«البركان العظيم» دمّر طبقة الأوزون ولم يقضِ على الجنس البشري

دراسة من «كاوست» وفريق دولي حول تأثيرات انفجار بركان «توبا» قبل 74 ألف عام

تحوّل بركان «توبا» العملاق إلى بحيرة بركانية (كالديرا) حاليا تُعرف باسم «بحيرة توبا»
تحوّل بركان «توبا» العملاق إلى بحيرة بركانية (كالديرا) حاليا تُعرف باسم «بحيرة توبا»
TT

«البركان العظيم» دمّر طبقة الأوزون ولم يقضِ على الجنس البشري

تحوّل بركان «توبا» العملاق إلى بحيرة بركانية (كالديرا) حاليا تُعرف باسم «بحيرة توبا»
تحوّل بركان «توبا» العملاق إلى بحيرة بركانية (كالديرا) حاليا تُعرف باسم «بحيرة توبا»

رجح علماء من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) وفريق بحثي دولي، أن الانخفاض الكارثي في مستويات الأوزون في الغلاف الجوي حول المناطق الاستوائية قد يكون أسهم في اختناق واضح في التجمعات البشرية في فترة تتراوح بين 60 ألفاً و100 ألف عام.
ودعم هذه الفرضية التي تحل «لغزاً تطورياً» يناقشه العلماء منذ عقود، دراسة ثوران بركان «توبا» العملاق في جزيرة سومطرة بإندونيسيا، الذي حدث قبل 74 ألف عام، وأدّى إلى تدمير كبير لطبقة الأوزون.
وقد عمل على هذه الدراسة البروفسور جورجي ستنتشيكوف، أستاذ علوم الأرض والهندسة في «كاوست» مع علماء من معهد «ناسا غودارد لدراسات الفضاء NASA GISS» بالولايات المتحدة الأميركية، وجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، إلى جانب سيرغي أوسيبوف من معهد «ماكس بلانك MPI» للكيمياء بألمانيا، الذي يقول: «لطالما عُد (توبا) سبباً للاختناق، لكن التحقيقات الأولية في المتغيرات المناخية من جهة درجة الحرارة وهطول الأمطار لم تقدم دليلاً ملموساً على أنه قد حدث تأثير مدمر على الجنس البشري أو أن البشر اقتربوا جداً من الانقراض خلال هذه الفترة الزمنية».

أهمية الأوزون
تشير صفحة الأمم المتحدة الخاصة باليوم الدولي لحفظ طبقة الأوزون الذي يوافق 16 سبتمبر (أيلول) من كل عام، إلى أن الأوزون (O3)، هو شكل خاص من الأكسجين (O2) ولكن بتركيب مختلف. ويشكل الأوزون جزءاً صغيراً جداً من أجوائنا، غير أن وجوده أمر حيوي لرفاهية الإنسان.
ومعظم الأوزون يكمن في الغلاف الجوي، بين 10 و40 كلم فوق سطح الأرض. وتسمى هذه المنطقة «الستراتوسفير» وتحتوي على نحو 90% من جميع الأوزون في الغلاف الجوي.
تكمن أهمية الأوزون في طبقة «الستراتوسفير» في أنه يمتص بعض أشعة الشمس فوق البنفسجية الضارة بيولوجياً. وبسبب هذا الدور المفيد، يعد الأوزون «الاستراتوسفيري»، هو الأوزون «الجيد». وعلى النقيض من ذلك، فإن الأوزون الزائد على سطح الأرض الذي يتكون من الملوثات يعد من الأوزون «السيء» لأنه يمكن أن يكون ضاراً على البشر والنباتات والحيوانات.

تأثير بركان «توبا»
درس ستنتشيكوف وفريقه ثوران بركان «توبا العظيم»، حيث تدعم الأبحاث الحالية أن هذا البركان أثّر في حجم السكان خلال ذلك الوقت، مستحدثاً ما يسمى «عنق الزجاجة السكاني»، الذي يشير إلى انخفاض حاد في حجم السكان بسبب حدث فردي.
يقول ستنتشيكوف: «تؤكد معظم الأبحاث السابقة التي أُجريت على «توبا» أن الانفجار البركاني تسبب على الأرجح في حدوث «شتاء بركاني»، وذلك لأن البراكين تقذف ملايين الأطنان من الغازات مثل ثاني أكسيد الكبريت في الغلاف الجوي. وهذه الغازات هي مقدمة لتكوين الهباء الجوي، وهو قطرات صغيرة ذات تركيز عالٍ من حمض الكبريتيك، يمكن أن تبقى في طبقة «الستراتوسفير» لبضع سنوات، وتؤثر في المناخ من خلال عكس الإشعاع الشمسي وتبريد الأرض.
وتُظهر سجلات المناخ أن درجات الحرارة انخفضت بدرجة كبيرة بعد انفجار «توبا العظيم»؛ ما لم يؤثر على السكان والحيوانات والنباتات فحسب، وإنما في انتشار الأمراض، وبرودة المحيطات التي تطيل أمد ظاهرة «النينيو».
ويرى الباحث أن بعض التحليلات لا تدعم هذا الرأي، مشيراً إلى الدراسات الحديثة للرواسب في قاع بحيرة مالاوي بأفريقيا التي أظهرت عدم تأثرها كثيراً بالتبريد، خصوصاً في المناطق الاستوائية؛ حيث كان معظم السكان يتركزون ذلك الوقت، لكنه يوضح: «لهذا السبب فإنّ دراستنا تنظر في التأثيرات الأكثر تنوعاً للسحب البركانية أو الانبعاثات البركانية على كيمياء الستراتوسفير».
ونماذج ستنتشيكوف هي الأولى التي تفسر التأثير الإشعاعي لثاني أكسيد الكبريت في التسخين الإشعاعي ومعدلات التحلل الضوئي في «الستراتوسفير». فهذا الأخير يتحكم في التفاعلات الكيميائية الضوئية في الغلاف الجوي، وقد وجد فريقه أن نسبة كبيرة من الأوزون تتلف في سياق مثل هذه الانفجارات.
يوضّح ستنتشيكوف: «نحن نعلم أن انبعاثات الهالوجينات تدمر طبقة الأوزون في الستراتوسفير، ونعلم أيضاً أن انبعاثات بركان (توبا العظيم) لم تكن غنية بالهالوجينات. ومع ذلك، حتى من دون الهالوجينات، لاحظنا استنفاداً قوياً لطبقة الأوزون». وتشمل الهالوجينات عناصر الفلور، والكلور، والبروم، واليود، والاستاتين.
وقد أثبتت الأبحاث في العقود الأخيرة أن استنفاد طبقة الأوزون ناتج عن مركبات الكربون الكلورفلورية. وتحدث هذه الظاهرة في القطبين، ومعظمها في القطب الجنوبي حيث لا يوجد سكان، على الرغم من أن دول نصف الكرة الجنوبي مثل نيوزيلندا وأستراليا تتأثر أيضاً.
ويشرح ستنتشيكوف: «في حالة (توبا) وجدنا ثقباً للأوزون ليس في القطبين ولكن في المناطق الاستوائية، وقد استمر لعدة سنوات، ما يعد عاملاً قوياً آخر تسبب في تدهور الظروف البيئية والانخفاض الحاد في درجة الحرارة، على نحو أثّر سلباً في البشر خلال ذلك الوقت».

استنتاجات البحث
تشمل الآلية التي تستند إليها استنتاجات ستنتشيكوف نمذجة رياضية للنظام، يقارنها بعدئذ مع الملاحظات المرصودة. وعلى الرغم من عدم وجود الكثير من الملاحظات التي يمكن الرجوع إليها منذ 74 ألف عام إلا أن الباحث يقول إن ثمّة بيانات قديمة تتوفر لدينا من ذلك الزمن.
ووضع هو وفريقه افتراضات فيزيائية في نموذجهم، وابتكروا سلسلة تجارب عددية توضح نتائج هذه الافتراضات. وللتأكد من أنها ذات مغزى فقد دعموا جميع التفسيرات الفيزيائية بالنتائج.
يقول: «بهذه الطريقة نحاول دراسة الماضي والمستقبل. ونُجري عمليات محاكاة محاولين جعلها ذات دلالة إحصائية، ونجد آليات فيزيائية تفسر ما نراه». ويشير ستنتشيكوف إلى «أنّ الأشعة فوق البنفسجية القريبة من السطح، في المناطق الاستوائية، تعد العامل الدافع للتطور؛ إذ يصبح المناخ أكثر أهمية في المناطق الأكثر تقلباً بعيداً عن المناطق المدارية». ويضيف أن «طبقة الأوزون تمنع ارتفاع مستويات الأشعة فوق البنفسجية الضارة التي تصل إلى الأرض، حيث تشكل (درعاً) هشاً في الغلاف الجوي العلوي الذي يوجد فيه أعلى تركيز للأوزون».
عندما يطلق بركان ما كميات هائلة من ثاني أكسيد الكبريت، فإن العمود البركاني الناتج يمتص الأشعة فوق البنفسجية ولكنه يحجب أشعة الشمس. وهو ما يحدّ من تكوين الأوزون، ويحدث ثقب للأوزون ويزيد من فرص الإجهاد بالأشعة فوق البنفسجية.

نموذج المناخ المطور
فحص الفريق مستويات الأشعة فوق البنفسجية في أعقاب ثوران «توبا» باستخدام نموذج المناخ «ModulE» الذي طوّره معهد «غودارد لدراسات الفضاء» التابع لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، إذ قام الباحثون بمحاكاة الآثار المحتملة بعد أحجام مختلفة من الانفجارات. ويتسم تشغيل مثل هذا النموذج بالكثافة الحسابية، وهو ما استدعى ضرورة استخدام حاسوب «كاوست» الفائق، «شاهين 2»، الذي يستطيع إنجاز عدد من العمليات الحسابية الثقيلة المطلوبة للنموذج. ويشير نموذج الباحثين إلى أن سحابة ثاني أكسيد الكبريت الناتجة عن ثوران بركان «توبا» استنفدت مستويات الأوزون العالمية بنسبة تصل إلى 50 في المائة. علاوة على ذلك، وجدوا أن الآثار على الأوزون كبيرة، حتى في ظل سيناريوهات ثوران صغيرة نسبياً. ومن شأن الأخطار الصحية الناجمة عن ارتفاع الأشعة فوق البنفسجية على السطح أن تحدث تأثيراً كبيراً على معدلات بقاء البشر على قيد الحياة.
ويقول أوسيبوف إنّ «آثار الإجهاد بالأشعة فوق البنفسجية يمكن أن تؤدي إلى نتاج مماثلة لما أعقب الحرب النووية. على سبيل المثال، ستنخفض غلة المحاصيل والإنتاجية البحرية بسبب آثار التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية. فالتعرض للأشعة فوق البنفسجية من دون حماية سيسبب ضرراً للعين وحروق الشمس في أقل من 15 دقيقة. ومع مرور الوقت، كانت سرطانات الجلد والأضرار العامة التي لحقت بالحمض النووي تؤدي إلى تراجع أعداد السكان».

الدراسات المستقبلية للبراكين
يقول ستنتشيكوف: «تساعد البراكين العملاقة العلماء في تحديد الآليات الكامنة وراء العمليات المناخية الحالية والمستقبلية، إذ إنّ الانفجارات البركانية تسمح لنا بفهم الآليات الفيزيائية للمناخ بشكل أفضل؛ لأنها توضّح كيف يمكن لتغيير التوازن الإشعاعي للأرض أن يؤثر في المناخ. وهذا سيمكننا من التنبؤ بشكل أفضل بالاحترار العالمي وتغير المناخ في المستقبل».
وفي ورقة بحثية سابقة بعنوان «الإشارات البركانية في المحيطات»، أثبت ستنتشيكوف أنه بدءاً من عام 1850 أدت الانفجارات البركانية إلى تأخير الاحتباس الحراري بمعدّل يقارب 30 في المائة. إذ إنّ الفريق الحكومي الدولي المعنيّ بتغير المناخ (IPCC)، حدّد عام 1850 بوصفه خط أساس قياسياً لدراسة درجات حرارة سطح الأرض، ليشمل فترة ما قبل الصناعة حتى يومنا هذا، وهي الفترة الزمنية التي تم فيها إطلاق معظم ثاني أكسيد الكربون.
ويرى ستنتشيكوف أننا إذا أردنا أن نفهم المناخ فإن علينا أن نفهم آثار الانفجارات البركانية في المناخ، وأن ندرك أنّ النشاط البركاني في أي مكان يمكن أن يؤثر في الظروف الجوية للعالم بأسره.
ويشير إلى أنه لم تكن توجد دراسات أو ملاحظات كافية تتناول المرحلة الأولية للانفجارات البركانية. علاوة على ذلك، لا تقدم النماذج المناخية الحالية المستخدمة لدراسة تأثير الانفجارات البركانية تفاصيل كافية. ولمعالجة هذه الفجوة، قام هو وفريقه بتعديل النماذج الحالية من أجل فهم أفضل للمراحل الأولى لتطوير السحابة البركانية.

تأثير الانفجارات البركانية على الشرق الأوسط

> تؤثر الانفجارات البركانية التي تجري حول العالم تأثيراً شديداً على منطقة الشرق الأوسط. وسطياً، يكون التأثير على مناخ الشرق الأوسط أكبر بمرتين من التأثيرات على نصف الكرة الشمالي. يقول ستنتشيكوف: «يتضخم تأثير المناخ البركاني في الشرق الأوسط بسبب تغير الدوران الذي تسببه الانفجارات البركانية الاستوائية القوية».
على سبيل المثال، بعد انفجار بركان «بيناتوبو» عام 1991 في الفلبين، كان هناك تساقط قوي للثلوج في فلسطين وإسرائيل وشمال الشرق الأوسط. وفي العامين 1991 و1992 كان لهذه الانفجارات تأثير قوي على البحر الأحمر؛ إذ شهدت المنطقة ابيضاض الشعاب المرجانية في البحر الأحمر لمدة عامين بسبب تبريد السطح وتعزيز اختلاط المياه بالقرب منه.
وفي سبتمبر من العام 2007 ثار بركان «جبل الطير» في جنوب البحر الأحمر، ما أدى إلى تكوين جزيرة بركانية هناك. ويقول ستنتشيكوف: «انبعثت من هذا الانفجار البركاني كمية لا بأس بها من ثاني أكسيد الكبريت، وكان ذلك حدثاً مثيراً للاهتمام. إذ يمكن أن يتأثر الشرق الأوسط بأكمله بالانفجارات القوية، ولهذا فمن المنطقي النظر إلى تأثيراتها في المنطقة».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يملأ الذكاء الاصطناعي فجوة نقص المعلمين عالمياً؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)
تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)
TT

هل يملأ الذكاء الاصطناعي فجوة نقص المعلمين عالمياً؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)
تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)

تواجه أنظمة التعليم حول العالم تحديات متزايدة، أبرزها نقص المعلمين المؤهلين، وما يترتب على ذلك من تأثير سلبي على جودة التعليم وتوسيع الفجوات التعليمية بين الطلاب في مختلف المناطق.

وتقدّر منظمة «اليونسكو» أن العالم بحاجة إلى 44 مليون معلم إضافي لتحقيق التعليم الابتدائي والثانوي الشامل بحلول عام 2030، بالتزامن مع وجود 244 مليون طفل خارج المدارس عالمياً.

ومع التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، برزت نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية، من خلال تقديم شروحات وإجابات عن أسئلة الطلاب بشكل شخصي وتفاعلي. لكن استخدام هذه النماذج يواجه تحدياً مهماً يتعلق بقدرتها على توليد محتوى مناسب لمستوى فهم كل طالب؛ فعلى الرغم من قدرتها على إنتاج نصوص دقيقة ومفصلة، غالباً ما تتجاوز صعوبة اللغة والمفاهيم مستوى الطلاب في المراحل التعليمية المبكرة، ما يقلل من فاعلية التعلم.

ولتجاوز هذه الفجوة، كشف فريق بحثي أميركي عن إطار عمل مبتكر يعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة لتعمل كـ«معلمين افتراضيين» متخصصين لكل مرحلة عمرية. وقد أُطلق على هذا الابتكار اسم «Classroom AI»، ويهدف إلى تقديم محتوى تعليمي دقيق علمياً ومبسط لغوياً، بما يتناسب مع قدرات الأطفال الاستيعابية، بدءاً من المرحلة الابتدائية وصولاً إلى التعليم الجامعي، ونُشرت النتائج في عدد 9 مارس (آذار) 2026 من دورية (npj Artificial Intelligence).

تقييم النصوص

واعتمد الباحثون في تقييم مستوى صعوبة النصوص على دمج سبعة مقاييس علمية معروفة لقياس قابلية القراءة، إضافة إلى مؤشرات أخرى تتعلق بطول الجمل وصعوبة الكلمات والتركيب اللغوي. ومن خلال خوارزمية خاصة، تم دمج نتائج هذه المقاييس لتحديد المستوى الدراسي الأنسب لكل نص تعليمي.

ولإنشاء قاعدة بيانات تدريبية واسعة، استخدم الباحثون تقنيات توليد البيانات عبر نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها، حيث تم إعداد آلاف الأسئلة في 54 موضوعاً تعليمياً ضمن ثمانية مجالات تشمل العلوم، والأدب، والصحة، والذكاء الاصطناعي، والفنون، والموسيقى، والرياضة، والعلوم الاجتماعية. ثم طُلب من النماذج تقديم إجابات متنوعة للسؤال نفسه، بما يتناسب مع مستويات دراسية مختلفة.

وأظهرت نتائج الاختبارات أن النماذج المدربة وفق هذا الإطار الجديد حققت تحسناً كبيراً في قدرتها على إنتاج إجابات تتوافق مع المستوى الدراسي المطلوب؛ إذ ارتفعت نسبة التوافق مع مستوى الطلاب بنحو 35.6 نقطة مئوية مقارنة بالطرق التقليدية التي تعتمد فقط على توجيهات نصية داخل السؤال.

كما شارك 208 مشاركين في تقييمات بشرية للتحقق من مدى ملاءمة الشروحات للمستويات التعليمية المختلفة، وأكدت النتائج أن مخرجات النماذج المدربة تتوافق بدرجة كبيرة مع تقديرات البشر لصعوبة النصوص ومناسبتها للطلاب.

وكشفت التحليلات أيضاً أن النماذج الموجهة لمستويات دراسية مختلفة تطور أساليب تفسير مميزة؛ فالنماذج المخصصة للمرحلة الابتدائية تستخدم كلمات أبسط وجملاً أقصر، بينما تقدم النماذج المخصصة للطلاب الأكبر سناً شروحات أكثر تفصيلاً ومصطلحات علمية متقدمة.

تحديات متزايدة

يقول الدكتور جيندونغ وانغ، أستاذ بكلية ويليام وماري للحوسبة وعلوم البيانات والباحث الرئيسي للدراسة، إن نقص المعلمين يمثل تحدياً عالمياً متزايداً، لا سيما في المناطق الريفية والمحرومة اقتصادياً. ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن محدودية الوصول إلى المعلمين المؤهلين تزيد من الفجوات التعليمية، مشيراً إلى أن أكثر من 70 في المائة من المعلمين في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء غير مؤهلين بالشكل الكافي.

ويشير وانغ إلى أنه مع توفر الإنترنت لنسبة كبيرة من سكان العالم، تمتلك نماذج اللغة الكبيرة القدرة على أن تكون أداة تعليمية داعمة، قادرة على خدمة ملايين الطلاب بغض النظر عن موقعهم الجغرافي.

ويوضح أن إطار الدراسة يقدم حلاً مبتكراً لهذه المشكلة، من خلال تطوير شروحات تعليمية تتوافق مع مستوى الطالب الفعلي في الصف، بدلاً من تقديم إجابات موحدة لجميع الطلاب.

ويؤكد أن هذا الإطار يمكن أن يوسع الوصول إلى التعليم للطلاب في مستويات صفية مختلفة بمجرد توفر الإنترنت، ما يسهم في تعزيز الإنصاف التعليمي عالمياً.

وعن تطبيق هذا الإطار في الصفوف الدراسية الواقعية، يوضح أنه يمكن استخدامه كمكمل للتعليم التقليدي وليس كبديل للمعلمين؛ ففي الصفوف الحقيقية غالباً ما يطرح الطلاب أسئلة مفتوحة تختلف صعوبتها بحسب خلفيتهم وسرعة تعلمهم واهتماماتهم؛ وهكذا يمكن للطلاب استخدام نموذج اللغة الكبير المتوافق مع مستوى صفهم لفهم ما لم يستوعبوه خلال الحصة، أو لاستكشاف الموضوع بعمق أكبر، أو لطرح أسئلة إضافية.

ويشير وانغ إلى أن هذا الأسلوب لا يعالج نقص المعلمين فحسب، بل يوفر أيضاً دعماً فردياً للطلاب؛ ما يزيد من تفاعلهم ويسهم في تخصيص التعليم وفق مستوياتهم المختلفة.

نظام تعليمي متكيّف

وعن التأثير البعيد المدى للتعلم المعتمد على الذكاء الاصطناعي والمخصص للمستويات الصفية، يرى وانغ أنه يمكن أن يحوّل نظام التعليم من نهج «واحد للجميع» إلى نظام أكثر تكيفاً وتخصيصاً، حيث يحصل كل طالب على الشرح المناسب لمستوى فهمه، ما يقلل من عدد الطلاب المتأخرين فقط بسبب صعوبة الشرح أو عدم توافقه مع مستواهم، كما يمكن لهذه النماذج المخصصة أن تجعل التدريس الفردي عالي الجودة أكثر قابلية للتوسع، وهو ما يمثل فرصة كبيرة للوصول إلى تعليم شخصي غالباً ما يكون مكلفاً.

لكن في الوقت نفسه، يحذر وانغ من أن التصميم غير المدروس لهذه الأنظمة قد يقيّد الطلاب ضمن مستويات ثابتة، أو يؤدي إلى تحيزات اجتماعية غير متوقعة، أو يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية؛ لذلك يؤكد ضرورة التصميم الدقيق والمراعي للاحتياجات التعليمية لضمان تطبيق واسع وفعال لهذه التكنولوجيا.

ويشير أيضاً إلى أن تبسيط اللغة لا يعني بالضرورة تبسيط المفاهيم نفسها؛ إذ قد تبقى بعض الأفكار المعقدة صعبة الفهم للأطفال بسبب محدودية خبراتهم الحياتية، لذلك يقترح في الدراسات المستقبلية دمج هذه النماذج مع قواعد معرفية أو خرائط مفاهيمية تساعد على شرح الأفكار المعقدة خطوة بخطوة.


حين يرى الدماغ من دون عين... هل يتغيّر معنى الرؤية؟

حين يضيء الدماغ  تبدأ الرؤية من الداخل
حين يضيء الدماغ تبدأ الرؤية من الداخل
TT

حين يرى الدماغ من دون عين... هل يتغيّر معنى الرؤية؟

حين يضيء الدماغ  تبدأ الرؤية من الداخل
حين يضيء الدماغ تبدأ الرؤية من الداخل

قد لا يكون فقدان البصر هو نهاية الرؤية... بل بداية إعادة تعريفها؛ إذ إن ما كان يُعدّ لعقود حقيقة بديهية في الطب - أن الرؤية تبدأ من العين - أصبح اليوم موضع مراجعة.

ولم يعد السؤال كيف نعالج العين، بل ما إذا كانت العين شرطاً للرؤية أصلاً.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من تطور تقنيات قادرة على التواصل المباشر مع الدماغ... ومع تقدم أبحاث واجهات الدماغ والحاسوب، يقترب الطب من مرحلة قد لا تكون فيها العين أكثر من وسيط، يمكن تجاوزه.

الدماغ بوابة للرؤية

• هل يصبح الدماغ بوابة للرؤية؟ في الطب التقليدي، يُنظر إلى العين بوصفها مركز الرؤية. لكن علوم الأعصاب تُظهر أن دورها يقتصر على نقل الإشارات، بينما تتم عملية الرؤية الحقيقية داخل الدماغ. فالقشرة البصرية لا تكتفي باستقبال الضوء، بل تفسّره وتربطه بالذاكرة والسياق، لتشكّل صورة ذات معنى. ومن هنا يبرز سؤال مختلف: إذا كانت الرؤية تبدأ وتنتهي في الدماغ، فهل يمكن استعادتها دون المرور عبر العين؟

لم يعد هذا السؤال افتراضاً نظرياً، بل أصبح محور أبحاث متقدمة. فالتقنيات الحديثة لم تعد تركز على إصلاح العين، بل على تجاوزها. أو لفكرة تقوم على إرسال إشارات مباشرة إلى القشرة البصرية، بحيث يتعامل الدماغ معها كما لو كانت قادمة من العين.

• مشروع يتجاوز الطب التقليدي. في هذا السياق، يبرز مشروع «نيورالينك» Neuralink بوصفه نموذجاً لاتجاه جديد في الطب لا يكتفي بعلاج الأعضاء، بل يسعى إلى تجاوزها.

وبدلاً من التركيز على إصلاح العين، يعمل المشروع على تطوير شرائح دماغية تُزرع داخل الدماغ، وتستطيع التواصل مباشرة مع الخلايا العصبية. وتقوم هذه المقاربة على إرسال إشارات كهربائية إلى القشرة البصرية، بحيث يتعامل الدماغ معها كما لو كانت قادمة من العين، حتى في حال غيابها أو تعطلها.

وبذلك، لا تعود الرؤية مرتبطة بوظيفة عضو محدد، بل تصبح عملية يمكن - من حيث المبدأ - توليدها داخل الدماغ نفسه.

أبحاث حديثة

• ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟ تشير أبحاث حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر لعلم الأعصاب» Nature Neuroscience إلى إمكانية توليد أنماط بصرية أولية عبر تحفيز القشرة البصرية باستخدام إشارات كهربائية دقيقة. غير أن هذه النتائج لا تزال محدودة؛ إذ تقتصر على إشارات أو أشكال بسيطة، ولا ترقى إلى مستوى الرؤية المكتملة.

وفي هذا السياق، يرى باحثون في كلية لندن الجامعية (University College London) أن التحدي لا يتمثل في إيصال الإشارة فحسب، بل في قدرتها على أن تتحول إلى تجربة بصرية مفهومة، يستطيع الدماغ تفسيرها وربطها بالسياق الطبيعي.

هل سنرى، أم سنستقبل بيانات؟ الرؤية ليست مجرد استقبال صورة، بل عملية تفسير معقدة. لكن عندما تصل الإشارات مباشرة إلى الدماغ، يبرز تساؤل أساسي: هل تبقى هذه العملية رؤية، أم تتحول إلى شكل من أشكال استقبال البيانات؟

• خطر الرؤية المصنّعة. مع تطور هذه التقنيات، لم يعد الهدف مقتصراً على استعادة البصر، بل أصبح من الممكن - نظرياً - التأثير فيما يراه الإنسان. فالإشارات التي تُرسل إلى الدماغ لا تنقل الواقع بشكل مباشر، بل تعيد بناءه داخل الدماغ، وهو ما يفتح المجال أمام تشكيل الإدراك البصري نفسه. وهنا يتحول السؤال من تقني إلى علمي وأخلاقي: هل نعيد ما فُقد... أم نعيد صياغته؟

وتمثل هذه التقنيات أملاً كبيراً لفاقدي البصر، لكنها في الوقت نفسه تضع الطب أمام مسؤولية جديدة. فلم يعد التحدي في إمكانية استعادة الرؤية فقط، بل في ضمان دقتها وحدودها. فالإشارة التي تُرسل إلى الدماغ قد تُعيد الإبصار، لكنها قد تُعيد أيضاً تفسيراً غير دقيق للواقع، وهو ما يجعل الخطأ هنا ليس تقنياً فقط، بل إدراكياً.

ما الذي نراه حقاً؟ قد لا يكون السؤال هو: هل يمكن إعادة البصر؟

بل: ما الذي نعيده فعلاً؟ فهل الرؤية مجرد إشارات كهربائية يمكن نقلها إلى الدماغ؟ أم أنها تجربة إنسانية تتشكل من الذاكرة والسياق والفهم؟

وهنا، لا يصبح التحدي الحقيقي في نقل الصورة، بل في استعادة معناها.

وقد يتمكن الإنسان مستقبلاً من إدراك الصور دون الاعتماد على العين، لكن التحدي الحقيقي لن يكون في تحقيق ذلك تقنياً، بل في فهم ما يعنيه هذا التحول للإنسان نفسه. فحين تتغير طريقة الإدراك، لا يتغير ما نراه فقط، بل تتغير الطريقة التي نفهم بها العالم من حولنا. وهنا، يصبح السؤال الأهم: كيف نحافظ على المعنى الإنساني للرؤية، في زمن يمكن فيه توليدها صناعياً؟


تطورات الفحص الجيني تطرح أسئلة أخلاقية

تطورات الفحص الجيني تطرح أسئلة أخلاقية
TT

تطورات الفحص الجيني تطرح أسئلة أخلاقية

تطورات الفحص الجيني تطرح أسئلة أخلاقية

مع التقدم المتسارع في تقنيات الفحص الجيني، بات الأطباء اليوم قادرين على اكتشاف مخاطر الإصابة بالأمراض بدقة وسرعة لم تُعرفا من قبل. لكن هذا الإنجاز العلمي تصاحبه أسئلة أخلاقية شائكة مثل: كيف ينبغي إبلاغ الأشخاص بمعلومات قد تغيّر مسار حياتهم؟ ومن يملك الحق في الوصول إلى تلك البيانات شديدة الحساسية؟ وهل يرغب الجميع حقاً في معرفة ما تخبئه جيناتهم من مخاطر؟

للبحث عن إجابات، أجرى فريق من الباحثين في مستشفى سينسيناتي للأطفال وجامعة سينسيناتي بولاية أوهايو الأميركية، دراسة موسعة امتدت لست سنوات في إطار مبادرة وطنية تعرف باسم شبكة السجلات الطبية الإلكترونية وعلم الجينوم «eMERGE» وهي تحالف يضم مؤسسات طبية أميركية تكرّس جهودها للارتقاء باستخدام السجلات الطبية الإلكترونية في أبحاث علم الجينوم، بهدف دمج المعلومات الوراثية في الرعاية الصحية اليومية بطريقة مسؤولة وآمنة.

وكانت المجلة الأميركية لعلم الوراثة البشرية «American Journal of Human Genetics» قد نشرت نتائج الدراسة في 23 مارس (آذار) 2026، حيث قدّمت نموذجاً عملياً لكيفية مشاركة المعلومات الجينية مع المرضى، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الفائدة الطبية وحقوق الخصوصية.

درجات الخطورة الجينية

* تقييم المخاطر الجينية

قاد فريقان بحثيان من المركز الطبي لمستشفى سينسيناتي للأطفال بقيادة الدكتورة ليا كوتيان، من مركز علم جينوم المناعة الذاتية وأسبابها، والدكتورة ليزا مارتن، من قسم علم الوراثة البشرية وخدمات المرضى، دراسة موسعة لتقييم المخاطر الجينية لأمراض شائعة، شارك فيها باحثون من 10 مراكز طبية متخصصة.

وشملت الدراسة تحليل بيانات قرابة 24 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 3 و75 عاماً خضعوا لاختبارات جينية لتقييم خطر الإصابة بـ11 حالة صحية شائعة، بالاعتماد على ما يُعرف بـ«درجات الخطورة الجينية»، وهي مؤشرات تُحتسب بناءً على مئات أو آلاف المتغيرات الجينية لتقدير احتمالية الإصابة بأمراض متعددة.

وشملت قائمة الحالات كلاً من الربو والسكري من النوع الأول (للأطفال) والسمنة والسكري من النوع الثاني والرجفان الأذيني وأمراض الكلى المزمنة وأمراض القلب وارتفاع الكوليسترول وأمراض القولون وسرطان البروستاتا وسرطان الثدي.

* كيف تُنقل الأخبار إلى المرضى؟

في أحد أبرز محاور الدراسة الموسعة التي استمرت ست سنوات، ركّز الباحثون على سؤال محوري: كيف يمكن إيصال نتائج الفحوصات الجينية إلى المرضى بطريقة مناسبة تراعي حساسية المعلومة وحالة كل فرد؟

وللإجابة، اعتمد الفريق نهجاً متعدد المستويات يقوم على تصنيف النتائج وفقاً لدرجة الخطورة؛ فبالنسبة للأشخاص الذين ظهرت لديهم مخاطر منخفضة تم إرسال النتائج عبر رسائل إلكترونية آمنة أو عبر البريد العادي. أما في الحالات ذات الخطورة المرتفعة والتي بلغ عددها نحو 5 آلاف شخص فقد حرص الباحثون على التواصل المباشر عبر الهاتف أو مكالمات الفيديو أو اللقاءات الشخصية.

وتقول الباحثة الرئيسية الدكتورة ليا كوتيان: «تمكّنا من إجراء محادثات فردية مع نحو 79 بالمائة من البالغين و68 بالمائة من الأطفال، لكن التحدي الأكبر كان بسيطاً في بعض الأحيان... لم نتمكن ببساطة من الوصول إلى المشاركين».

وفي الحالات التي تعذّر فيها التواصل المباشر، تم إدراج النتائج في السجلات الطبية الإلكترونية إلى جانب توفير معلومات تتيح للطبيب المعالج أو للمريض نفسه إمكانية التواصل مع فريق البحث لاحقاً؛ لضمان عدم فقدان أي فرد لنتائجه أو فرصة فهمها.

وكشفت الدراسة أيضاً عن تفاوت واضح في فرص الوصول إلى هذه المعلومات؛ فقد تبين أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى تعليمي أعلى أو استقرار سكني مثل امتلاك منزل، كانوا أكثر احتمالاً لإتمام جلسات التواصل الفردي. كما لعبت حالة التأمين الصحي دوراً في مدى نجاح التواصل، ما يشير إلى وجود فجوة في الاستفادة من هذه التقنيات بين فئات المجتمع المختلفة.

وقالت ليا كوتيان: «تُظهر هذه النتائج أنه من الممكن إعادة نتائج الفحوصات الجينية على نطاق واسع، لكننا بحاجة إلى طرق أكثر مرونة وفاعلية للتواصل مع المرضى؛ لضمان استفادة الجميع، خصوصاً أولئك الذين يواجهون مخاطر صحية أعلى».

النتائج الطبية والخصوصية

تسلط هذه الدراسة الضوء على التحدي الأساسي في عصر الطب الجيني: كيف نوازن بين حق المريض في المعرفة وحقه في الخصوصية وقدرته على اتخاذ قرارات مستنيرة؟

وفي حين يمكن لهذه المعلومات أن تساعد في الكشف المبكر عن الأمراض واتخاذ إجراءات وقائية، فإنها قد تثير أيضاً القلق أو الخوف لدى بعض المرضى، خاصة إذا لم يتم تقديمها ضمن إطار دعم وإرشاد مناسب. ولهذا يؤكد الباحثون أهمية توفير استشارات وراثية مرافقة تساعد المرضى على فهم نتائجهم، واتخاذ قرارات مبنية على المعرفة.

ومع تزايد استخدام الفحوصات الجينية في الممارسة الطبية، يبدو أن التحدي لم يعد تقنياً فقط بل إنسانياً أيضاً. فنجاح هذه التقنيات لا يعتمد فقط على دقتها، بل على كيفية استخدامها والتواصل بشأنها.

وتشير نتائج هذه الدراسة إلى أن المستقبل يتطلب أنظمة صحية أكثر مرونة، قادرة على التواصل مع المرضى بطرق تناسب احتياجاتهم وظروفهم المختلفة.

وفي نهاية المطاف، فإن الهدف ليس فقط معرفة ما تخبرنا به جيناتنا، بل كيف نستخدم هذه المعرفة لتحسين حياتنا بشكل مسؤول وعادل وإنساني.

عاجل بدء سريان الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية