«سياحة الطاقة»... هل تجذب الفارين من شتاء الأزمة الأوكرانية؟

مطار الغردقة يستقبل ما يقرب من 10 آلاف سائح يومياً من دول مختلفة

معابد أسوان بين المقاصد السياحية الشتوية المصرية (وزارة الآثار والسياحة المصرية)
معابد أسوان بين المقاصد السياحية الشتوية المصرية (وزارة الآثار والسياحة المصرية)
TT

«سياحة الطاقة»... هل تجذب الفارين من شتاء الأزمة الأوكرانية؟

معابد أسوان بين المقاصد السياحية الشتوية المصرية (وزارة الآثار والسياحة المصرية)
معابد أسوان بين المقاصد السياحية الشتوية المصرية (وزارة الآثار والسياحة المصرية)

خلقت أزمة الطاقة التي خلفتها الحرب الأوكرانية - الروسية مصطلحا جديدا، وهو «سياحة الطاقة»، في إشارة إلى محاولة بعض شركات السياحة الأوروبية، استغلال أزمة الطاقة التي تشتد حدتها يوما بعد الآخر، للترويج إلى رحلات تقوم بتنظيمها إلى الوجهات الدافئة شتاء.
ومع بداية الحرب، والتلويح الروسي المستمر باستخدام ورقة الغاز للضغط على أوروبا، توقعت تقارير أن تكون أوروبا على موعد مع «شتاء شديد الصعوبة»، وصارت هذه التوقعات أقرب إلى التحقق على أرض الواقع، بعد أن أعلنت شركة «غازبروم» الروسية الحكومية وقف تدفق إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر خط أنابيب «نورد ستريم 1»، بسبب أحداث تسرب «غير مفسر» للغاز، وهو ما يجعل المنطقة الأوروبية في مواجهة شتاء قاس جدا، وتهديدات قد تصل بالمنطقة إلى ركود اقتصادي حاد في الفترة المقبلة، نظرا للاعتماد على روسيا في توفير 40 في المائة من احتياجاتها، من الغاز الطبيعي.
وحاولت شركات سياحية استغلال هذه الأزمة بالترويج للوجهات السياحية الدافئة.
وبحسب تقرير نشره موقع «يورو نيوز» مطلع الشهر الجاري، فإن شركات عدة، ومنها شركة «ترافيل تايم ورلد»، أطلقت حملات تسويقية خلال الشهر لتسلط الضوء على التكلفة المنخفضة لقضاء اليوم في العطلات الطويلة، ونقل التقرير عن آشلي كوينت، مصممة العطلات في الشركة أن الفكرة جاءت بعد تقارير تفيد بأن «سقف أسعار الطاقة في المملكة المتحدة قد يصل إلى 7 آلاف جنيه إسترليني (8120 يورو) سنويا بحلول أبريل (نيسان) 2023، أي ما يعادل 20 جنيها إسترلينيا (23 يورو) في اليوم تقريبا، بينما يمكن الحصول على إقامة في فندق أو شقة (بما في ذلك الرحلات الجوية والنقل) مقابل حوالي 20 إلى 25 جنيها إسترلينيا في الليلة، بناء على الإقامة لمدة أربعة أسابيع».
لكن هايان سونغ، أستاذ اقتصادات السياحة بجامعة هونغ كونغ، يشكك في التقديرات الرقمية للحملات التسويقية، مشيرا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تكلفة السفر إلى الوجهات الدافئة في نصف الكرة الجنوبي (مثل أستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا وأميركا الجنوبية) مرتفعة للغاية، بحيث لا يمكن أن تكون خيارا قابلا للتطبيق للسياح الأوروبيين نظرا لانخفاض قيمة اليورو والجنيه الإسترليني كثيرا، كما أن ضغط التضخم يجعل السفر لمسافات طويلة غير ممكن.
بالإضافة إلى ذلك، فإن «العديد من القطاعات ذات الصلة بالسياحة، مثل صناعات الطيران والضيافة تعاني من نقص العمالة، مما سيزيد من ارتفاع تكلفة السفر الدولي»، بحسب سونغ.
وتوقع سونغ أن «يكون السفر من أوروبا في الشتاء، قاصرا على الأثرياء، وهم أقلية، لكن لن يؤدي ذلك إلى تدفق السياح على نطاق واسع من أوروبا إلى الوجهات الدافئة».
ما يشير إليه سونغ قد يبدو منطقيا بالنسبة للوجهات البعيدة التي حددها، ولكن دول جنوب المتوسط مثل مصر وتونس وتركيا والمغرب، قد تكون جاذبة للسائح الأوروبي الفار من أزمة الطاقة، وهو ما يتوقعه كريستيان بيرغر، سفير الاتحاد الأوروبي لدى مصر، والذي قال في تصريحات صحافية على هامش زيارته لمدينة الإسكندرية المصرية قبل أيام، إن «موسم الشتاء المقبل سيشهد إقبالا كبيرا من السائحين الأوروبيين على القيام برحلات إلى دول جنوب المتوسط، وعلى رأسها مصر للاستمتاع بالأجواء المعتدلة».
وأوضح بيرغر كذلك أن «السياح الأوروبيين يقومون برحلات سنوية إلى دول جنوب المتوسط خاصة مصر، خلال فصل الشتاء»، متوقعاً أن «تزيد الأعداد في ظل أزمة الطاقة التي تشهدها أوروبا».
وبدأت في مصر بوادر ما أشار إليه سفير الاتحاد الأوروبي، حيث «يستقبل مطار الغردقة الدولى يوميا ما يقرب من 10 آلاف سائح من دول مختلفة على رأسها الدول الأوروبية، ولا سيما ألمانيا، التي يصل منها عدد كبير من السائحين»، بحسب بيانات المطار.
وقال علاء عاقل، رئيس لجنة تسيير أعمال غرفة المنشآت الفندقية في تصريحات صحافية (الخميس) إن «مؤشرات الحجز التي رصدتها الغرفة، تشير إلى زيادة كبيرة في أعداد السائحين الوافدين لمدن القاهرة والأقصر وأسوان خلال الموسم السياحي الشتوي القادم، كما أن حجوزات المدن السياحية الشاطئية خلال الشتاء ستكون مبشرة، وذلك بفضل حجوزات اللحظات الأخيرة (اللاست منت)».
وبدأت تظهر في تركيا كذلك إشارات على المضمار نفسه، حيث أشار إركان ياغشي، رئيس جمعية أصحاب الفنادق والمستثمرين السياحيين في تصريحات نقلتها وكالة «شينخوا» الصينية في 13 سبتمبر (أيلول) الجاري، إلى أن «الحجوزات المبكرة تظهر أن شهر نوفمبر (تشرين الثاني) سيكون مزدحما للغاية، وهذا هو الحال بشكل خاص بالنسبة للسياح الأوروبيين».
وقال برهان سيلي، رئيس جمعية ألانيا للفنادق السياحية في الوجهة التركية الشهيرة في مقاطعة أنطاليا: «بالنظر إلى أزمة الطاقة في أوروبا، من المتوقع أيضا أن يهتم الناس من معظم القارة بعرضنا للإقامات الشتوية الطويلة».
ولا ينكر أحمد قنديل، الباحث المتخصص في دراسات الطاقة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، هذه الأرقام والتوقعات، لكنه «يطالب بمزيد من التريث قبل الحديث عن تأثيرات ضخمة لأزمة الطاقة على عوائد السياحة في دول جنوب المتوسط».
وقال قنديل لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الآن، فإن هذه الأعداد المشار إليها قد تكون في نطاق المعتاد في كل موسم، ويجب علينا الانتظار بعض الوقت».
ولا يعول قنديل كثيرا على السائح الفار من أسعار الطاقة، في أنه سيكون مفيدا لقطاع السياحة، لأنه «لن ينفق على الخدمات والأنشطة السياحية»، مقترحاً بدعابة إدخال مصطلح جديد يمكن تسميته بـ«لاجئ الطاقة، وليس سائح الطاقة، لأن الأثرياء في أوروبا لن يفروا من بلدانهم هربا من أسعار الطاقة».
وعن توقعاته لأمد أزمة الطاقة، قال هناك سيناريوهان، الأول: «يتوقع استمرار الأزمة مدة لا تقل عن 10 سنوات، استنادا إلى استحالة تراجع الرئيس الروسي عن توجهاته، وإلا سيكون ذلك انتحارا سياسيا له، والسيناريو الآخر: هو أن تدفع الخسائر الضخمة التي تكبتدها أوروبا وروسيا ومختلف الأطراف إلى التوصل لحل وسط يحفظ ماء وجه بوتين، وفي هذه الحالة يمكن أن تحل الأزمة مع دخول الشتاء أو بدايات العام القادم على أقصى تقدير».
ويقول قنديل إن مؤتمر المناخ (كوب 27) الذي تستضيفه مصر الشهر المقبل، سيكون كاشفا عن مدى النيات الأوروبية تجاه التعامل مع أزمة الطاقة، وهو ما قد يعطي مؤشرا عن وجود اتجاه للحل أم التصعيد، ويضيف «في حال تهربت الدول الأوروبية من تعهداتها الخاصة باستخدام الفحم لتوليد الطاقة، فهذا سيكون مؤشرا على استمرار الأزمة لفترة أطول، إذ إن الفحم هو البديل الأرخص لإنتاج الطاقة».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


من المتوسط للمنخفض... ماذا يعني تحسن مصر في خريطة مكافحة الإرهاب؟

شرطي يحرس إحدى المنشآت في وسط القاهرة (رويترز)
شرطي يحرس إحدى المنشآت في وسط القاهرة (رويترز)
TT

من المتوسط للمنخفض... ماذا يعني تحسن مصر في خريطة مكافحة الإرهاب؟

شرطي يحرس إحدى المنشآت في وسط القاهرة (رويترز)
شرطي يحرس إحدى المنشآت في وسط القاهرة (رويترز)

تقدم مصري جديد في مكافحة الإرهاب يعكس تحولات لافتة في المشهد الأمني، انعكس في تحسن تصنيف مصر على المؤشرات الدولية، وانتقالها إلى مستوى منخفض، في دلالة على تراجع العمليات وقدرة أكبر على احتوائها.

ذلك التحسن المصري في خريطة مكافحة الإرهاب، يعكس بحسب خبير أمن إقليمي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أسلوب وخطط القاهرة التي شملت إجراءات أمنية وفكرية وثقافية وإعلامية ومالية، عززت تقدمها في الاستقرار الأمني. لكنه يوضح أن «المؤشر لم يعطِ مصر حقها الذي نراه في الواقع من تحسن أمني، وكان يجب أن نراها في ترتيب أفضل من ذلك».

وذكر «المركز الإعلامي لمجلس الوزراء» أن القاهرة انتقلت في مؤشر الإرهاب العالمي من المستوى المتوسط إلى المستوى المنخفض في مستويات التهديد الإرهابي، بعد أن احتلت المركز 32 عالمياً في عام 2026، مقارنة بالمركز الـ29 في عام 2025، في «مؤشر يعكس تحسن الوضع الأمني للبلاد»، وفق بيان رسمي مساء السبت.

ويصنف المؤشر 163 دولة بالاعتماد على 4 مؤشرات فرعية؛ وهي عدد الحوادث الإرهابية، وعدد الوفيات الناجمة عن أعمال الجماعات الإرهابية، وعدد الإصابات المسجلة، وعدد الرهائن الذين تم احتجازهم من قبل تلك الجماعات، وذلك خلال فترة زمنية محددة.

ويُعدّ مؤشر الإرهاب العالمي وفق إفادة «المركز الإعلامي»، أداة تحليلية سنوية يصدرها «معهد الاقتصاد والسلام»، ويعدّ مرجعاً معتمداً لقياس تأثير الإرهاب على مستوى العالم، ويعتمد المؤشر في منهجيته، على بيانات موثقة من مصادر دولية ومحلية، ويهدف إلى مساعدة صانعي القرار والباحثين في فهم أنماط العنف الإرهابي وتقييم فاعلية السياسات المضادة.

وفي مارس (آذار) 2025، أعلنت «هيئة الاستعلامات المصرية» أن القاهرة تراجعت 16 مركزاً في مؤشر الإرهاب العالمي، ولفتت إلى أنها كانت في عام 2014 في المركز الـ13، ووصلت في عام 2024 إلى المركز الـ29.

ويرى مراقبون أن «التحسن الأمني في المؤشرات الدولية بدأ منذ تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رئاسة البلاد، وسط بيانات متوالية للجيش المصري ووزارة الداخلية تكشف عن ضربات استباقية في مواجهة أي عمليات إرهابية، لا سيما في سيناء».

القاهرة انتقلت في مؤشر الإرهاب العالمي من المستوى المتوسط إلى «المنخفض» (الشرق الأوسط)

وتلك الفترة التي عززت التحسن الأمني، بحسب خبير الأمن الإقليمي، اللواء محمد عبد الواحد، سمحت بهذا التقدم الملحوظ، مع اتخاذ مصر إجراءات فعلية وتطبيق منهج علمي متكامل في التعامل مع ظاهرة الإرهاب، حيث «لم تكتفِ الدولة باستخدام القوة الأمنية فقط للقضاء عليه، بل اتبعت استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع الإرهاب من جذورها».

وهذا التجفيف لمنابع الإرهاب، وفق عبد الواحد، «شمل أبعاداً ثقافية وفكرية شاركت فيها مؤسسات دينية وثقافية وتعليمية، حيث تم دمج مكافحة الإرهاب مع مواجهة التطرف العنيف، وأثمر ذلك عن إنشاء مؤسسات متخصصة للمكافحة».

كما جاء هذا التحسن الأمني مع فرض الدولة رقابة صارمة على تحركات الأموال في البنوك، وتعزيزها إجراءات مكافحة غسل الأموال، ما ضيق الخناق على تمويل العمليات الإرهابية، بحسب عبد الواحد، الذي لفت إلى أن «هذا التحسن يعني أن مصر تنسق بشكل كبير مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية، باعتبار الإرهاب أصبح ظاهرة عابرة للحدود، واستطاعت تبادل المعلومات وحصار الشخصيات المتورطة في الإرهاب، ما جعل استراتيجيتها الأمنية تواصل التحسن والنجاح... كما تمت مكافحة المحتوى الإعلامي المحرض على العنف عبر شبكات التواصل الاجتماعي»، لافتاً إلى أن هذا التراجع في مستويات الإرهاب «يعطي ثقة كبيرة للمستثمرين والشركاء الدوليين، خصوصاً أن رأس المال يرتبط دائماً بمدى الاستقرار الأمني، ويشجع على زيادة الاستثمار والتنمية وتنشيط قطاع السياحة».

وأكد عبد الواحد أن «الدولة المصرية أصبحت تمتلك رؤية شاملة في التعامل مع التهديدات، حيث يتم تنفيذ ضربات استباقية بناء على معلومات دقيقة لدى الأجهزة الأمنية قبل وقوع أي فعل إرهابي، وهذا جزء مهم من التحسن الأمني الحالي».


البرلمان الجزائري يقر قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» المعدَّل

جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)
جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يقر قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» المعدَّل

جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)
جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)

​في إجراء تشريعي حاسم، صادق «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الأحد، بصفة نهائية، على «مشروع قانون تجريم الاستعمار» بعد إدخال تعديلات عليه، وذلك عقب جولات ماراثونية من النقاشات المستفيضة في أبعاده السياسية والتشريعية والتاريخية.

وبذلك يكون البرلمان الجزائري قد أنهى جدالاً حاداً، استمر بين غرفتيه لأكثر من 4 أشهر، بشأن مواد مثيرة في مشروع القانون الذي طُرح نصه في وقت بلغت فيه الأزمة الدبلوماسية مع باريس ذروتها، ووظفته الجزائر في سياق ردودها على ما عدَّته «استفزازات» من جانب الدولة المستعمِرة سابقاً.

ومن أبرز التعديلات التي اعتمدها أعضاء المجلس؛ إعادة صياغة المادة التاسعة من المشروع عبر حذف عبارة «والاعتذار عن جرائم الاستعمار»؛ في خطوة وصفها مراقبون بأنها فرصة للمناورة القانونية والقضائية، تسعى الجزائر من خلالها لانتزاع اعتراف فرنسي رسمي بجرائم الحقبة الاستعمارية، وتجاوز العقبات التي قد تعترض المسار الدبلوماسي الهادف إلى دفع باريس إلى الإقرار بمسؤوليتها عن احتلال الجزائر (1830 - 1962) بوصفه «جريمة ضد الإنسانية».

النواب الجزائريون يصوتون على قانون «تجريم الاستعمار» في ديسمبر الماضي (البرلمان)

وكان «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) قد صادق على المشروع في ديسمبر (كانون الأول) 2025، في ظرف شهد تصاعداً في التوترات مع فرنسا، التي تأججت في يوليو (تموز) 2024، إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء. واعتُبر مشروع القانون هذا حلقة من حلقات هذا التوتر.

ويهدف النص التشريعي أساساً إلى التعامل مع الاستعمار بوصفه «جريمة دولة»، وتثبيت ذلك قانونياً، مع توثيق الانتهاكات مثل القتل والتعذيب والتهجير والتجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر (1960 - 1966).

«خط الرجعة»

في صيغته الأولى، تضمن القانون مطالب واضحة موجهة لفرنسا، أبرزها تقديم اعتذار رسمي عن «جرائم الاستعمار» ودفع تعويضات مادية شاملة للضحايا. لكن لما أحيل إلى الغرفة البرلمانية العليا في مارس (آذار) الماضي، بغرض المناقشة والمصادقة، تم حذف بندي «الاعتذار والتعويض» بعد خلافات داخل البرلمان.

وفُهم من هذه الخطوة أن الجهات العليا في البلاد هي من أمرت بـ«صيغة منقَحة» للنص، للحفاظ على «خط الرجعة» في العلاقة مع فرنسا، بمعنى أن الرئاسة في البلاد ارتأت أنه ما زالت هناك فرصة لتحسين العلاقات مع باريس، وأن «قانون التجريم» كان سيقضي عليها.

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

كما أُعيدت صياغة «البند 28» لضمان تصنيف «الاغتصاب والاستعباد الجنسي» بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم. ويُعد إدراج الاستعباد الجنسي تحديداً سابقة قانونية تملأ فراغاً تشريعياً دام طويلاً، حيث كان التعامل مع هذه التجاوزات يقتصر سابقاً على الطروحات التاريخية والمنشورات الصحافية.

أما فيما يخص تعاون جزائريين مع الجيش الفرنسي، فقد وُصف في المادة السابعة بأنه «خيانة» بدلاً من «خيانة عظمى»، كما ورد في الصيغة الأولية.

وعلى الرغم من تخلي الجزائر عن تفصيل «الاعتذار» في النص القانوني، فإن حدة الأزمة لم تنحسر؛ بل تضاعفت في الأيام الأخيرة إثر اتهام باريس بـ«إرهاب الدولة» من طرف رئيس النيابة الفرنسية المتخصص في قضايا الإرهاب أوليفييه كريستن. وكان يشير ضمناً، خلال حوار صحافي، إلى «قضية خطف واحتجاز اليوتيوبر الجزائري المعارض، أمير بوخرص» المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وتعود وقائع القضية إلى شهر أبريل (نيسان) 2024؛ وقد شهدت تطوراً لافتاً بحبس موظف قنصلي جزائري بباريس بعد اتهامه باختطاف بوخرص الشهير بـ«أمير دي زاد». والأسبوع الماضي، مدَّد القضاء الفرنسي حبسه لسنة أخرى، الأمر الذي أثار سخطاً شديداً لدى الجزائريين.

وبخصوص الاتهام بـ«إرهاب الدولة»، الذي طال أيضاً إيران وروسيا، فقد أفاد رئيس «حركة البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة، وهو أحد أبرز الحلفاء السياسيين للرئيس عبد المجيد تبون، في بيان الأحد، بأن تصريحات كريستين «ادعاء خطير يمثل سقطة قانونية وسياسية كبيرة تعكس خلفيات استفزازية حاقدة».

وندد بن قرينة بما وصفه بأنه «تطاول سافر يمس بسيادة مؤسسات الدولة الجزائرية، وموقف عدائي يندرج ضمن سلسلة محاولات يائسة للتشويش على الحركية الدبلوماسية النشطة للجزائر، وعلى انتصاراتها المحققة على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية».

خريطة انتخابية جديدة

من ناحية أخرى، دخلت الجزائر مرحلة العد التنازلي للانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، بصدور القانون المحدد للدوائر الانتخابية، وعدد المقاعد البرلمانية في العدد الأخير من الجريدة الرسمية. ويأتي هذا النص التشريعي قبل 3 أشهر من موعد الاقتراع، ليضع القواعد النهائية للتنافس على مقاعد «المجلس الشعبي الوطني» و«مجلس الأمة».

ووفقاً للمادة الثالثة من القانون، اعتمد المشرّع الجزائري مبدأ «التناسب السكاني» قاعدة أساسية لتوزيع المقاعد، استناداً إلى نتائج آخر إحصاء رسمي. وبموجب هذا النظام، يُخصص مقعد برلماني لكل حصة ديمغرافية قوامها 120 ألف نسمة، مع منح مقعد إضافي عن كل فائض عددي يتجاوز 60 ألف نسمة.

تصفيق في البرلمان الجزائري عقب التصويت على قانون «تجريم الاستعمار» قبل إدخال تعديلات عليه (البرلمان)

وفي خطوة لضمان تمثيل المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة، اشترط القانون ألا يقل تمثيل أي ولاية عن مقعدين، وهو إجراء استفادت منه 21 ولاية يقل عدد سكانها عن 200 ألف نسمة، من إجمالي 69 ولاية تشكل الخريطة الإدارية للبلاد. أما الجالية الوطنية بالخارج، فقد حافظت على ثقلها السياسي بتخصيص 12 مقعداً لتمثيلها في الغرفة السفلى.

وأظهر جدول توزيع المقاعد تبايناً يعكس الثقل الديمغرافي للمدن الكبرى، حيث تصدرت العاصمة الجزائر القائمة بـ31 نائباً، تليها ولاية سطيف بـ17 نائباً، ثم وهران بـ16 نائباً. كما برزت ولايات باتنة والبليدة والشلف وتيزي وزو، بوصفها كتلاً انتخابية وازنة، بـ11 مقعداً لكل منها، بينما بلغ تمثيل ولايات كبرى أخرى مثل قسنطينة وتلمسان وبجاية، 9 مقاعد.

توازن بين الانتخاب والتعيين

وعلى صعيد الغرفة العليا، حدد القانون آليات تشكيل «مجلس الأمة» الذي يضم 118 عضواً منتخباً يمثلون الولايات التسع والستين.

واعتمدت المادة السابعة معياراً مزدوجاً للتمثيل؛ حيث يُخصص مقعد واحد للولايات التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 ألف نسمة، ومقعدان للولايات التي تتخطى هذا النصاب.

وبعيداً عن المسار الانتخابي، يبقى «الثلث الرئاسي» صمام أمان لتعزيز الخبرات داخل البرلمان، حيث يخوّل الدستور لرئيس الجمهورية تعيين الثلث المتبقي من الأعضاء من بين الكفاءات الوطنية والشخصيات العلمية والمهنية، لضمان توازن بين التمثيل الشعبي والخبرة التكنوقراطية في صناعة القرار التشريعي.


مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
TT

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

شارك مئات التونسيين، من بينهم نشطاء وممثلون عن المجتمع المدني، في مسيرة مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين في العاصمة تونس، اليوم السبت، في ظل دعوات لتشديد قوانين الإقامة والجنسية، وترحيل المهاجرين غير النظاميين، حسب ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية.

وكان «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، الذي يعنى بقضايا الهجرة، قد دعا قبل أيام إلى المشاركة في مسيرة اليوم، رداً على مقترحات داخل البرلمان لتشديد قيود الإقامة، ودعواته لتكثيف حملات الترحيل.

ورفع المتظاهرون في المسيرة، التي انطلقت من أمام مقر نقابة الصحافيين إلى الشارع الرئيسي (الحبيب بورقيبة)، شعارات معارضة لسياسات الهجرة من بينها: «تونس: حدود مغلقة... سجون مفتوحة»، ورددوا: «لا مصالح أوروبية ضد الوحدة الأفريقية». كما طالبوا بالإفراج عن الناشطة المدافعة عن المهاجرين، سعدية مصباح، رئيسة جمعية «منامتي»، التي تقبع في السجن منذ نحو عامين في حملة إيقافات شملت نشطاء آخرين أيضاً.

وتخضع سعدية للتحقيق في مصادر التمويل الخارجي، وفي تهمة المساعدة على إيواء مهاجرين غير نظاميين للاستقرار في تونس. وكان قد صدر حكم ضدها بالسجن لثماني سنوات في مارس (آذار) الماضي. وينتقد منظمو المسيرة اليوم ما يعتبرونه «توظيفاً سياسياً» من السلطة والبرلمان للنقاش الدائر بشأن أزمة المهاجرين، ما أدى إلى صناعة «رأي عام» مناهض للمهاجرين.

وقال رمضان بن عمر، العضو في المنتدى، لوكالة الأنباء الألمانية: «نريد أن نقول إن هذا لا يمثل المجتمع، وأن هناك فضاءً مدنياً في تونس لا يزال متمسكاً بقيم الحرية والكرامة والعدالة، ويرفض العنصرية، والتخويف المبالغ فيه من المهاجرين».

وتابع بن رمضان موضحاً أن الدولة «مرتاحة لانحراف النقاش العام إلى مسائل لا تعد أولوية حيوية للشعب التونسي، مثل الوضع الاقتصادي والاجتماعي».

وعرض نواب في البرلمان التونسي في فبراير (شباط) الماضي مقترحاً لتعديل قانون، يهدف إلى تشديد شروط الحصول على الجنسية لغير الحاملين لإقامات قانونية. وجاء في وثيقة المقترح أنه يهدف إلى «تفادي كل تهديد للأمن والسلم الاجتماعيين، والحفاظ على التوازن الديموغرافي للبلاد».

وبدأت تونس عمليات ترحيل واسعة، بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة ودول أوروبية، للآلاف من المهاجرين المنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء. وغادر 8853 مهاجراً إلى بلدانهم في 2025 مقابل حوالي سبعة آلاف في 2024 ضمن برنامج الإعادة الطوعية، وإعادة الإدماج الذي تموله المنظمة الدولية للهجرة وشركاؤها المانحون.