حرب إرادات بين المحتجين والنظام الإيراني

محللون أميركيون لـ «الشرق الأوسط»: موت خامنئي قد يعجل تقويض النظام

حرب إرادات بين المحتجين والنظام الإيراني
TT

حرب إرادات بين المحتجين والنظام الإيراني

حرب إرادات بين المحتجين والنظام الإيراني

من نافلة القول إن انفجار الاحتجاجات في إيران، على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى «شرطة الأخلاق»، يعكس المأزق الذي وصل إليه النظام الإيراني أخيراً، بعد عقود من التوترات، التي لطالما كانت تندلع على خلفية قضايا معيشية واجتماعية. اليوم، وسواء أستمرت الاحتجاجات أم نجح النظام في قمعها، فإنه لا يمكن إغفال أنها نجحت في هز جوهر النظام وشرعيته، في مواجهة سياسية لا يمكن التكهن بمآلاتها، حيث أصبحت الشعارات المرفوعة تدعو صراحة إلى إنهاء سلطة رجال الدين؛ من قبل المجتمع الإيراني أو على الأقل من «نصفه» الذي تمثله المرأة، مما يعطي الاحتجاجات ميزة مختلفة عمّا سبقها.
في المقابل، تتصاعد الدعوات، كما الانتقادات، للإدارة الأميركية الراهنة، إلى اتخاذ موقف مختلف، متهمة الإدارة الديمقراطية بأنها لا تزال تراهن على إمكانية «جذب» إيران مرة أخرى للتوقيع على اتفاق نووي، ولو كان ذلك على حساب طموحات الإيرانيين ورغبتهم في العيش في دولة «طبيعية». بيد أن انتقاد الديمقراطيين قد لا يكون كافياً للوقوف على حقيقة الموقف الأميركي، بمعزل عن هوية ساكن البيت الأبيض. فالديمقراطيون منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما، الذي لم يدعم «الثورة الخضراء» في إيران عام 2009، وكذلك الجمهوريون مع الرئيس السابق دونالد ترمب و«ضغوطه القصوى»، الذي أحجم أيضاً عن دعم انتفاضتي 2017 و2019، أعربوا صراحة عن «يأسهم» من مواصلة الغرق في «رمال صحراء المنطقة»، وثوراتها التي لا تستحق التورط فيها، متمسكين، كل بطريقته، بمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية، بوصفه هدفاً رئيسياً.
يقول سعيد قاسمي نجاد، الباحث في العقوبات والتمويل غير المشروع في إيران، لدى «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، لـ«الشرق الأوسط»، إن «النظام فشل حتى الآن في إسكات احتجاجات الشعب الإيراني الأخيرة رغم أنه قتل ما لا يقل عن 154 متظاهراً واعتقل أكثر من 3 آلاف شخص... الإيرانيون يتظاهرون في جميع أنحاء البلاد منذ نحو 3 أسابيع، في جميع المحافظات، حيث شاركت أكثر من 140 مدينة في الاحتجاجات. وقد شكل هذا ضغطاً هائلاً على قوات أمن النظام. وكلا الجانبين منهمك في حرب إرادات. النظام لديه السلاح، لكن الغالبية العظمى من الناس تعارضه». والسؤال: «هل سيشعر المحتجون بالإحباط بشكل أسرع، أم إن المؤسسة الأمنية والعسكرية ستتصدع قبل ذلك؟». وحول موقف إدارة الرئيس بايدن، يقول قاسمي نجاد، إنه على الرغم من التصريحات والعقوبات التي فرضتها والجهود المبذولة لتسهيل الوصول إلى الإنترنت، والتي هي موضع ترحيب وإيجابية، فإن استجابتها كانت بطيئة وغير كافية.
ومع ذلك، يضيف قاسمي نجاد، «ما دامت الولايات المتحدة تصر على منح النظام حق الوصول إلى مئات المليارات من الدولارات مقابل قيود مؤقتة وقابلة للانعكاس على برنامج طهران النووي، فإنها لا تستطيع دعم الشعب الإيراني بشكل فعال». ويرى قاسمي نجاد أن «المال لن يؤدي إلا إلى تقوية آلة قمع النظام. كما أن تطلع واشنطن لعقد صفقة مع النظام، يمنعها من تقديم دعم حقيقي وفعال للمتظاهرين، الذين هم حلفاؤنا الوحيدون في إيران»، داعياً إلى فرض أقصى قدر من الضغط على النظام وتقديم أقصى قدر من الدعم للمتظاهرين.
من جهته، يقول باتريك كلاوسن، كبير الباحثين في الشأن الإيراني بمركز «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، إنه «من الصعب التنبؤ بمآل حركات الاحتجاج. ومع ذلك؛ فإن النظام على استعداد لاستخدام القوة المميتة ويمكنه الاعتماد على تأييد ربع السكان. لذلك من المرجح أن يبقى على المدى القصير. لكن آيديولوجية النظام تضررت بشدة. إذا ظهرت انقسامات في النخبة، وعلى الأرجح - عندما يموت المرشد الإيراني علي خامنئي - فإن عدم شعبيتها يمكن أن يقوض النظام». وأضاف أن «دعم فريق بايدن للمتظاهرين دون أن يوضح ما إذا كان سيواصل المحادثات النووية، لهو أمر رائع جداً... ويبدو أن بايدن يدرك أن هذا ليس الوقت المناسب لعقد اتفاق نووي».
من ناحيته، يقول مايكل روبن، من معهد «أميركان إنتربرايز انستيتيوت»، إنه يتمنى الأفضل؛ «لكن هذا النظام لن يسقط من دون قتال». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن وظيفة «الحرس الثوري» هي الدفاع عن الثورة، «مما يعني أن أعداءها هم الأجانب والإيرانيون معاً». وتوقع كلاوسن أن يكون عنف النظام «متطرفاً»، غير أنه تساءل عمّا إذا كانت القوات الأمنية، ومعظمها لديه عائلات، مستعدة للتخلي عن أسلحتها؟ وإذا حدث ذلك؛ «فقد نكون وصلنا إلى نقطة تحول، تشبه توقف الجيش الإيراني عن القتال خلال ثورة 1979». وأضاف: «ومع ذلك، أخشى أن يتحول هذا إلى سيناريو شبيه بما حدث في سوريا عام 2011». غير أن البديل، قد يكون تدهور صحة المرشد خامنئي. وإذا مات، «فلا أحد في أجنحة النظام لديه ولاء جميع القوى الأمنية». وانتقد كلاوسن ما وصفها بـ«محاولة بايدن تجزئة المسألة النووية ومعالجتها بشكل منفصل». وقال: «المشكلة أن (الحرس الثوري) الذي يسيطر على البرنامج النووي، هو نفسه المسؤول أيضاً عن قمع المحتجين. وإذا ألغى بايدن تجميد الأصول، أو رفض فرض مزيد من العقوبات، فسيساعد ذلك النظام بدلاً من المحتجين في وقت حاجتهم. وأخشى أن يؤدي هذا النهج إلى قلب الميزان لمصلحة النظام».


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

آثار قصف على سجن إيفين الإيراني تثير مخاوف على سلامة محتجزين بريطانيين

مدخل سجن إيفين في طهران - إيران 17 أكتوبر 2022 (رويترز)
مدخل سجن إيفين في طهران - إيران 17 أكتوبر 2022 (رويترز)
TT

آثار قصف على سجن إيفين الإيراني تثير مخاوف على سلامة محتجزين بريطانيين

مدخل سجن إيفين في طهران - إيران 17 أكتوبر 2022 (رويترز)
مدخل سجن إيفين في طهران - إيران 17 أكتوبر 2022 (رويترز)

أفاد زوجان بريطانيان مسجونان في إيران بوقوع انفجارات هزت سجن إيفين، حيث يُحتجزان، ووقوع أضرار في الجناح الخاص بهما مع اشتداد الصراع حول طهران، وذلك وفقاً لابن المحتجزة الذي تحدّث لوكالة «رويترز» بعد التواصل معهما الثلاثاء.

وأشار جو بينيت، الذي يتواصل بانتظام مع والدته لينزي فورمان، إلى تدهور الأوضاع داخل السجن مع استمرار القصف في العاصمة لليوم الرابع على التوالي.

وحُكم على لينزي وكريغ فورمان بالسجن 10 سنوات في إيران بتهمة التجسس بعد أن اتهمتهما إيران بجمع معلومات في عدة أجزاء من البلاد. ونفى الزوجان، اللذان اعتُقلا في يناير (كانون الثاني) 2025 خلال سفرهما عبر إيران في رحلة عالمية على دراجة نارية، التهم الموجهة إليهما.

وقال بينيت: «إنهما يسمعان صوت الطائرات تحلق فوقهما. ويسمعان صوت القنابل التي تقع في المناطق المحيطة خارج إيفين... كانت إحدى القنابل قريبة جداً من السجن لدرجة أنها... أحدثت ثقوباً في النوافذ والسقف».

وقال إن والدته وزوجها، كريغ فورمان، خائفان، ووصف الأجواء في السجن بأنها متوترة بشكل متزايد، مع وصول المزيد من المعتقلين بعد الاحتجاجات التي شهدتها المدينة.

وتابع: «نشعر بقلق على سلامتهما - الوضع يمثل تهديداً حقيقياً لحياتهما لأن البلاد في حالة حرب»، مضيفاً أن الاتصال يقتصر على مكالمات قصيرة من هاتف أرضي مشترك ينتظر السجناء دورهم لاستخدامه.

ويأتي تحذيره في الوقت الذي تُشير فيه تقديرات مدافعين عن حقوق الإنسان إلى احتجاز ما لا يقل عن ستة مواطنين أميركيين أو مقيمين دائمين بإيران، بينما يُحتمل وجود آلاف من حاملي الجنسيتين الأميركية والإيرانية في البلاد، ما يثير مخاوف من إمكانية استخدامهم كورقة مساومة في الصراع.

مخاوف بشأن الحصول على الطعام والماء

تخشى عائلة فورمان أيضاً على قدرة الزوجين على الحصول على الإمدادات الأساسية داخل سجن إيفين، فعلى الرغم من أن متجر السجن لا يزال مفتوحاً فإن هناك حالة من عدم يقين بشأن المدة التي ستستمر فيها المواد الغذائية والمياه، حيث يعطل الصراع حركة الموظفين وعمليات التوصيل.

وقال بينيت إن الحكومة البريطانية كانت حريصة على التواصل مع العائلة، لكن لم يكن هناك أي تواصل قنصلي لمدة ثلاثة أشهر، وكان الدعم «ضئيلاً»، دون وجود «خطة أو استراتيجية» لضمان إطلاق سراح الزوجين.

وأضاف: «الدعم الوحيد الذي يهمنا هو خطتهم لإعادة والديّ إلى المنزل».


السلطة الفلسطينية تتموضع أعمق في المحور العربي المعتدل

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
TT

السلطة الفلسطينية تتموضع أعمق في المحور العربي المعتدل

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

عززت السلطة الفلسطينية موقعها أكثر ضمن «المحور العربي المعتدل» في مواجهة «المحور الإيراني»، متخلصة في هذه الحرب، من التحفظات التي طالما ميزت سياستها بشكل عام.

ومنذ اللحظة الأولى للهجوم الأميركي - الإسرائيلي ضد إيران، قال صمت السلطة تجاه هذا الهجوم، الكثير مما لم ترغب في قوله، ثم أكدت إداناتها المتتالية للهجمات الإيرانية ضد دول عربية، بوصلتها السياسية، وهو موقف مبني على تجارب ومخرجات قديمة، وأتون صراع مستمر غيّر فعلاً وجه الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ومرتبط بمستقبل هذا الشرق، وفي المركز منه فلسطين.

وقال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن السلطة الفلسطينية «توضّح نفسها أكثر وليس أكثر من ذلك». وأضاف: «موقفها ليس جديداً. ربما أكثر وضوحاً، لكنه ليس جديداً، دائماً كانت مع عمقها العربي وليس ضمن المحور الإيراني».

الملك عبد الله الثاني يستقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمّان في فبراير الماضي (أ.ف.ب)

وإذا كانت علاقة السلطة بإيران متوترة، فقد كانت أيضاً متوترة إلى حد ما ببعض الدول التي هاجمتها إيران كذلك، لكن السلطة لم تفكر ولم تترد، وحسمت أمرها فوراً لجهة التموضع الصريح ضمن المحور العربي المعتدل وضد المحور الإيراني علانية.

وخلال أيام الحرب، اتصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالملك الأردني عبد الله الثاني بن الحسين، وأكد له إدانة دولة فلسطين للهجمات الإيرانية التي استهدفت المملكة الأردنية الهاشمية، مشدداً على «رفض أي اعتداء، يمسّ سيادتها، أو يهدد أمنها واستقرارها».

كما أعرب له عن «تضامن الشعب الفلسطيني الكامل مع الشعب الأردني الشقيق، ودعمه لكل الجهود العربية الرامية إلى حماية الدول العربية وصون أمنها في وجه الاعتداءات التي تشكل انتهاكاً للقانون الدولي».

وهذا الموقف نقله عباس أيضاً للرئيس اللبناني جوزيف عون، وللملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البحرين، فيما أكده نائبه حسين الشيخ، لوزير خارجية سلطنة عمان بدر البوسعيدي، ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام.

ولم تكتف السلطة بذلك، بل طلبت من الجامعة العربية عقد اجتماع وزاري بأسرع وقت ممكن، «لبحث الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية الشقيقة». وذهبت إلى التلميح الواضح، بمعارضتها تدخل «حزب الله» اللبناني في هذه الحرب.

الرئيس اللبناني جوزيف عون مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القصر الجمهوري قرب بيروت في مايو الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

وأبلغ الشيخ في اتصاله، مع الرئيس سلام، أنه «يدين الهجمات الإسرائيلية على لبنان، ويدين محاولات زجّ لبنان في حرب تدميرية كارثية».

وإصدار موقف ولو تلميحاً ضد «حزب الله»، يعدّ خطوة أخرى متقدمة من السلطة في سياق التموضع السياسي. وهي تريد القول «إنها تتصرف الآن كدولة، وليست كفصيل أو سلطة حكم ذاتي، توجهها المصالح العليا، وبناء عليه، فإنها جزء من محور الاعتدال العربي ضد أي أجندات أخرى، وفوق ذلك، فإنها ضد المحور الإيراني، وقد اختارت هذه المرة قطيعة لا رجعة عنها».

وتخدم هذه المواقف السلطةَ الفلسطينية فيما يخص اليوم التالي، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وترسل عدة رسائل مهمة للإدارة الأميركية والدول العربية وأطراف أخرى، أهمها على الإطلاق أن «السلطة شريك سلام موثوق، وهي صورة طالما حاولت السلطة تأكيدها».

وقال مسؤول في السلطة لـ«الشرق الأوسط»، إن السلطة «هي الشريك الفلسطيني الوحيد أصلاً». وأضاف: «إنها الطرف الوحيد القادر على توحيد الفلسطينيين وحكمهم في الضفة وقطاع غزة، وحمايتهم من الميليشيا ومن يرتهنون لأجندات إقليمية، ودون دولة فلسطينية لا سلام ولا أمن ولا استقرار في الشرق الأوسط، ولو قامت 100 حرب».

ويرى مصدر فلسطيني آخر: «نعرف أن هذه الحرب ستعيد تشكيل النفوذ في الشرق الأوسط. إضعاف إيران يقوّي المحور المعتدل في المنطقة، ويضعف الفصائل التي استقوت بها، وحوّلت الفلسطينيين إلى ضحايا ضمن أجندات إقليمية. هذا يصبّ في النهاية في صالح الجميع. الدول العربية وهي عمقنا الاستراتيجي، ونحن كذلك».

وتدرك السلطة الفلسطينية «أن كل شيء تغير منذ السابع من أكتوبر»، لكنها تعتقد أيضاً أن هذه الحرب، وما جرّته، «ستنصف سياستها في نهاية المطاف».

من موقع سقوط شظايا صاروخ إيراني في رامات غان قرب تل أبيب (أ.ف.ب)

وكتب منير الحاغوب، القيادي المعروف في حركة «فتح» على صفحته على «فيسبوك»: «أنا لستُ منزعجاً ممن باعوا شعبنا شعاراتٍ كبيرة عبر الشاشات، من مذيعين ومذيعات ومحللين. على العكس، أنا مرتاح لأن الصورة أصبحت أوضح: من يختار طريق الهلاك فليتحمّل خياره وحده، من دون أن يجرّ شعباً بأكمله ومقدراته إلى المصير ذاته».

وأضاف: «لقد سئم الناس لغة المزايدات والخطابات المتخمة بالعواطف التي لا تُنتج إلا مزيداً من الألم. المسؤولية الوطنية ليست استعراضاً إعلامياً، ولا سباقاً في رفع السقوف اللفظية، بل هي وعيٌ بميزان القوة، وحسابٌ دقيق للكلفة، وحرصٌ حقيقي على الإنسان قبل الشعار. والشجاعة ليست في دفع المجتمعات إلى حافة الهاوية ثم الاختباء خلف الميكروفونات، بل في قول الحقيقة كما هي، وفي حماية ما تبقّى من الأرض والناس والإمكانات. ومن لا يدرك الفارق بين التضحية الواعية والمغامرة العبثية، فعليه أن يراجع حساباته قبل أن يطالب الآخرين بدفع الثمن».


غارات متواصلة تهز طهران... والشوارع مقفرة

صورة تُظهر لوحة إعلانية للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في طهران... 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة تُظهر لوحة إعلانية للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في طهران... 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

غارات متواصلة تهز طهران... والشوارع مقفرة

صورة تُظهر لوحة إعلانية للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في طهران... 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة تُظهر لوحة إعلانية للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في طهران... 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)

تحوّلت طهران الصاخبة إلى مدينة مهجورة، فيما لا يزال سكانها الذين لم يغادروها محاصرين في منازلهم، في ظلّ تكثيف إسرائيل والولايات المتحدة غاراتهما الجوية الثلاثاء على مقار تابعة للحكومة.

وتقول الممرضة سميرة (33 عاماً): «أخشى السير في الشوارع الخالية لأن القنابل تنهمر باستمرار».

يناهز عدد سكان العاصمة الإيرانية نحو عشرة ملايين نسمة، ولكن في الأيام الأخيرة «بات وجود السكان شبه معدوم إلى درجة تشعر المرء بأن أحداً لم يقطن المدينة»، على قول المرأة التي فضّلت عدم ذكر اسمها كاملاً.

لليوم الرابع توالياً، هزّت انفجارات مدوّية العاصمة الإيرانية الثلاثاء، وارتفعت سحب كثيفة من الدخان الرمادي في أجوائها، بحسب مراسلي «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويقول ساغار البالغ 31 عاماً: «عندما نسمع دوي الضربات، نشعر باهتزاز النوافذ والأبواب».

مركبات تسير في ساحة بينما تعرض لوحة إعلانية في الخلف صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الذي قُتل في الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية... طهران 3 مارس 2026 (أ.ب)

ركام وعلم

الأحياء الأكثر تضرراً هي تلك التي تضم المقار الحكومية، كالوزارات والمحاكم ومقر الحرس الثوري الذي استُهدف بغارات جوية الأحد.

وتقول إيلناز (39 عاماً): «الاحتماء صعب، لأن الغارات لا تميز بين مبنى وآخر».

ليل الاثنين، وجهت إسرائيل عبر منصة «إكس» أوامر إخلاء للمنطقة التي تضم مقر التلفزيون الرسمي، لكن عدداً قليلاً من السكان علموا بالأمر بسبب انقطاع الإنترنت.

لم يبقَ في ساحة الفردوس، أحد التقاطعات الرئيسية في وسط العاصمة، سوى صف من المباني المدمرة جراء الغارات. ورفع علم إيران بين أنقاضها.

وغير بعيد عنها، لوحة إعلانية ضخمة تغطي مبنى كاملاً عليها صورة المرشد علي خامنئي الذي قُتل في غارات السبت.

ويتمركز عناصر من الشرطة وقوات الأمن مع آلياتهم المدرعة عند التقاطعات الرئيسية، ويفتشون المركبات عشوائياً على طول الطرق الرئيسية.

رجل يرفع علامة النصر أمام مبنى تضرر بعد غارة على مركز للشرطة وسط الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية في طهران... 3 مارس 2026 (أ.ب)

الهدوء

دعت الحكومة الإيرانية السبت، سكان طهران إلى مغادرة المدينة «مع التزام الهدوء»، وذلك عقب أولى الغارات الجوية الإسرائيلية والأميركية على مقر إقامة خامنئي.

وتقول سميرة: «علي البقاء لأنني ممرضة، وإلا لكنت غادرت».

في الجزء الشمالي من طهران، وهو الأكثر ثراء، يبدو أن العديد من السكان غادروا بالفعل. فلا شيء هنا سوى مواء القطط وأصوات الطيور بعدما كان يضج المكان بالازدحام المروري.

أما المقاهي والمطاعم فأغلقت أبوابها.

شوارع طهران شبه مقفرة، ولا تعبرها سوى المركبات التي لا تزال تزود محال البقالة والمتاجر الصغيرة ببعض السلع. هنا، يتسابق الزبائن على شراء الفاكهة ويصطفون للحصول على الخبز الطازج.

أما المحال في سوق تجريش فغالبيتها مغلقة. يجلس بائع ملابس ينتظر الزبائن بفارغ الصبر، وفي جواره قميص علق عليه علم إيران.

في هذا الوقت من كل عام، كانت أسواق العاصمة تضج بالحركة مع اقتراب عيد النوروز، رأس السنة الفارسية، الذي يُحتفل به بحدود 21 مارس (آذار).

كانت الأسابيع التي تسبق العيد الأكثر ازدحاماً في العام بالنسبة إلى التجار. فهؤلاء يعوّلون على هذه الفترة لتحقيق جزء كبير من إيرادهم السنوي.

كذلك، يجتمع الإيرانيون مع عائلاتهم وأصدقائهم لمناسبة حلول العيد في محاولة لنسيان هموم الحياة اليومية، ولا سيما التضخم الشديد.