«الإعدام بالنيتروجين» يثير الجدل في أوساط أميركية

أحد الأسرة المستخدمة في تنفيذ حكم الإعدام (نيويورك تايمز)
أحد الأسرة المستخدمة في تنفيذ حكم الإعدام (نيويورك تايمز)
TT

«الإعدام بالنيتروجين» يثير الجدل في أوساط أميركية

أحد الأسرة المستخدمة في تنفيذ حكم الإعدام (نيويورك تايمز)
أحد الأسرة المستخدمة في تنفيذ حكم الإعدام (نيويورك تايمز)

في يوم 22 سبتمبر (أيلول) الماضي، كان الأميركي آلان يوجين ميلر سيدخل التاريخ باعتباره أول شخص يتم إعدامه بالنيتروجين في العالم، وذلك بعد إدانته بقتل ثلاثة أشخاص بالرصاص عام 1999، ولكن قبل أسبوع من موعد تنفيذ العقوبة، أعلنت ولاية ألاباما الأميركية أنها غير مستعدة للمضي قدماً في إعدامه بالنيتروجين، وأنها سوف تستخدم وسيلة الإعدام التقليدية عن طريق الحقنة السامة بدلاً من النيتروجين.
ولكن في 19 سبتمبر، أصدرت المحكمة الجزئية بوسط ألاباما أمراً قضائياً بمنع سلطات الولاية من إعدام يوجين ميلر بأي وسيلة أخرى بخلاف النيتروجين، وهو ما يعني فعلياً وقف تنفيذ العقوبة إلى أن تكون ألاباما مستعدة لتنفيذ حكم الإعدام بالوسيلة الجديدة. وكان ثلاثة أكاديميين قد تقدموا في مطلع سبتمبر بشكوى بالنيابة عن ميلر لدى منظمة الأمم المتحدة باعتبار أن الحقنة السامة تمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان، على اعتبار أنها تسبب آلاماً مبرحة قبل الوفاة.
وقبل أقل من ثلاث ساعات من الموعد المحدد لتنفيذ العقوبة، وافقت المحكمة العليا في ألاباما على الطعن الذي قدمته سلطات الولاية في الأمر القضائي بمنع تنفيذ العقوبة، وأجازت المضي قدماً في إعدام ميلر بالحقنة السامة، ولكن في الساعات الأولى من يوم 23 سبتمبر، أعلنت الولاية إلغاء تنفيذ العقوبة لأنها لم تستطع العثور على الوريد المناسب في جسم ميلر لحقنه بالمادة السامة، وبالتالي تم تأجيل التنفيذ.
وأثارت هذه القضية بتحولاتها الدرامية كثيراً من الجدل في الأوساط القضائية والطبية بشأن مسألة الإعدام بالنيتروجين، وما الإجراءات اللازمة لتطبيق هذه الطريقة، وكذلك ما عيوب الحقنة السامة ومدى مخالفتها لقواعد حقوق الإنسان؟
ويقول طبيب التخدير جويل زيفوت من جامعة إيموري بولاية جورجيا الأميركية، وهو أحد الأكاديميين الذين شاركوا في تقديم الشكوى للأمم المتحدة، إن فكرة الإعدام بالنيتروجين تعتمد على خنق المدان عن طريق إجباره على استنشاق النيتروجين الصافي، وبالتالي حرمانه من الأكسجين حتى يفارق الحياة.

آلان يوجين ميلر (أ.ب)

ونقل الموقع الإلكتروني «ساينتفيك أميركان» المتخصص في الأبحاث العلمية عن زيفوت قوله إن النيتروجين هو غاز خامل يمثل نحو 78 في المائة من تركيب الهواء الذي نتنفسه، بمعنى أنه يدخل الجسم مع كل نفس نستنشقه دون أي ضرر، أي أن أي شخص يمكنه أن يتنفس النيتروجين الصافي دون أن يشعر على الفور بأي مشكلات، ولكن خلايا الجسم وأعضاءه تبدأ تدريجياً في التلف بسبب حرمانها من الأكسجين الضروري لاستمرار عملها، مضيفاً أن أي شخص يتم منعه من تنفس الأكسجين سوف يفارق الحياة في غضون دقائق، حيث سيتوقف قلبه ببساطة عن الخفقان.
وطرحت فكرة الإعدام بالنيتروجين أول مرة عندما اقترحها النائب عن ولاية أوكلاهوما مايك كريستيان كوسيلة لتنفيذ عقوبة الإعدام للمرة الأولى في عام 2014، وكان صاحب هذه الفكرة في الأساس هو مايكل كوبلاند أستاذ مساعد في القانون الجنائي بجامعة «آدا» بولاية أوكلاهوما.
وتقول كورينا باريت لاين أستاذة القانون بجامعة ريتشموند التي ألفت كتاباً عن الحقنة السامة، إن «اقتراح الإعدام بالنيتروجين برمته هو نتاج تقرير من 14 صفحة كتبه أستاذ قانون جنائي... فهو ليس طبيباً ولم يحصل على أي تدريب طبي، كما أنه ليس عالماً، ولكنه كان على صلة بنائب تشريعي»، في إشارة إلى النائب مايك كريستيان.
وخلال جلسات الاستماع لتقييم فكرة تطبيق عقوبة الإعدام بالنيتروجين، لم يتم تقديم أي أدلة علمية أو أبحاث طبية بشأن هذه الطريقة، كما أنه ليس من المعروف الفترة التي سوف يستغرقها المدان قبل أن يفارق الحياة بعد أن يستنشق النيتروجين الصافي.
ويرى زيفوت أنه «لا توجد أي دلائل على أن الموت باستنشاق النيتروجين سوف يؤدي إلى وفاة هادئة خالية من الألم».
وفي تصريحات لموقع «ساينتفيك أميركان»، يقول روبرت دونهام، المدير التنفيذي لمركز أبحاث عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة، وهو كيان غير ربحي، إن تأجيل عقوبة الإعدام بالنيتروجين في ألاباما لا يرتبط بالسؤال بشأن ما إذا كانت هذه الوسيلة غير مألوفة أو قاسية أم لا، بل إن التأجيل يرتبط على الأرجح بمشكلات لوجيستية. وأوضح أن «ألاباما حتى الآن ليس لديها بروتوكول لتنفيذ العقوبة الجديدة، ولا تعرف كيفية تنفيذها، كما أنها لم توفر أي تدريب للقائمين على هذا الأمر، بل إن أحداً لم يفكر حتى في الخطورة التي قد يتعرض لها القائمون على تنفيذ العقوبة في حالة حدوث أي خطأ أثناء التنفيذ».
ويقول دونهام إن «النيتروجين غاز شفاف من دون رائحة، أي أن الشخص الذي يستنشقه لن يشعر بأنه يتنفس مادة سامة قد تتسبب في وفاته، ومن هنا يتضح حجم الخطر الذي قد يقع لفريق تنفيذ العقوبة في حالة تسرب النيتروجين على سبيل الخطأ».
أما فيما يتعلق بالحقنة السامة التي تعد الطريقة القياسية لتنفيذ عقوبات الإعدام في أميركا منذ تسعينات القرن الماضي، فهي تتكون من مركب كيميائي من ثلاث مواد دوائية وابتكرها طبيب شرعي في ولاية أوكلاهوما.
وتحتوي الجرعة على مواد ثيوبنتال الصوديوم المخدرة، وبروميد البانكورونيوم التي تسبب الشلل، وكلوريد البوتاسيوم التي من المفترض أنها توقف القلب في غضون دقائق، ويصف دونهام هذه المادة الأخيرة بأنها «حريق كيميائي».
وقد اعترض الأطباء وشركات الدواء على فكرة الحقنة السامة منذ بدء تطبيقها، من منطلق ضرورة عدم استخدام الأدوية والمنتجات الطبية في القتل بدلاً من العلاج، وفي عام 2011، أعلنت الشركة الوحيدة التي تنتج ثيوبنتال الصوديوم في أميركا، التوقف عن تصنيعه، وفي العام التالي، قضت المحكمة الجزئية في ولاية كولومبيا، بأن إدارة الغذاء والدواء الأميركية لا يمكنها إجازة استيراد هذه المادة من الخارج بغرض استخدامها في تنفيذ عقوبات الإعدام.
ولعل هذه التطورات هي التي دفعت الولايات بأميركا للبحث عن بدائل لتنفيذ عقوبات الإعدام، وتسبب هذا الأمر في إثارة الجدل بالأوساط الطبية والعلمية من أجل التوصل إلى وسيلة رحيمة لتنفيذ القانون.


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أنباء عن رصد مسيّرات فوق قاعدة يقيم فيها روبيو وهيغسيث

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» يوم 19 مارس (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» يوم 19 مارس (أ.ب)
TT

أنباء عن رصد مسيّرات فوق قاعدة يقيم فيها روبيو وهيغسيث

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» يوم 19 مارس (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» يوم 19 مارس (أ.ب)

نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مصادر لم تُحدّدها أن المسؤولين الأميركيين رصدوا مسيّرات مجهولة فوق «قاعدة فورت ماكنير» العسكرية في واشنطن، حيث يقيم وزيرا الخارجية ماركو روبيو والحرب بيت هيغسيث.

وتزامن هذا الرصد مع الإنذار الأمني الذي أصدرته وزارة الخارجية للبعثات الدبلوماسية عبر العالم، ومع إغلاق عدد من القواعد العسكرية المحلية بسبب التهديدات المحتملة في ضوء الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد النظام الإيراني. وأفاد مسؤول رفيع بأن الجيش الأميركي يُراقب بدقة التهديدات المحتملة منذ رفع مستوى التأهب مع تصاعد وتيرة الحرب مع إيران، مُوضّحاً أن عملية الرصد لعدة مسيّرات فوق القاعدة في ليلة واحدة خلال الأيام العشرة الماضية، استدعت تشديد الإجراءات الأمنية وعقد اجتماع في البيت الأبيض للبحث في سبل الرد.

رفع مستوى التأهب

خلال هذا الأسبوع، رفعت «قاعدة ماكغواير ديكس ليكهرست المشتركة» في نيوجيرزي و«قاعدة ماكديل الجوية» في فلوريدا مستوى حماية قواتهما إلى ما يسمى مستوى «تشارلي»، ما يعني أن قائدي القاعدتين لديهما معلومات استخبارية تشير إلى احتمال وقوع هجوم أو خطر. أما مستوى الإنذار الأعلى الوحيد «دلتا» فيُستخدم عند وقوع هجوم أو توقع وقوعه.

ونسبت الصحيفة إلى شخصين مُطّلعين أن تحليق المسيّرات فوق «قاعدة فورت ماكنير» دفع المسؤولين إلى درس نقل روبيو وهيغسيث. غير أن ذلك لم يحصل. وكانت تقارير إعلامية أفادت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بأنهما يقيمان في القاعدة.

ولم يجب الناطق باسم وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون» شون بارنيل على الاستفسارات، لأنه «لا يمكن التعليق على تحركات الوزير لأسباب أمنية، ونشر مثل هذه التقارير يُعدّ تصرفاً غير مسؤول على الإطلاق».

حوادث مشبوهة

فرض المسؤولون إغلاقاً أمنياً مرتين هذا الأسبوع على منشآت في «قاعدة ماكديل الجوية»، مقر القيادة الوسطى الأميركية المسؤولة عن العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران. ويحقق مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» حالياً في طرد مشبوه تسبّب في إغلاق مركز زوار القاعدة لساعات الاثنين الماضي. كما أدّى حادث أمني لم يُكشف عن تفاصيله الأربعاء الماضي إلى فرض أمر بالبقاء في الأماكن العامة لساعات في القاعدة، وفقاً لبيان صادر عنها.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متكلماً وبجانبه نائب الرئيس جاي دي فانس خلال اجتماع في البيت الأبيض يوم 17 مالرس (إ.ب.أ)

وقال ناطق باسم القوات الجوية في بيان إنه «لضمان سلامة وأمن أفرادنا ومهمتنا، يُعدّل القادة الوضع الأمني ​​لمنشآتهم وفقاً لتقييمات التهديدات المحلية».

وتضُمّ قاعدة «فورت ماكنير» جامعة الدفاع الوطني ويقيم فيها بعض كبار المسؤولين في «البنتاغون». و تقليدياً، لا يقيم في القاعدة مسؤولون سياسيون، غير أن عدداً متزايداً من المسؤولين في إدارة ترمب، وبينهم وزيرة الأمن الداخلي المقالة كريستي نويم، انتقلوا إلى قواعد عسكرية لأسباب أمنية.

وتقع قاعدة ماكنير في مكان استراتيجي قرب مبنى الكابيتول والبيت الأبيض، لكنها لا تتمتع بمستوى الحماية الأمنية نفسه الذي تتمتع به قواعد أخرى في منطقة واشنطن العاصمة.

وظهرت تهديدات مماثلة باستخدام مسيّرات تحيط بالرئيس ترمب ومسؤولين كبار آخرين في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعدما أعلن مسؤولون إيرانيون أنهم يسعون إلى الانتقام بعد الغارة الأميركية التي أدّت إلى مقتل قائد «فيلق القدس» لدى الحرس الإيراني الجنرال الإيراني قاسم سليماني عام 2020.

وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2024، واجه فريق الحماية التابع لجهاز الخدمة السرية، المكلف بحماية فريق ترمب، مراراً مسيّرات مجهولة الهوية، بما في ذلك خلال مؤتمر صحافي في لوس أنجليس وموكب سيارات عبر المناطق الريفية في غرب بنسلفانيا. وفي سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، أبلغ المسؤولون ترمب أن إيران ترغب في اغتياله، وأن لديها فرق اغتيال متعددة في الولايات المتحدة. ورغم عدم وجود أدلة تربط إيران بأي من محاولتي الاغتيال في ذلك العام، فإنهم لم يستبعدوا وجود صلة بينهما.

وأدّت التهديدات الإيرانية ضد وزير الخارجية السابق مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، اللذين حمّلتهما إيران مسؤولية اغتيال سليماني، إلى قيام إدارة الرئيس السابق جو بايدن بتمديد الحماية الأمنية الحكومية لهما. وسحب ترمب هذه الحماية عام 2025.


حرب إيران تُفجّر معركة تمويل حاسمة في الكونغرس

يستعد الكونغرس لمعركة شرسة بشأن تمويل حرب إيران (أ.ف.ب)
يستعد الكونغرس لمعركة شرسة بشأن تمويل حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تُفجّر معركة تمويل حاسمة في الكونغرس

يستعد الكونغرس لمعركة شرسة بشأن تمويل حرب إيران (أ.ف.ب)
يستعد الكونغرس لمعركة شرسة بشأن تمويل حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع العمليات العسكرية الأميركية في إيران، يتأهّب الكونغرس لمعركة تمويل طاحنة لتأمين الموارد اللازمة لحرب يصفها الديمقراطيون بـ«الاختيارية». فرغم أن البيت الأبيض لم يُقدّم حتى الآن طلباً رسمياً إلى الكونغرس لتمويلٍ طارئ للحرب، فإن مسؤولين في الإدارة يعقدون محادثات مع مجموعة مشرعين بشأن تفاصيل الحزمة والأرقام المتوقعة. ورجّحت صحيفة «واشنطن بوست» ووكالة «أسوشييتد برس» أن تسعى وزارة الحرب إلى الحصول على تمويل إضافي بقيمة 200 مليار دولار من أجل الحرب في إيران، نقلاً عن مصادر مُطّلعة.

تمويل لا مهرب منه

قيّم البنتاغون تكلفة الأسبوع الأول من الحرب بمبلغ 11.3 مليار دولار؛ مما يبرّر، من وجهة نظر الإدارة، الحاجة العاجلة إلى تمويل إضافي. وفيما تسعى الإدارة جاهدة إلى الاعتماد بشكل أساسي على موازنة الدفاع التي أقرّها الكونغرس، وتجيير الأموال للذخائر والأسلحة ونشر القوات الأميركية، فإنها في نهاية المطاف ستحتاج إلى المجلس التشريعي المسؤول عن صرف الأموال وتخصيصها وفق صلاحياته الدستورية، كما فعلت في حربي العراق وأفغانستان؛ وحتى في حرب أوكرانيا رغم عدم مشاركة واشنطن فعلياً فيها.

واستطلعت «الشرق الأوسط» آراء مسؤولين سابقين في الكونغرس لقراءة المشهد وتقييم نتائج المعركة المالية المرتقبة، بعد خسارة الديمقراطيين جولة المعركة الدستورية حين سعوا إلى تقييد صلاحيات دونالد ترمب الرئاسية في خوض الحرب.

السيناتور الديمقراطي مارك كيلي بعد إحاطة سرية في الكونغرس بشأن إيران يوم 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ورغم الاختلافات الحزبية على الحرب، فإن مدير الموظفين السابق في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، جايسون ستاينبوم، يُرجّح أن تُمرَّر حزمة التمويل الإضافية. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن معظم الديمقراطيين، وبعض الجمهوريين، لا يؤيدون حرب ترمب في إيران، فإنه لا أحد في واشنطن يرغب في تراجع مخزونات أنظمة الأسلحة الأساسية، مثل صواريخ الدفاع الجوي (باتريوت)، إلى مستويات خطيرة. وحتى لو عارض معظم الديمقراطيين مشروع التمويل لأنهم لا يريدون دعم ما يعدّونها حرباً غير قانونية وغير حكيمة، فليست لديهم الأصوات الكافية لوقفه».

ويوافق ليستر مانسون، مدير الموظفين السابق في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، على أن إقرار حزمة التمويل الإضافي «مُرجّح جداً»، مشيراً في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إلى أنه «حتى في هذا المناخ الحزبي الحاد، فسيكون من الصعب حرمان الجيش الأميركي من الدعم الذي يحتاجه».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

لكن دوغلاس هاي، مدير الاتصالات السابق في «اللجنة الوطنية الجمهورية» ونائب مدير الاتصالات لزعيم الغالبية الجمهورية في مجلس النواب، يُعارض هذا التقييم، ويقول إنه لا يرى حالياً أي فرصة لتمرير مشروع التمويل الإضافي. ويضيف، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه يستبعد أي تحرّك جوهري في هذا الشأن قبل 6 أسابيع على الأقل، وفق تقييمه.

ويتفّق أدولفو فرنكو، المستشار السابق للسيناتور الجمهوري جون ماكين، مع هذا الطرح، برؤيته أن تمرير تمويل إضافي للحرب «سيعتمد إلى حد كبير على عامل التوقيت». ويُوضّح: «في الوقت الراهن، من المرجح أن يفشل أي مشروع تمويل إضافي ما لم يتضمّن قيوداً كبيرة من الكونغرس للحد من الحرب، وهي قيود سيرفضها الرئيس».

ولهذا السّبب؛ يُرجّح فرنكو أن تتأخر الإدارة في اللجوء إلى الكونغرس لطلب التمويل، مُضيفاً: «على المدى القصير، يمتلك الرئيس القدرة على مواصلة العمليات باستخدام الأموال التي سبق تخصيصها. أما الطلب الحالي لتمويل إضافي، فليس ضرورياً بشكل فوري. لكن في نهاية المطاف، سيضطر إلى اللجوء للكونغرس الذي يتمتع بسلطة الإنفاق على المدى الطويل».

في المقابل، يُذكّر إيان راسل، نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، ببعض «الحيل» التشريعية التي يمكن للجمهوريين اللجوء إليها لإقرار التمويل في ظل المعارضة الديمقراطية. ويقول إنه «من غير المرجّح أن يمتلك القادة الجمهوريون الأصوات الكافية لتمرير طلب تمويل إضافي لحرب ترمب على إيران، في ظلّ المعارضة الديمقراطية الواسعة. لهذا السبب؛ قد يضطرون إلى اللجوء لآلية تشريعية تُعرف بـ(آلية المصالحة)، وهي تتطلب غالبية بسيطة فقط لإقرارها في مجلس الشيوخ». لكن راسل يُحذّر بأن هذه العملية التشريعية «أعقد وتستغرق وقتاً أطول، وتنطوي على كثير من التحديات».

وحدة الصف الجمهوري

التحدي الأكبر في الاستراتيجية الجمهورية هو الحفاظ على وحدة الصف مهما طالت مُدّة الحرب. ويتوقّع ستاينبوم أن يستمر الدعم الجمهوري على حاله من دون انشقاقات تذكر. ويُذكّر قائلاً إن «هذه الوحدة تتمحور أساساً حول دعم دونالد ترمب والخشية منه؛ إذ سيتردد الجمهوريون في معارضته خوفاً من منافسين لهم في الانتخابات التمهيدية».

السيناتور الجمهوري راند بول يتحدث مع الصحافيين يوم 4 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويقول ستاينبوم ساخراً: «طبعاً، عندما يفوز رئيس ديمقراطي بمقعد الرئاسة، فستعود مخاوف الجمهوريين بشأن التكلفة والرقابة إلى الواجهة بشكل سحري».

ويعدّ هاي أن السنوات العشر الماضية أثبتت أن الجمهوريين نادراً ما يتحدّون ترمب، وأن هذا النهج قد يستمر مع استمرار الحرب. ويضيف: «ربما يتغير ذلك بعد الانتخابات التمهيدية، لكن لا توجد حالياً أي مؤشرات على ذلك».

من ناحيته، يتّهم راسل الجمهوريين بالتخلي عن مواقفهم الآيديولوجية الراسخة بشأن العجز، والسياسة الخارجية، وغيرهما؛ لإرضاء ترمب، مع استثناءات قليلة، مثل السيناتور راند بول والنائب توماس ماسي. ويُضيف أن «الغالبية الساحقة من الجمهوريين في الكونغرس ستفعل ما يطلبه ترمب، حتى لو كان عكس ما طلبه في اليوم السابق».

خوف من الحروب الطويلة

ليست هذه أول مرة ستحتاج فيها الإدارة إلى الكونغرس لتمويل حروب في الخارج. ففي حربي العراق وأفغانستان، أقرّ الكونغرس بشكل دوري موازنات إضافية للحرب بإجماع من الحزبين. لكن ستاينبوم يعدّ أن حرب إيران مختلفة؛ لأنه «على عكس الحربين في العراق وأفغانستان؛ لم يُحضّر ترمب الرأي العام الأميركي للحرب، ولم يسعَ أيضاً إلى الحصول على تفويض من الكونغرس لحربه التي اختارها». ولهذا السبب؛ يقول ستاينبوم إن الإدارة «لا تتمتع بإجماع وطني قوي لخوض حرب طويلة»، مضيفاً: «لقد كان لدى الأميركيين فهم مشترك لأسباب دعمهم الحملتين العسكريتين في العراق وأفغانستان. أما في حالة إيران، فغياب إجماع وطني بشأن الحرب يعني أن الدعم الشعبي لإنفاق مليارات الدولارات عليها سيكون ضعيفاً».

طائرة «بي52» الأميركية بقاعدة «فيرفود» العسكرية في بريطانيا يوم 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويوافق راسل على اختلاف المشهد جذرياً بين حربي العراق وأفغانستان، وحرب إيران، مشيراً إلى أن الحزم المالية التي أقرّها الكونغرس كانت «في بيئة سياسية مختلفة تماماً». وقال: «حينها، كانت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 لا تزال حاضرة في أذهان الأميركيين. وعلى الرغم من أن إدارة (الرئيس الأميركي الأسبق) جورج بوش (الابن) قدّمت معلومات مضللة لتبرير حرب العراق، فإنها أمضت أشهراً في بناء دعم سياسي للحرب، وهو ما يختلف كثيراً عن الوضع الحالي».

وزير الحرب بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لكن مانسون يُعرب عن أمله في أن يلقى هذا التمويل دعماً مماثلاً لحربي العراق وأفغانستان في الكونغرس؛ لأنه يرتبط مباشرة بجاهزية القوات الأميركية التي تخوض هذه الحرب، خصوصاً في وقت تزداد فيها التحذيرات من نقص في مخزون الأسلحة الأميركية. وقد يُؤثّر هذا على رأي الديمقراطيين وفق ستاينبوم، الذي قال إن بعضهم قد يَعدّ أن مشروع التمويل ضروري لإعادة ملء مخزونات أنظمة الأسلحة الأساسية.

ويُعدّ عامل دعم القوات الأميركية أمراً حسّاساً للغاية في السياسة الأميركية؛ إذ مهما تعدّدت الآراء والمواقف الحزبية، فقد جرت العادة أن يتخطى الحزبان خلافاتهما السياسية لمصلحة دعم القوات المسلحة في مناطق الحروب. وهذا ما أكّده فرنكو، الذي قال إنه «مع استمرار النزاع، فسيُعيد الجميع حساباتهم لتقييم ما إذا كان من الذكي سياسياً أن يُعارضوا تمويل القوات الأميركية».

تكلفة الحروب الأميركية

جنود أميركيون خلال تدريبات مشتركة في كوريا الجنوبية يوم 14 مارس 2026 (إ.ب.أ)

حروب الولايات المتحدة باهظة الثمن، فقد كلفت حرب العراق نحو تريليوني دولار، فيما وصلت فاتورة حرب أفغانستان إلى نحو 2.3 تريليون دولار. أما الحرب في أوكرانيا، التي لم تشارك فيها الولايات المتحدة تقنياً لكنها قدمت دعماً مالياً وعسكرياً لها، فقد بلغت قيمة المساعدات فيها نحو 175 مليار دولار.

وعلى مستوى الاقتصاد المحلي، كانت لهذه المبالغ تداعيات ملموسة على تكلفة المعيشة. فقط كلّفت حرب العراق كل دافع ضرائب أميركي نحو 6 آلاف دولار، مقابل 7 آلاف دولار لكل أميركي في حرب أفغانستان، و500 دولار في حرب أوكرانيا. وفيما لا يزال من المبكر تحديد مسار فاتورة حرب إيران الحالية؛ التي تخطت 11 مليار دولار في الأسبوع الأول فقط، أي نحو 30 دولار لكل أميركي، فإن السؤال الذي يتكرّر في واشنطن داخل أذهان الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء هو: هل ستبقى حرب إيران عملية عسكرية محدودة، أم تتحول حرباً طويلة قد تُكلّف مئات المليارات كما حدث في العراق وأفغانستان؟


البنتاغون يسعى للحصول على 200 مليار دولار تمويلاً للحرب مع إيران

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال إحاطة إعلامية مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين في البنتاغون بالعاصمة واشنطن... 19 مارس 2026 (رويترز)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال إحاطة إعلامية مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين في البنتاغون بالعاصمة واشنطن... 19 مارس 2026 (رويترز)
TT

البنتاغون يسعى للحصول على 200 مليار دولار تمويلاً للحرب مع إيران

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال إحاطة إعلامية مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين في البنتاغون بالعاصمة واشنطن... 19 مارس 2026 (رويترز)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال إحاطة إعلامية مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين في البنتاغون بالعاصمة واشنطن... 19 مارس 2026 (رويترز)

أفاد مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية، بأن البنتاغون يسعى للحصول على 200 مليار دولار إضافية لتمويل الحرب على إيران.

وأرسلت الوزارة الطلب إلى البيت الأبيض، وفقاً للمسؤول الذي تحدَّث إلى وكالة «أسوشييتد برس» شريطة عدم الكشف عن هويته، نظراً لخصوصية المعلومات.

يُعدُّ هذا المبلغ ضخماً للغاية، ويأتي إضافةً إلى التمويل الإضافي الذي حصلت عليه وزارة الدفاع العام الماضي بموجب قانون تخفيض الضرائب الكبير الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويستعد الكونغرس لطلب إنفاق جديد، لكن لم يتضح بعد ما إذا كان البيت الأبيض قد أحال الطلب للنظر فيه. كما لم يتضح بعد ما إذا كان سيحظى بالدعم اللازم.

وكانت صحيفة «واشنطن بوست» أول من نشر خبر طلب التمويل الجديد. وعند سؤاله عن الرقم في مؤتمر صحافي يوم الخميس، لم يؤكد وزير الدفاع بيت هيغسيث الرقم بشكل مباشر، قائلاً إنه قابل للتغيير. لكنه قال: «سنعود إلى الكونغرس ومسؤولينا هناك لضمان حصولنا على التمويل الكافي».

وأضاف هيغسيث: «يتطلب الأمر أموالاً للقضاء على الأشرار».