خريف اجتماعي ساخن في فرنسا والتحضير لتحركات إضافية

خريف اجتماعي ساخن في فرنسا والتحضير لتحركات إضافية

الحكومة أمام معضلة إعادة النظر في قانون التقاعد
الجمعة - 5 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 30 سبتمبر 2022 مـ
مسيرة نقابية في تولوز (أ.ف.ب)

«إنه الخريف الحار»... هكذا وصفت المظاهرات التي عرفتها باريس وعشرات المدن الفرنسية التي شهدت نزول حوالي ربع مليون شخص إلى الشوارع والساحات لمطالبة الحكومة برفع مستوى الأجور، ومحاربة الغلاء الفاحش والتضخم غير المسبوق منذ أربعين عاماً، ما يصيب الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة، ويدفع عشرات الآلاف إلى التهميش والفقر.

وعلى الرغم من أن التحركات المطلبية في فرنسا تعد تقليداً في بداية كل الخريف، إلا أنها هذه السنة استثنائية، وهي تتواءم مع مطلب آخر عنوانه رفض تغيير قانون التقاعد الذي يريد الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته السير به بسرعة. وخطة الحكومة تقوم على رفع سن التقاعد الذي هو حالياً عند الـ62 عاماً، إذ إنها تعتبر أن إنقاذ النظام التقاعدي ككل لن يكون ممكناً ما لم يتم تأخير الخروج من دورة العمل تدريجياً للوصول إلى سن الـ64 أو الـ65 عاماً في السنوات المقبلة. وسبق لحكومة إدوار فيليب أن حاولت عام 2019 السير بهذا القانون. إلا أنها لم تفلح رغم أشهر المشاورات والمفاوضات. ولم يجمد المشروع إلا بسبب حلول جائحة «كوفيد 19».

وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية التي وفرت للرئيس إيمانويل ماكرون ولاية جديدة من خمس سنوات، بقي موضوع التقاعد المتفجر الذي يعارضه اليسار، ويحظى بدعم متفاوت من الأحزاب اليمينية، هامشياً. إلا أن ماكرون والدائرة المقربة منه يعتبران أن العهد الجديد أمام خيارين: إما السير بمشروع إعادة النظر بنظام التقاعد اليوم قبل الغد رغم معارضة النقابات وأحزاب اليسار، وإما تأخير طرحه، ما سيعني عملياً وضعه على الرف والانضمام إلى المشاريع الإصلاحية التي لم تر النور.

أمس، قالت إليزابيت بورن، رئيسة الحكومة، إن دورة من المشاورات مع الأحزاب والنقابات والقوى السياسية ستنطلق، وإنها تأمل تبني المشروع الإصلاحي قبل الشتاء المقبل.
رئيسة الحكومة الفرنسية إليزابيت بورن (أ.ب)

ويلوح ماكرون والحكومة باللجوء إلى مادة في الدستور تتيح للحكومة أن تطرح على التصويت مشروع القانون دون مناقشة في البرلمان. والحال أنها تعاني من مشكلة رئيسية عنوانها افتقادها للأكثرية المطلقة، الأمر الذي يفرض عليها البحث عن حلفاء لتوفير الأكثرية المطلوبة. إلا أن أحزاب اليسار هددت بطرح الثقة بها في حال قررت استخدام المادة 39 المشار إليها. ووفق منطوق المادة المذكورة، فإن فشلها في دعم أكثرية بسيطة في البرلمان يعني أمرين: سقوط المشروع الإصلاحي من جهة وسقوط الحكومة من جهة أخرى. لكن ماكرون هدد بكلام بالغ الوضوح بحل الجمعية الوطنية (البرلمان)، والتسبب بانتخابات تشريعية جديدة بعد أقل من ستة أشهر على الانتخابات الأخيرة.

وأعلن وزير العمل بصريح العبارة أنه «إذا تحالفت قوى المعارضة وأسقطت الحكومة، فإن الرئيس ماكرون سيطلب من الفرنسيين أن يحسموا المسألة، وأن يقولوا ما هي الأكثرية (الجديدة) التي يريدونها» في البرلمان. ويرى المراقبون أن تهديد ماكرون بانتخابات جديدة مغامرة غير محسوبة النتائج، بمعنى أنه لا سبب يدفع إلى الاعتقاد أنه سيكون قادراً على الفوز بأكثرية، فيما عجز مباشرة بعد إعادة انتخابه عن تحقيق هذا الهدف. يضاف إلى ذلك أن شعبيته تتراجع، وأن الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية تعاقب الحكومة، ولا تعمل، بطبيعة الحال، لصالحها.

لم تتردد المعارضة في قبول التحدي. وكتبت مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف الذي فاز بـ89 مقعداً في الانتخابات التشريعية الماضية، في تغريدة لها: «نحن جاهزون وليتفضل»، فيما أكد جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب «فرنسا المتمردة»، أن العودة إلى صناديق الاقتراع «لا تعد تهديداً بل فرصة جديدة»، بمعنى الفوز بعدد أكبر من المقاعد لليسار المتنوع الذي نجح في تعبئته في إطار ما يسمى «الاتحاد الشعبي الجديد الاقتصادي والاجتماعي»، الذي يحظى في البرلمان الراهن بـ150 مقعداً. وذهب أوليفيه مارليكس، رئيس مجموعة نواب حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل الأقرب إلى مواقف ماكرون وحزبه «النهضة» (الجمهورية إلى الأمام سابقاً) إلى التساؤل عن «اللعبة» التي يلعبها ماكرون، داعياً إياه إلى الاهتمام بانتظام «عمل المؤسسات» في البلاد، بمعنى أن يترك اللعبة الديمقراطية تجري وفق القواعد المعمول بها.

ليست تظاهرات أمس سوى مقدمة لما ينتظر الحكومة في الأيام المقبلة. ذلك أن أحزاب اليسار بكل تشكيلاتها والخضر تخطط لمظاهرات حاشدة يوم 16 أكتوبر (تشرين الأول) ينتظر أن تنضم إليها النقابات وشعارها الأول سيكون ارتفاع كلفة المعيشة وتضاؤل القدرة الشرائية للمواطنين. وتسعى الحكومة من خلال تدابير مختلفة للتخفيف من وطأة الغلاء الذي يمس الكهرباء ومشتقات الطاقة والمواد الغذائية والخدمات، فيما تتراوح نسبة التضخم ما بين 6 و7 في المائة.


فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

فيديو