شخصيات في متاهة سردية

ابتهال الشايب وغواية التجريب في «مألوف»

شخصيات في متاهة سردية
TT

شخصيات في متاهة سردية

شخصيات في متاهة سردية

توغل المجموعة القصصية «مألوف» للكاتبة ابتهال الشايب في مغامرة التجريب، وتصل إلى حد العبث والهذيان، وصناعة ما يشبه المتاهة السردية المنغلقة على نفسها، برموزها ودلالاتها وعلاماتها التي تعبر عن تشيؤ الإنسان، واضطراب وعيه، ووقوفه على حافة التشاؤم والاغتراب، مضمخاً بمشاعر تراوح ما بين الإحساس بالعدم والعجز وفقدان الأمل والأمان.
في سياق هذه الرؤية يصبح الوجود البشري مجرد أصابع مبتورة؛ تارة ملقاة في بالوعة، وتارة أخرى تتحول إلى أسياخ حديدية تغز البطل في جسده، وتغلق باب شقته، وتثير رعبه، وتحاصره في كل مفردات حياته حتى يتلاشى تدريجياً، ويصبح مجرد لا شيء.
هذا ما يطالعنا في القصتين الأولى والثانية بعنوان «خارج» و«على هامش الدفتر» الذي تلتقط منه الكاتبة جملة كتبها في دفتره «الشخص غير المرئي»، تقول: «الكتابة وسيلة لإثبات أن الإنسان غير موجود بشكل كامل». تصدّر الكاتبة المجموعة بهذه الجملة، مما يضعنا إزاء نزوع فلسفي ومأزق وجود يتناثر في أجوائها، فالشخوص تعيش حياتها باعتبارها وجوداً ناقصاً ومبتوراً، وتبدو مربوطة بعقد كابوسية قدرية لا تستطيع الفكاك منها على غرار شخصيات كافكا، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل هذا الوجود ناقص بالفعل أم بالقوة، أو بقوة الفعل ونقصه معاً؟ تبدو الإجابة عصية، بل مراوغة في أجواء القصص، وبخاصة أن الكاتبة، وهي الراوية الساردة، تقف في منطقة رمادية محايدة من الشخوص، وتتستر بضمائر الحكي التي تراوح ما بين المتكلم والمخاطب والغائب. تقول على لسان أحد الشخوص: «لا أحد يحاورني أو يلتفت إليّ، ألقي التحيات في الصباح والمساء، وتهاني الأعياد وحفلات الزفاف.. لا أحد يرد». لم تستخدم الكاتبة أداة «الاستدراك» في الجملة الأخيرة لتصبح مثلاً: «لكن، لا أحد يرد»، واستبدلت بها نقطتين متجاورتين على سطح السطر، وذلك لتكثيف الإحساس بعزلة الكائن البشري جسداً وروحاً، وكأنها عزلة قدرية ويقينية، لا تحتمل لحظة استرخاء زمنية توفرها أداة الاستدراك.
لا تحتفي الكاتبة بالقصة المكتملة ابنة الصراع الواضح والحبكة التقليدية، إنما تدير عالمها من خلال شرائح سردية، ولقطات خاطفة أشبه بشرائح من الكولاح أو لعبة البازل، على القارئ أن يجمِّعها، ويكتشف من خلال تناثرها وشقوقها الدلالة أو الرمز أو العلامة أو الشكل الذي توحي به، وهو ما يحدث بالضبط في قصة «لا شعوري»؛ حيت يتوزع فضاء القص ما بين الماكينة المعطلة من كثرة الإهمال واللامبالاة، وأظافر البشر، وبين الورشة والنمل الذي يعشش في شقوق جدرانها. ويمضي السرد في لقطات قصيرة يزيلها عنوان من كلمة واحدة أو اثنتين أو ثلاث كلمات، أشبه بتوقيع أو بصمة توثِّق للقطة نفسها.. فتقول نملة في لقطة بتوقيع «أداة»: «يقف بجانبها عامل آخر، يمد يده إلى أحد الصناديق المعدنية الصدئة التي أنام بداخلها، لم يلبث أن يضعني في جيبه ويرحل، أتذكر حينها شقيقتي التوأم التي تعمل في أحد المصانع. ترى كيف حالها، وماذا تفعل الآن؟».
بإيقاع آخر يطل مأزق الوجود الناقص في قصة «متكلم»، فبطل القصة مربوط «بذيل نبت فجأة من جسده»، ويصبح صراعه مع الوجود في التخلص من ذيله، فهو يجعله تارة خائفاً، وتارة سيئاً وغبياً وفاشلاً، ولا يجد سبيلاً إلى ذلك سوى تخيل صفحة بيضاء «مكرمشة» يمرر عليها رموش عينيه حتى تتخلص من الثني و«الكرمشة»، لكنها في آخر القصة تتمزق، وتحت وطأة الوهم، يقِرُّ «أنا بالفعل أملك ذيلاً».
هكذا، وعلى طريقة المسخ الكفكاوية، يطالعنا بطل قصة «مألوف» التي وسمت عنوان المجموعة، ويشي العنوان ضمنياً بأن كل هذه الأشكال من المسخ والتشيؤ تسكننا، وتشكّل مساحة غير مرئية من وعينا؛ فالبطل الموظف الأنيق يرى نفسه في عدة حالات، تتحول إلى مآزق للوجود يدور في فلكها، فتارة يرى نفسه كلباً غير قادر على النباح، مما يصيبه بنزعة انتقامية، فيحوِّل سقفَ غرفة الاجتماعات بالعمل إلى مشانق لزملائه، ويحرضهم على شنق أنفسهم باطمئنان، بل يساعدهم في ذلك، ثم يكافئ نفسه بوجبة غداء فاخرة بأحد المطاعم المطلة على النيل. تطال هذه النزعة «المازوشوسية»، زوجته، فيضع أمامها عدة زوايا لتختار واحدة تحبس نفسها فيها، وكما يقول: «مع حلول الفجر أراها في الخفاء، وهي تختار بقايا زاوية تلائمها»، ثم هو وزغٌ، جبان وضعيف كحشرة، وهو ذبابة دائخة: «أنا ذبابة دائخة، اصطدمت تواً بأحد المضارب، أوشكتْ على الاحتضار، لكنها مُصرّة على الحياة. أَإِزّ بين أصدقائي، يثرثرون كثيراً، أستمر في الأزيز متحدياً كلامهم. مَن الأقوى.. أزيزي أم ثرثرتهم؟ كي أنهي ثرثرتهم أجلب عدة ملاقط من داخل علبة باهتة اللون، أوزعها عليهم كي يسحبوا أرواحهم. يغادرون المنزل. يترك بعضهم روحه». وفي نهاية القصة يرتمي البطل كأسد عجوز على الأريكة، وبصعوبة يخلع حذاءه، وحزام بنطاله الضاغط على بطنه.
تقسّم الكاتبة القصة إلى سبع حركات، تلتف في سبع أيادٍ، واختارت المتوالية الرقمية عنواناً لشرائحها السردية لتنويع زوايا الصراع، وتوسيع الفجوة بين الأنا ومأزقها، منهيةً القصة بـ«يد 7»، في دلالة على أن أيام الأسبوع مكرورة، تستنسخ نفسها ببلادة وملل، كما أن اليد تضمر الفعلَ في حركتها، سواء ارتكبته أو فشلت في ارتكابه، هي صانعة الفعل الأمهر. أشياء كثيرة تقاس روعتها بخفة اليد، لا تلازم الساحر فقط، إنما الفنان واللص ومهرج السيرك... وغيرهم.
في القصتين الأخيرتين بالمجموعة: «سوداء» و«حمراء»، تركز الكاتبة على حسيّة الحواس، فيصبح الأنف البشري في القصة الأولى - كما الذيل سابقاً - معضلة ومأزقاً وجودياً، وبخاصة مع استنشاق سوائل غبار المصنع التي تفرز سُماً، يفسد الهواء ويجعل عملية التنفس أشبه بصراع مع حياة مهددة بالانسحاب فجأة، يقول البطل (ص62): «تُلقي الشعيرات بالمعدات الثقيلة إلى نهاية أنفي في الأعلى فألهث وأنا أتنفس من فمي، حلقي جاف، أمسك قطرة الأنف، أضغط عليها فتعطي قطرات بطيئة لفتحتي أنفي، يتغلغل السائل في أحشاء المصنع، وبين آلاته أنتظر ردة فعله، يعلو صوت الآلات كأنها تغلي، أحتمي واضعاً يديّ على وجهي بإحكام كي أمنع تسرب السم».
وفي «احمرار»، القصة قبل الأخيرة، تصبح الرائحة إشكالية البطل في الوجود، متصدرةً بداية القصة هكذا: «أتعفن. يقولون إن أشعة الشمس حارة، الأشياء على رأسي تسخن، يميل لون جسدي إلى الأسود». ومع اشتداد المرض الجلدي وضراوته تتوقف الساقان عن العمل، وتتكشف حقيقة المريض المعجزة: «يحفر الأطباء جسدي، وكلما حفروا اكتشفوا جروحاً مخبّأة من سنين، بنت لها بيوتًا صغيرة.. وتعيش في صمت. يشفقون عليّ.. ما الذي يؤلمني؟ أين هو؟».
لا تنجو هذه المجموعة الشائقة من منطق اللبس أحياناً في بعض القصص؛ حيث تعلو نبرة صفة المشبّه به والمفعول فيه، مما يشتت حركة الضمائر، فلا نعرف مَن المتكلم، ومَن المخاطب أو الغائب، يعزز ذلك أن ذات الكاتبة بعيدة عن القصص بأجوائها الذكورية المحضة، مما يثير تساؤلاً حول عدم الاحتفاء بالأنثى، بل غيابها عن المجموعة، ناهيك بأن فعل القص ينهض على فكرة التقمص التي تقوم بها الذات الساردة لحيوات ومشاهد ورؤى وأفكار تبدو أساسية في حياة الشخوص المرويّ عنهم، لكن التقمص يظل مجرد حالة عابرة على السطح لا يرقى إلى مستوى القناع، صانع الموضوع والصراع، فحين أرتدي قناع الشخصية، يعني ذلك أنني أصنع منها موضوعاً، وحين أخلعه أرتدّ إلى ذاتي، إلى موضوعي أنا. أضف إلى ذلك، أن الأبطال لا يعيشون مآزقهم الوجودية بصدق، بل تحولوا إلى أداة في لعبة نجحت الكاتبة في نسج خيوطها بمهارة لاعب «الماريونيت» القادر على تمرير المشهد من خلال حركة الدمَى، وإيهامنا بأنه يشدنا إلى العمق الموار بالمتناقضات الخلاقة، والغموض الموحي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
TT

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار. ذلك الشعور المفاجئ بالذعر والإحراج الذي يجتاحك في تلك اللحظة هو إحساس مرّ به معظم الآباء والأمهات.

بصفتها أماً ومربية أطفال (جليسة أطفال) سابقة ومؤلفة كتاب «تغيير مرحلة الطفولة المبكرة»، تقول ديفون كونزمان إنها شهدت مختلف أشكال السلوكيات لدى الأطفال. فكل نوبة غضب أو صراع قد يجعل الوالدين يشعران وكأنهما ارتكبا فشلاً شخصياً. كما أن الخوف من نظرات الآخرين أو أحكامهم، وما يصاحبه من شعور بالعار، قد يُزعزع ثبات حتى أكثر الأشخاص هدوءاً.

إلا أن ما تؤكد عليه كونزمان، بصفتها مدربة في مجال التربية، هو أن كل نوبة غضب تمثل فرصة لفهم العلاقة بينك وبين طفلك بصورة أعمق وتعزيزها. وتعرض أربع خطوات عملية للتعامل مع هذه المواقف:

1. انتقل إلى مكان أكثر خصوصية

إذا بدأ طفلك في فقدان السيطرة في مكان عام، فاحرص أولاً على نقله إلى بيئة آمنة تتيح له تفريغ مشاعره بعيداً عن الضوضاء والازدحام. ففي متجر البقالة مثلاً، يمكن التوجه إلى ممر أكثر هدوءاً أو إلى دورة المياه.

خذ نفساً عميقاً، وحافظ على هدوئك، وذكّر نفسك بأن الموقف ليس حالة طارئة. الحفاظ على هدوئك هو أقوى ما يمكنك فعله أثناء نوبة الغضب، بعد التأكد من سلامة طفلك. فوجودك الهادئ والمستقر يُعد عنصراً أساسياً لمساعدته على تنظيم مشاعره.

2. انتبه لحدوده فيما يتعلق بالتواصل الجسدي

عند محاولة تهدئة طفلك في لحظات التوتر، من المهم أن تتبع رغبته في مستوى التقارب الجسدي. راقب مدى تحمّله للمسّ أو الاحتضان أثناء نوبة الغضب، إذ قد يكون القليل من القرب أفضل من الإكثار منه.

يمكنك عرض عناق أو الجلوس بالقرب منه إذا بدا متقبلاً لذلك. أما إذا كان يضربك، فقد تميل إلى الإمساك بيديه لمنعه، غير أن ذلك قد يشعره بالتقييد ويزيد من انفعاله. إحدى الطرق لمساعدته على إدراك حدوده الجسدية هي الجلوس معه ووضع وسادة أو حقيبة بينكما لتحديد مساحة شخصية أوضح.

3. استخدم لغة بسيطة وواضحة

إذا صدر عن الطفل سلوك غير آمن، فضع حداً لهدوء وحزم، باستخدام عبارات واضحة مثل: «لن أسمح لك بالضرب».

أما إذا كانت نوبة الغضب ناتجة عن الإرهاق أو الإحباط، فحاول التعبير عن تفهمك بعبارات مثل: «أعلم أن هذا مُزعج» أو «أنا هنا لمساعدتك».

احرص على أن تكون كلماتك واضحة ومتوقعة، ثم شجّعه على التعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. وعندما تبدأ حدة الموقف في الانخفاض، قدّم له خيارات محددة تقع ضمن الحدود التي تضعها، بحيث يشعر بشيء من السيطرة.

في متجر البقالة، مثلاً، يمكن أن تقول: «هل ترغب في الجلوس في عربة التسوق أم الإمساك بيدي؟» أو «هل تودّ حمل قائمة المشتريات أم مساعدتي في دفع العربة؟». هذه الخيارات البسيطة والمناسبة لعمره تمنحه إحساساً بالمشاركة بدل العجز.

4. خصص وقتاً لتهدئة مشاعرك أيضاً

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره، بل يشمل كذلك قدرتك أنت على ضبط مشاعرك.

في الأماكن العامة، قد يلتفت الناس وينظرون إليك. وحتى إن كان ذلك بدافع الفضول، فقد تشعر وكأنهم يصدرون أحكاماً عليك. قبل أن تسمح لهذا الشعور بالتأثير فيك، ركّز على ما يمكنك التحكم فيه في تلك اللحظة.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. تذكّر أن نوبة غضب طفلك لا تعكس قيمتك كوالد أو أسلوبك في التربية. وبدلاً من الاعتقاد بأن طفلك يتعمّد إثارة الفوضى، افهم أنه يمرّ بوقت صعب ويحتاج إلى دعمك.

يمكنك اختيار تجاهل نظرات الآخرين أو الردّ بهدوء وتعاطف. عبارة بسيطة مثل «أنا أبذل قصارى جهدي» قد تكون كافية.

كما أن من المهم إدارة شعورك بالإرهاق. فإذا شعرت بأن الموقف في مكان عام أصبح مرهقاً لك بشدة، فلا بأس من الانتقال إلى مكان هادئ، والسماح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، ومنح نفسك لحظة لالتقاط أنفاسك. قد يعني ذلك ترك عربة التسوق لدى خدمة العملاء أو في أحد الممرات والخروج، أو التوجه إلى السيارة لتهدئة أعصابك قبل استكمال يومك.


لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
TT

لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)

أصبح بمقدور العلماء الآن وضع خرائط لأماكن انتشار العقارب السامَّة، مما يمنح البشر أداة جديدة في مواجهة إحدى أخطر الحشرات التي تشكل تهديداً للصحة والسلامة العامة. وقد طوَّر فريق من الباحثين نهجاً علمياً جديداً للتعرُّف على مواقع انتشار بعض فصائل هذه الحشرة المميتة والتنبؤ بها، واستطاعوا، من خلال تحليل الظروف البيئية، تحديد العوامل التي تساعد في بقاء العقارب على قيد الحياة وانتشارها. وقد تساعد هذه النتائج الجهات المعنيّة على رصد الأماكن التي تتزايد فيها احتمالات وقوع حوادث لدغات العقارب، في مختلف المناطق الاستوائية حول العالم، حتى يتسنى لها اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للتصدي لهذه المشكلة.

اعتمد الفريق البحثي المشترك من جامعتي جالواي في آيرلندا وابن زهر في المغرب على سلسلة من الدراسات الميدانية ونموذج حاسوبي لتحديد مناطق تمركز أخطر فصائل العقارب حول العالم، فضلاً عن الأسباب الكامنة وراء الانتشار الجغرافي لهذه الحشرات.

وخلصت نتائج الدراسة إلى تحديد نمط واضح لانتشار العقارب، فتبيَّن أنّ نوع التربة يُعد من أقوى العوامل المؤثّرة في انتشارها، في حين تلعب درجات الحرارة والرطوبة دوراً رئيسياً في رسم خرائط انتشار بعض أنواعها.

ويقول الباحثون إن العقارب، على اختلاف أنواعها، لا تتفاعل مع البيئة بالطريقة نفسها، إذ إنّ بعضها يمتلك قدرات أعلى على التأقلم، مما يمنحه نطاقاً أوسع للانتشار، في حين يقتصر وجود فصائل أخرى على مناطق محدودة، ممّا يخلق بؤراً خطرة تتزايد فيها احتمالات التعرُّض للدغات بصفة خاصة.

خرائط جديدة لتقليل الألم الذي كان يحدث بلا إنذار (شاترستوك)

وركزت الدراسة، التي نشرتها الدورية العلمية «اتصالات بحوث البيئة» المتخصصة في الدراسات البيئية، ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، على مناطق وسط المغرب، لكونها من أخطر مناطق تمركز العقارب حول العالم، وكانت تهدف إلى تحسين إجراءات الوقاية ودعم إمكان تطوير أدوات أكثر فاعلية لتشخيص هذه المشكلة وابتكار أمصال أفضل لعلاج اللدغات. ويقول رئيس مختبر علاج السموم بجامعة غالواي ورئيس فريق الدراسة، الباحث مايكل دوغون، إنّ «هذه النتائج قد تسهم في إنقاذ الأرواح، إذ يمكن، من خلال تحديد أماكن تمركز العقارب بدقة، أو الأماكن التي يُحتمل أن تظهر فيها، أن تتمكن السلطات الصحية من تنظيم حملات توعية وتدريب الأطقم الطبية المتخصّصة، وتنفيذ إجراءات وقائية في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر التعرُّض للدغات العقارب، وحماية الأطفال خصوصاً». وأضاف، في تصريحات نقلها موقع علمي متخصّص في البحوث، أنّ «هذا النهج العلمي يمكن تطبيقه في أي دولة تعاني خطر العقارب، من البرازيل إلى الشرق الأوسط والهند».

ويؤكد الباحثون أنّ العقارب تشكل خطراً صحياً يُغفَل في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، حيث يتعرَّض أكثر من مليونَي شخص للدغاتها سنوياً. ورغم أنّ معظم اللدغات تؤدّي إلى آلام وتورمات، فإن لدغات بعض الفصائل قد تسبّب مشكلات صحية خطيرة وقد تفضي إلى الوفاة في بعض الحالات، لا سيما لدى الأطفال وكبار السنّ. وتشير الإحصاءات إلى أنّ نحو 3 آلاف طفل حول العالم يفقدون حياتهم بسبب لدغات العقارب كلّ عام. ورغم توافر أمصال مضادة لعدد من سموم العقارب، يواجه الأطباء تحدّيات كبيرة في علاج هذه الحالات، إذ يتعذَّر في كثير من الأحيان تحديد نوع العقرب الذي لدغ المصاب، ممّا يؤدّي إلى تأخير تقديم العلاج المناسب.

العلم يقترب من أماكن الخطر خطوةً خطوة (شاترستوك)

وفي إطار الدراسة، طبَّق الباحثون نموذجاً حاسوبياً يُعرف باسم «الانتروبيا القصوى»، يتيح التنبّؤ بالمناطق التي ترتفع فيها احتمالات وجود العقارب والظروف البيئية التي تفضّلها كلّ فصيلة. ومن خلال تحليل قواعد البيانات المتعلّقة بتركيبة التربة ودرجات الحرارة والظروف البيئية المختلفة، أثبت الفريق البحثي إمكانية تحديد الأماكن المُحتَملة لانتشار العقارب في دول أخرى خارج المغرب. وتنطوي هذه المعلومات على أهمية كبيرة بالنسبة إلى الدول الواقعة في المناطق المدارية، حيث لا تتوافر سجلات مفصَّلة عن أنواع العقارب المختلفة. وشارك في هذا المشروع علماء وباحثون حاصلون على درجة الدكتوراه من الجامعتين، إلى جانب طلاب من جامعة غالواي، يتوجّهون إلى المغرب سنوياً ضمن برنامج أكاديمي في مجال علم الحيوان.

ما كان عشوائياً صار قابلاً للتوقُّع (شاترستوك)

ويقول رئيس فريق الدراسة، مايكل دوغون: «بشكل عام، فإن معرفتنا بالعلوم البيئية الخاصة بالعقارب وسمومها وأفضل السبل لعلاج لدغاتها لا تزال محدودة، ويهدف هذا المشروع الدولي التعاوني إلى تطوير أدوات جديدة للوقاية من خطر اللدغات وتشخيصها وعلاجها حول العالم، ممّا يتطلَّب تعاون فرق متعدّدة التخصّص، تضم خبراء في الصحة العامة وعلم الحيوان، فضلاً عن أفراد من المجتمعات المحلّية».

ومن جانبه، قال الباحث في جامعتي ابن زهر وأغادير وأحد المشاركين في الدراسة، فؤاد صالحي، إنّ «هذا البحث يثبت أنّ البيانات المتعلّقة بالتنوّع البيئي يمكن أن تُسهم في صياغة سياسات الصحة العامة. وقد تمكنا، من خلال الجمع بين العمل الميداني والنماذج الحاسوبية البيئية، من تحديد المناطق التي ترتفع فيها احتمالات انتشار العقارب الخطيرة، ونأمل أن يسهم هذا البحث في دعم استراتيجيات الوقاية وتحسين الجاهزية الطبية، والمساعدة في الحدّ من أعباء لدغات العقارب، سواء داخل المغرب أو خارجه».


شرطة بانكوك تتنكَّر في زيّ «أسد» للإيقاع بلصّ مراوغ

العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
TT

شرطة بانكوك تتنكَّر في زيّ «أسد» للإيقاع بلصّ مراوغ

العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)

عندما واجه عناصر الشرطة التايلاندية صعوبة في القبض على لصّ متسلسل كان يفلت من بين أيديهم مراراً وتكراراً، ابتكروا خطة إبداعية: التنكُّر في زيّ أسد تقليدي للإيقاع بطريدتهم المراوغة.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية» نقلاً عن «أسوشييتد برس»، أظهرت لقطات فيديو نشرتها إدارة شرطة بانكوك ضباطاً متخفّين تحت زيّ أسد باللونين الأحمر والذهبي وهم يرقصون باتجاه المشتبه به، الأربعاء، بينما كان يتجوّل في معرض لرأس السنة القمرية في معبد في نونثابوري، وهي مقاطعة مجاورة لبانكوك. وبعد لحظات، اندفع الضابط الذي كان يمسك برأس الأسد المصنوع من الورق المقوى نحو المشتبه به وثبّته بسرعة على الأرض.

وتقول الشرطة إنّ المشتبه به، الذي حُدِّد على أنه رجل يبلغ 33 عاماً، متّهم باقتحام منزل قائد شرطة محلّي في بانكوك 3 مرات في وقت سابق من هذا الشهر، والفرار بمقتنيات ثمينة تبلغ قيمتها نحو مليونَي باهت (64 ألف دولار أميركي).

وفي بيان صحافي، قالت الشرطة إنها حاولت اعتقال الرجل مرات، لكنه كان سريعاً في رصد ضباط الشرطة والفرار. ولاحقاً، تمكنوا من التعرف إليه من خلال تتبُّع تمائم مسروقة كان قد باعها، وعلموا أنه يتردَّد باستمرار على المعابد في نونثابوري.

ورغم أنّ رأس السنة القمرية ليست عطلة رسمية في تايلاند، فإنّ الاحتفالات بها شائعة، وغالباً ما تكون رقصات الأسد جزءاً من المهرجانات، ممّا وفر غطاءً مثالياً للعملية.

وقالت الشرطة إنّ المشتبه به اعترف بعمليات السطو، قائلاً إنه سرق لشراء المخدرات ولعب القمار. وأضافت أنه سبق أن أُدين بجرائم متعلّقة بالمخدرات والسطو.