فنون تزدهر ونقد ذابل

الحكايات والوجوه الأخرى للآداب الشعبية لا تزال بحاجة إلى استكشاف نقدي

القصيدة الشعبية - شعر العامية
القصيدة الشعبية - شعر العامية
TT

فنون تزدهر ونقد ذابل

القصيدة الشعبية - شعر العامية
القصيدة الشعبية - شعر العامية

مجالات مهمة في حياتنا الثقافية والإبداعية تتمتع بخصوبة في الإنتاج تقابلها ضآلة في المعرفة. وبالمعرفة أقصد النظر النقدي والتحليل الثقافي. قياساً إلى ما ينتج حول الأدب، مثلاً، يجد الفن التشكيلي نفسه أمام شح في الدراسات والتحليلات التي تستكشف عوالمه وجوانب تميزه أو تؤرخ له. أعرف أن هناك الكثير من المؤلفات التي تدرس الفن التشكيلي لكنها لا تقاس بما ينتج حول الشعر أو الرواية. ويصدق ذلك إلى حد بعيد على الموسيقى، فمع أن هناك من يؤلف حول هذا المجال الكبير فإن النتاج ذا الطابع التحليلي الذي يسبر أبعاد الموسيقى والأغنية قليل قياساً إلى ما ينتج في مجالات أخرى. لكن المؤكد هو أن فنوناً كالتي تُعرف أحياناً بالأدائية مثل الرقص، سواء الفردي التعبيري أو الشعبي الفولكلوري، تعيش ندرة فيما يُكتب حولها وينقلها من ثم من المتعة الخالصة والصامتة سواء في الأداء أو التلقي إلى فضاءات المعرفة الناطقة بالتحليل والنقد والتأريخ، ولتلك الفضاءات متعة خاصة يعرفها من جرّب العيش فيها.
أظن أنه من الواضح أن ما أقصده بالدراسات ليست الفولكلورية أو الأنثروبولوجية التي تتعامل مع الفنون من حيث هي ظواهر ثقافية تُحيل على طبيعة المجتمعات البشرية في تطورها أو من حيث سماتها، وإنما أقصد الدراسات النقدية التي تستجلي الجوانب الجمالية، وتنظر في الموضوعات والنواظم، وفي الدلالات والأبعاد المختلفة للفنون، تماماً كما يحصل في دراسة الأدب ونقده. هذا اللون من النقد غاب أو كاد يغيب أيضاً عن لون من الأدب يعرفه الأنثروبولوجيون والفولكلوريون لكن من زاوية تعنيهم ولا تعني الناقد الأدبي. أقصد الأدب المنتج بالعاميات الذي يُعرف أحياناً بالشعبي وله مسميات مختلفة في كل منطقة، لا سيما الجانب الشعري منه. والأدب هنا هو الحكايات وألوان المحاكاة التمثيلية أو المسرحية إلى جانب الشعر وغيره.
وقعتُ مؤخراً على كتاب للناقد المصري د.صلاح فضل بعنوان رئيسي هو «شعر العامية» (2019)، وحين قرأت الكتاب وجدته يملأ بعض الفراغ الذي أشير إليه، لكنه في تقديري حالة معزولة أو نادرة الحدوث، وفي غاية الأهمية أيضاً. ولأنني معنيٌّ أيضاً بهذا الجانب، فقد صدر لي كتاب بعنوان «القصيدة الشعبية: سمات التحضر وتحديات التجديد» (2017)، فقد كان من الطبيعي أن أتوقف عند كتاب صلاح فضل وأن أقرأه باهتمام لأجده بالفعل إضافة مهمة لحقل محدود النمو. استرعى انتباهي العنوان الجانبي لكتاب فضل: «من السوق إلى المتحف»، وهي عبارة وضّحها في السطور الأولى من مفتتح الكتاب: «تبغي هذه القراءة أن تنتقل نقدياً بشعر العامية من سوق الحياة إلى متحف الفن...». ومع أن المبتغى الأساسي لهذه العبارة هي ما ابتغيته أنا في كتابي حول القصيدة الشعبية، فإن الاتجاه من سوق الحياة إلى متحف الفن أثار لديَّ تساؤلاً حول قيمة المتحف حين يكون مأوى للشعر. تذكرت رأياً لأندريه مالرو، وزير الثقافة الفرنسي في عهد ديغول، والذي عُرف، إلى جانب كونه روائياً، بريادته للنقد التشكيلي الحداثي. تذكرت لمالرو رأياً حول المتحف بوصفه سجناً أو تقييداً للأعمال الفنية، أي عزلاً لها. الأعمال الفنية التي ظلت تسكن الفضاء العام في عصر النهضة الأوروبي تقيدت بدخولها المتحف ومع أنها وجدت حماية وتقديراً بين جدرانه فإنها فقدت صلتها بالحياة العامة ليتحول المتحف إلى ما يشبه المعبد وتكتسي الفنون ما يشبه القداسة لكن الدنيوية بدلاً من الأخروية.
دراسة صلاح فضل لشعراء العامية الكبار في مصر ابتداءً ببيرم التونسي وانتهاء بعبد الرحمن الأبنودي، لم تغلق شعر العامية بل فتحته على آفاق من التلقي لم يعهدها، وأظن أن الناقد المصري أراد بمتحف الفن ذلك التلقي الجاد الذي يستكشف جماليات القصيدة بعيداً عن أنماط التلقي البسيطة التي لا تُعنى عادةً بتلك الجماليات أو بالأبعاد الدلالية الأخرى. ولا شك أن الشعر غير الفن التشكيلي في نهاية المطاف، فالقصائد تظل مِلكاً للثقافة العامة أو للسوق وإن لم يمنحها ذلك ما تستحقه من اهتمام.
ما يفعله كتاب مثل كتاب فضل هو أنه إلى جانب استكشاف الجماليات يوضح أيضاً أهمية السوق نفسها، أي على نقيض ما يتضمنه العنوان. فقصائد التونسي وجاهين والأبنودي وغيرهم تلمس هموم الناس اليومية على نحو لا نكاد نعثر له على مثيل في شعر الفصحى. ومع أن من شعراء الفصحى المصريين، وبالتحديد عبد الصبور وحجازي وأمل دنقل، من حملوا إلى شعرهم الكثير من الحياة اليومية بمفرداتها ووجوه معاناتها، فإن لا أحد منهم، في تقديري، يضارع اندماج التونسي في حياة الشارع اليومية وصراع البسطاء من الناس. عاميته كانت دون شك الجسر الأساسي لذلك الاندماج، فالفصحى تظل عقبة أمام محبي الأدب من غير المتعلمين فضلاً عن أن لها إرثها الثقافي الذي يُضعف صلتها بحياة البسطاء من الناس. يضاف إلى ذلك أن شعراء العامية أنفسهم أقرب شخصياً إلى حياة السوق، كما يسميها فضل، ليس بمستوى تعليمهم بقدر ما هو بسعيهم القصدي إلى ذلك القرب. لم يكن ممكناً لقصيدة لعبد الصبور أو حجازي أن تتردد على ألسنة الناس مثل قصيدة «المجلس البلدي» لبيرم، أو بعض رباعيات جاهين، أو الرسائل التي تخيّلها الأبنودي بين أبناء الصعيد.
ما يفعله صلاح فضل في كتابه هو الكشف عن هذه الأبعاد التي ظلت غائبة عن الوعي النقدي، ويبدو أنها ستظل لبعض الوقت، أي ريثما تزداد وتيرة التناول النقدي لذلك الأدب المهم. الحكايات والوجوه الأخرى للآداب الشعبية لا تزال بحاجة إلى استكشاف نقدي، ليس بالضرورة بنقلها إلى متحف، وإنما بمنحها ما تستحق من اهتمام. ومثل ذلك يمكن أن يقال عن الفنون غير القولية: الرسم والنحت والغناء والرقص وغيرها.
طلبت منّي إحدى الجهات مؤخراً أن أسهم في ملف أُعد تكريماً لفيروز والرحابنة، ومع أني بعيد كل البعد عن المعرفة الاحترافية بالموسيقى أو الغناء، فقد وجدت لديَّ ما يمكن قوله حول كلمات الأغاني التي شدت بها فيروز على مدى يقارب الستين عاماً من العطاء، أي الشعر الذي تغنت به. هل وجدت كلمات الأغاني اهتماماً نقدياً لدى أحد؟ ربما، لكنه على الأرجح في حكم النادر أيضاً. من الذي تناول كلمات أغاني أم كلثوم أو عبد الوهاب أو طلال مداح على مدى عقود؟ الكثيرون يترنمون بالأغاني لكن مَن الذي توقف عند دلالاتها الفنية وحاول الاستماع إلى نبضها الجمالي أو علاقاتها بالحياة اليومية وغير اليومية؟ ربما يكون الكثير من تلك الكلمات أقل مما يستحق عناء التحليل، لكن منها بالتأكيد ما هو جدير بالتأمل. فيروز التي غنت لسعيد عقل وجوزيف حرب، وأم كلثوم التي غنت لأبي فراس الحمداني ولشوقي ورامي وناجي وغيرهم، صعدتا بكلمات الأغنية إلى مدارج لم تكن شائعة من قبل، مثلما فعل عبد الوهاب وفريد الأطرش. ومن هنا كان يُفترض أن يتوقف التحليل النقدي عند تلك العلاقة بين الشعر والغناء، عند اختيارات المغنين والملحنين.
ويمكن قول ما يشبه ذلك عن العلاقة التي تربط الفنون التشكيلية باللغة سواء من زاوية الحروفية أو من زاوية التعالق مع النصوص لتكون موضوعاً للتشكيل، كما يحدث حين تكون قصيدة موضوعاً للوحة أو تلتقي اللوحة بالعمل الأدبي عند قضاياً مشتركة. العلاقة بين الفنون المختلفة أحد الأبواب الرئيسية في الدرس المقارن منذ تطور في الغرب أوائل القرن العشرين، ولدى المقارنين الفرنسيين والأميركيين بصفة خاصة الكثير مما يقولونه حول الصلات الوثيقة بين الفنون: الرواية والسينما، المسرح والتشكيل، الموسيقى والنحت، إلى غير ذلك من وجوه التداخل المستمر. لكن ماذا لدينا في المقابل؟ القليل فيما أظن.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
TT

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

احتفى الجمهور المصري بعودة الفنانة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة، ابتعدت خلالها عن الظهور الفني والإعلامي، حيث شاركت الفنانة المصرية في إعلان ترويجي رمضاني لإحدى شركات الاتصالات بمصر، وتصدر اسمها «التريند» على موقع «غوغل» الخميس، عقب نشر الإعلان على حسابات الشركة الرسمية، وعرضه على عدد من القنوات التلفزيونية.

وشارك مع عبلة كامل في الإعلان الرمضاني «يا واحشني»، الذي حقق نسبة مشاهدة عالية على المنصات «السوشيالية» المختلفة، عدد كبير من الفنانين من بينهم، منة شلبي، وياسمين عبد العزيز، ومحمد منير، محمد ممدوح، وأمير عيد، ومصطفى غريب.

وأشاد الناس في تعليقات ومشاركات بمواقع التواصل الاجتماعي بالإعلان ونجومه، وظهور عبلة كامل بالإطلالة التي اعتادوا عليها بأعمالها الفنية، وحرصها على عدم استخدام مستحضرات التجميل بشكل مبالغ فيه، كما وصفوا اللقطات التي جمعتها بالفنانتين ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي، بأنها كانت مليئة بالحب والحنان والأمومة.

وأثار الإعلان ردود فعل إيجابية رحبت بعودة عبلة كامل للساحة بعد غياب لسنوات، كما استعاد البعض مشاهد من أعمال فنية شهدت على مشاركة ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي مع عبلة كامل في بدايتهن الفنية، حيث جمع مسلسل «امرأة من زمن الحب»، بينها وبين ياسمين عبد العزيز قبل 28 عاماً، فيما جمعها مسلسل «أين قلبي»، مع منة شلبي قبل 24 عاماً.

واحتفى أيضاً عدد من الفنانين والإعلاميين في مصر بعودة عبلة كامل، وذلك عبر حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم ريهام عبد الغفور، وحسن الرداد، ورامي رضوان، وفاء عامر، وغيرهم.

وكسرت عبلة كامل ابتعادها التام عن الأضواء برسالة صوتية تمت إذاعتها عبر برنامج الإعلامية لميس الحديدي قبل أكثر من شهرين، وقدمت الشكر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقب قراره بعلاج كبار الفنانين على نفقة الدولة، واصفة القرار بأنه «لفتة كريمة وحنونة».

وأعلنت عبلة كامل حينها، عن خضوعها لعمليات جراحية على نفقتها الخاصة، كما عاتبت من انتقدوا قرار علاجها على نفقة الدولة.

وعن رأيه في الاحتفاء الجماهيري بعودة عبلة كامل للأضواء بعد غياب طويل، أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، «أن الناس تنتظر ظهور عبلة كامل بفارغ الصبر منذ ابتعادها عن الساحة الفنية، وخصوصاً بعد تأكيدها أخيراً مرورها بأزمة صحية».

قريبة من الجمهور

وأضاف النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن عبلة كامل فنانة قريبة من الناس لذلك فأي ظهور أو خبر عنها يخطف اهتمامهم، مؤكداً أن «الإعلان الترويجي الذي ظهرت فيه وبرغم تكرار فكرته هو الأهم والأضخم والأبرز في موسم رمضان، بل وفي تاريخ الإعلانات المصرية».

وأشاد النجار بفكرة اجتماع عدد كبير من النجوم من أجيال مختلفة بالإعلان، مؤكداً أن «تحقيق الإعلان لمشاهدات مليونية خلال ساعات أمر لم يحدث في أي مصنف فني، وأن وجود عبلة كامل هو السبب في هذا النجاح البارز».

عبلة كامل في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

وبرغم تصدر الإعلان، ورغبة الناس في عودة عبلة كامل للتمثيل، فإن الناقد الفني يستبعد عودتها للفن بعد ظهورها لثوانٍ معدودة وهي جالسة ولم تتحرك مطلقاً، موضحاً أن «التمثيل يحتاج لمجهود، ومن الصعب الاستمرار إذا كانت حالتها الصحية لا تسمح».

بدأت عبلة كامل مسيرتها الفنية في ثمانينات القرن الماضي، وقدمت شخصيات فنية بارزة تنوعت بين الاجتماعي والكوميدي، من بينها مسلسلات «ليالي الحلمية»، و«ضمير أبلة حكمت»، و«المال والبنون»، و«أبناء ولكن»، و«لن أعيش في جلباب أبي»، و«هوانم جاردن سيتي»، و«امرأة من زمن الحب»، و«حديث الصباح والمساء»، و«أين قلبي»، و«عيش أيامك»، و«ريا وسكينة»، و«العندليب».

وشاركت في أفلام، «سيداتي آنساتي»، و«الستات»، و«مرسيدس»، و«سواق الهانم»، و«قشر البندق»، و«اللمبي»، و«اللي بالي بالك»، و«خالتي فرنسا»، و«سيد العاطفي»، و«عودة الندلة»، و«بلطية العايمة»، بينما شهد الجزء الـ5 من مسلسل «سلسال الدم»، قبل 8 سنوات على آخر ظهور فني لها، وعقب ذلك فضّلت عبلة كامل الابتعاد عن الأضواء، ورفض الظهور في أي مهرجانات فنية، برغم عدم إعلانها اعتزال الفن نهائياً.


 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
TT

 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

في ليلة الرؤية، تتعلّق أعين المصريين بالسماء، وقلوبهم تترقب الخبر الذي سيخرج من «مرصد حلوان»، يقفون على تخوم عبارتين؛ «تم رصد الهلال» أو «تعذّرت رؤيته»، فبين الجملتين تتحدد ملامح الغد، فتبدأ بشائر رمضان أو يُرجأ انتظاره يوماً آخر، غير أن قصة هذا المرصد تمتد جذورها إلى ما هو أوسع من هذا الطقس الموسمي الذي يتكرر كل عام.

تعود بدايات الرصد الفلكي المؤسسي في مصر إلى عام 1839 - 1840، حين أُنشئت «الرصدخانة» في بولاق بأمر من محمد علي باشا، وتطورت لاحقاً في عهد الخديوي إسماعيل، ثم نُقلت إلى العباسية بسبب مشروعات السكك الحديدية وتأثير الاهتزازات على دقة الرصد، ومع اتساع العمران وزيادة التلوث الضوئي، اتُّخذ القرار بإنشاء مرصد جديد في حلوان (جنوب القاهرة) عام 1903، بعيداً عن صخب المدينة، ليبدأ ما يُعرف اليوم بمرصد حلوان، الذي حمل آنذاك اسم «المرصد الملكي».

صورة أرشيفية توثق عملية رصد فلكي في مرصد حلوان خلال الحقبة الملكية (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

حسب الدكتور أشرف شاكر، أستاذ ورئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، فإن مرصد حلوان «ليس مجرد موقع أثري علمي، بل نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث في المنطقة»، مؤكداً أنه «قيمته لا تكمن في قدمه فقط، بل في إسهامه الفعلي في إنتاج معرفة فلكية مبكرة سبقت كثيراً من التصنيفات العالمية».

ويضيف شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن «نقل المرصد إلى حلوان مطلع القرن العشرين جاء استجابة لاعتبارات علمية دقيقة؛ فالموقع المرتفع وهواء حلوان النقي آنذاك جعلاه مثالياً للرصد، وبعد انتقاله، أصبح وجهة لعدد من العلماء الأجانب، وشارك في أرصاد دولية مهمة، منها مهام مرتبطة برصد أجرام سماوية بعيدة ضمن مشروعات تعاون دولي في بدايات القرن العشرين، وهي أرصاد وضعت اسم حلوان مبكراً على خريطة البحث الفلكي العالمي».

ويحتفظ مرصد حلوان في ذاكرته، بالتلسكوب التاريخي الذي أهداه له الفلكي البريطاني جون هنري رينولدز، بقطر 30 بوصة، الذي كان الأكبر في أفريقيا والعالم العربي آنذاك، ما مكّن العلماء من تصوير أجرام سماوية بعيدة لم تكن تُرى بوضوح من قبل، وأسهم في أبحاث فتحت آفاقاً جديدة لفهم الكون في ذلك الوقت.

معمل أبحاث الشمس بمرصد حلوان (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ويؤكد شاكر أن «أرشيف المرصد موثّق دولياً، ومحفوظ في سجلات علمية عالمية، ومُدرج ضمن أرشيفات بحثية كبرى».

أما عن دور المرصد في عملية تحرّي الهلال، فيلفت رئيس قسم الفلك إلى أن «هذا الدور لا يتم بمعزل عن الإطار الشرعي الذي يتولاه المصريون منذ عقود، موضحاً أن المعهد القومي للبحوث الفلكية الذي ينتمي إليه المرصد، يعمل بتنسيق مباشر مع دار الإفتاء المصرية ولجان علمية وشرعية معتمدة لتحديد بداية الأشهر الهجرية، في كل ليلة رؤية، تُرسل نتائج الرصد الفلكي إلى هذه اللجان التي تضم علماء دين وعلماء فلك معاً، ليُرفع بعدها تقرير موثق إلى مفتي الجمهورية لإعلان الموعد الرسمي لبداية شهر رمضان أو غيره من الشهور».

جانب من مرصد حلوان التاريخي (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ولا يقتصر دور المرصد، حسب شاكر، على الحسابات المرتبطة برؤية الهلال، بل يمتد إلى تطبيقات عملية في الاتصالات، وتتبع المواقع، والملاحة، وتتبع الأقمار الاصطناعية، وحسابات التوقيت.

ويحتضن مبنى مرصد حلوان، متحفاً يوثّق تاريخ أدوات الرصد، والخرائط، وسجلات علمية تعود لأكثر من قرن، من بينها أرصاد مبكرة لمذنب هالي عام 1909، ووثائق كثيرة توثّق ظواهر فلكية كبرى، وهو ما يضيف للمرصد مكانة بحثية علمية، وذاكرة معرفية واسعة.


التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
TT

التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)

أظهرت دراسة أميركية أن الأطفال الذين يتعرّضون للتنمّر يواجهون خطراً متزايداً للإصابة بالسمنة، ضمن إطار ما يُعرف بـ«التجارب السلبية في الطفولة» التي تشمل أيضاً الطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والإهمال.

وأوضح الباحثون من جامعة جورجيا أن هذه التجارب ليست مجرّد عوامل نفسية، إذ تؤثّر بيولوجياً وصحياً على الأطفال، خصوصاً بما يتعلّق بزيادة خطر السمنة. ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «جاما نتوورك أوبن».

وتُعدّ السمنة لدى الأطفال مشكلة صحية متزايدة على مستوى العالم، تؤثّر على النمو البدني والصحة النفسية على السواء. وتنشأ عادة عن توازن سلبي بين السعرات الحرارية المستهلكة ومستوى النشاط البدني، إضافة إلى عوامل بيئية وغذائية ونمط الحياة. وقد تؤدّي السمنة في الطفولة إلى مضاعفات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم، ومقاومة الإنسولين، ومشكلات القلب، كما يمكن أن تؤثّر على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية للأطفال.

وخلال الدراسة، حلَّل الفريق بيانات أكثر من 5400 طفل تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ضمن دراسة التطوّر المعرفي للأطفال والمراهقين، وهي أكبر دراسة طويلة الأمد حول صحة الأطفال وتطوّر الدماغ.

وأظهرت النتائج أن كل زيادة بمقدار تجربتين سلبيتين تقريباً، بما في ذلك التنمُّر، ترتبط بارتفاع مؤشّر كتلة الجسم بنحو نصف نقطة. وأكد الباحثون أن التجارب السلبية في الطفولة، مثل التعرُّض للإساءة الجسدية أو الجنسية، والطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والتنمُّر، قد تزيد من خطر السمنة، من خلال تأثيرها البيولوجي والهرموني في الجسم، ما يزيد من احتمالية اكتساب الوزن.

وأضاف الفريق أن هناك عدداً من العوامل التي تؤثّر في زيادة وزن الطفل، لكن الدراسة تُظهر أن الضغوط والتجارب الصادمة يمكن أن تعزز هذا الخطر، خصوصاً خلال مرحلة المراهقة الحرجة.

بيئة داعمة

وفي المقابل، وجد الباحثون أن وجود بيئة داعمة يمكن أن يُخفف من التأثيرات الصحية لهذه التجارب؛ إذ إن الأطفال الذين يمتلكون مهارات مواجهة صحية أو لديهم شخص بالغ داعم في حياتهم أظهروا مؤشرات كتلة جسم أقل، حتى عند تعرّضهم لمستويات عالية من التجارب السلبية.

وأشار الفريق إلى أن الشخص الداعم قد لا يكون الوالد أو مقدّم الرعاية بالضرورة، فقد يكون معلِّماً أو مدرِّباً أو أي شخص مستقرّ وداعم في حياة الطفل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز أهمية الدعم الاجتماعي وتنمية المهارات الذاتية وسيلةً فعّالةً لتخفيف الآثار السلبية للتجارب الصادمة على الوزن والصحة العامة.

كما تُشير إلى ضرورة فحص التجارب السلبية ضمن الفحوص الطبية الروتينية للأطفال، ما يتيح التدخُّل المبكر وتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل، ويساعد في توجيه السياسات الصحية والتربوية لدعم الأطفال الأكثر عرضة لهذه التجارب.