«مشروع أوما»... حلم ببيئة خيالية بعيداً عن الميليشيات والفساد

لطفية الدليمي تكتب عن بعض مظاهر الصراع الاجتماعي في العراق بعد الاحتلال

«مشروع أوما»... حلم ببيئة خيالية بعيداً عن الميليشيات  والفساد
TT

«مشروع أوما»... حلم ببيئة خيالية بعيداً عن الميليشيات والفساد

«مشروع أوما»... حلم ببيئة خيالية بعيداً عن الميليشيات  والفساد

تحتشد بالحياة والفكر والفلسفة والصراع، وهي تخرج من شرنقة الدراما الأسرية لتصبح «اليغوريا»، ومرموزة عن المجتمع العراقي، تبدو رواية «مشروع أوما» للروائية المعروفة لطفية الدليمي، المطبوعة عام 2021، كأنها دراما عائلية، وذلك أن أغلب الأحداث والصراعات فيها تدور داخل أسرة واحدة هي أسرة الصافي، التي تقطن في قرية أو بلدة الصافية. كما أن البنية المكانية المركزية للرواية تظل أيضاً، مع شخصيات الرواية الأخرى، تنتمي في الغالب إلى هذه الأسرة، ولهذا الفضاء الزمكاني الذي يدور في بيئة عراقية واضحة المعالم بتكوينها الريفي والزراعي في الفترة التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق، وسقوط النظام الديكتاتوري، حيث نجد إشارات إلى تواريخ قريبة مثل عام 2006 (ص 44) وعام 2007 (ص 109) وعام 2008 (ص 130) وعام 2015 الذي شهد هجوم تنظيمات إرهابية على البلاد، كما نجد استذكاراً لعام 1963 والانقلاب الفاشي الدموي الذي تسبب بقتل واعتقال الآلاف من المواطنين، منهم اعتقال العم (إسماعيل الصافي) وقتله أثناء التعذيب لاحقاً (ص 66).
وتكاد الرواية أن تتمحور حول شخصية «زهيرة الصافي»، وعلاقة الحب والعمل التي ربطتها بشخصية «إبراهيم الصافي»، أحد الحالمين، مثلها، بإنشاء مشروع زراعي وبيئي مستقل عن الدولة والميليشيات والعصابات والفساد مثل يوتوبيا خيالية. وتلعب شخصية الجدة (فوزية الصافي) أم رياض دوراً كبيراً في تربية زهيرة، بعد وفاة أمها. لكن «زهيرة» أدركت أن حبها لإبراهيم يواجه تحديات خطيرة، منها العداء المستفحل بين جدتها فوزية وأمها، على خلفية اتهام والد «إبراهيم الصافي»، ظلماً، بأنه من دبر اغتيال ابنها رياض، والد زهيرة بعبوة فجرت سيارته (ص11). كما أن مطامع الجدة فوزية ومحاولتها الاستيلاء على أراضي أقاربها كان عاملاً كبيراً في اتساع شقة الخلاف. لكننا نكتشف أن زهيرة وإبراهيم كانا متمسكين بحبهما، خصوصاً بعد أن جمعتهما قضية كبرى، شغلت اهتمامهما المشترك هي بناء «مشروع أوما» لإنقاذ بلدة الصافية من مخاطر الجفاف والخراب وهجمات العصابات الإرهابية.
ولو تمعنا جيداً في طبيعة الصراع الاجتماعي والأسري هذا لوجدناه ترميزاً عن بعض مظاهر الصراع الاجتماعي في المجتمع العراقي بعد الاحتلال، وهيمنة الميليشيات، واحتدام الصراع الطائفي، ولذا بدأت الرواية تتحول تدريجياً إلى «اليغوريا» ترميزية (Allegory) عن العراق، بعد الاحتلال، بعد أن بدأت زهيرة وإبراهيم ومجموعتهما من المثقفين المتنورين تكتشف حجم الخراب الذي عم المنطقة واستفحال مظاهر الفساد والاستقواء بالسلاح المنفلت لفرض إرادات طائفية مشبوهة، ولذا نضجت فكرة إقامة مثل هذا المشروع، حيث عكف إبراهيم على رسم الخطوط العريضة الواعدة للمشروع، الذي يعبر في الوقت ذاته عن تطلعات زهيرة أيضاً.
ويبدو المشروع مثل حلم رومانسي، بإقامة يوتوبيا خيالية تسود فيها العدالة، وهو ما سبق لعدد من الروائيين العراقيين، وإن كشفوا عنه في أعمالهم الروائية، منهم الروائي خضير فليح الزيدي، في رواية «عمتي زهاوي»، عندما بنى «جنة عراقية» في منطقة صحراوية غرب العراق.
ومن الجدير بالذكر أن تسمية المشروع بـ«مشروع أوما» الذي انسحب أيضاً على عنوان الرواية مقتبس من اسم مدينة سومرية في جنوب العراق، تحديداً قرب الرفاعي في الناصرية، حيث بادرت تلك المدينة السومرية تحت قيادة ملكها لوكال زاكيسي لإعادة توحيد الدويلات الصغيرة لمواجهة التحديات والغزوات، ولإعادة بناء المجتمع والحياة.
ولم تكن فكرة «مشروع أوما» مجرد استلهام لما فعلته مدينة أوما السومرية، بل أيضاً كانت ثمرة نقاشات وحوارات فكرية وفلسفية عميقة ذهبت بعيداً إلى قصة «حي بن يقظان» في التراث العربي، وإلى رواية «روبنس كروزو» لدانيل دييفو في الأدب الإنجليزي، وفكر بعض أعضاء المجموعة بفكرة الثورة التي بشر بها فيصل بقوله:
«لا منجى لنا إلا بثورة تقلب عاليها سافلها» (ص 51).
لكن المجموعة استبعدت فكرة الثورة المسلحة للمخاطر التي تتسبب بها. ولذا تم الاتفاق على إقامة لون من الكومونة التشاركية التي تقوم بتسيير شؤونها ذاتياً بعيداً عن فساد الدولة المركزية. وهذه النزعة التشاركية تذكرنا إلى حد كبير بالنزعات الاشتراكية الطوباوية التي حلم بها مفكرون أمثال سان سيمون وفورييه في فرنسا، وجون أوين وتوماس مور في بريطانيا، لتطبيق نمط من المدينة الفاضلة التي سبق وحلم بها أفلاطون مبكراً، التي تشيع العدالة الاجتماعية، وهي فكرة تقع ضمن ميدان «الدراسات المستقبلية» (Futurology)، التي تعنى باقتراح مشروعات مستقبلية قابلة للتطبيق والحياة في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لقد حشدت الروائية لطفية الدليمي، الكثير من العناصر والأصول للتمهيد لهذا المشروع، وربما تعكس العتبة النصية الأولى المأخوذة من صلوات الهنود الحمر، تحديداً صلاة قبيلة الداهوك التي تتوسل بالروح العظيمة أن تساعد أبناء الشعب على استعادة إنسانيته، جزءاً من هذا الاهتمام:
«أيتها الروح العظيمة،
ساعدينا لنستعيد إنسانيتنا
ساعدينا، واشملينا برأفتك
ساعدينا لنأخذ بأيدي أبنائنا صوب حياة جيدة وعمر مديد» (ص 5).
كما أن الحوارات التي دارت بين مجموعة الشباب كانت تعكس نضجاً ووعياً بحجم المسؤولية، وأبعادها الحياتية المعقدة، التي تتطلب التضحية وتضافر الجهود بين أبناء المجتمع.
ومن الناحية السردية، يغلب السرد المبأر على الرواية، حيث تقدم الأحداث والصراعات من خلال منظورات الشخصيات الروائية المشاركة، إذ يهيمن منظورا «زهيرة» و«إبراهيم» على السرد الروائي، حيث يستهل الروائي سرده بسرد مبأر من وجهة نظر إبراهيم في لقطة حسية ووصفية معبرة:
« - صباح الخير.
خيل لإبراهيم، وهو منهمك بتشذيب شجيرات الحديقة أنه يسمع تحية بصوت أنثوي رائق، كأنه منبثق من ضحكمة الماء» (ص 9).
ويختتم الروائي سرد الرواية بسرد مبأر من زاوية «زهيرة» المشبوبة بحس صوفي تجاه الطبيعة:
«كل يوم يترسخ إيماني بأن كل ما في الطبيعة متصل ومرتبط ببعضه بوشائج خفية: الشجر والطير والنهر والقمر والشمس والضواري، غير أن البشر يسهون عن هذه الحقيقة» (ص 233).
لكن الرواية، من جهة أخرى، لا تخلو من سرد «كلي العلم»، وهو سرد غير مبأر، ولا ينتمي إلى منظور إحدى الشخصيات الروائية المشاركة، وربما ينتمي إلى «الذات الثانية» للمؤلف:
«توقف تزويد البلدات الصغيرة والقرى بالطاقة الكهربائية نهائياً في الشهر السابع من 2026، فقد أعلنت السلطة قلة مخزون البلاد من الغاز» (ص 92). كما يلعب سرد الذاكرة دوراً مهماً في استكمال ملامح الحبكات الأساسية، واستكمال ردم الفجوات التي تبرز في مسار السرد، كما نجد ذلك عندما تستدعي زهيرة ذاكرتها وتسائلها:
«تفكر زهيرة: أليست الذكريات في غالبها توهجات زائفة؟
تعرف أين قرأت هذه العبارة التي شوشتها فما تستعيده ذاكرتها من أحداث هو ما صدقته وآمنت به شخصياً» (ص 54).
بهذا المدخل، تستحضر زهيرة عبر ذاكرتها علاقتها بإبراهيم في فترة الطفولة والمراهقة، خصوصاً عندما كانت تخرب شراك إبراهيم وتطلق الطيور التي اصطادها:
«يقضي إبراهيم... الذي يكبرني بست سنوات عطلته بصنع شراك للطيور» (ص 55).
كان «مشروع أوما» مجرد فكرة رومانسية وخيالية، لكن إرادة زهيرة وإبراهيم ومجموعتهما أحالت هذه الفكرة إلى واقع ملموس. فقد أعيد تنظيم مرافق البلدة زراعياً وبيئياً، وتم توفير الطاقة الكهربائية باستخدام الطاقة الشمسية، وتوفير الماء من خلال حفر مجموعة من الآبار، وأنشأت مصانع صديقة للبيئة تكفي للاستهلاك المحلي بصورة ذاتية. وتكتشف المجموعة أن هذا المشروع الثوري سيواجه بالتأكيد بمؤامرات يحيكها أعداء التقدم، ومافيات الجريمة المنظمة، لذا فقد صد أبناء المشروع العديد من الهجمات التي طالت البنى التحتية للمشروع، لكن ذلك لم يفت في عضد القائمين على المشروع، وواصلوا البناء، وفي الوقت ذاته حملوا السلاح دفاعاً عن أرضهم ومشروعهم، حيث تختتم الرواية بحمل أفراد المجموعة، وحراس المشروع، السلاح تأهباً لكل طارئ (ص 234).
وعبرت زهيرة عن وعي واقعي بطبيعة التحديات في نهاية الرواية، وكأنها تتحدث عن مجتمع أوسع هو المجتمع العراقي:
«فنحن لم ننجز خلاصنا المرتجى بعد، ولم تكتمل مهمة الإنقاذ كما حلمنا بها... الثغرات والعثرات، وليس النجاح هو ما يحفزنا للمواصلة» (ص 233).
في هذه الرواية، وظفت الروائية لطفية الدليمي، ثقافتها الموسوعية لإغناء عالم الرواية. إذْ نجد فوزية الصافي مثلاً متأثرة إلى حدٍ كبير بعقيدة «الغورو» الهندية السيخية، وموسيقى الموسيقار الياباني المشهور كيتارو، التي كانت تصغي إليها باستمرار لأنها تمنحها الراحة والهدوء. وقد تأثرت زهيرة بجدتها في هذا المجال، فقد قالت وهي تبرر عشقها للطبيعة وركوب الخيل وسيرها أحياناً حافية القدمين:
«جدتي، أحب أن تلمس قدماي التراب والحشائش، ألم تعلميني هذا منذ صغري؟ كنت تخبرينني ما علمك إياه كتاب (الغورو) الهندي: الأرض تمنحنا الطاقة، وهي أمنا، ولا بد أن تلامس أقدامنا التراب والعشب والطين لنستعيد قوتنا، وطاقة الحياة» (ص 56).
كما أن فكرة «مشروع أوما» هي بالتأكيد من بنات أفكار الروائية التي تمتلك ثقافة تاريخية وإنسانية واسعة، جعلتها تعد أبطال الرواية لخوض حوارات عميقة في الفلسفة والحياة والمستقبل، بشكل خاص في بناء هذا المشروع التشاركي الذي يستند إلى تجارب طوباوية سابقة في بناء الاشتراكية، بوصفها حلماً ويوتوبيا، ووجدنا إشارات إلى «حي بن يقظان» لابن طفيل و«روبنس كروزو» لدانيل ديفو و«والدن» للفيلسوف الأميركي ديفيد هنري ثورو، وغير ذلك من الأفكار والمقارنات التي تصب في إطار سيناريوهات الدراسات المستقبلية.
وعبرت المجموعة على لسان «فلاح» الذي درس الفلسفة في الجامعة، وهو أحد أفرادها، عن إدراك عميق لوظيفة الفلسفة التي لم تعد كالأقانيم المقدسة، بل بوصفها تساعد الإنسان على الارتقاء بحياته، وليس في ترديد الأفكار المجردة وعبادتها (ص 50).
رواية «مشروع أوما» للروائية لطفية الدليمي، تحتشد بالحياة والفكر والفلسفة والصراع، وهي تخرج من شرنقة الدراما الأسرية لتصبح «اليغوريا» ومرموزة عن المجتمع العراقي، وهو يتحدى الصعوبات والمعوقات، ويتطلع بثقة وبإرادة أبنائه، لإعادة بنائه على أسس جديدة بعيدة عن التدخلات الخارجية والطائفية، وبالاعتماد على العقل والعلم والتخطيط. هذه الرواية تمثل إضافة مهمة للرواية العراقية وللروائية لطفية الدليمي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.