصب.

وقبل يومين، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 7 من قادة الميليشيات؛ ما زاد تعقيد مفاوضات قوى «الإطار التنسيقي» لاختيار رئيس وزراء جديد للبلاد.

ويقود الأفراد المستهدفون بهذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها «كتائب حزب الله»، و«كتائب سيد الشهداء»، و«حركة النجباء»، و«عصائب أهل الحق».

ويُتوقع أن يعقد «الإطار التنسيقي» اجتماعاً، مساء الاثنين، لحسم ملف الحكومة، لكن مصدراً تحدث إلى «الشرق الأوسط»، مستبعداً «نجاح الإطارين في ذلك، في ظل حالة الاستقطاب الشديدة بين واشنطن وطهران».

إجراءات واشنطن

في المقابل، لوّحت واشنطن، وفق المصادر، بإجراءات أشد لمنع قيام حكومة خاضعة لنفوذ الفصائل تشمل معاقبة الجهات التي تسهّل وصول الدولار إلى إيران وسط تشديد قيود تدفقات النقد.

وذكرت تقارير إعلامية، الاثنين، أن أميركا قررت وقف تحويلات الدولار إلى البنك المركزي العراقي إلى حين تشكيل حكومة جديدة، لافتة إلى أنها «اشترطت تشكيل حكومة غير موالية لإيران لإعطاء العراق دولار مبيعات نفطه».

إلا أن مصادر إعلامية في بغداد رجّحت أن يكون منطلق القرار الأميركي، إن صحت التقارير، مخاوف على أمن الطائرة التي تنقل شحنات الأموال في حال هبوطها في مطار بغداد الذي تعرض لقصف في أثناء الحرب بين أميركا وإيران؛ «لذلك كان الاقتراح هو أن تُنقل الأموال إلى بلد مجاور، ومنه يتولى العراق نقلها إلى بغداد».

وكانت هناك تقارير اقتصادية تشير إلى وجود تحديات تتعلق بوصول شحنات الدولار النقدي المقبلة من البنك الفيدرالي الأميركي إلى البنك المركزي العراقي الذي لم يصدر أي بيان في هذا الاتجاه، ولكن لا يمكن التأكد من حقيقة هذه التقارير.

وقبل نحو شهرين، تحدثت تقارير مشابهة عن تعثر وصول الأموال إلى بغداد، خصوصاً عقب غلق الأجواء العراقية نتيجة الحرب. ومعروف أن أموال النفط العراقي توضع في البنك الفيدرالي الأميركي قبل أن يتم شحنها نقداً إلى العراق.

ولا يستبعد مراقبون قيام واشنطن بذلك في ظل الضغوط التي تمارسها على بغداد لتشكيل حكومة بعيدة عن النفوذ الإيراني.

وتشير بعض المصادر الاقتصادية إلى أن البنك الفيدرالي الأميركي يسعى إلى فرض قيود أشد للحد من تهريب الدولار إلى خارج العراق، والالتزام بمعايير الامتثال الدولية (غسيل الأموال).

تحذير السفارة

من جانبها، حذرت سفارة الولايات المتحدة في بغداد، الاثنين، مواطنيها من استمرار المخاطر الأمنية في العراق، ووجهت اتهامات إلى «جهات مرتبطة بالحكومة» بأنها توفر غطاءً سياسياً ومالياً وعملياتياً لـ«ميليشيات مرتبطة بإيران».

السفارة الأميركية تجدد تحذير رعاياها (واع)

وقالت السفارة، في تنبيه أمني جديد، إن «المجال الجوي العراقي أُعيد فتحه، إلا أن المسافرين جواً عبر العراق يجب أن يكونوا على دراية بالمخاطر المستمرة المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والقذائف».

كانت السلطات العراقية قد قامت بإغلاق أجوائها لنحو 40 يوماً نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران قبل أن تعيد تشغيلها مع بدء هدنة الحرب.

وأضافت سفارة واشنطن أن ما وصفتها بـ«الميليشيات الإرهابية العراقية المتحالفة مع إيران تواصل التخطيط لهجمات إضافية ضد مواطنين أميركيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في أنحاء العراق، بما في ذلك إقليم كردستان».

كان رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني قد طالب، قبل يومين، حلفاء الإقليم الغربيين بتزويده بالسلاح لصد هجمات الفصائل ضده.

واتهمت سفارة الولايات المتحدة «جهات مرتبطة بالحكومة العراقية بتوفير غطاء سياسي ومالي وعملياتي لميليشيات عراقية متحالفة مع إيران»، وأكدت أنها «تواصل التخطيط لهجمات ضد مواطنين أميركيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة».

وأشارت إلى «استمرار عمل بعثة الولايات المتحدة في العراق رغم قرار المغادرة الإلزامية، وأن خدماتها تقتصر على مساعدة المواطنين الأميركيين، مع التحذير من التوجه إلى السفارة في بغداد أو القنصلية في أربيل بسبب المخاطر الأمنية».

وجدّدت السفارة تحذير السفر من المستوى الرابع، الذي ينص على «عدم السفر إلى العراق لأي سبب»، داعية المواطنين الأميركيين الموجودين في البلاد إلى المغادرة فوراً.

وفيما يتعلق بخيارات الخروج، أشارت السفارة إلى أن «الطرق البرية إلى الأردن والكويت والسعودية وتركيا لا تزال مفتوحة، مع توقع تأخيرات طويلة وإجراءات دخول وخروج محلية، فضلاً عن احتمال ارتفاع أسعار الرحلات الجوية أو إلغائها في وقت قصير».

كما أعلنت السفارة «تعليق جميع الخدمات القنصلية الروتينية في العراق، بما في ذلك خدمات التأشيرات، داعية المواطنين الأميركيين إلى التواصل عبر البريد الإلكتروني في الحالات الطارئة فقط».

إسلام آباد موازية

وفي ظل هذه الأجواء، يشير كثير من الأحاديث السياسية والشعبية العراقية، إلى أن بغداد صارت بمنزلة «ساحة موازية» لإسلام آباد، بالنسبة للصراع والمفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين طهران وواشنطن.

ويرى الكاتب والدبلوماسي السابق غازي فيصل أنه «لا يمكن الحديث عن مفاوضات بين براك وقاآني في بغداد بديلاً عن إسلام آباد، لكن المؤكد أن هناك نوعاً من عمليات الضغط المتبادل بالمعنى الدبلوماسي بين الرجلين».

ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن المقارنة بين زيارة براك وقاآني؛ لأن المفاوض الأميركي يأتي في سياق معلن وواضح، ويمارس عمليات ضغط بالمعنى الدبلوماسي على بغداد لتحقيق أهداف واشنطن، أظن أنه ينقل رسائل مهمة للحكومة العراقية من أجل تجنب الوقوع في فخ تقلُّد مناصب وزارية من قِبل شخصيات من الفصائل المسلحة، خاصة المصنفة تنظيماتٍ إرهابيةً».

ويشير فيصل إلى أن «قاآني يحرص على إظهار سلطته ونفوده، وأيضاً بحكم النفوذ واسع النطاق الذي تتمتع به إيران، وأن مستقبل العراق عموماً مرهون بنتائج المواجهة الكبرى بين واشنطن وطهران».