صالح مسلم: الطلاق حتمي بين النظام السوري وتركيا

رئيس «الاتحاد الديمقراطي» لـ«الشرق الأوسط»: نستمد أفكارنا من أوجلان... لكن لا ارتباط «عضوياً أو تنظيمياً» بـ«العمّال الكردستاني»

صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي (رويترز)
صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي (رويترز)
TT

صالح مسلم: الطلاق حتمي بين النظام السوري وتركيا

صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي (رويترز)
صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي (رويترز)

جدد الرئيس المشارك لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» في سوريا، السياسي الكردي صالح مسلم، نفي ارتباط حزبه «عضوياً أو تنظيمياً» بـ«حزب العمال الكردستاني» المصنّف إرهابياً في تركيا، لكنه أقر بأن «فلسفة مشتركة» تجمع بينهما. واعتبر مسلم، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن اللقاءات التي تمت بين النظام السوري وتركيا أشبه بـ«الزواج القسري»، وأن الأطراف التي تسعى إليه «تعلم وتدرك أنه لن يدوم... ومصيره الحتمي الطلاق». و«حزب الاتحاد الديمقراطي» الذي تأسس سنة 2003، برز مع بدايات الحرب السورية، عندما أسس، مع جهات عربية ومسيحية وكردية، «إدارات ذاتية»، في ثلاث مناطق يشكل الأكراد غالبية سكانها في شمال شرقي البلاد. وبعد معركة عين العرب (كوباني) عام 2014، حصلت «وحدات حماية الشعب» الكردية، التابعة لـ«الاتحاد»، على دعم التحالف الدولي المناهض لـ«داعش»، وسيطرت على أراضٍ جغرافية تقع في أربع محافظات بمساحة قُدّرت عام 2017 بثلث مساحة سوريا. غير أن تركيا، القلقة من تنامي دور هذا الحزب، شنت ثلاث عمليات عسكرية ضده (درع الفرات، 2016) و(غصن الزيتون، 2018) و(نبع السلام 2019)، وانتزعت منه مدناً رئيسية عدة. «الشرق الأوسط»، حاورت صالح مسلم عن علاقة «حزب الاتحاد» بـ«حزب العمال الكردستاني»، ومسار التطبيع بين تركيا وسوريا، وموقفهم من المعارضة السورية و«المجلس الوطني الكردي»، واللقاءات التي حصلت بين ممثلي «الإدارة الذاتية» ومسؤولين في حكومة الرئيس بشار الأسد... وهنا أبرز محاور اللقاء:
> ما العلاقة التي تربط «حزب الاتحاد الديمقراطي» السوري بـ«حزب العمال الكردستاني» التركي؟
- هذا السؤال أصبح كلاسيكياً، من كثرة الدعاية التي تمارسها تركيا والأوساط التي لا ترغب في حل القضية الكردية. يقولون إن حزبنا (PYD) يتبع «حزب العمال» لاتهامه بالإرهاب، ونحن نؤمن بأن «العمال» ليس إرهابياً، وإنما تم وضعه على «قائمة الإرهاب» بناءً على مطالب وضغوط تركية. أمّا إلحاق «حزب الاتحاد» بـ«حزب العمال»، فهدفه جعله إرهابياً، تمهيداً لشن الحرب عليه. صحيح، نحن متقاربون آيديولوجياً، ونستمد أفكارنا ونعمل على تطبيق استراتيجيتنا بالتوافق مع أفكار ونظريات السيد عبد الله أوجلان، لأنه قائد كردي وعالمي. لكننا لسنا مرتبطين بحزب العمال عضوياً أو تنظيمياً بأي شكل من الأشكال، وإنما تجمعنا فلسفة مشتركة.
> سافرتم إلى تركيا أكثر من مرة، بين عامي 2012 و2015... ماذا حصل في تلك الزيارات؟
- نعم، سافرت إلى تركيا في زيارات عدة، وقابلت كبار مسؤولي وزارة الخارجية التركية. كانت اللقاءات بمثابة محاولات لبناء علاقات بيننا. بدأت بأول لقاء مع السفير التركي لدى سوريا، في العاصمة المصرية، القاهرة، سنة 2012. لتتطور الاتصالات، وتمت دعوتي رسمياً من الخارجية التركية. تمحورت لقاءاتنا حول إلحاق «حزب الاتحاد» وقواته العسكرية، «وحدات حماية الشعب» الكردية، بصفوف «المجلس الوطني» بداية، ثم بـ«الائتلاف السوري» لاحقاً، دون أن تكون لنا كلمة أو رأي، واعتبارنا ملحقاً لا أكثر. كما عقدت لقاءات مع مسؤولين في «الائتلاف»، وطلبت منهم، بشكل مباشر، أن يكتبوا في برنامجهم السياسي عن حل القضية الكردية بشكل عادل، في إطار وحدة سوريا، أرضاً وشعباً، لكنهم رفضوا حتى الإشارة إلى وجود قضية كردية، وأعتقد أن الرفض كان مرده ضغوط تركيا.
> هل ترى أن مسار التطبيع بين النظام السوري وتركيا بدأ بالفعل؟
- دعني أشبّه اللقاءات التي تمت بين النظام السوري وتركيا بالزواج القسري؛ فالأطراف التي تسعى لإتمام هذا الزواج، سواء أكانت روسيا أو إيران، تعلم وتدرك أنه لن يدوم، ومصيره الحتمي الطلاق. فالتناقضات كبيرة بين دمشق وأنقرة، وإذا كان هذا التقارب يحقق الحل السياسي؛ فهو مرحَّب به، وإذا وضع حداً لهذه الحرب فهو مرحَّب به. لكن لا أعتقد أن هذا التطبيع سيتطور ويأخذ شكل العلاقات الودية، كسابق عهدها قبل 2011، لوجود تناقضات وخلافات كبيرة بين الدولة السورية وتركيا، وهي أعمق بكثير من أن تقفز فوق كل شيء لمحاربة الإدارة الذاتية، وجزء من الشعب السوري.
> عقد ممثلون من الإدارة الذاتية لقاءات مباشرة مع مسؤولين في النظام الحاكم بدمشق... متى كان آخر هذه اللقاءات وماذا تناول؟
- باستثناء اللقاءات العسكرية والأمنية المباشرة بين «قوات سوريا الديمقراطية» والقوات النظامية، برعاية القوات الروسية، لم تعقد الإدارة أي اجتماعات مع مسؤولي النظام الحاكم منذ قرابة عامين. نعم، كانت هناك محاولات روسية، لكن النظام رفض تشكيل لجان مشتركة وتطوير تلك المباحثات. ما تم طرحه حول تطوير قانون الإدارة المحلية (107) كان في الإعلام فقط، ولم نبحث في لقاءاتنا المباشرة مع النظام هذه القضايا. خلافاتنا مع النظام سياسية أكثر ما هي خدمية أو قانونية، فقانون الإدارة المحلية عبارة عن تشريع إداري، وليس مادة دستورية، وتقتصر مهامها على الجوانب الخدمية، ورغم ذلك يرفض النظام تطبيق روح القانون. الشعب السوري لن يرضى بأي حل، إذا لم يحقق مبدأ مشاركة المواطن في صناعة القرار السياسي الصادر من المركز، وغياب المشاركة السياسية هو الذي أدى إلى استفحال الأزمة السورية.
> تديرون مناطق ينتشر فيها الجيش الأميركي والقوات الروسية، وهما قوتان متنافستان. كيف يحصل ذلك؟
- نحن لم ندعُ أحداً، لا الأميركيين ولا الروس؛ فالتحالف الدولي تشكل لمحاربة تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، وأثناء معركة عين العرب (كوباني) عام 2014، عرضوا علينا التعاون ودعم «الوحدات» الكردية المدافعة عن المدينة. كما بحث التحالف عن شركاء سوريين آخرين، وشكّل معسكرات ودرّب فصائل معارضة... وبعد تسليحها ودخولها إلى سوريا انضم عناصرها إما لـ«جبهة النصرة»، التي هي ذاتها «هيئة تحرير الشام» اليوم، أو لتنظيم «داعش» الإرهابي. لذلك لم يجدوا شريكاً حقيقياً، بينما نحن كنا ندافع عن مدينتنا ومناطقنا؛ فعرضوا علينا التعاون والشراكة في محاربة التنظيم. وهنا أريد الإشارة إلى أن وجود قوات التحالف الدولي يساعد في عمليات دعم الاستقرار، وستلعب دوراً رئيسياً في دعم الحلول السياسية مستقبلاً. أما القوات الروسية، فهي موجودة بدعوة رسمية من الحكومة السورية منذ سنة 2015، ووجودها في شمال شرقي سوريا جاء بعد العمليات التركية واحتلال مناطقنا الكردية.
> لماذا أنتم خارج أطر المعارضة؟
- مبادئ حزب «PYD» لم تتغير، وأهدافه لم تتبدل. كنا نبحث عن شركاء في المعارضة، ومع بداية الثورة كان أمامنا خياران. أولهما «إعلان دمشق»، وكنا ندرك ما هو هذا الإعلان الذي تأسس سنة 2005، وحظي بتأييد «جماعة الإخوان المسلمين». حاولنا وقتذاك التعاون والانضمام إلى هذا الإطار المعارض، لنكون جزءاً منه، لكنهم رفضوا بسبب رفض الجماعة التي كان تهمين على «الإعلان»، والتي كانت موجودة في تركيا، وتأخذ أوامرها منها. أما ثاني الخيارات، فكان «هيئة التنسيق الوطنية»، وكان حزبنا من مؤسسيها؛ فبعد انطلاقة الاحتجاجات السلمية (ضد النظام) كانت الثورة بحاجة إلى قادة سياسيين، والجهات التي أسست الهيئة كانت معروفة لدى الأوساط المعارضة، وبينها «حزب العمل الشيوعي» و«حركة الاشتراكيين» و«حزب البعث الديمقراطي» وآخرون، وكان موقف هؤلاء معارضاً للنظام الحاكم. تحالفنا معهم وأسسنا الهيئة في أوخر 2011.
> لكن بقاءكم في الهيئة لم يدم طويلاً؛ لماذا انسحبتم؟
- كنتُ نائباً لرئيس «هيئة التنسيق» وبقينا فيها حتى سنة 2014. ولأكون صريحاً أكثر، بحكم وجودنا داخل هذا الإطار، يمكن القول إن المعارضة لم تستطع التخلص من العقلية الشوفينية العربية، وكانت «الهيئة» تنظر إلى «حزب الاتحاد» على أنه انفصالي. وبعد اعتقال قادة «الهيئة»، أمثال الدكتور عبد العزيز الخير والسياسي رجاء الناصر، الذين كانوا يعرفون الحقائق، وافتتاح مكتب رسمي لها في تركيا، وانزلاق البعض من قادتها في المحور التركي، شعرنا بالغربة. الشعرة التي قصمت ظهر البعير تمثلت في رضوخ قادة «الهيئة» إلى بعض الدول التي اشترطت عدم مشاركة ممثلين من الإدارة الذاتية في مؤتمر الرياض، نهاية 2015. نحن رشحنا 3 أسماء يمثلون الإدارة في وفد الهيئة، وقلنا لهم إننا لن نقبل أي تغيير في قائمة الأسماء، لأن ذلك سينسف الشراكة والتحالف بيننا. عُقد المؤتمر وألغيت دعوات الأسماء التي رشحناها، فقررنا الانسحاب.

جانب من تشييع مقاتل في «قوات سوريا الديمقراطية» في مدينة القامشلي التي يسيطر عليها الأكراد بشمال شرقي سوريا بعد مقتله على الحدود التركية في 10 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

> بالعودة إلى لقاءاتكم مع «الائتلاف السوري»؛ ألم تبحثوا مسألة انضمامكم إليه؟
- لم ندخل في حوارات مباشرة مع الائتلاف السوري، لكن عقدنا اجتماعات ولقاءات مع أغلب قادته في مناسبات كثيرة. بحثنا كثيراً من المسائل والقضايا، بما فيها انضمامنا للائتلاف، لكن كل هذه الاجتماعات عُقدت بشكل سري (...) طرحنا رغبتنا بالانتساب إلى صفوف الائتلاف، لكنهم رفضوا بذريعة أن تركيا سترفض مشاركتنا.
> «حزب الاتحاد» دخل في مباحثات مع «المجلس الوطني الكردي»، لكنها سرعان ما تعثرت، رغم المساعي الأميركية... لماذا؟
- تصحيحاً للسؤال: ليس «حزب الاتحاد» من دخل بمفرده في حوارات مباشرة مع «المجلس الكردي»، فنحن جزء من تحالف «الوحدة الوطنية الكردية»، ومنذ تأسيس حزبنا سنة 2003، عملنا على وحدة الصف الكردي، والتحرك بشكل مشترك. ومع بداية الثورة السورية، ربيع 2011، قمنا بجهود ومساعٍ لترتيب البيت الكردي تكللت بإعلان تحالف ضم آنذاك 11 حزباً كردياً في شهر أبريل (نيسان) 2011، ووقعنا بياناً مشتركاً ورؤية كردية لحل سياسي للأزمة السورية، وحل القضية الكردية. غير أن «المجلس الكردي» لم يكن هدفه عقد اتفاق كردي، والسبب أنهم حتى اليوم لا يعترفون بحماية قوى الأمن الداخلي (الآسايش) لمناطق الإدارة الذاتية، كما أنهم لا يعترفون بمؤسسات الإدارة الذاتية وقوانينها وهيكليتها الإدارية. عندما تعرضت مكاتب المجلس لبعض الاعتداءات والهجمات من قبل «منظمة الشبيبة الثورية»، قلنا لهم: «اذهبوا إلى قوى الأمن لحماية مقراتكم»، فقالوا لنا إنهم لا يعترفون بهذه الجهات. كما طلبنا منهم ترخيص أحزابهم، فقالوا لنا: «لن نطلب الرخصة». ونحن مَن طلب من الإدارة الذاتية السماح بفتح مكاتبهم؛ فالمجلس يتحمل عرقلة الحوارات بين الأحزاب الكردية، لأنه موجود في الحضن التركي.
> أكراد سوريا إلى أين اليوم؟
- نعمل على تعزيز ودعم مؤسساتنا وقواتنا العسكرية. فمصيرنا مرتبط بالمكونات التي تعيش هنا، ومشروعنا يعمل على سد الثغرات بين شعوب المنطقة، منعاً لأي تفرقة. كما نعمل على توحيد صفوفنا، وأي جهة تعتدي علينا، سترى أننا سندافع عن أنفسنا، وهذا حق مشروع مصون. ونحن نعتبر مشروع الإدارة الذاتية يصلح لتطبيقه في بقية أنحاء سوريا؛ فأهالي السويداء يطالبون بإدارة ذاتية مدنية، وأهالي درعا طالبوا بأن الحل الأنسب يتمثل في إدارة لا مركزية، وهذا الأمر سمعناه من أهالي الساحل السوري ومحافظات الداخل. وهذا المشروع يأتي في إطار وحدة سوريا أرضاً وشعباً.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

في وقت يستهدف قطاع النفط والغاز السوري تسريع وتيرة التعافي واستعادة القدرات الإنتاجية، التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة السوري محمد البشير، الثلاثاء، وبحثا سبل تعزيز التعاون المشترك، في خطوة قال محللون إنها تعزز مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين.

جاء اللقاء على هامش فعاليات النسخة العاشرة من «المنتدى العالمي للطاقة»، الذي ينظمه «المجلس الأطلسي» بالعاصمة الأميركية واشنطن، يومي التاسع والعاشر من يونيو (حزيران)، بمشاركة كبار صناع القرار والوزراء في مجالات الطاقة والسياسة الخارجية، ورؤساء شركات الطاقة العالمية والمستثمرين.

ويمضي التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا على قدم وساق مع توجه دمشق نحو إعادة الإعمار، وفي ظل تحديات إقليمية ترتبط بملف الطاقة. ووقع البلدان مذكرتي تفاهم مطلع هذا العام، الأولى «للتعاون في توريد الغاز إلى سوريا عبر مصر لتوليد الكهرباء» والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

واستعرض الوزيران، الثلاثاء، مستجدات تنفيذ مذكرة التفاهم المتعلقة بالغاز الطبيعي، بالإضافة إلى فرص التعاون في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للطاقة داخل سوريا من خلال الاستفادة من الخبرات والإمكانات التي تمتلكها شركات قطاع البترول المصرية.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني في القاهرة الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكد بدوي أن العلاقات بين مصر وسوريا «تستند إلى روابط تاريخية وأخوية قوية، وهو ما يوفر أرضية مناسبة لتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية، وعلى رأسها مجالات الطاقة والبنية التحتية»، وفقاً لبيان صادر عن وزارة البترول المصرية الثلاثاء.

«تقارب حذر»

يأتي اللقاء في وقت كانت تطورات مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين محل نقاشات عديدة. ونشرت «الشرق الأوسط»، الأسبوع الماضي، تقريراً عن «تحفظات مصرية» تعرقل استقبال سفير سوري جديد، غير أن مصدراً مصرياً مسؤولاً أكد في تصريحات للصحيفة، السبت الماضي، أن الحكومة السورية قدمت مرشحاً آخر لرئاسة البعثة «وأن الأمور تسير نحو اعتماده».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أشرف حربي، أن التعاون في مجالات اقتصادية مهمة، بما في ذلك ملف الطاقة، يؤدي لمزيد من التقارب، وقد «يخفف من أي إشكاليات» قد تعيق هذا المسار، مشيراً إلى أن العلاقات الاقتصادية والتجارية «تسير بشكل جيد، وهناك رغبة من القاهرة لأن تمضي باقي مسارات التعاون على الوتيرة نفسها وإن كانت هناك بعض التحديات».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تعمل على تنحية أي أزمات جانباً... ونعمل على تهيئة الأجواء المناسبة لأن تعود العلاقات مع سوريا إلى طبيعتها، وبما يدعم انخراط سوريا بشكل كامل في محيطها العربي».

واعتبر أن قضية تعيين سفير جديد لسوريا لدى مصر «ليست بالموضوع الكبير الذي يُعيق العلاقات أو يؤثر على الروابط التاريخية بين الشعبين»، لكنه شدد على أن هناك «أساسيات أو مبادئ رئيسية لا يمكن للقاهرة أن تحيد عنها دون أن يقود ذلك لتوتر في العلاقات مع الجيران والأشقاء العرب».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

لقاءات متعددة

وكان أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» استضافته دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي بمشاركة 26 من قيادات الغرف التجارية المصرية وقطاعات المال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، بمثابة بادرة إيجابية أعقبها نشاط على مستوى اللقاءات الدبلوماسية والاقتصادية.

اجتماعات مصرية - سورية تستهدف الارتقاء بالعلاقات في مجالات مختلفة (الخارجية المصرية)

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

وأعقب هذا اللقاء زيارة أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة في الثالث من مايو (أيار) الماضي، وتمخض عنها الإعلان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك بين البلدين وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاقتصادي، مع التأكيد على أهمية تنسيق المواقف بشأن التطورات في المنطقة.

ويقول الباحث في الشؤون الدولية، هاني الجمل، إنه «رغم التقارب الحذر والعلاقات التي يشوبها بعض الغيوم، فإن القاهرة حريصة على أن تمد يدها إلى دمشق، وتؤيد رسم خطوط جديدة للتقارب، بالتزامن مع مساعي سوريا لتسريع وتيرة إعادة الإعمار وتقديم نفسها محطة للمرور والتجارة بين دول الخليج وأوروبا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مشروعات الطاقة يمكن أن تتجه إلى إعادة إحياء خط الغاز (القاهرة – دمشق - أنقرة)، وبالتالي تقفز الملفات الاقتصادية لتقود القاطرة السياسية». لكنه شدد في الوقت ذاته على أن مصر تتابع عن كثب ما ستؤول إليه خطوات التقارب الحالية مع سوريا في ملفات عديدة، وتنتظر مزيداً من الإجراءات التي تخفف مخاوفها الأمنية، وتترقب السياسات السورية الجديدة.

واستطرد: «القاهرة تهدف في نهاية المطاف لأن تحتوي أي مشكلات من شأنها التأثير سلباً على العمق الاستراتيجي المصري».


الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)

بعد أيام من التجاهل والإنكار، أقرَّت الجماعة الحوثية بأزمة الوقود المغشوش الذي انتشر في مناطق سيطرتها وتسبب بخسائر كبيرة لملاك السيارات والمركبات، وحوادث هدَّدت حياة مئات المتنقلين وسلامتهم، وأثار غضب السكان وتهكمهم، وسط أزمة مالية دفعت الجماعة إلى ممارسات تشدد الخناق على المستثمرين والسكان.

وأقرَّت شركة النفط التابعة للجماعة الحوثية بوجود شكاوى واسعة تتعلق بأعطال أصابت مركبات بعد تعبئة الوقود، وزعمت أن فِرقاً فنية تابعة لها باشرت سحب عينات من المحطات وإخضاعها للفحص المخبري، إلا أنها فسرت التلوث بظروف النقل والتفريغ والتخزين، قبل أن تعود لادعاء تسبب الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية به.

ونشر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لتوقف سياراتهم وتعطلها في الطرقات، وكانت أغلبية الشكاوى من متنزهين تنقلوا لمسافات طويلة أيام عيد الأضحى، واضطروا إلى استئجار سيارات لإعادتهم وعائلاتهم إلى المنازل واستقدام فنيين لإصلاح السيارات.

وعلى الرغم من أن شركة النفط التابعة للحوثيين تحدثت عن إخضاع الوقود المستورد للفحص قبل السماح بتوزيعها في الأسواق، واتخاذ إجراءات احترازية لضمان سلامته، فإن مستخدمي وملاك السيارات والمركبات أعادوا التذكير بأزمة مشابهة خلال العام الماضي.

وظهرت تلك الأزمة بعد فرض الولايات المتحدة حظراً على وصول الوقود إلى ميناء الحديدة، الذي تسيطر عليه الجماعة، بعد تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، وفرضت عقوبات على عدد من قادتها، ورغم اعتراف الجماعة حينها بوجود الوقود المغشوش، فإنها تنصلت من المسؤولية عن انتشاره.

تبريرات غير مقبولة

جاء في تبريرات الشركة الخاضعة للحوثيين، أخيراً، أن خزاناتها النفطية تعرضت للتدمير الكامل من جراء غارات أميركية وإسرائيلية؛ ما أدى إلى اضطرارها إلى استخدام خزانات أخرى لا تسمح بترسب الشوائب وتنقية الوقود.

يمني يلجأ لتفريغ الوقود الحوثي المغشوش من خزان سيارته (إكس)

وكان عدد من القادة الحوثيين نفوا، خلال الأيام الماضية، وقوع هذه الأزمة، قبل أن يعاود بعضهم الحديث عنها بوصفها تستهدف الجماعة والإساءة إليها.

وحاول القيادي نصر الدين عامر، المُعيَّن في منصب رئيس مجلس إدارة النسخة الحوثية من وكالة «سبأ»، تخفيف الغضب الشعبي بزعم تعرض سيارته لعطل واضطراره إلى نزع خزان الوقود، مدعياً أن هذه الحالات نادرة وليست بذلك القدر من الانتشار كما يجري الحديث في أوساط المجتمع، وقال إن سيارات معارفه لم تتعطل رغم تعبئتها بالوقود من المحطة ذاتها التي يشتري منها الوقود.

وعلق، فكري، وهو أحد فنيي السيارات، على مزاعم عامر بأنه شخصياً فحص وحاول إصلاح أكثر من 20 سيارة في ورشة يعمل بها في العاصمة المختطفة صنعاء خلال الفترة منذ ما قبل العيد، واتضح أن غالبيتها تعرضت لأعطال بسبب رواسب خطيرة تؤثر على كفاءة محركاتها.

وفسّر فكري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عدم تعرض جميع السيارات للأعطال نفسها، بأن الأمر لا يعود إلى وجود كمية قليلة من الوقود المغشوش، بل إلى أن غالبية السيارات الحديثة، وأغلبها صغيرة الحجم وخفيفة الوزن، تعمل بقطع ومعدات حساسة لا تستطيع مقاومة التلوث، ويمكن لأي رواسب أن تتسبب بأعطال فيها.

وعلى العكس من ذلك، فإن السيارات التي تنتمي إلى طرازات مشهورة بالقوة والصلابة تستطيع محركاتها التعامل مع التلوث ومقاومته إلى حد كبير، إلا إذا كانت نسبته كبيرة أو جرى استخدامه فيها لوقت طويل.

أزمات مترابطة

يرى خبراء ومراقبون أن أزمة الوقود المغشوش مرتبطة بالأزمة المالية التي تحاصر الجماعة الحوثية منذ أشهر بسبب تداعيات العقوبات الدولية المفروضة عليها وممارساتها التي خنقت الأنشطة الاقتصادية في مناطق سيطرتها.

يمني تعرَّضت سيارته لحادث بعد توقفها وسط الطريق بسبب الوقود الحوثي المغشوش (إكس)

من جهته، فسّر فؤاد المقطري، وهو باحث اقتصادي يمني، عودة الوقود المغشوش للانتشار في مناطق سيطرة الحوثيين بالأزمة المالية التي تعانيها الجماعة؛ وهو ما اضطرها إلى استيراد وقود رخيص غير مرغوب فيه، أو اللجوء إلى تسويق كميات من الوقود المغشوش الذي يُحتمل أنها تحتفظ به منذ سنوات.

وأوضح الباحث لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة منذ سنوات أعلنت عن ضبط ومصادرة كميات كبيرة من الوقود المغشوش، ولم تصرح عن كيفية تعاملها معها، مرجحاً أن تكون خزَّنتها تحسباً لأي أزمات تواجهها، مثل الأزمة المالية الحالية.

وحذَّر من أن ممارسات الجماعة ستؤدي إلى المزيد من تراجع الأنشطة التجارية بفعل تراجع القدرة الشرائية للسكان واتساع رقعة البطالة، إلى جانب ما تسببت به العقوبات المفروضة عليها من تقييد لمصادر التمويل.

العقوبات على الحوثيين أسهمت في التضييق على مواردهم المالية (رويترز)

وتواجه الجماعة الحوثية أزمة مالية متفاقمة دفعتها إلى تكثيف إجراءات الجباية وفرض رسوم وأعباء مالية جديدة على التجار ورجال الأعمال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بعد تراجع الموارد المالية وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتجاري، حسب موقع «أتليار» الإسباني.

وكشف الموقع عن أن الجماعة نفذت خلال الفترة الأخيرة حملات واسعة لتحصيل أموال من الشركات والتجار تحت مسميات مختلفة، بعد حملات مماثلة سبقت موسم عيد الأضحى، شملت مطالبات بتقديم مساهمات نقدية وعينية.

وحسب مصادر نقل عنها الموقع، فإن الكثير من التجار ورجال الأعمال يشكون من تزايد الرسوم والالتزامات المالية المفروضة عليهم خلال السنوات الماضية؛ ما دفع العديد منهم إلى تقليص أنشطتهم أو نقلها إلى مناطق أخرى.


«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
TT

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

في وقت يقترب فيه بعض المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين من مستويات كارثية من الجوع، وتزداد فيه حاجة ملايين السكان إلى المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، تحولت حملة الاعتقالات التي شنتها الجماعة المتحالفة مع إيران ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية، إلى أحد أبرز العوامل التي عمّقت الأزمة الإنسانية وأعاقت وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

فبعد سنوات من النزاع والانهيار الاقتصادي، بات العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة القيود المتزايدة والتدخلات المستمرة في أنشطة المنظمات الدولية والمحلية، وصولاً إلى حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت عشرات الموظفين والعاملين في المجال الإغاثي تحت مزاعم أمنية واتهامات بالتجسس.

وبينما كانت المساعدات الإنسانية تمثل شريان حياة لملايين السكان في شمال اليمن، أسهمت هذه الإجراءات في تعطيل جزء كبير من العمليات الإغاثية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أوضاع الأمن الغذائي في مناطق تعاني أصلاً من الفقر وانعدام مصادر الدخل وارتفاع معدلات الاحتياج.

وقبل تصاعد الأزمة الأخيرة، كان نحو 3 ملايين شخص في مناطق سيطرة الحوثيين، يحصلون على مساعدات غذائية منتظمة رغم التراجع الحاد في التمويل الدولي المخصص لليمن، غير أن الخلافات المتعلقة بآليات توزيع المساعدات والتدخلات الحوثية في عمل المنظمات الإنسانية، أدت إلى تراجع نشاط كثير من البرامج الإغاثية.

المنظمات الإنسانية رصدت جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ومع حملة المداهمات والاعتقالات التي طالت مكاتب الأمم المتحدة وعدداً من المنظمات الدولية والمحلية في صنعاء ومناطق أخرى، دخل العمل الإنساني مرحلة جديدة من التعقيد، حيث اضطرت منظمات عديدة إلى تقليص عملياتها أو تعليقها بشكل كامل، ما أدى إلى حرمان ملايين المحتاجين من المساعدات المنقذة للحياة.

ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن القيود المفروضة على المنظمات جعلت الوصول إلى المجتمعات الأشد ضعفاً أكثر صعوبة من أي وقت مضى، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تدهور الأوضاع المعيشية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي.

قمع الإغاثة

ترى منظمات حقوقية دولية؛ بينها «منظمة العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن الحوثيين حوّلوا تهم «التجسس» إلى أداة لقمع العاملين في المجال الإنساني، وتبرير حملات الاعتقال التي استهدفت أكثر من 100 موظف وعامل إغاثة خلال العامين الماضيين.

وبحسب هذه المنظمات، فإن استمرار احتجاز العاملين الإنسانيين لم يقتصر تأثيره على الضحايا وأسرهم؛ بل انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات على تنفيذ برامجها والوصول إلى الفئات المحتاجة، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة.

كما أشارت المنظمات الدولية إلى أن عدداً محدوداً فقط من المحتجزين أُفرج عنهم، فيما لا يزال عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية رهن الاحتجاز، وسط مخاوف متزايدة بشأن ظروف احتجازهم ومستقبل عمل المنظمات في تلك المناطق.

وربطت المنظمات الحقوقية بين حملة الاعتقالات وتدهور الوضع الغذائي في شمال اليمن، مشيرة إلى التحذيرات المتكررة الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة بشأن تفاقم مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة الحالية.

العشرات من العاملين الإغاثيين اعتقلهم الحوثيون ما تسبب في عرقلة المساعدات (إعلام محلي)

وتقول هذه المنظمات إن تعطيل العمل الإنساني جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد البلاد تراجعاً مستمراً في التمويل الدولي، خصوصاً بعد تقليص مساهمات بعض الجهات المانحة الرئيسية، الأمر الذي قلص قدرة المنظمات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وفي ظل هذا الواقع، رصدت المنظمات الإنسانية جيوباً من المجاعة في عدد من المناطق، بينما تواجه ملايين الأسر صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والخدمات الأساسية، ما يهدد بدفع مزيد من السكان إلى مستويات أشد خطورة من الجوع وسوء التغذية.

ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن استمرار القيود المفروضة على المنظمات سيجعل الاستجابة الإنسانية أكثر هشاشة، خصوصاً مع تزايد أعداد المحتاجين وتراجع الموارد المتاحة لتغطية الاحتياجات الأساسية.

مخاوف على المحتجزين

مع امتلاك الحوثيين سجلاً حافلاً بانتهاكات حقوق الإنسان بحق المعتقلين، تتزايد المخاوف المحلية والدولية بشأن مصير العاملين الإنسانيين المحتجزين، خصوصاً بعد وفاة أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه لدى الجماعة في فبراير (شباط) 2025.

وتؤكد المنظمات الحقوقية أن كثيراً من المحتجزين تعرض للاختفاء القسري لفترات طويلة، واحتُجزوا دون إجراءات قانونية سليمة، فيما حُرم بعضهم من الرعاية الصحية ومن التواصل مع محامين أو أفراد أسرهم.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (إعلام محلي)

كما تشير إلى أن الحوثيين يواصلون منذ سنوات توجيه اتهامات بالتجسس والتآمر للعاملين في المجال الإنساني والنشطاء والصحافيين والمعارضين، واستخدام هذه الاتهامات لتبرير حملات القمع وإصدار أحكام مشددة بحق بعض المعتقلين.

ودعت المنظمات الحقوقية، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إلى تبني موقف أكثر حزماً للضغط على الحوثيين من أجل الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية والمساعدة القانونية، ووقف القيود المفروضة على المنظمات الإنسانية، بما يسمح بوصول المساعدات إلى ملايين اليمنيين الذين يواجهون خطر الجوع في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.