أفغانستان: تحذير أممي من تفاقم المعاناة إن لم تستجب «طالبان» لمطالب الشعب

ماركوس بوتزيل متحدّثاً أمس خلال جلسة مجلس الأمن حول أفغانستان
ماركوس بوتزيل متحدّثاً أمس خلال جلسة مجلس الأمن حول أفغانستان
TT

أفغانستان: تحذير أممي من تفاقم المعاناة إن لم تستجب «طالبان» لمطالب الشعب

ماركوس بوتزيل متحدّثاً أمس خلال جلسة مجلس الأمن حول أفغانستان
ماركوس بوتزيل متحدّثاً أمس خلال جلسة مجلس الأمن حول أفغانستان

حذّر نائب الممثّل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لأجل أفغانستان ماركوس بوتزيل من أنّه إذا لم تمتثل حركة «طالبان» لمطالب الشعب، ستعاني أفغانستان مزيداً من التجزئة والعزلة والفقر والصراع الداخلي، ما يؤدي إلى هجرة جماعية محتملة وبيئة محلية مؤاتية للمنظمات الإرهابية، في وقت يواجه قرابة 19 مليون أفغاني انعدام أمان حاداً للأمن الغذائي. فيما ندّدت النائبة السابقة لرئيس البرلمان الأفغاني فوزية كوفي بالفصل العنصري ضد المرأة الّذي تمارسه «طالبان»، ما خلق جيلاً كاملاً من النساء سجينات في منازلهن.
* تنديد بحظر تعليم الفتيات
ندّد بوتزيل خلال اجتماع لمجلس الأمن الثلاثاء حول الأوضاع في أفغانستان، بالحظر المستمر على التعليم الثانوي للفتيات الذي هو «الوحيد من نوعه في العالم»، واستنكر القيود المتزايدة على حقوق المرأة التي تشير إلى أن «طالبان» «غير مبالية بأكثر من 50 في المائة من السكان وأنها على استعداد للمخاطرة بالعزلة الدولية». وأضاف: «إن إبعاد النساء والفتيات إلى المنزل لا يحرمهن من حقوقهن فحسب، بل إن أفغانستان ككل، محرومة من الاستفادة من المساهمات الكبيرة التي يتعيّن على النساء والفتيات تقديمها».
* تدهور الأوضاع الأمنية
ولفت بوتزيل إلى أنّه في الأشهر الماضية، كان هناك ارتفاع مطرد في الحوادث الأمنية التي رصدتها بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان، من مصادمات مسلحة وأعمال إجرامية، فضلاً عن الهجمات الإرهابية الكبيرة. وانتقد رفض حركة «طالبان» التحذيرات السابقة بشأن قدرات ولاية خراسان التابعة لتنظيم «داعش»، إذ «أظهر (تنظيم خراسان) في الأشهر القليلة الماضية، أنه يستطيع تنفيذ اغتيالات لشخصيات مقربة من طالبان، وشن هجمات ضد السفارات الأجنبية، وكذلك إطلاق صواريخ عبر حدود أفغانستان لمهاجمة جيرانها».
وأعرب عن قلقه بشكل خاص من الهجوم الأخير الذي استهدف السفارة الروسية في كابل وأسفر عن مقتل 10 أشخاص، من بينهم دبلوماسي روسي. كما أنّه أشار إلى «وجود تقارير مقلقة، وكذلك مقاطع فيديو وصور، تشير إلى احتمال ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في (ولاية) بنجشير» الأفغانية.
* إقتصاد في تراجع مستمر
أشار بوتزيل إلى أنّ الحالة الاقتصادية في أفغانستان لا تزال هشة، «ففيما تدعي حركة طالبان أنها زادت الصادرات، وحافظت على قيمة العملة الأفغانية، وحققت إيرادات قوية، فقد انهار دخل الفرد إلى مستويات عام 2007، ليمحو 15 عاماً من النمو الاقتصادي».
وحذّر من أنّ الحصول على التمويل المطلوب لخطة الاستجابة الإنسانية لمساعدة أفغانستان لعام 2022، غير مؤكد، مشيراً إلى أنّ الخطّة لم تتلق سوى 1.9 مليار دولار من جملة المبلغ المطلوب والبالغة قيمته 4.4 مليار دولار، «وسط الاحتياجات المتزايدة وتدهور حالة الأمن الغذائي، فإن فجوة التمويل هذه مقلقة للغاية لأن الشتاء قد اقترب. على المدى القريب، يحتاج الشركاء في المجال الإنساني إلى 614 مليون دولار لدعم الاستعدادات الشتوية ذات الأولوية بالإضافة إلى 154 مليون دولار المطلوبة للتخزين المسبق للإمدادات الأساسية قبل أن تُقطع مناطق بسبب الطقس». وشدّد على أنّ دعم احتياجات الشعب الأفغاني يجب ألّا يصل مباشرة إلى سلطات الأمر الواقع («طالبان»).
ونبّه بوتزيل إلى أنّه إذا لم تستجب «طالبان» لاحتياجات «جميع عناصر المجتمع الأفغاني وانخرطت بشكل بناء في إطار الفرصة المحدودة للغاية مع المجتمع الدولي، فمن غير الواضح ما الذي سيحدث بعد ذلك». وأضاف أنّ: «مزيداً من التجزئة والعزلة والفقر والصراع الداخلي هي من بين السيناريوهات المحتملة، مما يؤدي إلى الهجرة الجماعية المحتملة وبيئة محلية مؤاتية للمنظمات الإرهابية، فضلا عن بؤس أكبر للسكان الأفغان».

لاجئون أفغان في باكستان (رويترز)
* التجارة غير المشروعة
من جهتها، حذرت المديرة التنفيذية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، غادة والي، من أنّه في غياب سيادة القانون، يمكن أن تستفيد الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة من المخدرات وغيرها من أشكال الاتجار مثل تجارة الأسلحة، في حين أن الظروف البائسة في البلاد تؤدي إلى الاتجار بالبشر واستغلالهم. وقالت: «يجب أن يكون المجتمع الدولي على استعداد لمواجهة تحديات المخدرات والتدفقات غير المشروعة القادمة من أفغانستان، مع تقديم أكبر قدر ممكن من المساعدة للمتضررين من المخدرات غير المشروعة داخل البلاد».
ولفتت الى أنّ الجفاف الشديد أدّى إلى تدمير المحاصيل الغذائية، في وقت ينهار فيه الاقتصاد الأفغاني، ويعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، ويواجه ما حوالى 19 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما تبدو الزراعة غير المشروعة بالنسبة للكثيرين البديل الوحيد للمجاعة.
وقالت إن مكتبها (مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة)، «يدعم سبل العيش البديلة لمزارعي خشخاش الأفيون في مقاطعتي قندهار وهلمند، اللتين تمثلان 72 في المائة من هذه الزراعة، وشمل ذلك توفير وسائل إدرار الدخل ودعم الأمن الغذائي لأكثر من ألف أسرة تعولها نساء».
* خيبة أمل أفغانية
قالت فوزية كوفي، النائبة السابقة لرئيس البرلمان الأفغاني، «تحدثت مع الكثير من النساء في أفغانستان ويُردن مني أن أنقل إليكم هذه الرسالة: شعب أفغانستان محبط ومذعور ويشعر بالخيانة لأنّ العالم لا يزال لا يتحدث عن الفصل العنصري الحالي (ضدّ النساء) في ظل حكم طالبان». وأضافت: «يشعر الشعب الأفغاني بخيبة أمل لأنه خلال الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يتحدث قادة العالم عن معاناة 40 مليون شخص في أفغانستان»، مشيرة إلى أنّ الشعب الأفغاني يعيش في وطن سجين تحت حكم «طالبان»، وأنّ أكثر من 2.2 مليون أفغاني غادروا البلاد منذ اغسطس (آب) 2021 (بعد سيطرة «طالبان» على الحكم)، فيما يتطلع ملايين آخرون إلى مغادرة البلاد أيضاً.
* إضطهاد وإقصاء يواجهان النساء
وخاطبت كوفي الحاضرين في جلسة مجلس الأمن بقولها: «تخيّلوا لدقيقة واحدة، وخاصة إخواني (الرجال) في هذه الغرفة، إذا حكمت المرأة أفغانستان، أو كانت المرأة تحكم العالم ولم يُسمح لك كرجل بمغادرة منزلك دون أن ترافقك امرأة، ولا يسمح لك بارتداء ما تريد. لقد حُرمت من حقوقك الإنسانية والإسلامية الأساسية في التعليم والعمل». وأضافت: «هل يمكنكم ان تضعوا أنفسكم لدقيقة واحدة مكان المرأة الافغانية وتشعروا بالألم؟ أنا أكيدة أنّ ذلك صعب تخيّله».
وقالت متحدّثة عن التشريعات الظالمة بحق المرأة في أفغانستان: «أصدرت طالبان أكثر من 31 عقوبة ومرسوماً وأمراً للقضاء على النساء في أفغانستان، وحرمانهن من جميع حقوق الإنسان الأساسية مثل الوصول إلى التعليم والتوظيف والحرية». وأضافت أنّه «نتيجة لذلك، أصبح جيل من النساء الأفغانيات، سجيناً داخل جدران المنازل.
وعن النساء اللواتي يعملن في الوظائف الحكومية قالت كوفي إنّه في حين يشكّلن 30% من العاملين في هذا القطاع، فقد مُنعن من الذهاب الى مكاتبهن ومزاولة عملهنّ، واستُبدلن برجال في مراكزهن، وتُركن بلا مصدر دخل لإعالة عائلاتهنّ. وأشارت الى أنّه بعد أن كان الإعلام في افغانستان يتميّز أنّه من أكثر الإعلام حرية وفعالية، تم اغلاق 300 وسيلة اعلامية في العام الأخير بعد وصول «طالبان» الى الحكم. وقالت: «لم تعد أي صحافية تعمل في مجال الاعلام في 17 محافظة افغانية (من أصل 34)، بعد أن كان عددهن 2756 صحافية امرأة قبل سيطرة طالبان على كابل، يوجد الآن فقط 600 امرأة يعملن في مجال الاعلام»، مطالبة مجلس الأمن الاعتراف بأن ما يحصل في افغانستان هو جرائم ضد الانسانية.
* دعوة للقضاء على التهديد الإرهابي
أشار ناصر أحمد فائق، القائم بأعمال بعثة أفغانستان لدى الأمم المتحدة، إلى إنّ 24 مليون أفغاني يحتاجون لمساعدة إنسانيّة و19 مليون يعانون نقصاً خطيراً في الأمن الغذائي. وقال إنّ القمع الكبير الذي تشهده بعض المحافظات في أفغانستان بحق إثنيات، اضافة الى اطلاق النار على سجناء الحرب، هو انتهاك لحقوق الانسان وجرائم حرب يجب أن تخضع لمحكمة الجنايات الدولية. كما طالب الشركاء الدوليين بدعم قيام حوار وطني في افغانستان للخروج من المأزق السياسي.
وبعد أن أعرب عن شكره للأمم المتحدة للمساعدات التي تقدّمها لأفغانستان، دعا المنظمة الدوليّة للانخراط بدور أقوى في افغانستان. وناشد مجلس الأمن الدولي «اتخاذ موقف موحد لمعالجة الوضع في أفغانستان للقضاء على التهديدات الإرهابية، وحماية النساء والفتيات الأفغانيات، وزيادة الدعم الإنساني لأفغانستان والمساعدة في ضمان مستقبل شامل لجميع الأفغان».


مقالات ذات صلة

غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

العالم غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، أن الوضع في أفغانستان هو أكبر كارثة إنسانية في العالم اليوم، مؤكداً أن المنظمة الدولية ستبقى في أفغانستان لتقديم المساعدة لملايين الأفغان الذين في أمّس الحاجة إليها رغم القيود التي تفرضها «طالبان» على عمل النساء في المنظمة الدولية، محذراً في الوقت نفسه من أن التمويل ينضب. وكان غوتيريش بدأ أمس يوماً ثانياً من المحادثات مع مبعوثين دوليين حول كيفية التعامل مع سلطات «طالبان» التي حذّرت من استبعادها عن اجتماع قد يأتي بـ«نتائج عكسيّة». ودعا غوتيريش إلى المحادثات التي تستمرّ يومين، في وقت تجري الأمم المتحدة عملية مراجعة لأدائها في أفغانستان م

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم «طالبان» ترفض الادعاء الروسي بأن أفغانستان تشكل تهديداً أمنياً

«طالبان» ترفض الادعاء الروسي بأن أفغانستان تشكل تهديداً أمنياً

رفضت حركة «طالبان»، الأحد، تصريحات وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي زعم أن جماعات مسلحة في أفغانستان تهدد الأمن الإقليمي. وقال شويغو خلال اجتماع وزراء دفاع منظمة شنغهاي للتعاون يوم الجمعة في نيودلهي: «تشكل الجماعات المسلحة من أفغانستان تهديداً كبيراً لأمن دول آسيا الوسطى». وذكر ذبيح الله مجاهد كبير المتحدثين باسم «طالبان» في بيان أن بعض الهجمات الأخيرة في أفغانستان نفذها مواطنون من دول أخرى في المنطقة». وجاء في البيان: «من المهم أن تفي الحكومات المعنية بمسؤولياتها». ومنذ عودة «طالبان» إلى السلطة، نفذت هجمات صاروخية عدة من الأراضي الأفغانية استهدفت طاجيكستان وأوزبكستان.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم جهود في الكونغرس لتمديد إقامة أفغانيات حاربن مع الجيش الأميركي

جهود في الكونغرس لتمديد إقامة أفغانيات حاربن مع الجيش الأميركي

قبل أن تتغير بلادها وحياتها بصورة مفاجئة في عام 2021، كانت مهناز أكبري قائدة بارزة في «الوحدة التكتيكية النسائية» بالجيش الوطني الأفغاني، وهي فرقة نسائية رافقت قوات العمليات الخاصة النخبوية الأميركية في أثناء تنفيذها مهام جبلية جريئة، ومطاردة مقاتلي «داعش»، وتحرير الأسرى من سجون «طالبان». نفذت أكبري (37 عاماً) وجنودها تلك المهام رغم مخاطر شخصية هائلة؛ فقد أصيبت امرأة برصاصة في عنقها، وعانت من كسر في الجمجمة. فيما قُتلت أخرى قبل وقت قصير من سقوط كابل.

العالم أفغانيات يتظاهرن ضد اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

أفغانيات يتظاهرن ضد اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

تظاهرت أكثر من عشرين امرأة لفترة وجيزة في كابل، أمس، احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بحكومة «طالبان»، وذلك قبل يومين من اجتماع للأمم المتحدة، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. وسارت نحو 25 امرأة أفغانية في أحد شوارع كابل لمدة عشر دقائق، وردّدن «الاعتراف بـ(طالبان) انتهاك لحقوق المرأة!»، و«الأمم المتحدة تنتهك الحقوق الدولية!».

«الشرق الأوسط» (كابل)
العالم مظاهرة لأفغانيات احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

مظاهرة لأفغانيات احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

تظاهرت أكثر من 20 امرأة لفترة وجيزة في كابل، السبت، احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بحكومة «طالبان»، وذلك قبل يومين من اجتماع للأمم المتحدة. وسارت حوالي 25 امرأة أفغانية في أحد شوارع كابل لمدة عشر دقائق، ورددن «الاعتراف بطالبان انتهاك لحقوق المرأة!» و«الأمم المتحدة تنتهك الحقوق الدولية!». وتنظم الأمم المتحدة اجتماعاً دولياً حول أفغانستان يومَي 1 و2 مايو (أيار) في الدوحة من أجل «توضيح التوقّعات» في عدد من الملفات. وأشارت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، خلال اجتماع في جامعة برينستون 17 أبريل (نيسان)، إلى احتمال إجراء مناقشات واتخاذ «خطوات صغيرة» نحو «اعتراف مبدئي» محتمل بـ«طالبان» عب

«الشرق الأوسط» (كابل)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.